الجزء الثامن والخمسون كتاب السماء والعالم

باب آخر في خلق الأرواح قبل الأجساد ، وعلة تعلقها بها ، وبعض شؤونها من ائتلافها واختلافها وحبها وبعضها وغير ذلك من أحوالها

قال الصادق (ع) : إنّ رجلاً قال لأمير المؤمنين (ع) : والله إني لأحبّك ( ثلاث مرات ) ، فقال علي (ع) : والله ما تحبني ، فغضب الرجل فقال :
كأنك والله تخبرني ما في نفسي !.. قال له علي (ع) : لا ، ولكن الله خلق الأرواح قبل الأبدان بألفي عام ، فلم أر روحك فيها . ص132
المصدر:بصائر الدرجات ص88
بيــان:
قال الشيخ المفيد – قدس الله نفسه – في أجوبة المسائل الروية : فأما الخبر بأنّ الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عامٍ ، فهو من أخبار الآحاد ، وقد روته العامة كما روته الخاصة ، وليس هو مع ذلك مما يقطع على الله بصحته ، وإن ثبت القول فالمعنى فيه أنّ الله تعالى قدّر الأرواح في علمه قبل اختراع الأجساد ، واخترع الأجساد واخترع لها الأرواح ، فالخلق للأرواح قبل الأجساد خلق تقديرٍ في العلم كما قدمناه ، وليس بخلق لذواتها كما وصفناه ، والخلق لها بالإحداث والاختراع بعد خلق الأجسام والصور التي تدبّرها الأرواح .
ولولا أنّ ذلك كذلك لكانت الأرواح تقوم بأنفسها ، ولا تحتاج إلى آلات تعلّقها ، ولكنا نعرف ما سلف لنا من الأرواح قبل خلق الأجساد ، كما نعلم أحوالنا بعد خلق الأجساد ، وهذا محالٌ لا خفاء بفساده .
وأما الحديث ” بأنّ الأرواح جنودٌ مجنّدةٌ ، فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف ” فالمعنى فيه أنّ الأرواح التي هي الجواهر البسائط تتناصر بالجنس ، وتتخاذل بالعوارض ، فما تعارف منها باتفاق الرأي والهوى ائتلف ، وما تناكر منها بمباينةٍ في الرأي والهوى اختلف ، وهذا موجود حسّاً ومُشاهد .
وليس المراد بذلك أن ما تعارف منها في الذرّ ائتلف ، كما ذهبت إليه الحشوية ، كما بيّناه من أنه لا علم للإنسان بحالٍ كان عليها قبل ظهوره في هذا العالم ، ولو ذُكّر بكلّ شيءٍ ما ذكر ذلك ، فوضح بما ذكرناه أنّ المراد بالخبر ما شرحناه ، والله الموفّق للصواب . ص144
قيام الأرواح بأنفسها ، أو تعلّقها بالأجساد المثالية ، ثم تعلّقها بالأجساد العنصرية ، مما لا دليل على امتناعه ، وأما عدم تذكّر الأحوال السابقة فلعله لتقلّبها في الأطوار المختلفة ، أو لعدم القوى البدنية ، أو كون تلك القوى قائمة بما فارقته من الأجساد المثالية ، أو لإذهاب الله تعالى تذكّر هذه الأمور عنها لنوع من المصلحة ، كما ورد أنّ الذكر والنسيان من صنعه تعالى ، مع أنّ الإنسان لا يتذكر كثيراً من أحوال الطفولية والولادة والتأويل الذي ذكره للحديث في غاية البعد ، لا سيما مع الإضافات الواردة في الأخبار المتقدمة . ص144

قلت للصادق (ع) : إني ربما حزنت فلا أعرف في أهلٍ ولا مالٍ ولا ولدٍ ، وربما فرحت فلا أعرف في أهلٍ ولا مالٍ ولا ولدٍ .. فقال :
إنه ليس من أحدٍ إلا ومعه ملَكٌ وشيطانٌ ، فإذا كان فرحه كان دنوّ الملَك منه ، وإذا كان حزنه كان دنوّ الشيطان منه ، وذلك قول الله تبارك وتعالى :
{ الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم } . ص145
المصدر:العلل 1/87
بيــان:
لعلّ المراد أنّ هذا لهم من أجل وساوس الشيطان ، وأمانيه في أمور الدنيا الفانية ، وإن لم يتفطّن به الإنسان ، فيظنّ أنه لا سبب له ، أو يكون غرض السائل فوت الأهل والمال والولد في الماضي ، فلا ينافي الهمّ للتفكّر فيها لأجل ما يستقبل .
أو المراد أنه لما كان شأن الشيطان ذلك ، يصير محض دنوه سبباً للهمّ ، وفي الملَك بعكس ذلك في الوجهين . ص145

دخلت على الصادق (ع) ، ومعي رجلٌ من أصحابنا ، فقلت له : جعلت فداك يا بن رسول الله !.. إني لأغتمّ وأحزن من غير أن أعرف لذلك سبباً ، فقال أبو عبد الله (ع) :
إنّ ذلك الحزن والفرح يصل إليكم منّا ، لأنّا إذا دخل علينا حزنٌ أو سرورٌ كان ذلك داخلاً عليكم ، ولأنّا وإياكم من نور الله عزّ وجلّ فجعلنا وطينتنا وطينتكم واحدة ، ولو تُركت طينتكم كما أُخذت لكنا وأنتم سواء ، ولكن مُزجت طينتكم بطينة أعدائكم ، فلولا ذلك ما أذنبتم ذنباً أبدا …. الخبر . ص145
المصدر:العلل 1/87

تنفّست بين يدي الباقر (ع) ، ثم قلت :
يا بن رسول الله !.. أهتمّ من غير مصيبةٍ تصيبني ، أو أمرٍ نزل بي ، حتى تعرف ذلك أهلي في وجهي ويعرفه صديقي .. قال :
نعم ، يا جابر !.. قلت : وممّ ذلك يا بن رسول الله ؟!..
قال : وما تصنع بذلك ، قلت : أحبّ أن أعلمه .. فقال :
يا جابر !.. إنّ الله خلق المؤمنين من طينة الجنان ، وأجرى فيهم من ريح روحه ، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، فإذا أصاب تلك الأرواح في بلدٍ من البلدان شيءٌ ، حزنت عليه الأرواح لأنها منه . ص147
المصدر:المحاسن ص133

قال الصادق (ع) : المؤمن أخو المؤمن كالجسد الواحد ، إن اشتكى شيئاً منه ، وجد ألم ذلك في سائر جسده ، وأرواحهما من روحٍ واحدة ، وإنّ روح المؤمن لأشدّ اتصالاً بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها . ص147
المصدر:الكافي 2/166

قال الباقر (ع) : لما احتضر أمير المؤمنين (ع) جمع بنيه فأوصاهم ثم قال :
يا بني !.. إنّ القلوب جنودٌ مجنّدةٌ ، تتلاحظ بالمودة وتتناجى بها ، وكذلك هي في البغض ، فإذا أحببتم الرجل من غير خيرٍ سبق منه إليكم ، فارجوه !.. وإذا أبغضتم الرجل من غير سوءٍ سبق منه إليكم ، فاحذروه !.. ص149
المصدر:مجالس الشيخ

قلت للصادق (ع) : إني لألقى الرجل لم أره ولم يرني ، فيما مضى قبل يومه ذلك ، فأحبه حباً شديداً ، فإذا كلّمته وجدته لي مثل ما أنا عليه له ، ويخبرني أنه يجد لي مثل الذي أجد له . فقال :
صدقت يا سدير !.. إن ائتلاف قلوب الأبرار إذا التقوا – وإن لم يُظهروا التودّد بألسنتهم – كسرعة اختلاط قطر الماء على مياه الأنهار ، وإن بُعد ائتلاف قلوب الفجّار إذا التقوا – وإن أظهروا التودّد بألسنتهم – كبُعد البهائم من التعاطف ، وإن طال اعتلافها على مزودٍ واحدٍ . ص150
المصدر:مجالس ابن الشيخ

قال رسول الله (ص) : مثَل المؤمن في توادّهم وتراحهم ، كمثل الجسد إذا اشتكى بعضه ، تداعى سائره بالسهر والحمّى . ص150
المصدر:الشهاب

قال رسول الله (ص) : مثَل القلب مثَل ريشةٍ بأرضٍ تقلبها الرياح . ص150
المصدر:الشهاب
بيــان:
وروي بأرض فلاة – : شبّه (ع) القلب بريشةٍ ساقطةٍ بأرضٍ عراء ، لا حاجز بها ولا مانع ، فالريح تطيّرها هنا وثمّ ، وذلك للاعتقادات والأحوال التي يتقلّب لها ، ولسرعة انقلابه وقلة ثبوته ودوامه على حالةٍ واحدةٍ .. وقد قيل : إنما سمي قلباً لتقلّبه .
وفائدة الحديث إعلام أنّ القلب سريع الانقلاب ، لا يبقى على وجهٍ واحدٍ .. وراوي الحديث أنس بن مالك . ص150

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى