الجزء الثامن والستون كتاب الايمان والكفر

باب الحلم والعفو وكظم الغيظ

روي أنّ جارية لعلي بن الحسين (ع) جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة ، فسقط الإبريق من يدها فشجّه فرفع رأسه إليها ، فقالت له الجارية : إنّ الله يقول :
{والكاظمين الغيظ} ، فقال لها : كظمت غيظي ، قالت :
{والعافين عن الناس} ، قال : عفى الله عنكِ ، قالت :
{والله يحبّ المحسنين} ، قال : فاذهبي فأنتِ حرّة لوجه الله .ص399
المصدر:مجمع البيان 2/505

قال السجاد (ع) : إذا كان يوم القيامة جمع الله تبارك وتعالى الأولين والآخرين في صعيد واحد ثم ينادي مناد :
أين أهل الفضل ؟..فيقوم عنق من الناس فتلقاهم الملائكة ، فيقولون :
وما كان فضلكم ؟..فيقولون : كنا نصل مَنْ قطعنا ، ونُعطي مَن حرمنا ، ونعفو عمّن ظلمنا ، فيُقال لهم : صدقتم ، ادخلوا الجنّة .ص400
المصدر:الكافي 2/107
بيــان:
واعلم أنّ هذه الخصال فضيلة وأيّة فضيلة ، ومكرمة وأيّة مكرمة ، لا يدرك كنه شرفها وفضلها ، إذ العامل بها يُثبت بها لنفسه الفضيلة ، ويرفع بها عن صاحبه الرذيلة ، ويغلب على صاحبه بقوّة قلبه ، يكسر بها عدوّ نفسه ونفس عدوّه ، وإلى هذا أُشير في القرآن المجيد بقوله سبحانه :
{ ادفع بالتي هي أحسن } ، يعني السيئّة {فإّذا الّذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميم } ، ثم أُشير إلى فضلها العالي وشرفها الرفيع بقوله عزّ وجلّ : { وما يلقيّها إلاّ الّذين صبروا وما يلقّيها إلاّ ذو حظّ عظيم } يعني من الإيمان والمعرفة ، رزقنا الله الوصول إليها وجعلنا من أهلها. ص400

قال الباقر (ع) : الندامة على العفو ، أفضل وأيسر من الندامة على العقوبة.ص401
المصدر:الكافي 2/108

كان الكاظم (ع) في حائط له يصرم ، فنظرت إلى غلام له قد أخذ كارة من تمر ، فرمى بها وراء الحائط ، فأتيته فأخذته وذهبت به إليه ، فقلت له : جعلت فداك !..إنّي وجدت هذا وهذه الكارة ، فقال للغلام : فلان!.. قال: لبّيك !.. قال: أتجوع ؟.. قال : لا يا سيّدي !.. قال : فلأيّ شيء أخذت هذه ؟.. قال: اشتهيت ذلك ، قال : اذهب فهي لك ، وقال : خلّوا عنه.ص402
المصدر:الكافي 2/108
بيــان:
صرم النخل جزّه والفعل كضرب ، وفي القاموس الكارة مقدار معلوم من الطعام ، ويدلّ على استحباب العفو عن السارق وترك ما سرقه له.ص402

قال أبو الحسن (ع) : ما التقت فئتان قطّ ، إلا نُصر أعظمهما عفوا.
المصدر:الكافي 2/108
بيــان:
يدلّ على أن نيّة العفو ، تورث الغلبة على الخصم .ص402

قال الباقر (ع) : إنّ رسول (ص) أُتي باليهودية التي سمّت الشاة للنبي (ص) ، فقال لها : ما حملك على ما صنعت ؟!..فقالت : قلت : إنْ كان نبيا لم يضرّه ، وإنْ كان ملكا أرحت الناس منه ، فعفا رسول الله (ص) عنها.
المصدر:الكافي 2/108
بيــان:
يدلّ على حُسن العفو عن الكافر وإنْ أراد القتل وتمسك بحجّة كاذبة ، وظاهر أكثر الروايات أنه (ص) أكل منها ولكن بإعجازه لم يؤثر فيه عاجلا ، وفي بعض الروايات أنّ أثره بقي في جسده حتى توفي به بعد سنين ، فصار شهيدا فجمع الله له بذلك بين كرم النبوة ، وفضل الشهادة.ص402
الحلم : الأناءة والتثبّت في الأمور ، وهو يحصل من الاعتدال في القوّة الغضبيّة ، ويمنع النّفس من الانفعال عن الواردات المكروهة المؤذية ، ومن آثاره : عدم جزع النفس عند الأمور الهائلة ، وعدم طيشها في المؤاخذة ، وعدم صدور حركات غير منتظمة منها ، وعدم إظهار المزيّة على الغير ، وعدم التهاون في حفظ ما يجب حفظه شرعاً وعقلاً .
ويدلّ الحديث على اشتراط قبول العبادة وكمالها بالحلم ، لأنّ السفيه يبادر بأمور قبيحة من الفحش والبذاء والضرب والإيذاء بل الجراحة والقتل ، وكلّ ذلك يفسد العبادة ، فإنّ الله إنّما يتقبّلها من المتقّين ، وقيل : الحليم هنا العاقل ، وقد مرّ أنّ عبادة غير العاقل ليس بكامل ، ولمّا كان الصمت عمّا لا يعني من لوازم الحلم غالباً ذكره بعده ، ولذلك قال النبي (ص) : إذا غضب أحدكم فليسكت ، وصوم الصمت كان في بني إسرائيل ، وهو وإن نُسخ في هذه الأمّة لكنّ كمال الصمت غير منسوخ ، فاستشهد (ع) على حسنه بكونه شرعاً مقرّراً في بني إسرائيل ، ولم يكونوا يعدّون الرجل في العابدين المعروفين بالعبادة ، إلاّ بعد المواظبة على صوم الصمت أو أصله عشر سنين.ص404

قال النبي (ص) : ما أعزّ الله بجهل قطُّ ، ولا أذلّ بحلم قطُّ .ص404
المصدر:الكافي 2/112

قال علي (ع) : إنْ لم تكن حليما فتحلّم ، فإنه قلّ مَنْ تَشبّه بقوم إلا أوشك أن يكون منهم .ص405
المصدر:النهج 2/191

بعث الصادق (ع) غلاما له في حاجة فأبطأ ، فخرج أبو عبد الله على أثره لمّا أبطأ ، فوجده نائما فجلس عند رأسه يروِّحه حتى انتبه ، فلمّا انتبه قال له أبو عبد الله (ع) : يا فلان !..والله ما ذلك لك تنام الليل والنهار ، لك الليل ولنا منك النهار .ص405
المصدر:الكافي 2/112

كان السجاد (ع) يقول : ما أُحبُّ أنّ لي بذِلِّ نفسي حمر النَّعَم ، وما تجرّعت جرعة أَحبُّ إليَّ من جرعة غيظ لا أُكافي بها صاحبها .ص406
المصدر:الكافي 2/109
بيــان:
وقال الكرماني : حُمْر النعم بضمّ الحاء وسكون الميم أي أقواها وأجلدها ، وقال الطيبي : أي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب ، وقال في المغرب : حمر النعم كرائمها ، وهي مَثَل في كلّ نفيس.
وقال بعض الأفاضل : لا يُقال : الغيظ أمر جبلّيٌّ لا اختيار للعبد في حصوله ، فكيف يكلّف برفعه ؟!..لأنّا نقول : هو مكلّف بتصفية النّفس على وجه لا يحرّكها أسباب الغيظ بسهولة .
وأقول : على تقدير حصول الغيظ بغير اختياره فهو غير مكلّف برفعه ، ولكنّه مكلّف بعدم العمل بمقتضاه ، فإنه باختياره غالباً ، وإنْ سُلب اختياره فلا يكون مكلّفاً .ص408

قال الكاظم (ع) : اصبر على أعداء النِّعَم ، فإنك لن تكافي مَنْ عصى الله فيك ، بأفضل مِنْ أن تُطيع الله فيه .ص408
المصدر:الكافي 2/109

قال الصادق (ع) : ما مِنْ عبدٍ كظم غيظاً ، إلا زاده الله عزّ وجلّ عزّاً في الدنيا والآخرة ، وقد قال الله عزّ وجلّ :
{والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين} ، وأثابه الله مكان غيظه ذلك .ص410
المصدر:الكافي 2/110

وفد العلا بن الحضرميّ على النبيّ (ص) ، فقال : يا رسول الله !.. إنّ لي أهل بيت أُحسن إليهم فيسيؤن ، وأَصِلُهم فيقطعون ، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله :
{ادفع بالّتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنّه وليٌّ حميم ، وما يلقّيها إلاّ الّذين صبروا وما يلقّيها إلاّ ذو حظّ عظيم} ، فقال العلا بن الحضرمي : إنّي قلت شعراً هو أحسن من هذا ، قال : وما قلت ؟.. فأنشده :

فقال النبي (ص) : إنّ من الشعر لحكماً ، وإنّ من البيان لسحراً ، وإنّ شعرك لَحَسن ، وإنّ كتاب الله أحسن. ص415
المصدر:أمالي الصدوق ص368

قال النبي (ص) : قال عيسى بن مريم (ع) ليحيى بن زكريا (ع) : إذا قيل فيك ما فيك ، فاعلم أنه ذنب ذكرته فاستغفرِ الله منه ، وإنْ قيل فيك ما ليس فيك فاعلم أنه حسنة كُتبت لك لم تتعب فيها .ص415
المصدر:أمالي الصدوق ص306

قال الصادق (ع) : ثلاث مَنْ كنَّ فيه زوَّجه الله من الحور العين كيف شاء : كظم الغيظ ، والصبر على السيوف لله عزّ وجلّ ، ورجل أشرف على مال حرام فتركه لله عزّ وجلّ .ص417
المصدر:الخصال 1/43

قال الباقر (ع) : مَنْ كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه ، حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة ، ومَنْ ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا غضب ، حرّم الله جسده على النار .ص417
المصدر:تفسير القمي ص604

قال النبي (ص) : إنّ العفو يزيد صاحبه عزّاً ، فاعفوا يعزّكم الله .ص419
المصدر:أمالي الطوسي 1/14

قال الهادي (ع) : كان فيما ناجى الله موسى بن عمران (ع) أن قال :
إلهي !.. ما جزاء مَنْ صبر على أذى الناس وشتْمهم فيك ؟.. قال : أُعينه على أهوال يوم القيامة .ص421
المصدر:أمالي الصدوق ص125

قال النبي (ص) : بُعثتُ للحلم مركزاً ، وللعلم معدناً ، وللصبر مسكناً.ص423
المصدر:مصباح الشريعة ص37

سمع أمير المؤمنين (ع) رجلا يشتم قنبرا ، وقد رام قنبر أنْ يردّ عليه ، فناداه أمير المؤمنين (ع) : مهلا يا قنبر !..دع شاتمك مُهانا : تُرضي الرحمن ، وتُسخط الشيطان ، وتُعاقب عدوك.. فو الذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ما أرضى المؤمن ربه بمثل الحلم ، ولا أسخط الشيطان بمثل الصمت ، ولا عُوقب الأحمق بمثل السكوت عنه .ص424
المصدر:مجالس المفيد ص77

قال الصادق (ع) : كان بالمدينة رجل بطّال يضحك أهل المدينة من كلامه ، فقال يوماً لهم : قد أعياني هذا الرجل ، يعني عليّ بن الحسين عليهما السلام فما يُضحكه منّي شيء ، ولا بدّ من أن أحتال في أن أُضحكَه..
فمرَّ عليُّ بن الحسين (ع) ذات يوم ومعه موليان له ، فجاء ذلك البطّال حتّى انتزع رداءه من ظهره ، واتّبعه الموليان فاسترجعا الرداء منه وألقياه عليه ، وهو مختب لا يرفع طرفه من الأرض ، ثمّ قال لمولييه :
ما هذا ؟.. فقالا له : رجل بطّال يُضحك أهل المدينة ويستطعم منهم بذلك ، قال : فقولا له : يا ويحك !.. إنّ لله يوماً يخسر فيه البطّالون.ص425
المصدر:مجالس المفيد 136

أحضر الكاظم وُلْدَه يوماً فقال لهم : يا بنيَّ !.. إني موصيكم بوصيّة فمَنْ حفظها لم يَضِعْ معها : إن أتاكم آت فأسمعكم في الأذن اليمنى مكروها ، ثم تحوّل إلى الأذن اليسرى فاعتذر وقال : لم أقل شيئا ، فاقبلوا عذره .ص425
المصدر:كشف الغمة 3/12

قال النبي (ص) : مَنْ كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه ، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق ، حتى يُخيّر مِنْ أيِّ الحور شاء .ص425
المصدر:جامع الأخبار ص137

وفي الحديث إذا كان يوم القيامة نادى مناد : مَنْ كان أجره على الله فليدخل الجنّة ، فيُقال : مَنْ هم ؟..فيُقال : العافون عن الناس يدخلون الجنّة بلا حساب.ص425
المصدر:جامع الأخبار ص137

قال الرضا (ع) : مَنْ صبر على ما ورد عليه فهو الحليم ، وقال لقمان : عدوّ حليم خير من صديق سفيه ، وقال لقمان : ثلاثة لا يُعرفون إلاّ في ثلاثة مواضع :
لا يُعرف الحليم إلاّ عند الغضب ، ولا يُعرف الشجاع إلاّ في الحرب ، ولا تَعرف أخاك إلاّ عند حاجتك إليه .ص426
المصدر:الاختصاص ص246

قال الصادق (ع) : إنه ليعرض لي صاحب الحاجة ، فأُبادر إلى قضائها مخافة أن يستغني عنها صاحبها ، أَلاَ وإنّ مكارم الدنيا والآخرة في ثلاثة أحرف من كتاب الله :
{ خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } ، وتفسيره : أن تصل مَنْ قطعك ، وتعفو عمّن ظلمك ، وتُعطي مَنْ حرمك .ص426
المصدر:أمالي الطوسي 2/258

قال علي (ع) : إذا قدرت على عدوّك ، فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه.ص427
المصدر:النهج 2/145

قال علي (ع) : عاتب أخاك بالإحسان إليه ، واردد شره بالإنعام عليه.ص427
المصدر:النهج 2/184

قال علي (ع) : متى أشفي غيظي إذا غضبت : أحين أعجز عن الانتقام ، فيُقال لي : لو صبرت ؟.. أم حين أقدر عليه فيُقال لي : لو غفرت ؟..ص427
المصدر:النهج 2/188

قال علي (ع) : الحلم غطاء ساتر ، والعقل حسام باتر ، فاستر خلل خُلقك بحلمك ، وقاتل هواك بعقلك .ص428
المصدر:النهج 2/245

قال علي (ع) : شدّة الغضب تغيّر المنطق ، وتقطع مادّة الحجّة ، وتفرّق الفهم .ص428
المصدر:كنز الكراجكي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى