الجزء السادس والستون كتاب الأيمان والكفر

باب أنّ الإيمان مستقر ومستودع وإمكان زوال الإيمان

كنت قاعداً فمرّ أبو الحسن موسى (ع) ومعه بَهْمَةٌ ، فقلت : يا غلام !.. ما ترى ما يصنع أبوك ؟.. يأمرنا بالشيء ثمّ ينهانا عنه : أمرنا أن نتولّى أبا الخطّاب ، ثمّ أمرنا أن نلعنه ونتبرّأ منه ؟..
فقال أبو الحسن (ع) وهو غلام : إنّ الله خلق خلقاً للإيمان لا زوال له ، وخلق خلقاً للكفر لا زوال له ، وخلق خلقاً بين ذلك أعارهم الإيمان ، يُسمّون المُعارين إذا شاء سلبهم ، وكان أبو الخطّاب ممّن أُعير الإيمان .
قال : فدخلت على أبي عبد الله (ع) فأخبرته بما قلت لأبي الحسن (ع) وما قال لي ، فقال أبو عبد الله (ع) : إنّه نبعةُ نبوّة .ص220
المصدر: الكافي 2/418
بيــان: البهمة ولد الضأن ، وأبو الخطّاب هو محمّد بن مقلاص الأسدي الكوفي ، وكان في أوّل الحال ظاهراً من أجلاّء أصحاب الصادق (ع) ، ثمّ ارتدّ وابتدع مذاهب باطلة ، ولعنه الصادق (ع) وتبرّأ منه .
وروي الكشي روايات كثيرة تدلّ على كفره ولعنه ، واختلف الأصحاب فيما رواه في حال استقامته والأكثر على جواز العمل بها ، وكأنّه متفرّع على المسألة السابقة ، فمَن ادّعى جواز تحقّق الإيمان وزواله ، يجوّز العمل بروايته لأنّه حينئذ كان مؤمناً ، ومَن زعم أنّه كاشف من عدم كونه مؤمناً لا يجوزّ العمل بها .. ” إنّه نبعة نبوّة ” أي علمه من ينبوع النبوّة ، أو هو غصن من شجرة النبوّة والرسالة .ص220
قال الرضا (ع) : إنّ جعفراً (ع) كان يقول :
” فمستقرّ ومستودع “، فالمستقرّ ما ثبت من الإيمان ، والمستودع المعار .. وقد هداكم الله لأمر جهله الناس ، فاحمدوا الله على ما منّ عليكم به .ص222
المصدر: قرب الإسناد ص203
من خطبة لأمير المؤمنين (ع) : فمن الإيمان ما يكون ثابتاً مستقرّاً في القلوب ، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجلٍ معلوم ، فإذا كانت لكم براءةٌ من أحدٍ ، فقفوه حتّى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حدّ البراءة …. ولا يقع اسم الاستضعاف على مَن بلغته الحجّة ، فسمعتها أُذنه ووعاها قلبه ، إنّ أمرنا صعبٌ مُستصعب ، لا يحتمله إلاّ عبدٌ امتحن اللهُ قلبَه للإيمان ، ولا تعي حديثنا إلاّ صدور أمينة ، وأحلام رزينة .
أيّها الناس !.. سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم منّي بطرق الأرض ، قبل أن تشغر فتنة تطأ في خطامها ، وتذهب بأحلام قومها .ص227
المصدر: النهج 1/386
بيــان: وحاصل الكلام أنّ شأنهم وما هم عليه من الكمال ، والقدرة على خوارق العادات صعبٌ لا يحصل لغيرهم ، مُستَصعَبُ الفهم على الخلق ، أوفهم علومهم وإدراك أسرارهم مشكلٌ يستصعبه أكثر الخلق ، فلا يقبله حقّ القبول – بحيث لا يخرج إلى طرف الإفراط بالغلوّ أو التفريط بعدم التصديق ، أو القول بعدم الحقّ لسوء الفهم – إلاّ قلبُ عبدٍ شرحه الله وصفّاه للإيمان .
فيحمل كلّما يأتون به على وجهه ، إذا وجد له محملاً ، ويصدّق إجمالاً بكلّ ما عجز عن معرفته تفصيلاً ، ويردّ علمه إليهم (ع) .
والمراد بطرق السماء الطرق الّتي يصعد منها الملائكة ، ويرفع فيها أعمال العباد .
أو منازل سكّان السماوات ومراتبهم ، أو الأمور المستقبلة وما خفي على الناس ممّا لا ُيعلم إلاّ بتعليمٍ ربّاني ، فإنّ مجاري نزولها في السماء ، أو أحكام الدين وقواعد الشريعة ، وعلى ما يقابل كلّ واحد منها يحمل طرق الأرض .ص234

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى