الجزء التاسع والستون كتاب الايمان والكفر

باب المرجئة والزيدية والبترية والواقفية وساير فرق أهل الضلال

حج هشام بن عبد الملك سنة من السنين ، وكان قد حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر وابنه جعفر بن محمد الصادق ( ع) فقال الصادق (ع) في بعض كلامه :
الحمد لله الذي بعث محّمداّ بالحقّ نبيّاً ، وأكرمنا به ، فنحن صفوة الله على خلقه ، وخيرته من عباده ، فالسعيد من اتّبعنا ، والشقي من عادانا وخالفنا ، ومن الناس من يقول : إنّه يتولاّنا وهو يوالي أعداءنا ، ومن يليهم من جلسائهم وأصحابهم أعداؤنا ، فهو لم يسمع كلام ربّنا ولم يعمل به.
قال أبو عبد الله جعفر بن محمد (ع) فأخبر مسيلمة بن عبد الملك أخاه بما سمع ، فلم يعرض لنا حتى انصرف إلى دمشق ، وانصرفنا إلى المدينة ، فأنفذ بريداً إلى عامل المدينة بإشخاص أبي وإشخاصي معه ، فأشخَصَنا ، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيام ، ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع ، فدخلنا وإذا هو قد قعد على سرير المُلْك ، وجنده وخاصته وقوف على أرجلهم سماطين متسلّحين ، وقد نصب البُرجاس حذاه وأشياخ قومه يرمون.
فلما دخلنا وأبي أمامي يقدمني عليه بدأه – وأنا خلفه على يد أبي -حتى حاذيناه ، فنادى أبي : يا محمّد ، ارم مع أشياخ قومك الغرض ، وإنّما أراد أن يهتك بأبي وظنّ أنه يقصّر ويخطئ ، ولا يصيب إذا رمى ، فيشتفي منه بذلك ، فقال له أبي:
قد كبرت عن الرمي فإن رأيت أن تعفيني ، فقال : وحق من أعزّنا بدينه ونبيه محمد (ص) لا أعفيك ، ثم أومى إلى شيخ من بني أمية أن أعطه قوسك ، فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ ، ثم تناول منه سهماً فوضعه في كبد القوس ، ثم انتزع ورمى وسط الغرض فنصبه فيه ، ثم رمى فيه الثانية فشقّ فواق سهمه الى نصله ، ثم تابع الرمي حتى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض ، وهشام يضطرب في مجلسه ، فلم يتمالك أن قال :
أجدتَ يا أبا جعفر ، وأنت أرمى العرب والعجم ، كلا زعمت أنّك قد كبرت عن الرمي ؟.. ثم أدركَتْه ندامة على ما قال ، وكان هشام لم يكنِّ أحداً قبل أبي ولا بعده في خلافته ، فهمّ به وأطرق إطراقة يرتوي فيه رأياً ، وأبي واقف بحذاه مواجهاً له ، وأنا وراء أبي.
فلمّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي فهمّ به ، وكان أبي عليه وعلى آبائه السلام ، إذا غضب نظر الى السماء نظر غضبان ، يتبين للناظر الغضب في وجهه ، فلمّا نظر هشام إلى ذلك من أبي قال له : يا محمد اصعد!.. فصعد أبي الى سريره وأنا أتّبعه .
فلما دنى من هشام قام إليه فاعتنقه وأقعده عن يمينه ، ثم اعتنقني وأقعدني عن يمين أبي ، ثم أقبل على أبي بوجهه ، فقال له: يا محمد!.. لا تزال العرب والعجم تسودها قريش ما دام فيهم مثلك ، لله درك !.. من علّمك هذا الرمي ، وفي كم تعلّمته؟..فقال له أبي: قد علمتُ أنّ أهل المدينة يتعاطونه فتعاطيته أيام حداثتي ثم تركته ، فلمّا أراد أمير المؤمنين مني ذلك عدت فيه.
فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قط مذ عقلت ، وما ظننت أنّ في الأرض أحداً يرمى مثل هذا الرمي ، أين رمي جعفر من رميك ؟..فقال :
إنّا نحن نتوارث الكمال والتمام والدين ، إذ أنزل الله على نبيه في قوله:
{ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً } ، والأرض لا تخلو ممن يكمل هذه الأمور التي يقصر عنها غيرنا.
قال : فلما سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى فأحولت واحمرّ وجهه ، وكان ذلك علامة غضبه إذا غضب ، ثم أطرق هنيئة ثم رفع رأسه فقال لأبي:
ألسنا بني عبد مناف نسبنا ونسبكم واحد؟..فقال أبي :
نحن كذلك ، ولكنّ الله جلّ ثناؤه اختصنا من مكنون سرّه وخاص علمه بما لم يخصّ به أحداً غيرنا ، فقال : أليس الله جلّ ثناؤه بعث محمداً (ص) من شجرة عبد مناف إلى الناس كافة أبيضها وأسودها وأحمرها ؟.. من أين ورثتم ما ليس لغيركم ، ورسول الله مبعوث إلى الناس كافة ، وذلك قول الله تبارك وتعالى : { وما من غائبة في السماء والأرض} إلى آخر الآية ، فمن أين ورثتم هذا العلم؟.. وليس بعد محمد نبي ولا أنتم أنبياء؟..فقال :
من قوله تعالى لنبيه : {لا تحرك به لسانك لتعجل به} فالذي أبداه فهو للناس كافة ، والذي لم يحرك به لسانه أمر الله أن يخصنا به من دون غيرنا ، فلذلك كان يناجي أخاه علياً من دون أصحابه ، وأنزل الله بذلك قرآنا في قوله: {وتعيها أذن واعية} ، فقال رسول الله (ص) لأصحابه :
سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي!.. فلذلك قال علي بن أبي طالب (ع) بالكوفة : علّمني رسول الله (ص) ألف باب من العلم يفتح كل باب ألف باب ، خصه به رسول الله (ص) من مكنون سرّه ، فكما خص الله أكرم الخلق عليه ، كذلك خص نبيه أخاه علياً من مكنون سره وعلمه بما لم يخص به أحدا من قومه ؛ حتى صار إلينا ، فتوارثنا من دون أهلها.
فقال هشام بن عبد الملك : إن علياً كان يدّعي علم الغيب ، والله لم يُطلع على غيبه أحداً فمن أين ادّعى ذلك ؟.. فقال أبي :
إن الله جلّ ذكره أنزل على نبيه كتاباً بيّن فيه ما كان وما يكون إلى يوم القيامة في قوله:
{ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء}، {وهدى و موعظة للمتقين} وفي قوله :
{كل شيء أحصيناه في إمام مبين} وفي قوله:
{وما فرّطنا في الكتاب من شيء} وفي قوله :
{وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} ، وأوحى الله إلى نبيه عليه السلام : أن لا يبقى في غيبه وسره ومكنون علمه شيء ، إلا يناجي به علياً ، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده ، ويتولّى غسله وتكفينه وتحنيطه من دون قومه…. إلى أن قال (ع):
فركبنا دوابّنا منصرفين ، وقد سبقنا بريد من عند هشام إلى عامل مدين على طريقنا إلى المدينة ، أنّ ابنَي أبي تراب الساحرين محمد بن علي وجعفر بن محمد الكذابين – بل هو الكذاب لعنه الله – فيما يظهران من الإسلام وَرَدا عليّ فلما صرفتهما إلى المدينة ، مالا الى القسيسين والرهبان من كفّار النصارى وتقرّبا إليهم بالنصرانية ، فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما ، فإذا قرأت كتابي هذا فناد في الناس :
برئت الذمة ممن يشاريهم أو يبايعهم أو يصافحهم أو يسلّم عليهم ، فإنهما قد ارتدا عن الإسلام ، ورأى أمير المؤمنين أن يقتلهما ودوابهما وغلمانهما ومن معهما أشرّ قتلة.
قال: فورد البريد إلى مدينة مدين ، فلمّا شارفنا مدينة مدين ، قدّم أبي غلمانه ليرتادوا له منزلاً ، ويشتروا لدوابنا علفاً ، ولنا طعاماً ، فلمّا قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا ، وشتمونا وذكروا أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ، وقالوا: لا نزول لكم عندنا ، ولا شرى ولا بيع ، يا كفّار !.. يا مشركين !.. يا مرتدّين !.. يا كذّابين !.. يا شر الخلائق أجمعين !..
فوقف غلماننا على الباب حتى انتهينا إليهم فكلمهم أبي ، وليّن لهم القول ، وقال لهم: اتقوا الله ولا تغلطون ، فلسنا كما بلغكم ، ولا نحن كما تقولون ، فاسمعونا .
فقال أبي : فهبنا كما تقولون ، افتحوا لنا الباب ، وشارونا وبايعونا كما تشارون وتبايعون اليهود والنصارى والمجوس ، فقالوا :
أنتم أشرّ من اليهود والنصارى والمجوس ، لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية ، وأنتم ما تؤدّون ، فقال لهم أبي :
افتحوا لنا الباب وأنزلونا ، وخذوا منا الجزية كما تأخذون منهم ، فقالوا : لا نفتح ولا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعاً مياعاً ، وتموت دوابكم تحتكم.
فوعظهم أبي فازدادوا عتوّا ونشوزاً قال: فثنّى أبي برجله عن سرجه وقال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح !. ثم صعد الجبل المطل على مدينة مدين ، وأهل مدين ينظرون إليه ما يصنع ؟.. فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده ، ثم وضع أصبعيه في أذنيه ، ثم نادى بأعلى صوته:
{وإلى مدين أخاهم شعيباً } إلى قوله {بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين} نحن والله بقية الله في أرضه.. فأمر الله ريحاً سوداء مظلمة فهبّت واحتملت صوت أبي ، فطرحته في أسماع الرجال والنساء والصبيان ، فما بقي أحد من الرجال والنساء والصبيان إلا صعد السطوح وأبي مشرف عليهم ، وصعد فيمن صعد شيخ من أهل مدين كبير السن ، فنظر إلى أبي على الجبل ، فنادى بأعلى صوته:
اتقوا الله يا أهل مدين ، فإنه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب عليه السلام حين دعا على قومه ، فان أنتم لم تفتحوا الباب ولم تنزلوه ، جاءكم من العذاب وأتى عليكم ، وقد أعذر من أنذر .
ففزعوا وفتحوا الباب وأنزلونا ، وكتب العامل بجميع ذلك إلى هشام ، فارتحلنا في اليوم الثاني ، فكتب هشام إلى عامل مدين يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطمّوه ، فأخذوه فطمّوه رحمة الله عليه وصلواته ، وكتب إلى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعامٍٍ أو شرابٍ ، فمضى هشام ولم يتهيأ له في أبي شيء من ذلك.ص189
المصدر: دلائل الإمامة ص104

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى