الجزء السبعون كتاب الايمان والكفر

باب حبّ الدنيا وذمها ، وبيان فنائها وغدرها بأهلها وختل الدنيا بالدين

قال الصادق (ع) : رأس كلّ خطيئة حبّ الدنيا.ص7
المصدر:الكافي 2/315

قال رسول الله (ص) : مَن لم يتعزّ بعزاء الله ، تقطّعت نفسه حسرات على الدنيا ، ومَن أتبَعَ بصره ما في أيدي النّاس كثر همّه ولم يشف غيظه ، ومَن لم ير لله عزّ وجلّ عليه نعمة إلاّ في مطعم أو مشرب أو ملبس ، فقد قصّر عمله ودنا عذابه.ص8
المصدر:الكافي 2/315
بيــان:
” ومَن أتبع نظره ما في أيدي النّاس ” أي نظر إلى من هو فوقه من أهل الدنيا وما في أيديهم من نعيمها وزبرجها ، نظر رغبة وتحسّر وتمنّ “كثر همّه ” لعدم تيسّرها له ، فيغتاظ لذلك ويحسدهم عليها ، ولا يمكنه شفاء غيظه إلاّ بأن يحصل له ممّا في أيديهم ، أو يسلب الله عنهم جميع ذلك ، ولا يتيسّر له شيء من الأمرين ، فلا يشفى غيظه أبداً ، ولا يتهنّأ له العيش ما رأى في نعمة أحداً ، ولا يتفكّر في أنّه إنّما منعه الله تعالى ذلك لأنّه علم أنّه سبب هلاكه ، فهو يتمنّى حالهم ولا يعلم حقيقة مآلهم كما حكى الله سبحانه عن قوم تمنّوا حال قارون حيث قالوا :
{ يا ليت لنا مثل ما أُوتي قارون إنّه لذو حظ عظيم ، وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً ولا يلقاها إلاّ الصابرون } .
فلمّا خسف الله به وبداره الأرض {وأصبح الذين تمنّوا مكانه بالأمس يقولون ويكأنّ الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن منّ الله علينا لخسف بنا ويكأنّه لا يفلح الكافرون} ، وانتفاء الخسف الظاهري بأهل الأموال والتجبّر من هذه الأمّة ، لا يوجب انتهاء الخسف في دركات الشهوات النفسانية ومهاوي التعلّقات الجسمانية ، والحرمان عن درجات القرب والكمال ، وخسفهم في الآخرة في عظيم النّكال وشديد الوبال ، أعاذنا الله وساير المؤمنين من جميع ذلك ، وسهّل لنا الوصول في الدّارين إلى أحسن الأحوال .
” ومَن لم ير أنّ لله عليه نعمة إلاّ في مطعم ” أي من توّهم أنّ نعمة الله عليه منحصرة في هذه النعم الظاهرة كالمطعم والمشرب والمسكن وأمثالها ، فإذا فقدها أو شيئاً منها ظنّ أنّه ليس لله عليه نعمة فلا ينشط في طاعة الله ، وإن عمل شيئاً – مع هذه العقيدة الفاسدة ، وعدم معرفة مُنعمه – لا ينفعه ولا يُتقبّل منه ، فيكون عمله قاصراً وعذابه دانياً ، لأنّ هذه النعم الظاهرة حقيرة في جنب نعم الله العظيمة عليه من الإيمان والهِداية والتوفيق والعقل والقوى الظاهرة والباطنة والصحة ودفع شرّ الأعادي وغيرها بما لا يحصى ، بل هذا الفقر أيضا من أعظم نعم الله عليه { وإنّ تعدّوا نعمة الله لا تحصوها }.ص9

قال الصادق (ع) : مرّ عيسى بن مريم (ع) على قرية قد مات أهلها وطيرها ودوابّها فقال : أمَا إنّهم لم يموتوا إلاّ بسخطة ، ولو ماتوا متفرّقين لتدافنوا ، فقال الحواريون : يا روح الله وكلمته !..ادع الله أن يحييهم لنا فيخبرونا ما كانت أعمالهم فنجتنبها.
فدعا عيسى (ع) ربّه فنُودي من الجوّ أن نادِهِم ، فقام عيسى (ع) بالليل على شُرُف من الأرض فقال : يا أهل هذه القرية !.. فأجابه منهم مجيب :
لبّيك يا روح الله وكلمته ، فقال : ويحكم !.. ما كانت أعمالكم ؟.. قال : عبادة الطاغوت وحبّ الدنيا ، مع خوف قليل ، وأمل بعيد ، في غفلة ولهو ولعب ، فقال : كيف كان حبّكم للدنيا ؟..قال : كحبّ الصبي لأمّه ، إذا أقبلت علينا فرحنا وسُررنا ، وإذا أدبرت عنّا بكينا وحزنّا ، قال : كيف كانت عبادتكم للطاغوت ؟.. قال : الطاعة لأهل المعاصي…. الخبر .ص10
المصدر:الكافي 2/318
بيــان:
لعلّك تظنّ أن ما تضمّنه هذا الحديث من أنّ الطاعة لأهل المعاصي عبادة لهم ، جار على ضرب من التجّوز لا الحقيقة ، وليس كذلك بل هو حقيقة ، فإنّ العبادة ليست إلاّ الخضوع والتذلّل والطاعة والانقياد ، ولهذا جعل سبحانه اتباع الهوى والانقياد إليه عبادة للهوى ، فقال: { أرأيت مَن اتخذ إلهه هواه } وجعل طاعة الشيطان عبادة له ، فقال تعالى : { ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان }.
وإذا كان اتّباع الغير والانقياد إليه عبادة له ، فأكثر الخلق عند التحقيق مقيمون على عبادة أهواء نفوسهم الخسيسة الدنية ، وشهواتهم البهيمية والسبعيّة على كثرة أنواعها واختلاف أجناسها ، وهي أصنامهم التي هم عليها عاكفون ، والأنداد التي هم لها من دون الله عابدون ، وهذا هو الشرك الخفي ، نسأل الله سبحانه أن يعصمنا عنه ويطّهر نفوسنا عنه بمنّه وكرمه. ص13

قال الصادق (ع) : ما فتح الله على عبد باباً من أمر الدنيا ، إلاّ فتح الله عليه من الحرص مثله. ص16
المصدر:الكافي 2/319

قال الصادق (ع) : قال عيسى بن مريم (ع) : تعملون للدنيا وأنتم تُرزقون فيها بغير عمل ، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلاّ بالعمل ، ويلكم علماء سوءٍ !.. الأجر تأخذون ، والعمل تضيّعون ، يوشك ربّ العمل أن يقبل عمله ، ويوشك أن تخرجوا من ضيق الدنيا إلى ظلمة القبر ، كيف يكون من أهل العلم مَن هو في مسيره إلى آخرته ، وهو مقبل على دنياه ، وما يضّره أحبّ إليه ممّا ينفعه ؟..
المصدر:الكافي 2/319
بيــان:
أُريدَ بربّ العمل العابد الذي يقلّد أهل العلم في عبادته ، أعني يعمل بما يأخذ عنهم ، وفيه توبيخ لأهل العلم غير العامل. ص17

قال الصادق (ع) : مَن أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه ، جعل الله تعالى الفقر بين عينيه ، وشتّت أمره ، ولم ينل من الدنيا إلاّ ما قسم له ، ومَن أصبح وأمسى والآخرة أكبر همّه ، جعل الله تعالى الغنى في قلبه وجمع له أمره.ص17
المصدر:الكافي 2/319
بيــان:
” أكبر همّه ” أي قصده أو حزنه ” جعل الله الفقر بين عينيه ” لأنّه كلّما يحصل له من الدنيا يزيد حرصه بقدر ذلك فيزيد احتياجه وفقره ، أو لضعف توكّله على الله يسد الله عليه بعض أبواب رزقه ، وقيل :
فهو فقير في الآخرة لتقصيره فيما ينفعه فيها ، وفي الدنيا لأنّه يطلبها شديداً ، والغنيّ مَن لا يحتاج إلى الطلب ، ولأنّ مطلوبه كثيراً ما يفوت عنه ، والفقر عبارة عن فوات المطلوب ، وأيضاً يبخل عن نفسه وعياله خوفاً من فوات الدنيا وهو فقر حاضر.
” وشتّت أمره ” التشتيت التفريق ، لأنّه لعدم توكّله على ربّه لا ينظر إلاّ إلى الأسباب ، ويتوسّل بكلّ سبب ووسيلة ، فيتحيّر في أمره ، ولا يدري وجه رزقه ، ولا ينتظم أحواله ، أو لشدة حرصه لا يقنع بما حصل له ، ويطلب الزيادة ولا يتيسّر له ، فهو دائماً في السعي والطلب ولا ينتفع بشيء ، وحمله على تفرّق أمر الآخرة بعيد. ص18

قال الصادق (ع): أبعد ما يكون العبد من الله عزّ وجلّ ، إذا لم يهمّه إلاّ بطنه وفرجه.ص19
المصدر:الكافي 2/319

قال الصادق (ع) : مَن كثر اشتباكه بالدّنيا ، كان أشدّ لحسرته عند فراقها.ص19
المصدر:الكافي 2/319

سُئل عليّ بن الحسين (ع) : أيّ الأعمال أفضل عند الله ؟.. قال : ما من عمل بعد معرفة الله عزّ وجلّ ومعرفة رسوله (ص) أفضل من بغض الدنيا ، فإنّ لذلك لشُعباً كثيرة ، وللمعاصي شعب ، فأوّل ما عُصي الله به الكبر ، معصية إبليس حين { أبى واستكبر وكان من الكافرين } . . ثمّ الحرص وهي معصية آدم وحواء (ع) حين قال الله عزّ وجلّ لهما : { كلا من حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين } فأخذا ما لا حاجة بهما إليه ، فدخل ذلك على ذرّيتهما إلى يوم القيامة ، وذلك أنّ أكثر ما يطلب ابن آدم ما لا حاجة به إليه .
ثمّ الحسد وهي معصية ابن آدم حيث حسد أخاه فقتله ، فتشعّب من ذلك : حبّ النساء ، وحب الدنيا ، وحبّ الرياسة ، وحبّ الراحة ، وحبّ الكلام ، وحبّ العلوّ والثروة ، فصرن سبع خصال ، فاجتمعن كلّهنّ في حبّ الدنيا ، فقالت الأنبياء والعلماء بعد معرفة ذلك : حبّ الدنيا رأس كل خطيئة ، والدنيا دنياءان : دنيا بلاغ ودنيا ملعونة.ص20
المصدر:الكافي 2/316

قال الصادق (ع) في مناجاة موسى (ع) :
يا موسى !.. إنّ الدنيا دار عقوبة عاقبت فيها آدم (ع) عند خطيئته ، وجعلتها ملعونة ، ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي .
يا موسى !.. إنّ عبادي الصالحين زهدوا في الدنيا بقدر علمهم ، وسائر الخلق رغبوا فيها بقدر جهلهم ، وما من أحد عظّمها فقرّت عينه فيها ، ولا يحقّرها أحد إلاّ انتفع بها.ص21
المصدر:الكافي 2/317
بيــان:
” ملعون ما فيها إلاّ ما كان فيها لي ” أقول : هذا معيار كامل للدنيا الملعونة وغيرها ، فكلّ ما كان في الدنيا ويوجب القرب إلى الله تعالى من المعارف والعلوم الحقّة والطاعات ، وما يتوصّل به إليها من المعيشة بقدر الضّرورة والكفاف فهي من الآخرة وليست من الدنيا ، وكلّما يصير سبباً للبعد عن الله والاشتغال عن ذكره ويُلهي عن درجات الآخرة وكمالاتها ، وليس الغرض فيه القرب منه تعالى والوصول إلى رضاه فهي الدنيا الملعونة.ص21

قال الصادق (ع) : إنّ الشيطان يدبر ابن آدم في كلّ شيء ، فإذا أعياه جثم له عند المال فأخذ برقبته.ص22
المصدر:الكافي 2/315
بيــان:
الحاصل أنّ الشيطان يدبّر ابن آدم في كلّ شيء ، أي يبعثه على ارتكاب كلّ ضلالة ومعصية ، أو يكون معه ويلازمه عند عروض كلّ شبهة أو شهوة لعلّه يضلّه أو يزّله ، ” فإذا أعياه ” المستتر راجع إلى ابن آدم والبارز إلى الشيطان ، أي لم يقبل منه ، ولم يطعه حتّى أعياه ، ترصّد له واختفى عند المال ، فإذا أتى المال أخذ برقبته فأوقعه فيه بالحرام والشبهة.
والحاصل أنّ المال أعظم مصائد الشيطان ، إذ قلّ مَن لم يفتتن به عند تيسّره له ، وكأنّه محمول على الغالب ، إذ قد يكون لا يفتتن بالمال ويفتتن بحبّ الجاه وبعض الشهوات الغالبة ، وقيل : فإذا أعياه أي أعجزه عن كلّ شهوة ولذّة ، وذلك بأن يشيب كما ورد في حديث آخر : يشيب ابن آدم ويشبّ فيه خصلتان : الحرص وطول الأمل.ص22

قال الباقر (ع) : مَثَل الحريص على الدنيا كمثل دودة القزّ ، كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفاّ ، كان أبعد لها من الخروج حتى تموت غمّاً . ص23
المصدر:الكافي 2/316

قال الصادق (ع) : أغنى الغنى مَن لم يكن للحرص أسيراً . ص23
المصدر:الكافي 2/316

قال الصادق (ع): لا تُشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات ، فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت.ص23
المصدر:الكافي 2/316

قال الصادق (ع) : ما ذئبان ضاريان في غنم قد فارقها رعاؤها أحدهما في أوّلها والآخر في آخرها ، بأفسد فيها من حبّ المال والثروة في دين المسلم.ص24
المصدر:الكافي 2/315

قال الصادق (ع) : مَن تعلّق قلبه بالدّنيا تعلّق قلبه بثلاث خصال : همّ لا يغني ، وأمل لا يُدرك ، ورجاء لا يُنال.ص24
المصدر:الكافي 2/320
بيــان:
قال بعض المحقّقين : اعلم أنّ معرفة ذمّ الدنيا لا يكفيك ما لم تعرف الدنيا المذمومة ما هي ؟.. وما الذي ينبغي أن يُجتنب وما الذي لا يُجتنب ؟.. فلا بدّ أن نبيّن الدنيا المذمومة المأمور باجتنابها ، لكونها عدوّة قاطعة لطريق الله ما هي ؟.. فنقول :
دنياك وآخرتك عبارة عن حالتين من أحوال قلبك ، والقريب الدّاني منهما يُسمى دنيا ، وهي كلّ ما قبل الموت ، والمتراخي المتأخّر يسمّى آخرة ، وهي ما بعد الموت فكلّ ما لك فيه حظٌّ وغرض ونصيب وشهوة ولذّة في عاجل الحال قبل الوفاة فهي الدنيا في حقّك ، إلاّ أنّ جميع ما لَكَ إليه ميل وفيه نصيب وحظّ فليس بمذموم ، بل هي تنقسم إلى ثلاثة أقسام :
الأوّل : ما يصحبك في الدنيا ويبقى معك ثمرته بعد الموت ، وهو شيئان : العلم والعمل فقط ، وأعني بالعلم العلم بالله وصفاته وأفعاله وملائكته وكتبه ورسله ، وملكوت أرضه وسمائه ، والعلم بشريعة نبيّه ، وأعني بالعمل العبادة الخالصة لوجه الله ، وقد يأنس العالم بالعلم حتّى يصير ذلك ألذّ الأشياء عنده فيهجر النوم والمنكح والمشرب والمطعم في لذّته ، لأنّه أشهى عنده من جميعها فقد صار حظّا عاجلاً في الدنيا ، ولكنّا إذا ذكرنا الدنيا المذمومة لم نعدّ هذا من الدنيا أصلاً ، بل قلنا إنّه من الآخرة ، وكذلك العابد قد يأنس بعبادته ويستلذّها بحيث لو مُنعت عنه لكان ذلك أعظم العقوبات عليه ، وهذا أيضاً ليس من الدنيا المذمومة.
الثاني : وهو المقابل للقسم الأوّل على الطرف الأقصى كلّ ما فيه حظّ عاجل ولا ثمرة له في الآخرة أصلاً ، كالتلذّذ بالمعاصي ، والتنعّم بالمباحات الزائدة على قدر الضرورات والحاجات الداخلة في جملة الرّفاهية والرعونات ، كالتنعّم بالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسّومة والأنعام والحرث والغلمان والجواري والخيول والمواشي والقصور ، والدور المشيّدة ورفيع الثياب ولذائذ الأطعمة ، فحظّ العبد من هذه كلّها هي الدنيا المذمومة ، وفيما يعدّ فضولاً وفي محلّ الحاجة نظر طويل.
الثالث : ….
ولا يبقى مع العبد عند الموت إلاّ ثلاث : صفاء القلب ، وأنسه بذكر الله ، وحبّه لله ، وصفاء القلب لا يحصل إلاّ بالكفّ عن شهوات الدنيا ، والأنس لا يحصل إلاّ بكثرة ذكر الله ، والحبّ لا يحصل إلاّ بالمعرفة ، ولا تحصل المعرفة إلاّ بدوام الفكر.
فهذه الثلاث هي المنجيات المسعدات بعد الموت ، وهي الباقيات الصالحات ، أمّا طهارة القلب عن شهوات الدنيا فهي من المنجيات ، إذ تكون جُنّة بين العبد وبين عذاب الله ، وأمّا الأنس والحبّ فهما من المسعدات ، وهما موصلان العبد إلى لذّة اللقاء والمشاهدة ، وهذه السعادة تتعجّل عقيب الموت إلى أن يدخل الجنّة ، فيصير القبر روضة من رياض الجنّة.
وكيف لا يكون كذلك ؟!..ولم يكن له إلاّ محبوب واحد ، وكانت العوائق تعوقه عن الأُنس بدوام ذكره ومطالعة جماله ، فارتفعت العوائق وأفلت من السجن وخلّي بينه وبين محبوبه ، فقدم عليه مسروراً آمناً من العوائق آمناً من الفراق.
وكيف لا يكون محبّ الدنيا عند الموت معذباً ، ولم يكن له محبوب إلاّ الدنيا وقد غُصب منه ؟!..وحيل بينه وبينه ، وسُدّت عليه طرق الحيلة في الرجوع إليه ، وليس الموت عدماً إنّما هو فراق لمحابّ الدنيا ، وقدوم على الله تعالى.
فإذن سالك طريق الآخرة هو المواظب على أسباب هذه الصفات الثلاث ، وهي الذكر والفكر والعمل الذي يحفظه من شهوات الدنيا ، ويبغّض إليه ملاذّها ويقطعه عنها ، وكل ذلك لا يمكن إلاّ بصحة البدن ، وصحّة البدن لا تُنال إلاّ بالقوت والملبس والمسكن ، ويحتاج كلّ واحد إلى أسباب .
فالقدر الذي لا بدّ منه من هذه الثلاثة ، إذا أخذه العبد من الدنيا للآخرة لم يكن من أبناء الدنيا ، وكانت الدنيا في حقه مزرعة الآخرة ، وإن أخذ ذلك على قصد التنعّم ولحظّ النفس ، صار من أبناء الدنيا والراغبين في حظوظها ، إلا أنّ الرغبة في حظوظ الدنيا تنقسم إلى ما يُعرّض صاحبه لعذاب الله في الآخرة ، ويُسمّى ذلك حراماً ، وإلى ما يحول بينه وبين الدرجات العلى ، ويعرّضه لطول الحساب ، ويسمّى ذلك حلالاً .
والبصير يعلم أنَّ طول الموقف في عرصات القيامة لأجل المحاسبة أيضاً عذاب ، فمن نوقش في الحساب عذِّب ، فلذلك قال رسول الله (ص) :
حلالها حساب وحرامها عقاب ، وقد قال (ص) أيضاً :
” حلالها عذاب “.. إلا أنه عذاب أخف من عذاب الحرام ، بل لو لم يكن الحساب لكان ما يفوت من الدرجات العلى في الجنَّة ، وما يرد على القلب من التحسر على تفويتها بحظوظ حقيرة خسيسة لا بقاء لها ، هو أيضاً عذاب ، فالدُّنيا قليلها وكثيرها ، حلالها وحرامها ملعونة إلاّ ما أعان على تقوى الله ، فإنَّ ذلك القدر ليس من الدُّنيا .
وكلّ مَن كانت معرفته أقوى وأتقن ، كان حذره من نعيم الدنيا أشدّ ولهذا زوى الله تعالى الدنيا عن نبيّنا (ص) ، فكان يطوي أيّاماً ، وكان يشدّ الحجر على بطنه من الجوع ، ولهذا سلّط الله البلاء والمحن على الأنبياء والأولياء ثمّ الأمثل فالأمثل ، كلّ ذلك نظراً لهم وامتناناً عليهم ، ليتوفّر من الآخرة حظّهم كما يمنع الوالد الشفيق ولده لذيذ الفواكه ، ويلزمه ألم الفصد والحجامة شفقة عليه وحبّاً له ، لا بُخلاً به عليه ، وقد عرفت بهذا أنّ كلّ ما ليس لله فهو للدنيا ، وما هو لله فليس من الدنيا.
فإن قلت : فما الذي هو لله ؟.. فأقول : الأشياء ثلاثة أقسام :
منها ما لا يتصوّر أن يكون لله ، وهو الذي يُعبّر عنه بالمعاصي والمحظورات وأنواع التنعّمات في المباحات ، وهي الدنيا المحضة المذمومة ، فهي الدنيا صورة ومعنى .
ومنها ما صورتها لله ، ويمكن أن يُجعل لغير الله ، وهي ثلاثة : الفكر والذكر والكفّ عن الشهوات ، فهذه الثلاث إذا جرت سراً ولم يكن عليها باعث سوى أمر الله واليوم الآخر ، فهي لله وليست من الدنيا ، وإن كان الغرض من النظر طلب العلم للشرف ، وطلب القبول بين الخلق بإظهار المعرفة ، أو كان الغرض من ترك الشهوة حفظ المال أو الحمية لصحّة البدن أو الاشتهار بالزهد ، فقد صار هذا من الدنيا بالمعنى ، وإن كان يظنّ بصورتها أنّها لله.
ومنها ما صورتها لحظّ النفس ، ويمكن أن يجعل معناه لله ، وذلك كالأكل والنّكاح وكلّ ما لا يرتبط به بقاؤه وبقاء ولده ، فإنّ كان القصد حظّ النفس فهو من الدنيا ، وإن كان القصد الاستعانة على التقوى فهو لله بمعناه وإن كان صورته صورة الدنيا ، قال (ص) :
” مَن طلب من الدنيا حلالاً مكاثراً مفاخراً لقي الله وهو عليه غضبان ، ومن طلبها استعفافاً عن المسألة ، وصيانة لنفسه ، جاء يوم القيامة ووجهه كالقمر ليلة البدر ” ….
ثم قال : اعلم أنّ الدنيا عبارة من أعيان موجودة ، وللإنسان فيها حظّ وله في إصلاحها شغل ، فهذه ثلاثة أمور قد يظنّ أنّ الدنيا عبارة عن آحادها وليس كذلك ، أمّا الأعيان الموجودة التي الدنيا عبارة عنها فهي الأرض وما عليها قال الله تعالى :
{ إنّا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيّهم أحسن عملاً } فالأرض فراش للآدميّين ومهاد ومسكن ومستقرّ ، وما عليها لهم ملبس ومطعم ومشرب ومنكح….
فهذه هي الأعيان التي يعبّر عنها بالدنيا وقد جمعها الله تعالى في قوله :
{ زيّن للنّاس حب الشهوات من النساء والبنين } وهذا من الأنس { والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة } وهذا من الجواهر والمعادن وفيه تنبيه على غيرها من اللآلئ واليواقيت { والخيل المسوّمة والأنعام } وهي البهائم والحيوانات {والحرث} وهو النبات والزرع.
فهذه هي أعيان الدنيا ، إلاّ أنّ لها مع العبد علاقتين : علاقة مع القلب وهو حبّه لها وحظّه منها ، وانصراف قلبه إليها حتّى تصير قلبه كالعبد أو المحبّ المستهتر بالدنيا ، ويدخل في هذه العلاقة جميع صفات القلب المتعلّقة بالدنيا : كالكبر والغلّ والحسد والرياء والسمعة وسوء الظن والمداهنة وحبّ الثناء وحب التكاثر والتفاخر ، فهذه هي الدنيا الباطنة ، وأمّا الظاهرة : فهي الأعيان التي ذكرناها .
والعلاقة الثانية مع البدن وهو اشتغاله بإصلاح هذه الأعيان ليصلح لحظوظه وحظوظ غيره ، وهي جملة الصناعات والحرف التي الخلق مشغولون بها ، والخلق إنّما نسوا أنفسهم ومآلهم ومنقلبهم لهاتين العلاقتين : علاقة القلب بالحبّ ، وعلاقة البدن بالشغل ، ولو عرف ربّه وعرف نفسه وعرف حكمة الدنيا وسرّها ، عَلِم أنّ هذه الأعيان التي سميتها دنيا لم تُخلق إلاّ لعلف الدابة التي تسير بها إلى الله تعالى، وأعني بالدابة البدن ، فإنّه لا يبقى إلاّ بمطعم وملبس ومسكن كما لا يبقى الإبل في طريق الحجّ إلا بعلف وماء وجلال.
ومثال العبد في نسيانه نفسه ومقصده مثال الحاجّ الذي يقف في منازل الطريق ، ولا يزال يعلف الدابة ، ويتعهدها ، وينظفّها ، ويكسوها ألوان الثياب ، ويحمل إليها أنواع الحشيش ، ويبرد لها الماء بالثلج حتّى تفوته القافلة ، وهو غافل عن الحجّ وعن مرور القافلة وعن بقائه في البادية فريسة للسباع هو وناقته ، والحاجّ البصير لا يهمّه من أمر الجمل إلا القدر الذي يقوى به على المشي فيتعهده وقلبه إلى الكعبة والحجّ ، وإنّما يلتفت إلى الناقة بقدر الضرورة ، فكذلك البصير في سفر الآخرة لا يشغل بتعهد البدن إلاّ بالضرورة ، كما لا يدخل بيت الماء إلاّ للضرورة ، ولا فرق بين إدخال الطعام في البدن وبين إخراجه من البطن.
وأكثر ما شغل الناس عن الله البدن ، فإنّ القوت ضروري وأمر الملبس والمسكن أهون ، ولو عرفوا سبب الحاجة إلى هذه الأمور واقتصروا عليها لم تستغرقهم أشغال الدنيا ، فإنّما استغرقتهم لجهلهم بالدنيا وحكمتها وحظوظهم منها ، ولكنّهم جهلوا وغفلوا وتتابعت أشغال الدنيا واتّصلت بعضها ببعض ، وتداعت إلى غير نهاية محدودة ، فتاهوا في كثرة الأشغال ونسوا مقصودها….
فهذه أشغال الخلق وهي معايشهم وشيء من هذه الحرف لا يمكن مباشرته إلا بنوع تعلّم وتعب في الابتداء ، وفي الناس مَن يغفل عن ذلك في الصبا فلا يشتغل به أو يمنعه مانع فيبقى عاجزا ، فيحتاج إلى أن يأكل مما سعى فيه غيره فتحدث منه حرفتان خسيستان : اللصوصية والكدية ، وللصوص أنواع ولهم حيل شتّى في ذلك .
وأما التكدّي فله أسباب مختلفة ، فمنهم مَن يطلب ذلك بالتّمسخر والمحاكاة والشعبذة والأفعال المضحكة ، وقد يكون بالأشعار مع النغمة أو غيرها في المدح أو التعشق أو غيرهما ، أو تسليم ما يشبه العوض وليس بعوض ، كبيع التّعويذات والطّلسمات ، وكأصحاب القرعة والفال والزجر من المنجّمين ، ويدخل في هذا الجنس الوعّاظ المتكدّون على رؤوس المنابر .
فهذه هي أشغال الخلق وأعمالهم التي أكبّوا عليها وجرّهم إلى ذلك كلّه الحاجة إلى القوت والكسوة ، ولكن نسوا في أثناء ذلك أنفسهم ومقصودهم ومنقلبهم ومآلهم فضلّوا وتاهوا ، وسبق إلى عقولهم الضّعيفة بعد أن كدّرها زحمة أشغال الدنيا خيالات فاسدة ، وانقسمت مذاهبهم ، واختلفت آراؤهم على عدة أوجه .
فطائفة غلب عليهم الجهل والغفلة ، فلم ينفتح أعينهم للنظر إلى عاقبة أمرهم فقالوا : المقصود أن نعيش أياما في الدنيا فنجهد حتى نكسب القوت ، ثم نأكل حتى نقوى على الكسب ، ثم نكتسب حتى نأكل فيأكلون ليكسبوا ، ويكسبون ليأكلوا ، فهذه مذاهب الملاّحين والمتحرّفين ، ومَن ليس لهم تنعّم في الدنيا ولا قدم في الدين .
وطائفة أخرى زعموا أنهم تفطّنوا للأمر ، وهو أن ليس المقصود أن يشقى الإنسان ولا يتنعّم في الدنيا ، بل السعادة في أن يقضي وطره من شهوات الدنيا ، وهي شهوة البطن والفرج ، فهؤلاء طائفة نسوا أنفسهم ، وصرفوا همّهم إلى اتباع النسوان ، وجمع لذائذ الأطعمة ، يأكلون كما تأكل الأنعام ، ويظنّون أنهم إذا نالوا ذلك فقد أدركوا غايات السعادات ، فيشغلهم ذلك عن الله واليوم الآخر .
وطائفة ظنّوا أنّ السعادة في كثرة المال والاستغناء بكنز الكنوز ، فأسهروا ليلهم ونهارهم في الجمع ، فهم يتعبون في الأسفار طول الليل والنهار ، ويتردّدون في الأعمال الشاقة ، ويكسبون ويجمعون ولا يأكلون إلا قدر الضّرورة شحّاً وبخلاً عليها أن تنقُص ، وهذه لذّتهم وفي ذلك دأبهم وحركتهم إلى أن يأتيهم الموت ، فيبقى تحت الأرض ، أو يظفر به مَن يأكله في الشهوات واللذّات ، فيكون للجامع تعبها ووبالها ، وللآكل لذّتها وحسابها ، ثم إنّ الذين يجمعون ينظرون إلى أمثال ذلك في أشباهم وأمثالهم فلا يعتبرون .
وطائفة زعموا أنّ السعادة في حُسن الاسم وانطلاق الألسن بالثناء والمدح بالتجمّل والمروّة ، فهؤلاء يتعبون في كسب المعايش ، ويُضيّقون على أنفسهم في المطعم والمشرب ، ويصرفون جميع مالهم إلى الملابس الحسنة والدّواب النفيسة ، ويزخرفون أبواب الدور ، وما يقع عليه أبصار الناس ، حتى يُقال إنه غنيٌّ وأنه ذو ثروة ، ويظنّون أنّ ذلك هو السعادة ، فهمتهم في ليلهم ونهارهم في تعهّد موقع نظر الناس .
وطائفة أخرى ظنّوا أنّ السعادة في الجاه والكرامة بين الناس وانقياد الخلق بالتواضع والتوقير ، فصرفوا همتهم إلى استجرار الناس إلى الطاعة بطلب الولاية ، وتقلّد الأعمال السلطانيّة ، لينفذوا أمرهم بها على طائفة من الناس ، ويرون أنهم إذا اتسعت ولايتهم ، وانقادت لهم رعاياهم فقد سعدوا سعادة عظيمة وأنّ ذلك غاية المطلب ، وهذا أغلب الشهوات على قلوب المتغافلين من الناس ، فهؤلاء شغلهم حبّ تواضع الناس لهم عن التواضع لله وعن عبادته وعن التفكر في آخرتهم ومعادهم .
ووراء هذا طوائف يطول حصرها ، تزيد على نيّف وسبعين فرقة كلّهم ضلّوا وأضلّوا عن سواء السبيل ، و إنما جرّهم إلى جميع ذلك حاجة المطعم والملبس والمسكن ، فنسوا ما يراد له هذه الأمور الثلاثة والقدر الذي يكفي منها ، وانجرّت بهم أوايل أسبابها إلى أواخرها ، وتداعت لهم إلى مبادي لم يمكنهم الترقّي منها .
فمَن عرف وجه الحاجة إلى هذه الأسباب والأشغال ، وعرف غاية المقصود منها فلا يخوض في شغل وحرفة وعمل إلاّ وهو عالم بمقصوده ، وعالم بحظّه ونصيبه منه ، وأنّ غاية مقصوده تعهّد بدنه بالقوّة والكسوة حتى لا يهلك ، وذلك إنْ سلك فيه سبيل التقليل اندفعت الأشغال ، وفَرِغ القلب ، وغلب عليه ذكر الآخرة ، وانصرفت الهمّة إلى الاستعداد له ، وإن تعدّى به قدر الضّرورة ، كثرت الأشغال وتداعى البعض إلى البعض وتسلسل إلى غير نهاية ، فتشعّب به الهموم ، ومَن تشعّب به الهموم في أودية الدنيا فلا يبال الله في أي واد أهلكه .
فهذا شأن المنهمكين في أشغال الدنيا ، وتنبّه لذلك طائفة فأعرضوا عن الدنيا ، فحسدهم الشيطان فلم يتركهم وأضلّهم في الإعراض أيضا حتى انقسموا إلى طوايف : فظنّت طائفة أنّ الدنيا دار بلاء ومحنة وأنّ الآخرة دار سعادة لكلّ مَن وصل إليها سواء تعبّد في الدنيا أو لم يتعبّد ، فرأوا أنّ الصواب في أن يقتلوا أنفسهم للخلاص من محنة الدنيا ، وإليه ذهب طوائف من عبّاد الهند فهم يتهجّمون على النار ويقتلون أنفسهم بالإحراق ، ويظنّون أنّ ذلك خلاص منهم من سجن الدنيا .
وظنّت طائفة أخرى أنّ القتل لا يخلّص ، بل لا بدّ أولا من إماتة الصّفات البشريّة ، وقلعها عن النفس بالكليّة ، وأنّ السعادة في قطع الشهوة والغضب ، ثم أقبلوا على المجاهدة ، فشدّوا على أنفسهم حتى هلك بعضهم بشدّة الرياضة ، وبعضهم فسد عقله وجُنَّ ، وبعضهم مرض وانسدت عليه طرق العبادة .
وبعضهم عجز عن قمع الصفات بالكليّة ، فظنّ أنّ ما كلّفه الشّرع محال ، وأنّ الشّرع تلبيس لا أصل له ، فوقع في الإلحاد والزندقة ، وظهر لبعضهم أنّ هذا التعب كلّه لله ، وأنّ الله مستغن عن عبادة العباد لا يُنقصه عصيان عاصٍ ، ولا يزيده عبادة عابد ، فعادوا إلى الشّهوات ، وسلكوا مسلك الإباحة فطووا بساط الشرع والأحكام ، وزعموا أنّ ذلك من صفاء توحيدهم ، حيث اعتقدوا أنّ الله مستغن عن عبادة العباد .
وظنّ طائفة أخرى أنّ المقصود من العبادات المجاهدة حتى يصل العبد بها إلى معرفة الله تعالى ٍ، فإذا حصلت المعرفة فقد وصل ، وبعد الوصال يستغني عن الوسيلة والحيلة ، فتركوا السعي والعبادة ، وزعموا أنه ارتفع محلّهم في معرفة الله سبحانه عن أن يُمتحنوا بالتّكاليف ، وإنما التكليف على عوامّ الخلق .
ووراء هذا مذاهب باطلة ، وضلالة هائلة ، وخيالات فاسدة ، يطول إحصاؤها إلى أن يبلغ نيّفا وسبعين فرقة ، وإنما الناجي منها فرقة واحدة وهي السالكة ما كان عليها رسول الله (ص) وأصحابه ، وهو أن لا يتركوا الدنيا بالكليّة ، ولا يقمع في الشهوات بالكليّة .
أما الدنيا فيأخذ منها قدر الزّاد ، وأما الشهوات فيقمع منها ما يخرج عن طاعة الشّرع والعقل ، فلا يتّبع كلّ شهوة ، ولا يترك كل شهوة بل يتّبع العدل ، ولا يترك كل شيء من الدنيا ، ولا يطلب كل شيء من الدنيا ، بل يعلم مقصود كلّ ما خُلق من الدنيا ، ويحفظه على حدّ مقصوده ، فيأخذ من القوت ما يُقوى به البدن على العبادة ، ومن المسكن ما يُحفظ به من اللصوص والحرّ والبرد ، ومن الكسوة كذلك ، حتى إذا فرغ القلب من شغل البدن أقبل على الله بكنه همّه ، واشتغل بالذكر والفكر طول العمر ، وبقي ملازما لسياسة الشهوات ، ومراقبا لها حتى لا تجاوز حدود الورع والتّقوى ، ولا يُعلم تفصيل ذلك إلا بالاقتداء بالفرقة الناجية الذين صحّت عقايدهم ، واتّبعوا الرسول وأئمة الهدى (ص) في أقوالهم وأفعالهم ، فإنهم ما كانوا يأخذون الدنيا للدنيا بل للدِّين ، وما كانوا يترهّبون ويهجرون الدنيا بالكلية ، وما كان لهم في الأمور تفريط ولا إفراط ، بل كانوا بين ذلك قواما ، وذلك هو العدل والوسط بين الطرفين ، وهو أحبّ الأمور إلى الله تعالى والله المستعان .ص36

عن جابر قال : دخلت على الباقر (ع) فقال :
يا جابر !..والله إني لمحزون وإني لمشغول القلب ، قلت : جعلت فداك !..وما شغلك وما حزن قلبك ؟.. فقال :
يا جابر !..إنه مَن دخل قلبه صافي خالص دين الله ، شغل قلبه عمّا سواه .
يا جابر !.. ما الدنيا وما عسى أن تكون الدنيا ؟!..هل هي إلا طعام أكلته ، أو ثوب لبسته ، أو امرأة أصبتها ؟..
يا جابر !..إنّ المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها ، ولم يأمنوا قدومهم الآخرة .
يا جابر !..الآخرة دار قرار والدنيا دار فناء وزوال ، ولكنّ أهل الدنيا أهل غفلة ، وكأنّ المؤمنين هم الفقهاء أهل فكرة وعبرة ، لم يصمّهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم ، ولم يُعمهم عن ذكر الله ما رأوا من الزينة ، ففازوا بثواب الآخرة كما فازوا بذلك العلم .
واعلم يا جابر !..أنّ أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة ، وأكثرهم لك معونة ، تذكر فيعينونك ، وإن نسيت ذكّروك ، قوّالون بأمر الله ، قوّامون على أمر الله ، قطعوا محبّتهم بمحبّة ربهم ، ووحشوا الدنيا لطاعة مليكهم ، ونظروا إلى الله تعالى وإلى محبّته بقلوبهم ، وعلموا أنّ ذلك هو المنظور إليه لعظيم شأنه ، فأنزل الدنيا كمنزلٍ نزلته ثم ارتحلت عنه ، أو كمال وجدته في منامك واستيقظت وليس معك منه شيء .
إني إنما ضربت لك هذا مثلا لأنها عند أهل اللبّ والعلم بالله كفيئ الظلال .
يا جابر !..فاحفظ ما استرعاك الله من دينه وحكمته ، ولا تسألنّ عمّا لك عنده إلا ما له عند نفسك ، فإن تكن الدنيا على غير ما وصفت لك ، فتحوّل إلى دار المستعتب ، فلعمري لربَّ حريص على أمر قد شُقي به حين أتاه ، ولربّ كاره لأمرٍ قد سعد به حين أتاه ، وذلك قول الله تعالى :
{ وليمحّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين }.ص37
المصدر:الكافي 2/132

روي أن النبي (ص) سأل جبرائيل (ع) عن تفسير الزهد فقال جبرائيل (ع) : الزاهد يحبّ مَن يحبّ خالقه ، ويبغض مَن يبغض خالقه ، ويتحرّج من حلال الدنيا ، ولا يلتفت إلى حرامها ، فإنّ حلالها حساب وحرامها عقاب ، ويرحم جميع المسلمين كما يرحم نفسه ، ويتحرّج من الكلام فيما لا يعنيه كما يتحرّج من الحرام ، ويتحرّج من كثرة الأكل كما يتحرّج من الميتة التي قد اشتد نتنها ، ويتحرّج من حطام الدنيا وزينتها كما يجتنب النار أن يغشاها ، وأن يقصر أمله وكان بين عينيه أجله .ص48
المصدر:معاني الأخبار ص261

قال رسول الله (ص) : لا يجد الرجل حلاوة الإيمان في قلبه حتى لا يبالي من أكل الدنيا ، ثم قال أبو عبد الله (ع) : حرام على قلوبكم أن تعرف حلاوة الإيمان حتى تزهد في الدنيا. ص49
المصدر:الكافي 2/128

قال أمير المؤمنين (ع) : إنّ من أعون الأخلاق على الدين الزهد في الدنيا.
المصدر:الكافي 2/128
بيــان:
” إنّ من أعون الأخلاق ” الخ وذلك لأن الاشتغال بالدنيا ، وصرف الفكر في طرق تحصيلها ، ووجه ضبطها ، ورفع موانعها ، مانع عظيم من تفرّغ القلب للأمور الدينية وتفكّره فيها ، بل حبّها لا يجتمع مع حبّ الله تعالى وطاعته وطلب الآخرة ، كما روي أنّ الدنيا والآخرة ضرتان إذ الميل بأحدهما يضرّ بالآخر .ص50

قال أمير المؤمنين (ع) : الزهد كلّه بين كلمتين في القرآن قال الله سبحانه : { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتيكم } فمَن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه .ص52
المصدر:النهج رقم 439

قال الصادق (ع) : كلّ قلب فيه شك أو شرك فهو ساقط ، وإنما أرادوا بالزّهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة .ص52
المصدر:الكافي 2/129

قال أمير المؤمنين (ع) : إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهدُه في عاجل زهرة الدنيا ، أمَا إنّ زهد الزّاهد في هذه الدنيا لا يُنقصه مما قسم الله له عزّ وجلّ فيها وإن زهد ، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الدنيا لا يزيده فيها وإن حرص ، فالمغبون من حُرم حظّه من الآخرة .ص52
المصدر:الكافي 2/129
بيــان:
والحاصل أنّ الرزق لكل أحد مقدّر ، وإن كان وصولها إليه مشروطا بقدرٍ من السعي على ما أمره الشارع من غير إفراط يمنعه عن الطاعات ، ولا تقصير كثير بترك السعي مطلقا ، ولا مدخل لكثرة السعي في كثرة الرزق ، فمَن ترك الطاعات وارتكب المحرّمات في ذلك حُرم ثواب الآخرة ، ولا يزيد رزقه في الدنيا فهو مغبون ، وهذا على القول بأنّ مقدار الرزق معيّن مقدّر ، ولا يزيد بالسعي ، ولا ينقص بتركه ، وعلى القول بأنّ الرزق المقدر الواجب على الله تعالى هو القدر الضروريّ ويزيد بالكسب بالسّعي ، فيحتاج الخبر إلى تأويل بعيد ، وسيأتي الكلام فيه في محلّه إن شاء الله تعالى .ص53

قال الصادق (ع) : مرّ رسول الله (ص) بجدي أسكّ ملقى على مزبلة ميّتا فقال لأصحابه : كم يساوي هذا ؟..فقالوا لعلّه لو كان حيّا لم يساو درهما ، فقال النبي (ص) : والذي نفسي بيده !.. للدنيا أهون على الله من هذا الجدي على أهله .ص55
المصدر:الكافي 2/129

قال الصادق (ع) : إذا تخلّى المؤمن من الدنيا سما ، ووجد حلاوة حب الله ، وكان عند أهل الدنيا كأنه قد خولط ، وإنما خالط القوم حلاوة حبّ الله ، فلم يشتغلوا بغيره . ص56
المصدر:الكافي 2/130

قال الصادق (ع) : إنّ القلب إذا صفا ضاقت به الأرض حتى يسمو .ص56
المصدر:الكافي 2/130
بيــان:
” ألا إنّه ” ألا حرف تنبيه ، وشبّه حصول الإيمان الكامل في القلب بحيث يظهر أثره في الجوارح بإدراك طعم شيء لذيذ مع أنّ اللّذّات الروحانيّة أعظم من اللّذّات الجسمانية.
” كأنّه قد خولط ” يقال : خولط فلان في قلبه إذا اختلّ عقله ، فقوله : خولط بهذا المعنى وخالط بمعنى الممازجة ، وهذا أعلى درجات المحبّين ، حيث استقرّ حبّ الله تعالى في قلوبهم ، وأُخرج حبّ كل شيء غيره منها ، فلا يلتفتون إلى غيره تعالى ، ويتركون معاشرة عامّة الخلق لمباينة طوره أطوارهم ، فهم يعدّونه سفيهاً مخالطاً كما نسبوا الأنبياء عليهم السلام إلى الجنون لذلك.
” إنّ القلب إذا صفا ” أي أنّ القلب أي الروح الإنساني لمّا كان من عالم الملكوت ، وإنّما أُهبط إلى هذا العالم الأدنى ، أو ابتُلي بالتعلّق بالبدن لتحصيل الكمالات ، وحيازة السعادات – كما أنّ الثوب قد يلوّث ببعض الكثافات ليصير بعد الغسل أشدّ بياضاً وأصفى ممّا كان – فإذا اختار الشقاوة وتشبّث بهذه العلايق الجسمانية والشهوات الظلمانية ، لحق بالأنعام بل هو أضلّ سبيلاً ، وإن تمسّك بعروة الشريعة الحقّة ، وعمل بالنواميس الإلهية ، والرياضات البدنية ، حتّى انفتح له عين اليقين ، فنظر إلى الدنيا ولذّاتها بتلك العين الصحيحة ، رآها ضيّقة مظلمة ، فانية موحشة ، غدّارة غرّارة ، ملوّثة بأنواع النجاسات المعنوية ، والصفات الدنيّة ، استوحش منها ، وتذكّر عالمه الأصلي فرغب إليها ، وتعلّق بها فجَانَب المتعلّقين بهذا العالم ، وآنس بالمتعلّقين بالملأ الأعلى ، فلحق بهم ، وضاقت به الأرض ، وصارت همّته رفيعة عالية ، فلم يرض إلاّ بالصعود إلى سدرة المنتهى وجنّة المأوى ، فهم مع كونهم بين الخلق أرواحهم معلّقة بالملأ الأعلى ، ويستسعدون بقرب المولى .
أو يُقال : لمّا كانت الأرض أعظم أجزاء الإنسان ، وكانت قواه الظاهرة والباطنة مائلة إليها بالطبع لكمال النسبة بينهما ، كانت الدواعي إلى زهراتها حاضرة ، والبواعث إلى لذاتها ظاهرة ، فربّما اشتغل بها واكتسب الأخلاق والأعمال الفاسدة لتحصيل المقاصد ، حتّى تصير النفس تابعة لها ، راضية بأثرها ، مشغوفة بعملها ، متكدِّرة بالشهوات ، منغمسة في اللّذّات ، فتحبّ الاستقرار في الأرض وتركن إليها ، وأمّا إذا منعت تلك القوى عن مقتضاها ، وصرفتها عن هواها ، وروّضتها بمقامع الشريعة ، وأدّبتها بآداب الطريقة ، حتّى غلبت عليها ، وصفت عن كدوراتها وطهرت عن خبائث لذّاتها ، وتحلّت بالأخلاق الفاضلة ، والأعمال الصالحة ، والآداب السنيّة ، والأطوار الرضيّة ، ضاقت بها الأرض حتى تسمو إلى عالم النور ، فتشاهد العالم الأعلى بالعيان ، وتنظر إلى الحقّ بعين العرفان ، ويزداد لها نور الإيمان والإيقان ، فتعاف جملة الدنيا ، والاستقرار في الأرض ، فبدنها في هذه الدنيا وهي في العالم الأعلى ، فيصير كما قال (ع) : لولا الآجال التي كُتبت عليهم لم يستقرّ أرواحهم في أبدانهم طرفة عين ، ولذا قال مولى المؤمنين عند الشهادة : فزت وربّ الكعبة.ص59

قال الصادق (ع) : إنّ أول ما عُصي الله به ستّ : حبّ الدنيا ، وحبّ الرياسة ، وحبّ الطعام ، وحبّ النساء ، وحبّ النوم ، وحبّ الراحة . ص60
المصدر:المحاسن

قال رسول الله (ص) : إنّ في طلب الدنيا إضرارا بالآخرة ، وفي طلب الآخرة إضرارا بالدنيا ، فأضروا بالدنيا فإنها أحقّ بالإضرار .ص61
المصدر:الكافي 2/131
بيــان:
اعلم أنّ الدنيا تطلق على معان :
الأوّل: حياة الدنيا وهي لست بمذمومة على الإطلاق ، وليست ممّا يجب بغضه وتركه ، بل المذموم منها أن يحبّ البقاء في الدنيا للمعاصي والأمور الباطلة ، أو يطوّل الأمل فيها ويعتمد عليها ، فبذلك يسوّف التوبة والطاعات ، وينسى الموت ، ويُبادر بالمعاصي والملاهي ، اعتماداً على أنّه يتوب في آخر عمره عند مشيبه ، ولذلك يجمع الأموال الكثيرة ، ويبني الأبنية الرّفيعة ، ويكره الموت لتعلّقه بالأموال ، وحبّه للأزواج والأولاد ، ويكره الجهاد والقتل في سبيل الله لحبّه للبقاء ، أو يترك الصوم وقيام اللّيل وأمثال ذلك لئلاً يصير سبباً لنقص عمره.
والحاصل أنّ مَن يحبّ العيش والبقاء والعمر للأغراض الباطلة فهو مذموم ، ومَن يحبّه للطاعات ، وكسب الكمالات ، وتحصيل السّعادات فهو ممدوح ، وهو عين الآخرة فلذا طلب الأنبياء والأوصياء (ع) طول العمر والبقاء في الدنيا ، وقد قال سيد الساجدين (ع) :
” عمّرني ما كان عمري بذلة في طاعتك ، فإذا كان عمري مرتعاً للشيطان فاقبضني إليك ” ، ولو لم يكن الكون في الدنيا صلاحاً للعباد لتحصيل الذخاير للمعاد ، لما أسكن الله الأرواح المقدّسة في تلك الأبدان الكثيفة .
الثاني : الدينار والدرهم وأموال الدنيا وأمتعتها ، وهذه أيضاً ليست مذمومة بأسرها ، بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها ، وما يُلهي عن ذكر الله ، ويمنع عبادة الله ، أو يحبّها حبّاً لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة ، وفي سبل طاعة الله كما مدح الله تعالى جماعة حيث قال : { رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكاة }.
وبالجملة المذموم من ذلك الحرص عليها وحبّها ، وشغل القلب بها ، والبخل بها في طاعة الله ، وجعلها وسيلة لما يبعّد عن الله ، وأمّا تحصيلها لصرفها في مرضاة الله ، وتحصيل الآخرة بها ، فهي من أفضل العبادات وموجبة لتحصيل السعادات.. وقد رُوي في الصحيح عن أبن أبي يعفور قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : إنّا لنحبّ الدنيا ، فقال لي : تصنع بها ماذا ؟.. قلت : أتزوّج منها وأحجّ وأُنفق على عيالي ، وأُنيل إخواني وأتصدّق ، قال لي : ليس هذا من الدنيا ، هذا من الآخرة.. وقد روي : نِعْمَ المال الصالح للعبد الصالح ، ونِعْمَ العون الدنيا على الآخرة .
الثالث: التمتّع بملاذّ الدنيا من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمركوبات والمساكن الواسعة وأشباه ذلك ، وقد وردت أخبار كثيرة في استحباب التلذّذ بكثير من ذلك ، ما لم يكن مشتملاً على حرام أو شُبهة أو إسراف وتبذير ، وفي ذمّ تركها والرهبانيّة ، وقد قال تعالى : { قل مَن حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق }.
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الذي يظهر من مجموع الآيات والأخبار على ما نفهمه : أنّ الدنيا المذمومة مركّبة من مجموع أمور يمنع الإنسان من طاعة الله وحبّه وتحصيل الآخرة ، فالدنيا والآخرة ضرّتان متقابلتان ، فكلما يوجب رضى الله سبحانه وقربه فهو من الآخرة ، وإن كان بحسب الظاهر من أعمال الدنيا ، كالتجارات والصناعات والزراعات التي يكون المقصود منها تحصيل المعيشة للعيال ، لأمره تعالى به ، وصرفها في وجوه البرّ ، وإعانة المحتاجين والصّدقات ، وصون الوجه عن السؤال وأمثال ذلك ، فإنّ هذه كلّها من أعمال الآخرة ، وإن كان عامّة الخلق يعدّونها من الدنيا.
والرياضات المبتدعة ، والأعمال الريائية – وإن كان مع الترهّب وأنواع المشقّة – فإنّها من الدنيا لأنّها ممّا يبعّد عن الله ولا يوجب القرب إليه ، كأعمال الكفّار والمخالفين ، فربّ مترهبّ متقشّف يعتزل النّاس ، ويعبد الله ليلاً ونهاراً ، وهو أحبّ الناس للدنيا ، وإنّما يفعل ذلك ليخدع الناس ويشتهر بالزهد والورع ، وليس في قلبه إلاّ جلب قلوب النّاس ، ويحبّ المال والجاه والعزّة وجميع الأمور الباطلة ، أكثر من ساير الخلق ، وجَعَل ترك الدنيا ظاهراً مصيدة لتحصيلها ، وربّ تاجر طالب للأجر لا يعدّه الناس شيئاً وهو من الطّالبين للآخرة ، لصحّة نيّته وعدم حبّه للدنيا.
وجملة القول في ذلك : أنّ المعيار في العلم بحسن الأشياء وقبحها وما يجب فعلها وتركها الشريعة المقدسة ، وما صدر في ذلك عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم ، فما عُلم من الآيات والأخبار أنّ الله سبحانه أمر به وطَلَبه من عباده ، سواء كان صلاة أو صوماً أو حجّاً أو تجارة أو زراعة أو صناعة أو معاشرة للخلق أو عزلة أو غيرها ، وعملها بشرائطها وآدابها بنيّة خالصة فهي من الآخرة ، وما لم يكن كذلك فهو من الدنيا المذمومة المبعّدة عن الله وعن الآخرة.
وهي على أنواع : فمنها ما هوحرام وهو ما يستحق به العقاب : سواء كان عبادة مبتدعة ، أو رياء وسمعة ، أو معاشرة الظَلَمَة ، أو ارتكاب المناصب المحرّمة ، أو تحصيل الأموال من الحرام ، أو للحرام وغير ذلك مما يستحقّ به العقاب .
ومنها ما هو مكروه : كارتكاب الأفعال والأعمال والمكاسب المكروهة ، وكتحصيل الزوائد من الأموال والمساكن والمراكب وغيرها ، مما لم يكن وسيلة لتحصيل الآخرة ، وتمنع من تحصيل السعادات الأخروية.
ومنها ما هو مباح : كارتكاب الأعمال التي لم يأمر الشارع بها ، ولم ينهَ عنها إذا لم تصر مانعة عن تحصيل الآخرة وإن كانت نادرة ، ويمكن إيقاع كثير من المباحات على وجه تصير عبادة ، كالأكل والنوم للقوّة على العبادة ، وأمثال ذلك وربّما كان تَرْك المباحات بظنّ أنّها عبادة بدعة موجبة لدخول النّار ، كما يصنعه كثير من أرباب البدع.ص64

قال الباقر (ع) : مَلَك ينادي كلّ يوم : ابن آدم !.. لدْ للموت ، واجمع للفناء ، وابنِ للخراب .ص64
المصدر:الكافي 2/131

قال رسول الله (ص) : ما لي والدنيا ؟.. وما أنا والدنيا ؟.. إنما مَثَلي ومَثَلها كمَثَل راكب رُفعت له شجرة في يوم صائف ، فقَالَ تحتها ثم راح وتركها.ص68
المصدر:الكافي 2/134

قال الصادق (ع) : وكان فيما وعظ به لقمان ابنه :
يا بنيّ !..إنّ الناس قد جمعوا قبلك لأولادهم ، فلم يبقَ ما جمعوا ، ولم يبقَ مَن جمعوا له ، وإنّما أنت عبد مستأجر قد أُمرت بعمل ووُعدت عليه أجراً ، فأوفِ عملك ، واستوفِ أجرك ، ولا تكن في هذه الدنيا بمنزلة شاة وقعت في زرع أخضر ، فأكلت حتى سمنت فكان حتفها عند سمنها ، ولكن اجعل الدنيا بمنزلة قنطرة على نهر جزت عليها ، وتركتها ولم ترجع إليها آخر الدهر ، أخربْها ولا تعمرها ، فإنّك لم تُؤمر بعمارتها.
واعلم أنّك ستُسأل غداً إذا وقفت بين يدي الله عزّ وجلّ عن أربع :
شبابك فيما أبليته ، وعمرك فيما أفنيته ، ومالك مّما اكتسبته ، وفيما أنفقته ، فتأهّب لذلك وأعدّ له جواباً ، ولا تأسَ على ما فاتك من الدنيا ، فإنّ قليل الدنيا لا يدوم بقاؤه ، وكثيرها لا يُؤمن بلاؤه ، فخذ حذرك ، وجدّ في أمرك ، واكشف الغطاء عن وجهك ، وتعرّض لمعروف ربّك ، وجدّد التوبة في قلبك ، واكمش في فراغك قبل أن يقصد قصدك ، ويُقضي قضاؤك ، ويُحال بينك وبين ما تريد.ص69
المصدر:الكافي 2/134

سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (ع) عن هذه الآية : { ولتسئلنّ يومئذ عن النعيم } ، فقال له :
ما النعيم عندك يا نعمان ؟.. قال : القوت من الطعام والماء البارد ، فقال : لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كلّ أكلة أكلتها ، أو شربة شربتها ليطولنّ وقوفك بين يديه ، قال : فما النعيم جعلت فداك ؟!.. قال : نحن أهل البيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد .ص71
المصدر:مجمع البيان 10/534

قال الصادق (ع) : فيما ناجى الله عزّ وجلّ به موسى (ع):
يا موسى !..لا تركن إلى الدنيا ركون الظالمين ، وركون من اتخذها أبا وأمّا .
يا موسى !..لو وكلتك إلى نفسك لتنظر إليها إذاً لغلب عليك حبّ الدنيا وزهرتها .
يا موسى !.. نافس في الخير واسبقهم إليه فإن الخير كاسمه ، واترك من الدنيا ما بك الغنى عنه ، ولا تنظر عينك إلى كلّ مفتونٍ بها ، وموكل إلى نفسه .
واعلم أنّ كلّ فتنة بدوُها حبّ الدنيا ، ولا تغبط أحدا بكثرة المال ، فإنّ مع كثرة المال تكثر الذنوب لواجب الحقوق .. ولا تغبطنّ أحداً برضى الناس عنه حتى تعلم أنّ الله راض عنه ، ولا تغبطنَّ أحداً بطاعة الناس له ، فإنّ طاعة الناس له واتّباعهم إياه على غير الحق هلاك له ولمن اتّبعه .ص73
المصدر:الكافي 2/135

قال الصادق (ع) : إنّ في كتاب علي صلوات الله عليه : إنما مَثَل الدنيا كمَثَل الحية ما ألين مسها وفي جوفها السم الناقع !.. يحذرها الرجل العاقل ويهوي إليها الصبي الجاهل .ص75
المصدر:الكافي 2/136

كتب أمير المؤمنين (ع) إلى بعض أصحابه يعظه : أُوصيك ونفسي بتقوى مَن لا تحلّ معصيته ، ولا يُرجى غيره ، ولا الغنى إلاّ به ، فإنّ مَن اتّقى الله عزّ وقوي وشبع وروي ، ورُفع عقله عن أهل الدنيا ، فبدنه مع أهل الدنيا وقلبه وعقله معاين الآخرة .
فأطفأ بضوء قلبه ما أبصرت عيناه من حبّ الدنيا ، فقذّر حرامها ، وجانب شبهاتها ، وأضرّ والله بالحلال الصافي إلاّ ما لا بدّ منه من كسرة يشدّ بها صلبه ، وثوب يواري به عورته من أغلظ ما يجد وأخشنه ، ولم يكن له في ما لا بدّ منه ثقة ولا رجاء ، فوقعت ثقته ورجاؤه على خالق الأشياء ، فجدّ واجتهد وأتعب بدنه حتى بدت الأضلاع ، وغارت العينان ، فأبدل الله له من ذلك قوة في بدنه ، وشدّة في عقله ، وما ذخر له في الآخرة أكثر…. الخبر .ص75
المصدر:الكافي 2/136

قال أمير المؤمنين (ع) : ما قلعت باب خيبر بقوة جسمانية ، بل بقوة ربانية . ص76
المصدر:الطرائف ص519
بيــان:
” فأبدل الله له ” لأنه تعالى قال :{ لئن شكرتم لأزيدنكم } فمَن بذل ما أعطاه الله من الأموال الفانية ، عوّضه الله من الأموال الباقية أضعافها ، ومَن بذل قوته البدنية في طاعة الله ، أبدله الله قوة روحانية لا يفنى في الدنيا والآخرة ، فتبدو منه المعجزات ، وخوارق العادات والكرامات ، وما لا يقدر عليه بالقوى الجسمانيّة ، ومَن بذل علمه في الله وعمل به ، ورّثه الله علماً لدنّيّاً يزيد في كلّ ساعة ، ومَن بذل عزّه الفاني الدنيوي في رضا الله تعالى ، أعطاه الله عزّاً حقيقياً لا يتبدّل بالذّل أبداً ، كما أن الأنبياء والأوصياء (ع) لما بذلوا عزّهم الدنيوي في سبيل الله ، أعطاهم الله عزّةً في الدارين لا يشبه عزّ غيرهم ، فيلوذ الناس بقبورهم وضرايحهم المقدّسة ، والملوك يعفرون وجوههم على أعتابهم ، ويتبرّكون بذكرهم.
ومَن بذَل حياته البدنية في الجهاد في سبيله ، عوّضه الله حياة أبدية يتصرّفون بعد موتهم في عوالم الملك والملكوت ، ولذا قال تعالى :
{ ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يُرزقون } ، ومَن بذل نور بصره وسمعه في الطاعة ، أعطاه الله نوراً منه به ينظر في ملكوت السماوات والأرض ، وبه يسمع كلام الملائكة المقرّبين ، ووحي رب العالمين ، كما ورد :
” المؤمن ينظر بنور الله ” ، وورد :
” بي يسمع وبي يبصر ” ، وإذا تخلّى من إرادته وجعلها تابعة لإرادة الله ، جعله بحيث لا يشاء إلا أن يشاء الله ، وكان الله هو الذي يدبّر في بدنه وقلبه وعقله وروحه ، والكلام هنا دقيق لا تفي به العبارة والبيان ، وفي هذا المقام تزلّ الأقدام. ص78

قال الصادق (ع) : مَثَل الدنيا كمَثَل ماء البحر ، كلّما شرب منه العطشان ازداد عطشا حتى يقتله .ص79
المصدر:الكافي 2/137

قال الرضا (ع) : قال عيسى بن مريم صلوات الله عليه للحواريين : يا بني إسرائيل !..لا تأسوا على ما فاتكم من الدنيا ، كما لا يأسى أهل الدنيا على ما فاتهم من دينهم إذا أصابوا دنياهم .ص80
المصدر:الكافي 2/137

قال النبي (ص) : الدهر يومان : يوم لك ويوم عليك ، فإن كان لك فلا تبطر ، وإن كان عليك فاصبر ، فكلاهما عنك سينحسر .ص81
المصدر:كنز الكراجكي

قال علي (ع) : الزاهد في الدنيا كلما ازدادت له تحلّيا ازداد عنها تخلّيا.ص81
المصدر:كنز الكراجكي

قال علي (ع) : إذا طلبت شيئا من الدنيا فزُوي عنك ، فاذكر ما خصّك الله به من دينك ، وصرفه عن غيرك ، فإنّ ذلك أحرى أن تستحقّ نفسك بما فاتك.ص81
المصدر:كنز الكراجكي

قال النبي (ص) : كونوا في الدنيا أضيافا ، واتخذوا المساجد بيوتا ، وعوّدوا قلوبكم الرقة ، وأكثروا التفكّر والبكاء ، ولا تختلفنّ بكم الأهواء ، تبنون ما لا تسكنون ، وتجمعون ما لا تأكلون ، وتأملون ما لا تدركون .ص81
المصدر:كنز الكراجكي

قال علي (ع) : دارٌ بالبلاء محفوفة ، وبالغدر معروفة ، لا تدوم أحوالها ، ولا يسلم نزّالها ، أحوالٌ مختلفة ، وتارات متصرّفة ، العيش فيها مذموم ، والأمان منها معدوم ، وإنما أهلها فيها أغراض مُستهدفة ، ترميهم بسهامها ، وتفنيهم بحمامها .ص82
المصدر:النهج رقم 224

من خطبة له (ع) : فإنّ تقوى الله مفتاح سداد ، وذخيرة معاد ، وعتق من كلّ ملكة ، ونجاة من كلّ هلكة ، بها ينجح الطالب ، وينجو الهارب ، وتُنال الرغائب.ص83
المصدر:النهج رقم 228

قال أمير المؤمنين (ع) : واعلموا عباد الله أنّ المؤمن لا يصبح ولا يُمسي إلاّ ونفسه ظنون عنده ، فلا يزال زارياً عليها ومستزيداً لها ، فكونوا كالسابقين قبلكم ، والماضين أمامكم ، قوّضوا من الدنيا تقويض الراحل ، وطووها طيّ المنازل.ص85
المصدر:عدة الداعي ص175

قال رسول الله (ص) : إنّ الله عزّ وجلّ يقول : ويلٌ للذين يختلون الدنيا بالدين !.. وويلٌ للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس !.. وويلٌ للذين يسير المؤمن فيهم بالتقيّة !.. أبي يغترّون ؟.. أم عليّ يجترؤن ؟.. فبي حلفت لأُتيحنّ لهم فتنةً تترك الحليم منهم حيران.ص85
المصدر:الكافي 2/299

كان النبي (ع) إذا قدم من سفر بدأ بفاطمة (ع) فدخل عليها فأطال عندها المكث ، فخرج مرّة في سفر فصنعت فاطمة مسَكتين من ورق وقلادة وقرطين وستراً لباب البيت ، لقدوم أبيها وزوجها (ع) .
فلمّا قدم رسول الله (ص) دخل عليها فوقف أصحابه على الباب لا يدرون يقفون أو ينصرفون لطول مكثه عندها ، فخرج عليهم رسول الله (ص) وقد عُرف الغضب في وجهه حتى جلس عند المنبر ، فظنّت فاطمة (ع) أنه إنما فعل ذلك رسول الله لما رأى من المسكتين والقلادة والقرطين والستر ، فنزعت قلادتها وقرطيها ومسكتيها ، ونزعت الستر ، فبعثت به إلى رسول الله (ص) وقالت للرسول :
قل له : تقرأ عليك ابنتك السلام وتقول : اجعل هذا في سبيل الله ، فلمّا أتاه قال : فعلت فداها أبوها – ثلاث مرات – ليست الدنيا من محمد ولا من آل محمد ، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله من الخير جناح بعوضة ما سقى فيها كافراً شربة ماء ، ثمّ قام فدخل عليها.ص87
المصدر:أمالي الصدوق ص141

قال رسول الله (ص) : إنّ الله جلّ جلاله أوحى إلى الدنيا أن أتعبي مَن خدمك ، واخدمي مَن رفضك .ص87
المصدر:أمالي الصدوق ص168

قال أمير المؤمنين (ع) في بعض خطبه :
أيّها النّاس !..إنّ الدنيا دار فناء والآخرة دار بقاء ، فخذوا من ممرّكم لمقرّكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند مَن لا تخفى عليه أسراركم ، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ففي الدنيا حييتم وللآخرة خُلقتم ، وإنّما الدنيا كالسمّ يأكله مَن لا يعرفه ، إنّ العبد إذا مات قالت الملائكة :
ما قدّم ؟.. وقال النّاس : ما أخّر ؟.. فقدّموا فضلاً يكن لكم ، ولا تؤخروا كلاً يكن عليكم ، فإنّ المحروم مَن حُرم خير ماله ، والمغبوط مَن ثقل بالصدقات والخيرات موازينه ، وأحسن في الجنّة بها مهاده ، وطيّب على الصراط بها مسلكه.ص89
المصدر:العيون 1/297 ، أمالي الصدوق ص67

قال أمير المؤمنين (ع) للشامي الذي أتاه : يا شيخ !..إنّ الدنيا خضرة حلوة ولها أهلٌ ، وإنّ الآخرة لها أهل ، ظلفت أنفسهم عن مفاخرة أهل الدنيا لا يتنافسون في الدنيا ، ولا يفرحون بغضارتها ، ولا يحزنون لبؤسها ، يا شيخ !.. مَن خاف البيات قلّ نومه ، ما أسرع الليالي والأيام في عمر العبد فاخزن لسانك ، وعدّ كلامك ، يقلّ كلامك إلاّ بخير ، يا شيخ !..ارض للناس ما ترضى لنفسك ، وآت إلى الناس ما تحبّ أن يؤتى إليك…. الخبر .ص89
المصدر:أمالي الصدوق ص237

شكا رجل إلى أمير المؤمنين (ع) الحاجة فقال : اعلم أنّ كلّ شيء تصيبه من الدنيا فوق قوتك ، فإنما أنت فيه خازن لغيرك.ص90
المصدر:الخصال 1/11

قال رسول الله (ص) : أشدّ ما يتخوّف على أُمّتي ثلاثة : زلّة عالم ، أو جدال منافق بالقرآن ، أو دنيا تقطع رقابكم ، فاتهموها على أنفسكم .ص92
المصدر:الخصال 1/78

قال السجاد (ع) : اتّقِ الله وأجمل في الطلب ، ولا تطلب ما لم يُخلق ، فإنّ مَن طلب ما لم يُخلق تقطّعت نفسه حسرات ، ولم ينل ما طلب ، ثمّ قال : وكيف ينال ما لم يُخلق ؟.. فقال الرجل : وكيف يطلب ما لم يُخلق ؟.. فقال:
مَن طلب الغنى والأموال والسعة في الدنيا فإنما يطلب ذلك للراحة ، والراحة لم تُخلق في الدنيا ولا لأهل الدنيا ، إنّما خُلقت الراحة في الجنّة ولأهل الجنّة ، والتعب والنصب خُلقا في الدنيا ولأهل الدنيا ، وما أُعطي أحد منها حفنة إلا أُعطي من الحرص مثليها .
ومَن أصاب من الدنيا أكثر كان فيها أشدّ فقراً ، لأنّه يفتقر إلى الناس في حفظ أمواله ، ويفتقر إلى كل آلة من آلات الدنيا ، فليس في غنى الدنيا راحة ، ولكنّ الشيطان يوسوس إلى ابن آدم أنّ له في جمع ذلك راحة ، وإنمّا يسوقه إلى التعب في الدنيا والحساب عليه في الآخرة ، ثم قال (ع) :
كلاّ ما تَعِبَ أولياء الله في الدنيا للدنيا بل تعبوا في الدنيا للآخرة.ص92
المصدر:الخصال 1/33

قال الصادق (ع) : مطلوبات الناس في الدنيا الفانية أربعة :
الغنى ، والدعة ، وقلة الاهتمام ، والعزّ :
فأمّا الغنى : فموجود في القناعة ، فمَن طلبه في كثرة المال لم يجده .
وأمّا الدعة: فموجود في خفّة المحمل ، فمَن طلبها في ثقله لم يجدها .
وأمّا قلّة الاهتمام : فموجودة في قلّة الشغل ، فمَن طلبها مع كثرته لم يجدها .
وأمّا العزّ : فموجود في خدمة الخالق ، فمن طلبه في خدمة المخلوق لم يجده.ص93
المصدر:معاني الأخبار ص230 ، العلل 2/154 ، الخصال 1/93

قال الصادق (ع) : قال سلمان رحمة الله عليه : عجبت لستّ : ثلاث أضحكتني وثلاث أبكتني :
فأمّا الذي أبكتني : ففراق الأحبة محمد وحزبه ، وهول المطّلع ، والوقوف بين يدي الله عزّ وجل ..
وأمّا الذي أضحكتني : فطالب الدنيا والموت يطلبه ، وغافلٌ ليس بمغفول عنه ، وضاحكٌ ملء فيه لا يدري أرضىَ الله أم سخط.ص94
المصدر:الخصال 1/158

قال أمير المؤمنين (ع): كم من مُستدرج بالإحسان إليه ، مغرور بالستر عليه ، مفتون بحسن القول فيه ، وما أبلى الله عبداً بمثل الإملاء له.ص100
المصدر:أمالي الطوسي 2/58

قال جابر بن عبد الله الأنصاري : كنّا مع أمير المؤمنين (ع) بالبصرة فلمّا فرغ من قتال مَن قتله ، أشرف علينا من آخر الليل ، فقال : ما أنتم فيه ؟.. فقلنا : في ذمّ الدنيا ، فقال :
علامَ تذمّ الدنيا يا جابر ؟!.. ثمّ حمد الله وأثنى عليه ، وقال :
أمّا بعد.. فما بال أقوام يذمّون الدنيا ، انتحلوا الزهد فيها ؟.. الدّنيا منزل صدق لمن صدقها ، ومسكن عافية لمن فهم عنها ، ودار غنىً لمن تزوّد منها ، فيها مسجد أنبياء الله ومهبط وحيه ، ومصلّى ملائكته ، ومسكن أحبائه ، ومتجر أوليائه ، اكتسبوا فيها الرحمة ، وربحوا منها الجنّة.
فمَن ذا يذمّ الدنيا يا جابر!.. وقد آذنت ببينها ، ونادت بانقطاعها ، ونعت نفسها بالزوال ، ومثّلت ببلائها البلاء ، وشوّقت بسرورها إلى السرور ، راحت بفجيعة ، وابتكرت بنعمة وعافية ، ترهيباً وترغيباً ، يذمّها قوم عند الندامة ، ويحمدها آخرون عند السلامة ، خدمتهم جميعاً فصدقتهم ، وذكّرتهم فذكروا ، ووعظتهم فاتّعظوا ، وخوّفتهم فخافوا ، وشوّقتهم فاشتاقوا.
فأيّها الذامّ للدنيا !.. المغترّ بغرورها ، متى استذمّت إليك ؟.. بل متى غرّتك بنفسها ؟.. أبمصارع آبائك من البِلى ، أم بمضاجع أمهاتك من الثرى ، كم مرّضت بيديك وعلّلت بكفيك ؟.. تستوصف لهم الدواء ، وتطلب لهم الأطباء ، لم تدرك فيه طلبتك، ولم تسعف فيه بحاجتك….
فمضيت معه حتّى أتينا القبور ، فقال : يا أهل التربة ويا أهل الغربة !.. أمّا المنازل فقد سُكنت ، وأمّا الموارث فقد قُسمت ، وأمّا الأزواج فقد نُكحن ، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟..
ثم أمسك عنّي مليّاً ثمّ رفع رأسه فقال: والذي أقلّ السماء فَعَلَتْ ، وسطح الأرض فدَحَتْ ، لو أُذن للقوم في الكلام لقالوا : إنّا وجدنا خير الزاد التقوى ، ثمّ قال : يا جابر !..إذا شئت فارجع. ص101
المصدر:التحف ص183

قال الكاظم (ع) عند قبر : إنّ شيئاً هذا آخره لحقيقٌ أن يُزهد في أوّله ، وإنّ شيئاً هذا أوّله لحقيقٌ أن يُخاف آخره.ص103
المصدر:معاني الأخبار ص343

قال أمير المؤمنين (ع) : ما بال مَن خالفكم أشدّ بصيرة في ضلالتهم ، وأبذل لما في أيديهم منكم ؟.. ما ذاك إلاّ أنكم ركنتم إلى الدنيا فرضيتم بالضيم ، وشححتم على الحطام وفرّطتم فيما فيه عزّكم وسعادتكم ، وقوّتكم على مَن بغى عليكم ، لا من ربّكم تستحيون فيما أمركم ، ولا لأنفسكم تنظرون ، وأنتم في كلّ يوم تُضامون ، ولا تنتبهون من رقدتكم ، ولا ينقضي فتوركم.ص104
المصدر:الخصال 2/155

روي أنَّ أمير المؤمنين (ع) كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم ، بصوت يسمعه كافة من في المسجد ومن جاوره من الناس: تزودوا رحمكم الله!.. فقد نودي فيكم بالرحيل ، وأقلّوا العرجة على الدنيا ، وانقلبوا بصالح ما يحضركم من الزاد ، فإن أمامكم عقبة كؤداً ، ومنازل مهولة لا بد من الممر بها ، والوقف عليها : إما برحمة من الله نجوتم من فضاعتها ، وإما هلكة ليس بعدها انجبا ر، يا لها حسرة على ذي غفلة ، أن يكون عمره عليه حجّة ، وتؤدَيه أيامه إلى شقوة ، جعلنا الله وإياكم ممن لا تبطره نعمة ، ولا تحل به بعد الموت نقمة ، فإنما نحن به وله ، وبيده الخير ، وهو على كل شيء قدير.ص106
المصدر:الإرشاد ص113

قال أمير المؤمنين (ع) : أيها الناس !.. أصبحتم أغراضاً تنتضل فيكم المنايا ، وأموالكم نهب للمصائب ، ما طعمتم في الدُّنيا من طعام فلكم فيه غصص ، وما شربتم من شراب فلكم فيه شرق، وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرهونها .
أيها الناس !.. إنا خُلقنا وإياكم للبقاء لا للفنا ، لكن من دار إلى دار تنقلون ، فتزودوا لما أنتم صائرون إليه ، وخالدون فيه ، والسلام.ص106
المصدر:الإرشاد ص114

قال الصادق (ع) : آخر نبي يدخل الجنّة سليمان بن داود (ع) ، وذلك لما أُعطي في الدنيا .ص107
المصدر:السرائر

قال أمير المؤمنين (ع) : احذروا هذه الدنيا الخدّاعة الغدّارة التي قد تزيّنت بحليّها ، وفتنت بغرورها ، وغرّت بآمالها ، وتشوّفت لخطّابها ، فأصبحت كالعروس المجلوّة ، والعيون إليها ناظرة ، والنفوس بها مشغوفة ، والقلوب إليها تائقة ، وهي لأزواجها كّلهم قاتلة ، فلا الباقي بالماضي معتبر ، ولا الآخر بسوء أثرها على الأوّل مزدجر ، ولا اللبيب فيها بالتجارب منتفع.
أبت القلوب لها إلاّ حبّاً ، والنفوس إلاّ صبّاً ، والنّاس لها طالبان : طالب ظفر بها فاغترّ فيها ، ونسي التزوّد منها للظعن ، فقلّ فيها لبثه حتّى خلت منها يده وزلّت عنها قدمه ، وجاءته أسرّ ما كان بها منيّته ، فعظُمت ندامته ، وكثُرت حسرته ، وجلّت مصيبته ، فاجتمعت عليه سكرات الموت ، فغير موصوف ما نزل به.
وآخر اختلج عنها قبل أن يظفر بحاجته ، ففارقها بغرّته وأسفه ، ولم يُدرك ما طلب منها ، ولم يظفر بما رجا فيها ، فارتحلا جميعاً من الدنيا بغير زاد ، وقدما على غير مهاد.
فاحذروا الدنيا الحذر كلّه ، وضعوا عنكم ثقل همومها لما تيقنّتم لوَشك زوالها ، وكونوا أسرّ ما تكونون فيها أحذر ما تكونون لها ، فإنّ طالبها كلّما اطمأن منها إلى سرور أشخصه عنها مكروه ، وكلّما اغتبط منها بإقبال نغّصه عنها إدبار ، وكلّما ثبتت عليه منها رجلاً طوت عنه كشحاً ، فالسّار فيها غارٌّ ، والنافع فيها ضارّ ، وصل رخاؤها بالبلاء ، وجعل بقاؤها إلى الفناء ، فرحها مشوب بالحزن ، وآخر همومها إلى الوهن….
ولو كان خالقها جلّ وعزّ لم يخبر عنها خبراً ، ولم يضرب لها مثلاً ، ولم يأمر بالزهد فيها والرغبة عنها ، لكانت وقايعها وفجايعها قد أنبهت النائم ، ووعظت الظّالم ، وبصّرت العالم ، وكيف وقد جاء عنها من الله تعالى زاجر ، وأتت منه فيها البيّنات والبصاير ، فما لها عند الله عزّ وجلّ قدر ولا وزن ، ولا خلَق – فيما بلغَنا – خلقاً أبغض إليه منها ، ولا نظر إليها مذ خلقها.
ولقد عُرضت على نبيّنا (ص) بمفاتيحها وخزائنها ، لا ينقصه ذلك من حظّه من الآخرة ، فأبى أن يقبلها لعلمه أنّ الله عزّ وجلّ أبغض شيئاً فأبغضه ، وصغّر شيئاً فصغّره ، وأن لا يرفع ما وضعه الله جلّ ثناؤه ، وأن لا يُكثر ما أقلّه الله عزّ وجلّ ، ولو لم يخبرك عن صغرها عند الله ، إلاّ أنّ الله عزّ وجلّ صغّرها عن أن يجعل خيرها ثواباً للمطيعين ، وأن يجعل عقوبتها عقاباً للعاصين لكفى.
ومما يدلّك على دناءة الدنيا أنّ الله جلّ ثناؤه زواها عن أوليائه وأحبّائه نظراً واختياراً ، وبسطها لأعدائه فتنة واختباراً ، فأكرم عنها محمداً نبيه (ص) حين عصب على بطنه من الجوع ، وحماها موسى نجيّه المكلّم ، وكانت ترى خضرة البقل من صفاق بطنه من الهزال ، وما سأل الله عزّ وجلّ يوم أوى إلى الظلّ ، إلاّ طعاماً يأكله لما جهده من الجوع ….
والله لو أنّ الدنيا كانت مَن أراد منها شيئا وجده حيث تنال يده – من غير طلب ولا تعب ولا مؤنة ولا نصب ولا ظعن ولا دأب – غير أنّ ما أخذ منها من شيء لزمه حقّ الله فيه والشكر عليه ، وكان مسؤلاً عنه مُحاسباً به ، لكان يحقّ على العاقل أن لا يتناول منها إلا قوته وبلغة يومه ، حذراً من السؤال ، وخوفاً من الحساب ، وإشفاقاً من العجز عن الشكر ، فكيف بمن تجشّم في طلبها من خضوع رقبته ، ووضع خدّه ، وفرط عنائه ، والاغتراب عن أحبابه ، وعظيم أخطاره ثم لا يدري ما آخر ذلك الظفر أم الخيبة ؟..ص111
المصدر:عيون الحكم والمواعظ

قال أمير المؤمنين (ع) : حلاوة الدنيا مرارة الآخرة ، ومرارة الآخرة حلاوة الدنيا .ص119
المصدر:روضة الواعظين

قال أمير المؤمنين (ع) : ما أصف داراً أولها عناء ، وآخرها فناء ، في حلالها حساب وفي حرامها عقاب ، مَن استغنى فيها فُتن ، ومَن افتقر فيها حزن ، ومَن ساعاها فاتته ، ومَن قعد عنها آتته ، ومَن أبصر بها بصّرته ، ومَن أبصر إليها أعمته .ص120
المصدر:روضة الواعظين

قال رسول الله (ص) : وإنّ العبد إذا تخلّى بسيّده في جوف الليل المظلم ، وناجاه أثبت الله النور في قلبه ، فإذا قال :
يا ربّ !.. يا ربّ !.. ناداه الجليل جلّ جلاله : لبيّك عبدي سلني أُعطك ، وتوكّل عليّ أكفك ، ثم يقول جلّ جلاله لملائكته : يا ملائكتي !..انظروا إلى عبدي قد تخلّى في جوف هذا الليل المظلم ، والبطّالون لاهون ، والغافلون نيام ، اشهدوا أني قد غفرت له . ص120
المصدر:روضة الواعظين

قال الصادق (ع) : كان عيسى بن مريم (ع) يقول لأصحابه :
يا بني آدم !.. اهربوا من الدنيا إلى الله ، وأخرجوا قلوبكم عنها ، فإنكم لا تصلحون لها ولا تصلح لكم ، ولا تبقون لها ولا تبقى لكم ، هي الخدّاعة الفجّاعة ، المغرور مَن اغترّ بها ، المفتون مَن اطمأن إليها ، الهالك مَن أحبّها وأرادها ، فتوبوا إلى الله بارئكم واتقوا ربكم ، واخشوا يوماً لا يجزي والدٌ عن ولده ، ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئا …. الخبر .ص120
المصدر:روضة الواعظين

قال الصادق (ع) : إن قدرتم ألاّ تُعرفوا فافعلوا ، وما عليك إن لم يثن عليك الناس ، وما عليك أن تكون مذموما عند الناس إذا كنت عند الله محمودا ، إنّ عليا (ع) كان يقول :
لا خير في الدنيا ، إلا لأحد رجلين : رجل يزداد كلّ يوم إحسانا ، ورجل يتدارك سيّئة بالتوبة ، وأنّى له بالتوبة ، والله لو سجد حتى ينقطع عنقه ما قبل الله منه إلاّ بولايتنا .ص121
المصدر:روضة الواعظين

قال علي (ع) : الدنيا قد نعت إليك نفسها ، وتكشّفت لك عن مساويها ، وإياك أن تغترّ بما ترى من إخلاد أهلها إليها ، وتكالبهم عليها ، فإنهم كلاب عاوية ، وسباع ضارية ، يهرّ بعضها على بعض ، يأكل عزيزها ذليلها ، ويقهر كبيرها صغيرها ، نَعمٌ معقّلة ، وأخرى مهملة ، قد أضلّت عقولها ، وركبت مجهولها .ص123
المصدر:تنبيه الخواطر ص69

قال أبو ذر رحمه الله : يومُك جملُك إذا أخذت برأسه أتاك ذنَبُه ، يعني إذا كنت من أول النهار في خير لم تزل فيه إلى آخره .ص124
المصدر:تنبيه الخواطر ص77

قال لقمان لابنه : يا بنيّ !..لا تدخل في الدنيا دخولاً يضرّ بآخرتك ، ولا تتركها تركاً تكون كلاًّ على الناس .ص124
المصدر:تنبيه الخواطر ص77

قال الصادق (ع) : يا إسحاق !..كم ترى أصحاب هذه الآية { إن أُعطوا منها رضوا وإن لم يُعطوا منها إذا هم يسخطون } ؟.. ثم قال : هم أكثر من ثلثي الناس .ص125
المصدر:كتاب الحسين بن سعيد

من خبر ضرار بن ضمرة الضبابي عند دخوله على معاوية ومسألته عن أمير المؤمنين (ع) قال : فأشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله وهو قائم في محرابه ، قابض على لحيته ، يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء الحزين ، ويقول :
يا دنيا !.. يا دنيا !.. إليكِ عني ، أبي تعرّضتِ ، أم إليّ تشوقت ؟!.. لا حان حينك ، هيهات غرّي غيري !.. لا حاجة لي فيك ، قد طلقتك ثلاثاً لا رجعة فيها ، فعيشك قصير ، وخطرك يسير ، وأملك حقير ، آه من قلة الزاد وطول الطريق ، وبُعد السفر ، وعظيم المورد ، وخشونة المضجع.ص128
المصدر:النهج رقم 77

قال علي (ع) : والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عُراق خنزير في يد مجذوم .ص130
المصدر:النهج رقم 236

قال علي (ع) : الناس أبناء الدنيا ، ولا يُلام الرجل على حبّ أُمّه .ص131
المصدر:النهج رقم 303

قال علي (ع) : من هوان الدنيا على الله أنه لا يُعصى إلاّ فيها ، ولا يُنال ما عنده إلاّ بتركها .ص132
المصدر:النهج رقم 285

قال علي (ع) : ألا حرٌّ يدع هذه اللماظة لأهلها ؟.. إنه ليس لأنفسكم ثمن إلاّ الجنّة ، فلا تبيعوها إلا بها .ص133
المصدر:النهج رقم 456

قال علي (ع) : منهومان لا يشبعان : طالب علم ، وطالب دنيا .ص133
المصدر:النهج رقم 457

قال علي (ع) : الدنيا خُلقت لغيرها ، ولم تُخلق لنفسها .ص133
المصدر:النهج رقم 463

من خطبة له (ع) : عباد الله !..الآن فاعملوا والألسن مطلقة ، والأبدان صحيحة ، والأعضاء لدنة ، والمتقلّب فسيح ، والمجال عريض قبل إرهاق الفوت وحلول الموت ، فحقّقوا عليكم نزوله ، ولا تنتظروا قدومه .ص134
المصدر:النهج رقم 194

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى