الجزء السبعون كتاب الايمان والكفر

باب ذم الغضب ، ومدح التنمر في ذات الله

دخل موسى بن جعفر (ع) على هارون الرشيد وقد استخفّه الغضب على رجل ، فقال له : إنما تغضب لله عزّ وجلّ ، فلا تغضب له بأكثر مما غضب لنفسه .ص262
المصدر:العيون 1/292 ، أمالي الصدوق ص14

قال الصادق (ع) : قال الحواريون لعيسى بن مريم (ع) :
يا معلّم الخير أعلمنا أيّ الأشياء أشدّ ؟!..
فقال : أشدّ الأشياء غضب الله عزّ وجلّ ، قالوا : فبِمَ يُتقى غضب الله ، قال : بأن لا تغضبوا ، قالوا : وما بدء الغضب ؟..قال : الكبر والتجبر ومحقرة الناس .ص263
المصدر:الخصال 1/7

قال الباقر (ع) : إنّ الرجل ليغضب حتى ما يرضى أبداّ ويدخل بذلك النار ، فأيّما رجلٍ غضب وهو قائم فليجلس ، فإنّه سيذهب عنه رجز الشيطان ، وإن كان جالساً فليقم ، وأيّما رجلٍ غضب على ذي رحمه ، فليقم إليه ، وليدنُ منه وليمسّه ، فإنّ الرحم إذا مسّت الرحم سكنت.ص264
المصدر:أمالي الصدوق ص205
بيــان:
وذهاب ذلك بالجلوس مُجرّب كما أنّ مَن جلس عند حملة الكلب وجده ساكناً لا يحوم حوله ، وفيه سرّ لا يعلمه إلاّ الله والراسخون في العلم ، وربما يُقال : السرّ فيه هو الإشعار بأنّه من التراب ، وعبد ذليل لا يليق به الغضب ، أو التوسلّ بسكون الأرض وثبوتها.ص271

قال علي (ع) : الحدّة ضربٌ من الجنون لأنّ صاحبها يندم ، فإن لم يندم فجنونه مُستحكَم.ص266
المصدر:النهج رقم 255

قال الباقر (ع): إنّ هذا الغضب جمرة من الشيطان تتوقّد في قلب ابن آدم ، وإنّ أحدكم إذا غضب احمرّت عيناه ، وانتفخت أوداجه ، ودخل الشيطان فيه.ص267
المصدر:منية المريد

قال رسول الله (ص) : الغضب يُفسد الإيمان كما يُفسد الخلّ العسل.ص267
المصدر:الكافي 2/302
بيــان:
” كما يُفسد الخلّ العسل ” أي إذا أُدخل الخلّ العسل ذهبت حلاوته وخاصيّته ، وصار المجموع شيئاً آخر ، فكذا الإيمان إذا دخله الغضب فسد ولم يبق على صرافته ، وتغيّرت آثاره فلا يُسمّى إيماناً حقيقة ، أو المعنى أنّه إذا كان طعم العسل في الذائقة ، فشرب الخلّ ذهبت تلك الحلاوة بالكليّة ، فلا يجد طعم العسل فكذا الغضب إذا ورد على صاحب الإيمان لم يجد حلاوته ، وذهبت فوائده.ص267

قال الصادق (ع) : أوحى الله عزّ وجلّ إلى بعض أنبيائه : يا بن آدم !.. اذكرني في غضبك أذكرك في غضبي ، لا أمحقك فيمَن أمحق ، وارض بي منتصرا فإن انتصاري لك خيرٌ من انتصارك لنفسك ، وإذا ظُلمت بمظلمة فارضَ بانتصاري لك ، فإنّ انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك.ص277
المصدر:الكافي 2/304

قال رجل للنبي (ص) : يا رسول الله علّمني !.. قال : اذهب ولا تغضب ، فقال الرجل : قد اكتفيت بذلك ، فمضى إلى أهله فإذا بين قومه حرب قد قاموا صفوفاً ولبسوا السلاح ، فلمّا رأى ذلك لبس سلاحه ثمّ قام معهم ، ثمّ ذكر قول رسول الله (ص) : لا تغضب ، فرمى السلاح ثمّ جاء يمشي إلى القوم الذين هم عدوّ قومه ، فقال:
يا هؤلاء !..ما كانت لكم من جراحةٍ أو قتلٍ أو ضربٍ ليس فيه أثرٌ ، فعليّ في مالي أنا أوفيكموه ، فقال القوم :
فما كان فهو لكم ، نحن أولى بذلك منكم ، قال : فاصطلح القوم ، وذهب الغضب.ص277
المصدر:الكافي 2/304

قال الصادق (ع) : الغضب ممحقة لقلب الحكيم ، وقال: مَن لم يملك غضبه لم يملك عقله.ص278
المصدر:الكافي 2/305
بيــان:
قال بعض المحققين : مهما اشتدّت نار الغضب وقوي اضطرامها ، أعمى صاحبه وأصمّه عن كلّ موعظة ، فإذا وُعظ لم يسمع بل تزيده الموعظة غيظاً ، وإن أراد أن يستضيء بنور عقله وراجع نفسه ، لم يقدر على ذلك ، إذ ينطفئ نور العقل وينمحي في الحال بدخان الغضب ، فإنّ معدن الفكر الدماغ ، ويتصاعد عند شدّة الغضب من غليان دم القلب دخان إلى الدماغ مظلم مستول على معادن الفكر.
وربّما يتعدى إلى معادن الحسّ ، فيظلم عينه حتّى لا يرى بعينه ، ويسودّ عليه الدنيا بأسرها ، ويكون دماغه على مثال كهف أُضرمت فيه نار فاسودّ جوّه وحمي مستقرّه ، وامتلأ بالدخان جوانبه ، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ وانمحى نوره ، فلا يثبت فيه قدم ، ولا يسمع فيه كلام ، ولا ترى فيه صورة ، ولا يقدر على إطفائه لا من داخلٍ ولا من خارجٍ ، بل ينبغي أن يصبر إلى أن يحترق جميع ما يقبل الاحتراق ، فكذلك يفعل الغضب بالقلب والدماغ ، وربّما تقوى نار الغضب فتفني الرطوبة التي بها حياة القلب فيموت صاحبه غيظاً ، كما تقوى النار في الكهف فيتشقق وتنهدّ أعاليه على أسافله ، وذلك لإبطال النار ما في جوانبه من القوّة الممسكة الجامعة لأجزائه ، فهكذا حال القلب مع الغضب.
ومن آثار هذا الغضب في الظاهر : تغير اللون ، وشدّة الرعدة في الأطراف ، وخروج الأفعال عن الترتيب والنظام ، واضطراب الحركة والكلام ، حتى يظهر الزبد على الأشداق ، وتحمرّ الأحداق ، وتنقلب المناخر ، وتستحيل الخلقة .. ولو رأى الغضبان في حال غضبه قبح صورته لسكن غضبه حياءً من قبح صورته واستحالة خلقته .. وقبح باطنه أعظم من قبح ظاهره ، فإنّ الظاهر عنوان الباطن ، وإنّما قبحت صورة الباطن أوّلاً ثمّ انتشر قبحها إلى الظاهر ثانياً ، فهذا أثره في الجسد.
وأمّا أثره في اللسان : فانطلاقه بالشتم والفحش ، وقبيح الكلام الذي يستحي منه ذوو العقول ، ويستحيي منه قائله عند فتور الغضب ، وذلك مع تخبّط النظم ، واضطراب اللفظ .
وأمّا أثره على الأعضاء : فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكّن من غير مبالاة ، فإن هرب منه المغضوب عليه أو فاته بسببٍ وعجز عن التشفّي ، رجع الغضب على صاحبه ، فيمزّق ثوب نفسه ويلطم وجهه ، وقد يضرب يده على الأرض ، ويعدو عدْو الواله السكران ، والمدهوش المتحيّر ، وربما سقط صريعاً لا يطيق العَدْوَ والنهوض لشدّة الغضب ، ويعتريه مثل الغشية ، وربّما يضرب الجمادات والحيوانات ، فيضرب القصعة على الأرض – وقد تُكسر وتُراق المائدة – إذا غضب عليها ، وقد يتعاطى أفعال المجانين فيشتم البهيمة والجماد ، ويخاطبه ويقول : إلى متى منك كذا ، ويا كيت وكيت ، كأنّه يخاطب عاقلاً حتّى ربمّا رفسته دابّة فيرفسها ويقابلها به.
وأمّا أثره في القلب مع المغضوب عليه : فالحقد والحسد ، وإظهار السوء والشماتة بالمساءة ، والحزن بالسرور ، والعزم على إفشاء السر وهتك الأستار والاستهزاء ، وغير ذلك من القبايح ، فهذه ثمرة الغضب المفرط وقد أُشير إليها في تلك الأخبار.ص280

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى