الجزء السادس والستون كتاب الأيمان والكفر

باب أنّ العمل جزء الإيمان ، وأنّ الإيمان مبثوث على الجوارح

قال الصادق (ع) : { إنّ السمع والبصر والفؤاد كلّ أولئك كان عنه مسئولا } ، قال : يُسأل السمع عمّا سمع ، والبصر عمّا نظر إليه ، والفؤاد عمّا عقد عليه .ص22
المصدر: الكافي 2/37

قلت للصادق (ع) : أيّها العالم أخبرني أيّ الأعمال أفضل عند الله ؟!.. قال : ما لا يقبل الله شيئاً إلاّ به ، قلت : وما هو ؟.. قال : الإيمان بالله الذي لا إله إلاّ هو أعلى الأعمال درجةً ، وأشرفها منزلةً ، وأسناها حظّاً ، قلت :
ألا تخبرني عن الإيمان ؟.. أقَوْلٌ هو وعَملٌ أم قولٌ بلا عمل ؟.. فقال : الإيمان عمل كلّه ، والقول بعض ذلك العمل بفرضٍ من الله ، بيّنٍ في كتابه ، واضح نوره ، ثابتة حجّته ، يشهد له به الكتاب ويدعوه إليه.
قلت : صفه لي جُعلت فداك !.. حتّى أفهمه ، قال :
الإيمان حالات ، ودرجات ، وطبقات ، ومنازل : فمنه التامّ المنتهى تمامه ، ومنه الناقص البيّن نقصانه ، ومنه الراجح الزائد رجحانه .
قلت : إنّ الإيمان ليتمّ وينقص ويزيد ؟.. قال : نعم ، قلت : كيف ذلك ؟.. قال : لأنّ الله تبارك وتعالى فرض الإيمان على جوارح ابن آدم ، وقسّمه عليها وفرّقه فيها ، فليس من جوارحه جارحة إلاّ وقد وُكلت من الإيمان ، بغير ما وُكلت به أُختها :
فمنها قلبه الذي به يعقل ويفقه ويفهم ، وهو أمير بدنه الذي لا ترد الجوارح ولا تصدر إلاّ عن رأيه وأمره .
ومنها عيناه اللّتان يبصر بهما ، وأذناه اللّتان يسمع بهما ، ويداه اللّتان يبطش بهما ، ورجلاه اللّتان يمشي بهما ، وفرجه الذي الباه من قِبَله ، ولسانه الذي ينطق به ، ورأسه الذي فيه وجهه .
فليس من هذه جارحةٌ إلاّ وقد وكلت من الإيمان بغير ما وكلت به أُختها بفرض من الله تبارك وتعالى اسمه ، ينطق به الكتاب لها ، ويشهد به عليها .ص24
المصدر: الكافي 2/33

قيل للنبي (ص) : يا رسول الله !.. كُلّفنا من العمل ما لا نطيق ، إنّ أحدنا ليحدّث نفسه بما لا يحبّ أن يثبت في قلبه وإنّه لذنبٌ..
فقال النبي (ص) :
فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل : سمعنا وعصينا ، فقولوا سمعنا وأطعنا ، فقالوا : سمعنا وأطعنا ، واشتدّ ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولاً ، فأنزل الله تعالى : { لا يكلّف الله نفساً إلاّ وسعها } ، فنسخت هذه الآية ، فقال النبي (ص) : إنّ الله تجاوز عن أُمّتي ما حدّثوا به أنفسهم ، ما لم يعملوا أو تكلّموا به .ص40
المصدر: تفسير الرازي
بيــان: واعلم أن محلّ البحث في هذه الآية أن قوله { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يتناول حديث النفس والخواطر الفاسدة التي ترِد على القلب ، ولا يتمكّن من دفعها ، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق ، والعلماء أجابوا عنه من وجوه :
الأول : أنّ الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين :
فمنها ما يوطّن الإنسان نفسه عليه والعزم على إدخاله في الوجود. ومنها ما لا يكون كذلك بل يكون أموراً خاطرة بالبال ، مع أنّ الإنسان يكرهها ولكنّه لا يمكنه دفعها عن نفسه .
فالقسم الأوّل يكون مؤاخذاً به والثاني لايكون مؤاخذاً به .. ألا ترى إلى قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللّغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } ، وقال في آخر هذه السورة : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ، وقال :
{ إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة } ، هذا هو الجواب المعتمد …. ص41
قال النبي (ص) : مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فلا يجلس في مجلس يُسَبّ فيه إمامٌ أو يُغتاب فيه مسلم ، إنّ الله تعالى يقول في كتابه :
{ وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فاعرض عنهم } .ص44
المصدر: تفسير القمي ص192
كنت واقفاً على أبي وعنده أبو الصلت الهروي وإسحاق بن راهوية ، وأحمد بن محمّد بن حنبل ، فقال أبي :
ليحدّثني كلّ رجلٍ منكم بحديث ، فقال أبو الصلت الهروي :
حدّثني عليّ بن موسى الرضا ( ع ) – وكان والله رضا كما سُمّي – عن أبيه موسى بن جعفر ، عن أبيه جعفر بن محمّد ، عن أبيه محمّد بن عليّ ، عن أبيه عليّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين ، عن أبيه عليّ (ع) قال : قال رسول الله (ص): الإيمان قولٌ وعملٌ ، فلمّا خرجنا قال أحمد بن حنبل :
ما هذا الاسناد ؟.. فقال له أبي : هذا سعوط ( أي ما يُخل في الأنف ) المجانين.. إذا سُعط به المجنون أفاق .ص65
المصدر: الخصال 1/84 ، العيون 1/228
بيــان: ” كان والله رضاً ” أي مرضيّاً عند الله وعند الخلق ” سعوط المجانين ” أي هذا السند لاشتماله على الأسماء الشريفة المكرّمة ، كأنّه دعاء ينبغي أن يُستشفى به للمجنون حتّى يفيق ، أو كناية عن قوّته ووثاقته بحيث إذا سمع مجنون يذعن بحقيّته فكيف العاقل ؟!.. والأوّل أظهر.ص65
سئل الصادق (ع) : ما بال الزاني لا تسمّيه كافراً ، وتارك الصلاة قد تسمّيه كافراً ؟.. وما الحجّة في ذلك ؟.. قال :
لأنّ الزاني وما أشبهه إنّما يفعل ذلك لمكان الشهوة وإنّها تغلبه ، وتارك الصلاة لا يتركها إلاّ استخفافاً بها ، وذلك أنّك لا تجد الزاني يأتي المرأة ، إلاّ وهو مستلذّ لإتيانه إيّاها قاصداً إليها ، وكلّ مَن ترك الصلاة قاصداً إليها ، فليس يكون قصده لتركها اللذّة .
فإذا انتفت اللذّة وقع الاستخفاف ، وإذا وقع الاستخفاف وقع الكفر .ص66
المصدر: قرب الإسناد ص22
قال الصادق (ع) : إنّ المؤمن لا يكون سجيّته الكذب ولا البخل ولا الفجور ، ولكن ربّما ألمّ بشيءٍ من هذا لا يدوم عليه ، فقيل له : أفَيزني ؟.. قال : نعم ، هو مفتّن توّاب ، ولكن لا يولد له من تلك النطفة .ص67
المصدر: الخصال 1/64
كتبت على يدي عبد الملك بن أعين إلى أبي عبد الله (ع) أسأله عن الإيمان ما هو ؟.. فكتب :
الإيمان هو إقرارٌ باللّسان ، وعقدٌ بالقلب ، وعملٌ بالأركان ، فالإيمان بعضه من بعض ، وقد يكون العبدُ مسلماً قبل أن يكون مؤمناً ، ولا يكون مؤمناً حتّى يكون مسلماً ، فالإسلام قبل الإيمان ، وهو يشارك الإيمان ، فإذا أتى العبد بكبيرة من كبائر المعاصي ، أو صغيرة من صغائر المعاصي ، التي نهى الله عز وجل عنها كان خارجا من الإيمان ، وساقطا عنه اسم الإيمان ، وثابتا عليه اسم الإسلام ، فإن تاب واستغفر عاد إلى الإيمان ، ولم يخرجه إلى الكفر إلا الجحود والاستحلال : إذا قال للحلال : هذا حرام ، وإذا قال للحرام : هذا حلال ، ودان بذلك ، فعندها يكون خارجا من الإيمان والإسلام إلى الكفر ، وكان بمنزلة رجل دخل الحرم ثم دخل الكعبة ، فأحدث في الكعبة حدثا فأُخرج عن الكعبة وعن الحرم ، فضربت عنقه وصار إلى النار .ص73
المصدر: التوحيد ص230
أولم يأمر الله عزّ وجلّ نبيّه (ص) بتبليغ ما عَهِده إليه في وصيّه ، وإظهار إمامته وولايته ، بقوله : { يا أيّها الرسول بلّغ ما أُنزل إليك من ربّك وإنّ لم تفعل فما بلّغت رسالته والله يعصمك من الناس } ؟..
فبلّغ رسول الله (ص) ما قد سمع ، وعلم أنّ الشياطين اجتمعوا إلى إبليس فقالوا له : ألم تكن أخبرتنا أنّ محمّداً إذا مضى نكثت أمّته عهده ، ونقضت سنّته ، وإنّ الكتاب الذي جاء به يشهد بذلك ، وهو قوله :
{ وما محمّد إلاّ رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتل انقلبتم على أعقابكم } ، فكيف يتّم هذا وقد نصب لأُمّته علماً ، وأقام لهم إماماً ؟.. فقال لهم إبليس :
لا تجزعوا من هذا ، فإنّ أمّته ينقضون عهده ، ويغدرون بوصيّه من بعده ، ويظلمون أهل بيته ، ويهملون ذلك لغلبة حبّ الدنيا على قلوبهم ، وتمكّن الحميّة والضغائن في نفوسهم ، واستكبارهم وعزّهم ، فأنزل الله تعالى :
{ ولقد صدّق عليهم إبليس ظنّه فاتّبعوه إلاّ فريقاً من المؤمنين } .ص84
المصدر: تفسير النعماني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى