الجزء السبعون كتاب الايمان والكفر

باب الكبر

مرّ الحسين بن علي (ع) على مساكين قد بسطوا كساءهم وألقوا كسَراً ، فقالوا : هلمّ يا بن رسول الله !..فثنّى وركه فأكل معهم ثم تلا : { إنّ الله لا يحب المستكبرين }.ص187
المصدر:تفسير العياشي 2/257
بيــان:
الآيات والأخبار في ذمّ الكبر ومدح التواضع أكثر من أنْ تُحصى ، قال الشهيد قدّس الله روحه : الكبر معصية والأخبار كثيرة في ذلك ، قال رسول الله (ص) : ” لن يدخل الجنّة مَن في قلبه مثقال ذرة من الكبر ، فقالوا : يا رسول الله !..إنّ أحدنا يحب أن يكون ثوبه حسنا وفعله حسنا فقال : إنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال ، ولكن الكِبَر بطر الحقّ ، وغمص الناس ” .
ثم اعلم أنّه لا يتكبّر إلاّ مَن استعظم نفسه ، ولا يستعظمها إلاّ وهو يعتقد لها صفة من صفات الكمال ، ومجامع ذلك يرجع إلى كمال ديني أو دنيوي : والديني هو العلم والعمل ، والدنيوي هو النسب والجمال والقوّة والمال وكثرة الأنصار ، فهذه سبعة:
الأول : العلم وما أسرع الكبر إلى العلماء ، ولذلك قال (ص) :
” آفة العلم الخيلاء ” فهو يتعزّز بعزّ العلم ، ويستعظم نفسه ، ويستحقر الناس وينظر إليهم نظره إلى البهايم ، ويتوقّع منهم الإكرام والابتداء بالسلام ، ويستخدمهم ولا يعتني بشأنهم ، هذا فيما يتعلّق بالدنيا وأمّا في الآخرة : فبأن يرى نفسه عند الله أعلى وأفضل منهم ، فيخاف عليهم أكثر ممّا يخافه على نفسه ، ويرجو لنفسه أكثر مما يرجو لهم ، وهذا بأن يُسمّى جاهلاً أولى من أن يُسمى عالماً ، بل العلم الحقيقي هو الذي يعرف الإنسان به نفسه وربّه ، وخطر الخاتمة ، وحجّة الله على العلماء ، وعظم خطر العمل فيه ، وهذه العلوم تزيد خوفاً وتواضعاً وتخشّعاً ، ويقتضي أن يرى أنّ كل الناس خير منه لعظم حجّة الله عليه بالعلم ، وتقصيره في القيام بشكر نعمة العلم.. فإن قلت : فما بال بعض الناس يزداد بالعلم كبراً وأمناً ؟..فاعلم أنّ له سببين :
أحدهما : أن يكون اشتغاله بما يُسمّى علماً وليس بعلم حقيقي ، وإنّما العلم الحقيقي ما يعرف العبد به نفسه وربّه ، وخطر أمره في لقاء الله والحجاب عنه ، وهذا يُورث الخشية والتواضع دون الكبر والأمن ، قال الله تعالى : { إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ } فأمّا ما وراء ذلك – كعلم الطبّ والحساب واللغة والشعر والنحو وفصل الخصومات وطرق المجادلات – فإذا تجرّد الإنسان لها حتى امتلأ بها امتلأ كبراً ونفاقاً ، وهذه بأن تُسمى صناعات أولى بأن تُسمى علوماً ، بل العلم هو معرفة العبودية والربوبية وطريق العبادة ، وهذا يُورث التواضع غالباً.
السبب الثاني : أن يخوض العبد في العلم وهو خبيث الدّخلة ، رديّ النفس ، سيئ الأخلاق ، فلم يشتغل أولاً بتهذيب نفسه وتزكية قلبه بأنواع المجاهدات ، ولم يَرُضْ نفسه في عبادة ربه فبقي خبيث الجوهر ، فإذا خاض في العلم أي علمٍ كان ، صادف العلم من قلبه منزلا خبيثاً ، فلم يطب ثمره ، ولم يظهر في الخير أثره.
الثاني : العمل والعبادة ، وليس يخلو عن رذيلة العزّ والكبر ، واستمالة قلوب الناس الزّهاد والعبّاد ، ويترشح الكبر منهم في الدنيا والدين: أمّا الدنيا : فهو أنهم يرون غيرهم بزيارتهم أولى من أنفسهم بزيارة غيرهم ، ويتوقعون قيام الناس بحوائجهم وتوقيرهم والتوسيع لهم في المجالس ، وذكرهم بالورع والتقوى وتقديمهم على سائر الناس في الحظوظ إلى غير ذلك مما مر في حق العلماء ، وكأنّهم يرون عبادتهم منة على الخلق.
وأمّا في الدين : فهو أن يرى الناس هالكين ويرى نفسه ناجياً ، وهو الهالك تحقيقاً مهما رأى ذلك ، قال النبي (ص) : إذا سمعتم الرجل يقول : هلك الناس فهو أهلكهم .
وروي أنّ رجلاً في بني إسرائيل يُقال له خليع بني إسرائيل لكثرة فساده ، مرّ برجلٍ يقال له عابد بني إسرائيل ، وكانت على رأس العابد غمامة تظلّه لمّا مرّ الخليع به فقال الخليع في نفسه :
أنا خليع بني إسرائيل كيف أجلس بجنبه ؟..وقال العابد : هو خليع بني إسرائيل كيف يجلس إليّ ؟..فأنف منه وقال له :
قم عنّي فأوحى الله إلى نبي ذلك الزمان : مرهما فليستأنفا العمل فقد غفرتُ للخليع وأحبطت عمل العابد ، وفي حديث آخر فتحوّلت الغمامة إلى رأس الخليع.
وهذه آفة لا ينفكّ عنها أحد من العبّاد إلا مَن عصمه الله ، لكنّ العلماء والعبّاد في آفة الكبر على ثلاث درجات:
الدرجة الأولى : أن يكون الكبر مستقراً في قلبه ، يرى نفسه خيراً من غيره ، إلاّ أنه يجتهد ويتواضع ويفعل فعل مَن يرى غيره خيراً من نفسه ، وهذا قد رسخت في قلبه شجرة الكبر ، ولكنّه قطع أغصانها بالكلّية.
الثانية : أن يظهر ذلك على أفعاله بالترفّع في المجالس ، والتقدم على الأقران ، وإظهار الإنكار على مَن يُقصّر في حقّه ، وأدنى ذلك في العالم أن يصعّر خدّه للناس كأنه معرض عنهم ، وفي العابد أن يعبّس وجهه ويقطّب جبينه كأنّه متنزِّه عن الناس ، مستقذر لهم أو غضبان عليهم ، وليس يعلم المسكين أنّ الورع ليس في الجبهة حتى يقطبها ولا في الوجه حتى يعبّس ، ولا في الخدّ حتى يصعّر ، ولا في الرقبة حتى يطأطئ ، ولا في الذيل حتى يضمّ ، إنّما الورع في القلوب ، قال (ص): التقوى ههنا وأشار إلى صدره.
وهؤلاء أخفّ حالاً ممن هو في المرتبة الثالثة ، وهو الذي يظهر الكبر على لسانه حتى يدعوه إلى الدعوى والمفاخرة والمباهاة وتزكية النفس.ص199
وأما بيان البواعث على التكبّر ، فاعلم أنّ الكِبَر خلُق باطن ، وأمّا ما يظهر من الأخلاق والأعمال فهو ثمرتها ونتيجتها ، وينبغي أن يسمّى تكبّراً ويخصّ اسم الكبر بالمعنى الباطن الذي هو استعظام النفس ورؤية قدرٍ لها فوق قدر الغير ، وهذا الباب الباطن له موجب واحد وهو العجب ، فإنه إذا أُعجب بنفسه وبعلمه وعمله أو بشيء من أسبابه استعظم نفسه وتكبّر ، وأما الكِبَر الظاهر فأسبابه ثلاثة :
سببٌ في المتكبِّر ، وسببٌ في المُتَكَبَّر عليه ، وسبب يتعلق بغيرهما :
أما السبب الذي في المُتَكَبِّر فهو العجب ، والذي يتعلق بالمتكبَّر عليه فهو الحقد والحسد ، والذي يتعلق بغيرهما هو الرياء ، فالأسباب بهذا الاعتبار أربعة : العجب والحقد والحسد والرياء ..
وأما معالجة الكبر واكتساب التواضع فهو علمي وعملي :
أمّا العلمي : فهو أن يعرف نفسه وربه ويكفيه ذلك في إزالته ، فإنه مهما عرف نفسه حقّ المعرفة علم أنه أذلّ من كلّ ذليل ، وأقلّ من كل قليل بذاته ، وأنه لا يليق به إلا التواضع والذلّة والمهانة ، وإذا عرف ربه علم أنه لا يليق العظمة والكبرياء إلا بالله ، فهذا هو العلاج العلمي القاطع لأصل الكبر .
وأمّا العلاج العملي : فهو التواضع بالفعل لله تعالى ، ولسائر الخلق بالمواظبة على أخلاق المتواضعين ، وما وصل إليه من أحوال الصالحين ومن أحوال رسول الله (ص) ، حتى أنه كان يأكل على الأرض ، ويقول : إنما أنا عبدٌ آكُل كما يأكل العبد .
وقيل لسلمان : لِمَ لا تلبس ثوبا جيداً ؟..فقال : إنما أنا عبد ، فإذا أُعتقت يوماً لبست ، أشار به إلى العتق في الآخرة .
ولا يتمّ التواضع بعد المعرفة إلاّ بالعمل ، فمَن عرف نفسه فلينظر إلى كلّ ما يتقاضاه الكبر من الأفعال ، فليواظب على نقيضها حتّى يصير التواضع له خلقاً ، وقد ورد في الأخبار الكثيرة علاج الكبر بالأعمال ، وبيان أخلاق المتواضعين.. قيل : اعلم أنّ التكبّر يظهر في شمائل الرجل كصعرٍ في وجهه ، ونظره شزر ، وإطراقه رأسه ، وجلوسه متربّعاً ومتّكئاً ، وفي أقواله حتى في صوته ونغمته وصفته في الإيراد ، ويظهر في مشيته وتبختره وقيامه وجلوسه ، وفي حركاته وسكناته ، وفي تعاطيه لأفعاله وساير تقلّباته في أقواله وأفعاله وأعماله.
فمن المتكبّرين مَن يجمع ذلك كلّه ، ومنهم من يتكبّر في بعض :
فمنها التكبّر بأن يحب قيام الناس له أو بين يديه ، وقد قال عليّ (ع) : ومَن أراد أن ينظر إلى رجلٍ من أهل النار ، فلينظر إلى رجلٍ قاعدٍ وبين يديه قومٌ قيام .. وقال أنس : لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله (ص) ، وكانوا إذا رأوه لا يقومون له ، لما يعلمون من كراهته لذلك.
ومنها أن لا يمشي إلاّ ومعه غيره يمشي خلفه .. قال أبو الدرداء : لا يزال العبد يزداد من الله بُعداً ما مُشي خلفه ، وكان رسول الله (ص) في بعض الأوقات يمشي مع الأصحاب فيأمرهم بالتقدم ويمشي في غمارهم .
ومنها أن لا يزور غيره وإن كان يحصل من زيارته خيرٌ لغيره في الدين ، وهو ضدّ التواضع .
ومنها أن يستنكف من جلوس غيره بالقرب منه إلاّ أن يجلس بين يديه ، والتواضع خلافه ، قال أنس : كانت الوليدة من ولائد المدينة تأخذ بيد رسول الله (ص) ، ولا ينزع منها يده حتّى تذهب به حيث شاءت.
ومنها أن يتوقّى مجالسة المرضى والمعلولين ويتحاشى عنهم وهو كبر .. دخل رجل على رسول الله (ص) وعليه جدريّ قد يقشّر ، وعنده أصحابه يأكلون ، فما جلس عند أحد إلاّ قام من جنبه ، فأجلسه النبي (ص) بجنبه.
ومنها أن لا يتعاطى بيده شغلاً في بيته ، والتواضع خلافه .
ومنها أن لا يأخذ متاعاً ويحمله إلى بيته ، وهذا خلاف عادة المتواضعين ، كان رسول الله يفعل ذلك .. وقال عليّ (ع) :
لا ينقص الرجل من كماله ما حمل من شيء إلى عياله ، وقال بعضهم : رأيت عليّاً اشترى لحماً بدرهم فحمله في ملحفته ، فقال: أحمل عنك يا أمير المؤمنين !.. قال: لا ، أبو العيال أحقّ أن يحمل.
وبالجملة فمجامع حسن الأخلاق والتواضع سيرة رسول الله (ص) ، فبه ينبغي أن يُقتدى ، ومنه ينبغي أن يُتعلّم ، وقد قال ابن أبي سلمة : قلت لأبي سعيد الخدري : ما ترى فيما أحدث الناس من الملبس والمشرب والمركب والمطعم ؟.. فقال : يا بن أخي !..كُل لله ، واشرب لله ، وكلّ شيء من ذلك دخله زهو أو مباهاة أو رياء أو سمعة فهو معصية وسرف .
وعالج في بيتك من الخدمة ما كان رسول الله (ص) يعالج في بيته :
كان يعلف النّاضح ، ويعقل البعير ، ويقمّ البيت ، ويحلب الشاة ، ويخصف النعل ، ويرقّع الثوب ، ويأكل مع خادمه ، ويطحن عنه إذا أعيى ، ويشتري الشيء من السوق ، ولا يمنعه الحياء أن يعلّقه بيده ، أو يجعله في طرف ثوبه فينقلب إلى أهله ، يصافح الغني والفقير والصغير والكبير ، ويسلّم مبتدئاً على كلّ مَن استقبله من صغيرٍ أو كبيرٍ ، أسود أو أحمر ، حر أو عبد من أهل الصلاة.
ليس له حُلّة لمدخله وحلة لمخرجه ، لا يستحيي من أن يجيب إذا دُعي وإن كان أشعث أغبر ، ولا يحقّر ما دُعي إليه ، وإن لم يجد إلاّ حشف الدّقل لا يرفع غداء لعشاء ولا عشاء لغداء ، هيّن المقولة ، ليّن الخلقة ، كريم الطبيعة ، جميل المعاشرة ، طلق الوجه ، بسّاماً من غير ضحك ، محزوناً من غير عبوس ، شديداً من غير عنف ، متواضعاً من غير مذلّة ، جواداً من غير سرف ، رحيماً بكلّ ذي قربى ، قريباً من كلّ ذميّ ومسلم ، رقيق القلب ، دائم الإطراق ، لم يبشم قطّ من شبع ، ولا يمدّ يده إلى طمع .. قال أبو سلمة : فدخلت على عائشة فحدثتها كل هذا من أبي سعيد ، فقالت : ما أخطأ فيه حرفا ، ولقد قصّر.ص209

مر رسول الله (ص) في بعض طرق المدينة ، وسوداء تلقط السرقين ، فقيل لها : تنحّي عن طريق رسول الله (ص) !.. فقالت : إن الطريق لمعرض ، فهمّ بها بعض القوم أن يتناولها ، فقال رسول الله (ص) : دعوها فإنها جبارة . ص210
المصدر:
الكافي 2/309

قيل للصادق (ع) : إنني آكُل الطعام الطيب ، وأشمّ الريح الطيبة ، وأركب الدابة الفارهة ، ويتبعني الغلام ، فترى في هذا شيئا من التجبّر فلا أفعله ؟.. فأطرق أبو عبد الله (ع) ثم قال : إنما الجبّار الملعون مَن غمص الناس ، وجهل الحقّ ، قال عمر : أمّا الحق فلا أجهله ، والغمص لا أدري ما هو ؟.. قال : مَن حقّر الناس ، وتجبّر عليهم فذلك الجبّار .ص221
المصدر:
الكافي 2/311
بيــان:
في النهاية دابة فارهة أي نشيطة حادة قوية ، وكأنّ السائل إنما سأل عن هذه الأشياء لأنها سيرة المتكبّرين لتفرّعها على الكبر ، وكون الكبر سبب ارتكابها غالبا فأجاب (ع) ببيان معنى التكبّر ، ليعلم أنها إن كانت مستلزمة للتكبّر فلا بدّ من تركها وإلاّ فلا ، كيف وسيأتي أنّ الله جميلٌ يحبّ الجمال ، وإطراقه وسكوته (ع) للإشعار بأنها في محل الخطر ومستلزمة للتكبّر ببعض معانيه .ص221

قال الصادق (ع) : إنّ يوسف(ع) لما قدم عليه الشيخ يعقوب (ع) دخله عزّ المُلك فلم ينزل إليه ، فهبط عليه جبرائيل فقال : يا يوسف !.. ابسط راحتك فخرج منها نور ساطع فصار في جو السماء ، فقال يوسف (ع): ما هذا النور الذي خرج من راحتي ؟.. فقال :
نُزعت النبوة عن عقبك عقوبةً لما لم تنزل إلى الشيخ يعقوب ، فلا يكون من عقبك نبيٌّ .ص223
المصدر:
الكافي 2/311
بيــان:
وينبغي حمله على أنّ ما دخله لم يكن تكبّراً أو تحقيراً لوالده ، لكون الأنبياء منزّهين عن أمثال ذلك ، بل رأى فيه المصلحة لحفظ عزّته عند عامة الناس ، لتمكّنه من سياسة الخلق ، وترويج الدين ، إذ كان نزول الملك عندهم لغيره موجباً لذلّة ، وكان رعاية الأدب للأب مع نبوته ومقاساة الشدايد لحبّه ، أهم وأولى من رعاية تلك المصلحة ، فكان هذا منه (ع) تركا للأولى ، فلذا عُوتب عليه ، وخرج نور النبوة من صلبه ، لأنهم لرفعة شأنهم وعلو درجتهم يُعاتبون بأدنى شيء ، فهذا كان شبيها بالتكبر ، ولم يكن تكبرا .ص223

قال الصادق (ع) : ما من عبدٍ إلا وفي رأسه حَكمَة ومَلَك يمسكها ، فإذا تكبّر قال له : اتّضع وضعك الله ، فلا يزال أعظم الناس في نفسه ، وأصغر الناس في أعين الناس ، وإذا تواضع رفعها الله عزّ وجلّ ثم قال له : انتعش نعشك الله ، فلا يزال أصغر الناس في نفسه ، وأرفع الناس في أعين الناس .
المصدر:
الكافي 2/312
بيــان:
حَكَمة اللّجام : ما أحاط بالحنك ، ومنه الحديث ما من آدمي إلا وفي رأسه حَكَمة ، وفي رواية : في رأس كلّ عبدٍ حكمة ، إذا همّ بسيئة فإن شاء الله أن يقدعه بها قدعه .. الحكمة حديدة في اللّجام تكون على أنف الفرس وحنكه ، تمنعه عن مخالفة راكبه .
وقيل : المراد بالحكمة هنا الحالة المقتضية لسلوك سبيل الهداية على سبيل الاستعارة ، وبإمساك الملك إياها إرشاده إلى ذلك السبيل ، ونهيه عن العدول عنه .ص224

قال الصادق (ع) : ما من رجلٍ تكبّر أو تجبّر إلا لذلّة وجدها في نفسه.ص225
المصدر:
الكافي 2/312
بيــان:
ثم اعلم أن الخبرين يحتملان وجوهاً :
الأول : أن يكون المراد أنّ التكبّر ينشأ من دناءة النفس وخستها ورداءتها .
الثاني : أن يكون المعنى أنّ التكبّر إنما يكون فيمن كان ذليلاً فعزّ ، وأما مَن نشأ في العزّة لا يتكبّر غالباً بل شأنه التواضع .
الثالث : أنّ التكبّر إنما يكون فيمن لم يكن له كمال واقعي فيتكبّر لإظهار الكمال .
الرابع : أن يكون المراد المذلّة عند الله ، أي مَن كان عزيزاً ذا قدر ومنزلة عند الله لا يتكبّر.
الخامس : ما قيل : إنّ اللام لام العاقبة أي يصير ذليلاً بسبب التكبّر . ص226

قال الصادق (ع) : أتى رسول الله (ص) رجل فقال : يا رسول الله (ص) !.. أنا فلان بن فلان حتى عدّ تسعة فقال رسول الله (ص) : أما إنك عاشرهم في النار .ص226
المصدر:
الكافي 2/329
بيــان:
” أمّا إنك عاشرهم في النار ” أي إنّ آبائك كانوا كفّاراً وهم في النار فما معنى افتخارك بهم ؟..وأنت أيضاً مثلهم في الكفر باطناً إن كان منافقاً ، أو ظاهراً أيضاً إن كان كافراً ، فلا وجه لافتخارك أصلاً .
والحاصل أنّ عمدة أسباب الفخر بل أشيعها وأكثرها :
الفخر بالآباء وهو باطل : لأنّ الآباء إن كانوا ظَلَمَة أو كَفَرَة فهم من أهل النار ، فينبغي أن يتبرّأ منهم لا أن يفتخر بهم ، وإن كانوا باعتبار أنّ لهم مالاً ، فليعلم أنّ المال ليس بكمال يقع به الافتخار ، بل ورد في ذمّه كثير من الأخبار ، ولو كان كمالاً كان لهم لا له ، والعاقل لا يفتخر بكمال غيره ، وإن كان باعتبار أنّه كان خيّراً أو فاضلاً أو عالماً فهذا جهل من حيث إنّه تعزّز بكمال غيره ولذلك قيل:

والسبب الثاني : الحسن والجمال ، فإن افتخر به فليعلم أنّه قد يزول بأدنى الأمراض والأسقام ، وما هو في عرضة الزّوال ليس بكمال يُفتخر به ، ولينظر أيضاً إلى أصله وما خُلق منه كما مرّ وإلى ما يصير إليه في القبر من جيفةٍ منتنةٍ ، وإلى ما في بطنه من الخبائث ، مثل الأقذار التي في جميع أعضائه ، والرجيع الذي في أمعائه ، والبول الذي في مثانته ، والمخاط الذي في أنفه ، والوسخ الذي في أذنيه ، والدم الذي في عروقه ، والصّديد الذي تحت بشرته ، إلى غير ذلك من المقابح والفضائح ، فإذا عرف ذلك لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدّمن.
الثالث : القوة والشجاعة ، فمَن افتخر بهما فليعلم أنّ الذي خلقه هو أشدّ منه قوّة ، وأنّ الأسد والفيل أقوى منه ، وأنّ أدنى العلل والأمراض يجعله أعجز من كلّ عاجز ، وأذلّ من كلّ ذليل ، وأنّ البعوضة لو دخلت في أنفه أهلكته ولم يقدر على دفعها.
الرابع : الغنى والثروة .
والخامس : كثرة الأنصار والأتباع والعشيرة وقرب السلاطين والاقتدار من جهتهم ، والكبر والفخر لهذين السببين أقبح ، لأنه أمرٌ خارج عن ذات الإنسان وصفاته ، فلو تلف ماله أو غُصب أو نُهب أو تغيّر عليه السلطان وعزله لبقي ذليلاً عاجزاً ، وإنّ من فِرَق الكفّار مَن هو أكثر منه مالاً وجاهاً ، فالمتكبّر بهما في غاية الجهل.
السادس : العلم ، وهو أعظم الأسباب وأقواها ، فإنّه كمال نفساني عظيم عند الله تعالى وعند الخلائق ، وصاحبه معظّم عند جميع المخلوقات ، فإذا تكبّر العالم وافتخر فليعلم أنّ خطر أهل العلم أكثر من خطر أهل الجهل ، وأنّ الله تعالى يحتمل من الجاهل ما لا يحتمل من العالِم ، وأنّ العصيان مع العلم أفحش من العصيان مع الجهل ، وأنّ عذاب العالِم أشدّ من عذاب الجاهل ، وأنّه تعالى شبّه العالِم غير العامل تارةً بالحمار وتارةً بالكلب ، وأنّ الجاهل أقرب إلى السلامة من العالِم لكثرة آفاته ، وأنّ الشياطين أكثرهم على العالِم ، وأنّ سوء العاقبة وحسنها أمر لا يعمله إلاّ الله سبحانه ، فلعلّ الجاهل يكون أحسن عاقبةً من العالِم.
السابع : العبادة والورع والزهادة ، والفخر فيها أيضاً فتنة عظيمة ، والتخلص منها صعب ، فإذا غلب عليه فليتفكر أنّ العالم أفضل منه فلا ينبغي أن يفتخر عليه ، ولا ينبغي أيضاً أن يفتخر على مَن تأخر عنه في العمل أيضاً ، إذ لعلّ قليلَ عمله يكون مقبولاً وكثيرَ عمله مردوداً ، ولا على الجاهل والفاسق إذ قد يكون لهما خصلة خفية ، وصفة قلبية مُوجِبة لقرب الربّ سبحانه ورحمته .. ولو فرض خلوُّهما عن جميع ذلك بالفعل فلعلّ الأحوال في العاقبة تنعكس ، وقد وقع مثل ذلك كثيراً ، ولو فرض عدم ذلك فليتصوّر أنّ تكبّره في نفسه شرك فيحبط عمله ، فيصير هو في الآخرة مثلهم بل أقبح منهم ، والله المستعان.ص228

قال الصادق (ع) : إن في جهنم لوادياً للمتكبّرين يُقال له سقر ، شكا إلى الله شدّة حرّه وسأله أن يتنفّس ، فأذن له فتنفّس فأحرق جهنم .ص232
المصدر:
تفسير القمي ص579

قال الباقر (ع) : إنّ الفرح والمرح والخيلاء كل ذلك في الشرك والعمل في الأرض بالمعصية .ص233
المصدر:
تفسير القمي ص588

قال أمير المؤمنين (ع) : عجبت لابن آدم أوله نطفة وآخره جيفة ، وهو قائم بينهما وعاءٌ للغائط ، ثم يتكبّر .ص234
المصدر:
العلل 1/216

قال رسول الله (ص) : إذا مشت أُمّتي المطيطا ، وخدمتهم فارس والروم ، كان بأسهم بينهم .
المصدر:
معاني الأخبار ص301
بيــان:
والمطيطا التبختر ومدّ اليدين في المشي .ص234

قال الصادق (ع) : إنّ المتكبرين يُجعلون في صور الذرّ ، فيطأهم الناس حتى يفرغوا من الحساب .ص237
المصدر:
المحاسن ص123

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى