الجزء الثامن والخمسون كتاب السماء والعالم

باب آخر في رؤية النبي (ص) وأوصيائه (ع) وسائر الأنبياء والأولياء في المنام

قال رجلٌ من أهل خراسان للرضا (ع) : يا بن رسول الله !.. رأيت رسول الله (ص) في المنام كأنه يقول لي : كيف أنتم إذا دُفن في أرضكم بعضي ، واستحفظتم وديعتي ، وغُيّب في ترابكم نجمي ؟.. فقال له الرضا (ع) :
أنا المدفون في أرضكم ، وأنا بضعةٌ من نبيكم ، وأنا الوديعة والنجم .. ألا فمن زارني ، وهو يعرف ما أوجب الله تبارك وتعالى من حقي وطاعتي ، فأنا وآبائي شفعاؤه يوم القيامة ، ومن كنا شفعاءه يوم القيامة نجا ، ولو كان عليه مثل وزر الثقلين : الجنّ ، والإنس .
ولقد حدثني أبي عن جدي عن أبيه (ع) : أنّ رسول الله (ص) قال :
من رآني في منامه فقد رآني ، لأنّ الشيطان لا يتمثّل في صورتي ، ولا في صورة أحدٍ من أوصيائي ، ولا في صورة أحدٍ من شيعتهم .. وإن الرؤيا الصادقة جزءٌ من سبعين جزء من النبوة . ص234
المصدر:العيون 2/257 ، أمالي الصدوق ص39
بيــان:
يدلّ الخبر على عدم تمثّل الشيطان في المنام ، بصورة النبي (ص) والأئمة ، بل بصورة شيعتهم أيضاً ، ولعله محمولٌ على خلّص شيعتهم كسلمان وأبي ذر والمقداد وأضرابهم .
وقد روى المخالفون أيضاً مثله بأسانيد عن ابن عمر ، وأبي هريرة ، وابن مسعود ، وجابر ، وأبي سعيد ، وأبي قتادة ، عن النبي (ص) برواية أبي داود ، والبخاري ، ومسلم ، والترمذي ، بألفاظٍ مختلفة ،
منها : من رآني في المنام فكأنما رآني في اليقظة ، ولا يتمثّل الشيطان بي .
ومنها : من رآني في المنام فقد رآني ، فإنّ الشيطان لا يتمثّل بي .
ومنها : من رآني في النوم فقد رآني ، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثّل في صورتي .. وفي روايةٍ : أن يتشبّه بي .
ومنها : من رآني فقد رأى الحقّ ، فإنّ الشيطان لا يتراءى بي .
وقال في النهاية : الحقّ ضدّ الباطل ، ومنه الحديث :
” من رآني فقد رأى الحق ” ، أي رؤيا صادقة ليست من أضغاث الأحلام ، وقيل : فقد رآني حقيقة غير مشتبه .
واعلم أنّ العلماء اختلفوا في أنّ المراد رؤيتهم (ع) في صورهم الأصلية ، أو بأي صورةٍ كانت .
ولا يخفى أنّ ظاهر حديث الرضا (ع) التعميم ، لأنّ الرائي لم يكن رأى النبي (ص) ، ولم يسأله (ع) : في أي صورةٍ رأيته ؟.. وحمله على أنه (ع) ، علم أنه رآه بصورته الأصلية بعيد عن السياق ، فإنّ من رأى أحداً من الأئمة (ع) في المنام ، لم يحصل له علم في المنام بأنه رآه ، ويقال في العرف واللغة أنه رآهم ، وإن رأى الشخص الواحد بصور مختلفة ، فيقال : رآه بصورة فلان ، ولا يعدّون هذا الكلام من المتناقض ….
بقي الكلام في أنه هل يكون حجةً في الأحكام الشرعية ؟.. فيه إشكالٌ فإنه قد ورد بأسانيد صحيحة عن الصادق (ع) في حديث الأذان ، أنّ دين الله تبارك وتعالى ، أعزّ من أن يُرى في النوم .
ويمكن أن يُقال : المراد أنه لا يثبت أصل شرعية الأحكام بالنوم ، بل إنما هي بالوحي الجليّ ، ومع ذلك ينبغي أن يخصّ بنوم غير الأنبياء والأئمة (ع) ، لما مرّ أنّ نومهم بمنزلة الوحي ، لكن هذه الأخبار ليست بصريحة في وجوب العمل به ، إذ لعله مع العلم بكونه منهم (ع) ، لم يجب العمل به ، إذ مناط الأحكام الشرعية العلوم الظاهرة .
كما أنّ النبي والأئمة (ع) كانوا يعرفون كفر المنافقين ، وفسق الفاسقين ، ونجاسة أكثر الأشياء ، لكنّ الظاهر أنهم لم يكونوا مأمورين بالعمل بهذا العلم ، بل كانوا يستندون في تلك الأحكام إلى الأمور الظاهرة من المشاهدة ، وسماع البيّنة .
مع أنّ الظاهر أنّ هذا من مسائل الأصول ، ولا بدّ فيه من العلم ، ولا يثبت بأخبار الآحاد المفيدة للظن ، وأيضاً ما يرى في المنام قد يحتاج إلى تعبير وتأويل ، فلعلّ ما رآه مما له تعبيرٌ وهو لا يعرفه ، وإن لم يكن من قبيل الأضغاث .
ولقد سأل السيد مهنا بن سنان العلامة الحلي – قدس الله روحه – :
ما يقول سيدنا فيمن رأى في منامه رسول الله (ص) ، أو بعض الأئمة (ع) وهو يأمره بشيءٍ ، وينهاه عن شيءٍ ؟.. هل يجب عليه امتثال ما أمره به أو اجتناب ما نهاه عنه ، أم لا يجب ذلك ؟.. مع ما صحّ عن سيدنا رسول الله (ص) أنه قال : من رآني في منامه فقد رآني ، فإنّ الشيطان لم يتمثّل بي .. وغير ذلك من الأحاديث .
وما قولكم لو كان ما أمر به أو نهى عنه ، على خلاف ما في أيدي الناس من ظاهر الشريعة ؟.. هل بين الحالين فرقٌ أم لا ؟.. أفتنا في ذلك مبيّناً ، جعل الله كلّ صعبٍ عليك هيّناً .
فأجاب – نوّر الله ضريحه – : أما ما يخالف الظاهر فلا ينبغي المصير إليه ، وأما ما يوافق الظاهر فالأَولى المتابعة من غير وجوب ، لأنّ رؤيته (ع) لا يعطي وجوب الاتباع في المنام . ص238

قال لي الرضا (ع) ابتداءً : إنّ أبي كان عندي البارحة ، قلت : أبوك ؟.. قال : أبي ، قلت : أبوك ؟!.. قال :
في المنام ، إنّ جعفراً كان يجيء إلى أبي فيقول :
يا بني !.. افعل كذا ، يا بني !.. افعل كذا .. قال : فدخلت عليه بعد ذلك فقال لي : يا حسن !.. إنّ منامنا ويقظتنا واحدةٌ . ص239
المصدر:قرب الإسناد ص202

قال أمير المؤمنين (ع) : رأيت الخضر (ع) قبل بدر بليلةٍ ، فقلت له : علّمني شيئاً أُنصر به على الأعداء ، فقال : يا هو !.. يا من لا هو إلا هو !.. فلما أصبحت ، قصصتها على رسول الله (ص) ، فقال :
يا علي !.. عُلّمت الاسم الأعظم .. وكان على لساني يوم بدر . ص242
المصدر:التوحيد ص49

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى