الجزء السادس والستون كتاب الأيمان والكفر

باب صفات خيار العباد وأولياء الله ، وفيه ذكر بعض الكرامات التي رُويت عن الصالحين

حدّثني غاسل الفضيل بن يسار ، قال : إنّي لأغسل الفضيل بن يسار وإنّ يده لتسبقني إلى عورته ، فخبّرت بذلك أبا عبد الله (ع) ، فقال لي : رحم الله الفضيل بن يسار وهو منّا أهل البيت .ص272
المصدر: الكشي ص186

قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه للشيخ الذي أتاه من الشام :
يا شيخ !.. إنّ الله عزّ وجلّ خلق خلقاً ضيّق الدنيا عليهم نظراً لهم ، فزهّدهم فيها وفي حطامها ، فرغبوا في دار السلام الذي دعاهم إليه ، وصبروا على ضيق المعيشة ، وصبروا على المكروه ، واشتاقوا إلى ما عندالله من الكرامة ، وبذلوا أنفسهم ابتغاء رضوان الله ، وكانت خاتمة أعمالهم الشهادة ، فلقوا الله وهو عنهم راضٍ ، وعلموا أنّ الموتَ سبيلُ مَن مضى ومَن بقي .
فتزوّدوا لآخرتهم غير الذهب والفضة ، ولبسوا الخشن ، وصبروا على القوت ، وقدّموا الفضل ، وأحبّوا في الله ، وأبغضوا في الله عزّ وجلّ ، أولئك المصابيح وأهل النعيم في الآخرة والسلام.ص 272
المصدر: معاني الأخبار ص197 ، أمالي الصدوق ص236
قال الصادق (ع) : إنّ صاحب الدين فكّر فعَلَتْهُ السكينة ، واستكان فتواضع ، وقنع فاستغنى ، ورضي بما أُعطي ، وانفرد فكُفي الأحزان ، ورفض الشهوات ، فصار حرّاً ، وخلع الدنيا فتحامى الشّرور ، وطرح الحسد فظهرت المحبّة ، ولم يخَف الناس فلم يخفهم ، ولم يُذنب إليهم فسَلِم منهم ، وسخط نفسه عن كل شيء ففاز واستكمل الفضل ، وأبصر العافية فأمن الندامة.ص277
المصدر: مجالس المفيد ص40

عن أبي حمزة قال : كانت بُنيّة لي سقطت فانكسرت يدها ، فأتيت بها التيمي فأخذها فنظر إلى يدها ، فقال : منكسرة ، فدخل يخرج الجبائر وأنا على الباب ، فدخلتني رقّة على الصّبية فبكيت ودعوت.
فخرج بالجبائر فتناول بيد الصبية فلم ير بها شيئاً ، ثمّ نظر إلى الأخرى ، فقال : ما بها شيء ، قال : فذكرت ذلك لأبي عبد الله (ع) فقال :
يا أبا حمزة !.. وافق الدعاء الرضا ، فاستُجيب لك في أسرع من طرفة عين .ص 282
المصدر: الكشي ص177

قال علي (ع) : إنّ لله عباداً كسرتْ قلوبَهم خشيةُ الله فاستكفوا عن المنطق ، إنهم لفصحاءٌ عقلاء ، ألبّاءٌ نبلاء ، يسبقون إليه بالأعمال الزاكية ، لا يستكثرون له الكثير ، و لايرضون له القليل .
يرون أنفسهم أنهم شرار وأنهم الأكياس الأبرار .ص287
المصدر: كتاب الحسين بن سعيد

قال رسول الله (ص) : مَن عرف الله وعظّمه منع فاه من الكلام ، وبطنه من الطعام ، وعفى نفسه بالصيام والقيام ، قالوا :
بآبائنا وأُمّهاتنا يا رسول الله !.. هؤلاء أولياء الله ؟.. قال :
إنّ أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكراً ، ونظروا فكان نظرهم عبرةً ، ونطقوا فكان نطقهم حكمةً ، ومشوا فكان مشيهم بين الناس بركةً .
لولا الآجال التي قد كتب الله عليهم ، لم تقرّ أرواحهم في أجسادهم خوفاً من العذاب ، وشوقاً إلى الثواب .ص 289
المصدر: الكافي 2/237

بيــان: قال قدّس سرّه : قد اشتمل هذا الحديث على المهمّ من سمات العارفين ، وصفات الأولياء الكاملين :
فأوّلها : الصمت وحفظ اللّسان الذي هو باب النجاة .
وثانيها : الجوع وهو مفتاح الخيرات .
وثالثها : إتعاب النفس في العبادة بصيام النهار وقيام الليل ، وهذه الصفة ربّما توهّم بعض الناس استغناء العارف عنها ، وعدم حاجته إليها بعد الوصول وهو وهمٌ باطل ، إذ لو استغنى عنها أحد لاستغنى عنها سيّد المرسلين وأشرف الواصلين .
وقد كان عليه السلام يقوم في الصلاة إلى أن وَرِمت قدماه ، وكان أمير المؤمنين علي (ع) الذي إليه ينتهي سلسلة أهل العرفان ، يصلّي كل ليلة ألف ركعة ، وهكذا شأن جميع الأولياء والعارفين كما هو في التواريخ مسطور ، وعلى الألسنة مشهور .
ورابعها : الفكر ، وفي الحديث تفكّرُ ساعة خير من عبادة ستّين سنة ، قال بعض الأكابر : إنّما كان الفكر أفضل لأنّه عمل القلب ، وهو أفضل من الجوارح ، فعمله أشرف من عملها .. ألا ترى إلى قوله تعالى : {أقم الصلاة لذكري } ، فجعل الصلاة وسيلةً إلى ذكر القلب ، والمقصود أشرف من الوسيلة .
وخامسها : الذكر والمراد به الذكر اللساني ، وقد اختاروا له كلمة التوحيد لاختصاصها بمزايا ، ليس هذا محلّ ذكرها .
وسادسها : نظر الاعتبار كما قال سبحانه : { فاعتبروا يا أولي الأبصار } .
وسابعها : النطق بالحكمة والمراد بها ما تضمّن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة الأخرى من العلوم والمعارف ، أمّا ما تضمّن صلاح الحال في الدنيا فقط ، فليس من الحكمة في شيء .
وثامنها : وصول بركتهم إلى الناس .
وتاسعها وعاشرها : الخوف والرجاء .
وهذه الصفات العشر إذا اعتبرتها ، وجدتها أُمّهات صفات السائرين إلى الله تعالى ، يسّر الله لنا الاتصاف بها بمنّه وكرمه .ص294

من كلامٍ لأمير المؤمنين (ع) : قد أحيا عقله ، وأمات نفسه ، حتّى دقّ جليله ، ولطف غليظه ، وبرق له لامعٌ كثير البرق ، فأبان له الطريق ، وسلك به السبيل ، وتدافعته الأبواب إلى باب السلامة ودار الإقامة ، وثبتت رجلاه بطمأنينة بدنه في قرار الأمن والراحة بما استعمل قلبه ، وأرضى ربّه .ص317
المصدر: النهج 1/465
بيــان: إحياء العقل : بتحصيل المعارف الربّانية ، وتسليطه على الشيطان والنفس الأمّارة ، وإماتة النفس بجعلها مقهورة للعقل ، بحيث لا يكون لها تصّرف إلاّ بحكمه ، فكانت في حكم الميّت في ارتفاع الشهوات النفسانية ، كما قيل : موتوا قبل أن تموتوا .
ودقّ الشيء : صار دقيقاً ، وهو ضدّ الغليظ ، والجليل : العظيم .. ولطُف : ككرُم لطفاً ولطافة بالفتح ، أي صغُر ودقّ ، وكأنّ المراد بالجليل البدن ، ودقّته بكثرة الصيام والقيام ، والصبر على المشاقِّ الواردة في الشريعة المقدّسة ، وبالغليظ : النفس الأمّارة والقوى الشهوانيّة ، ويحتمل العكس والتأكيد أيضاً .
وبرق كنصر : أي لمع أو جاء ببرق ، وبرق النجم أي طلع ، واللامع هداية الله بالأنوار الإلهية ، والنفحات القدسية ، والألطاف الغيبيّة ، وكشف الأستار عن أسرار الكتاب والسنّة .
وتدافع الأبواب يحتمل وجوهاً :
الأول : أنّه لم يزل ينتقل من منزلةٍ من منازل قربه سبحانه إلى ما هو فوقه ، حتّى ينتهي إلى مقامٍ إذا دخله كان مستيقناً للسلامة ، وهي درجة اليقين ، ومنزلة أولياء الله المتّقين ، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
الثاني : أنّه إذا أدركته التوفيقات الربّانية ، شرع في طلب الحقّ وتردّد في المذاهب ، فكلّما تفكّر في مذهب من المذاهب الباطلة دفعته العناية الإلهية عن الدخول فيه ، فإذا أصاب الحقّ قرّ فيه وسكن واطمأنّ ، كما روي عن الصادق (ع) : إنّ القلب ليتجلجل في الجوف يطلب الحقّ ، فإذا أصابه اطمأنّ وقرّ ، ثمّ تلا الصادق (ع) هذه الآية : { فَمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومَن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء } .. وعنه (ع) قال : إنّ الله خلق قلوب المؤمنين مبهمة على الإيمان ، فإذا أراد استنارة ما فيها نضحها بالحكمة ، وزرعها بالعلم ، وزارعُها والقيّم عليها رب العالمين ، وعنه (ع) قال :
إنّ القلب ليرجج فيما بين الصدر والحنجرة حتّى يعقد على الإيمان ، فإذا عقد على الإيمان قرّ وذلك قول الله : { ومَن يؤمن بالله يهد قلبه } ، قال: يسكن ….ص318

قال أمير المؤمنين (ع) : إنّ أولياء الله هم الذين نظروا إلى باطن الدنيا إذا نظر الناس إلى ظاهرها ، واشتغلوا بآجلها إذ اشتغل الناس بعاجلها .
فأماتوا منها ما خشوا أن يُميتهم ، وتركوا منها ما علموا أنّه سيتركهم ، ورأوا استكثار غيرهم منها استقلالاً ، ودركهم لها فوتاً .
أعداء ما سالم الناس ، وسلم ما عادى الناس ، بهم عُلم الكتاب وبه عُلموا ، وبهم قام الكتاب وبه قاموا ، لا يرون مرجوّاً فوق ما يرجون ، ولا مخوفاً فوق ما يخافون .ص319
المصدر: النهج 2/246
قال أمير المؤمنين (ع) عند تلاوته {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله } : إنّ الله سبحانه جعل الذكر جلاءً للقلوب ، تسمع به بعد الوَقْرَة ، وتُبْصِرُ به بعد العَشْوَة ، وتنقاد به بعد المُعاندة .
وما بَرِحَ لله – عَزّت آلاؤه – في البُرهة بعد البرهة ، وفي أزمان الفترات ، عبادٌ ناجاهم في فكرهم ، وكلّمهم في ذات عقولهم ، فاستصبحوا بنور يقظةٍ في الأسماع والأبصار والأفئدة .. يذكّرون بأيام الله ، ويُخوّفون مقامه ، بمنزلة الأدلة في الفلوات ، مَن أخذ القصد حمدوا إليه طريقه ، وبشّروه بالنجاة ، ومَن أخذ يميناً وشمالاً ذمّوا إليه الطريق ، وحذّرُوه من الهلكة .ص325
المصدر: النهج 1/473

من دعاءٍ لأمير المؤمنين (ع) :
اللهمّ !.. إنّك آنسُ الآنسين بأوليائك ، وأحضرُهم بالكفاية للمتوكّلين عليك ، تشاهدهم في سرائرهم ، وتطّلع عليهم في ضمائرهم ، وتعلم مبلغ بصائرهم ، فأسرارهم لك مكشوفة ، وقلوبهم إليك ملهوفة .. إن أوحشتهم القربة آنسهم ذكرك ، وإن صُبّت عليهم المصائب لجأوا إلى الاستجارة بك ، علماً بأنّ أزمة الأمور بيدك ، ومصادرها عن قضائك .
اللهم !.. إن فههتُ ( أي عييت ) عن مسألتي أو عمهتُ عن طلبتي ، فدلّني على مصالحي ، وخذ بقلبي إلى مراشدي ، فليس ذلك بنُكْرٍ من هداياتك ، ولا ببدْعٍ من كفاياتك ، اللهم احملني على عفوك ولا تحملني على عدلك ص330
المصدر: النهج 1/484
بيــان: إنّما أوردت هذا الدعاء لأنّه من مناجاة أولياء الله ، ومشتمل على كثير من صفاتهم المختصّة بهم ، رزقنا الله الوصول إلى درجاتهم .ص330

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى