الجزء الثامن والخمسون كتاب السماء والعالم

باب في بيان أنّ اللذات العقلية أشرف وأكمل من اللذات الحسية

اعلم أنّ الغالب على الطباع العامية ، أنّ أقوى اللذات ، وأكمل السعادات ، لذة المطعم والمنكح ، ولذلك فإنّ جمهور الناس لا يعبدون الله ، إلا ليجدوا المطاعم اللذيذة في الآخرة ، وإلا ليجدوا المناكح الشهية هناك .. وهذا القول مردودٌ عند المحققين من أهل الحكمة ، وأرباب الرياضة ، ويدلّ عليه وجوه :
الحجة الأولى : لو كانت سعادة الإنسان متعلقةً بقضاء الشهوة ، وإمضاء الغضب ، لكان الحيوان – الذي يكون أقوى في هذا الباب من الإنسان – أشرف منه ، لكنّ الجمل أكثر أكلاً من الناس ، والذئب أقوى في الإيذاء من الإنسان ، والعصفور أقوى على السفاد من الإنسان ، فوجب كون هذه الأشياء أشرف من الإنسان ، لكن التالي معلوم البطلان بالضرورة ، فوجب الجزم بأنّ سعادة الإنسان غير متعلّقةٍ بهذه الأمور .
الحجة الثانية : كلّ شيءٍ يكون سبباً لحصول السعادة والكمال ، فكلما كان ذلك الشيء أكثر حصولاً ، كانت السعادة والكمال أكثر حصولاً ، فلو كان قضاء شهوة البطن والفرج سبباً لكمال حال الإنسان ولسعادته ، لكان الإنسان كلّما أكثر اشتغالاً بقضاء شهوة البطن والفرج ، وأكثر استغراقاً فيه ، كان أعلى درجةً وأكمل فضيلةً ، لكنّ التالي باطلٌ ، لأنّ الإنسان الذي جعل عمره وقفاً على الأكل والشرب والبعال يُعدّ من البهيمة ، ويُقضى عليه بالدناءة والخساسة ، وكلّ ذلك يدل على أنّ الاشتغال بقضاء هاتين الشهوتين ، ليس من باب السعادات والكمالات ، بل من باب دفع الحاجات والآفات .
الحجة الثالثة : أنّ الإنسان يشاركه في لذة الأكل والشرب ، جميع الحيوانات الخسيسة ، فإنه كما أنّ الإنسان يلتذّ بأكل السكر ، فكذلك الجعل يلتذّ بتناول السرقين ، فلو كانت هذه اللذّات البدنية ، هي السعادة الكبرى للإنسان ، لوجب أن لا يكون للإنسان فضيلةٌ على هذه الحيوانات الخسيسة ، بل نزيد ونقول : لو كانت سعادة الإنسان متعلّقةً بهذه اللذات الخسيسة ، لوجب أن يكون الإنسان أخسّ الحيوانات ، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
وبيان وجه الملازمة : أنّ الحيوانات الخسيسة مشاركةٌ للإنسان في هذه اللذات الخسيسة البدنية ، إلا أنّ الإنسان يتنغّص عليه المطالب بسبب العقل ، فإنّ العقل سمي عقلاً ، لكونه عقالاً له ، وحبساً له عن أكثر ما يشتهيه ، ويميل طبعه إليه ، فإذا كان التقدير أنّ كمال السعادة ، ليس إلا في هذه اللذات الخسيسة .
ثم بيّنا أنّ هذه اللذات الخسيسة حاصلةٌ على سبيل الكمال والتمام للبهائم والسباع ، من غير معارضٍ ومدافعٍ ، وهي حاصلةٌ للإنسان مع المنازع القوي ، والمعارض الكامل ، وجب أن يكون الإنسان أخسّ الحيوانات ، ولما كان هذا معلوم الفساد بالبديهة ، ثبت أنّ هذه اللذات الخسيسة ، ليست موجبة للبهجة والسعادة .
الحجة الرابعة : أنّ هذه اللذات الخسيسة إذا بُحث عنها ، فهي في الحقيقة ليست لذات ، بل حاصلها يرجع إلى دفع الألم ، والدليل عليه أنّ الإنسان كلما كان أكثر جوعاً ، كان التذاذه بالأكل أكمل ، وكلما كان ألم الجوع أقلّ ، كان الالتذاذ بالأكل أقلّ ، وأيضاً إذا طال عهد الإنسان بالوقاع ، واجتمع المنيّ الكثير في أوعية المنيّ ، حصلت في تلك الأوعية دغدغة شديدة وتمدّد وثقل ، وكلما كانت هذه الأحوال المؤذية أكثر ، كانت اللذة الحاصلة عند اندفاع ذلك المنيّ أقوى ، ولهذا السبب فإنّ لذة الوقاع في حقّ من طال عهده بالوقاع ، يكون أكمل منها في حقّ من قرب عهده به .
فثبت أنّ هذه الأحوال التي يُظنّ أنها لذّاتٌ جسمانيةٌ ، فهي في الحقيقة ليست إلا دفع الألم ، وهكذا القول في اللذّة الحاصلة بسبب لبس الثياب فإنه لا حاصل لتلك اللذّة ، إلا دفع ألم الحرّ والبرد .. وإذا ثبت أنه لا حاصل لهذه اللذّات إلا دفع الآلام فنقول : ظهر أنه ليس فيها سعادةٌ ، لأنّ الحالة السابقة هي حصول الألم ، والحالة الحاضرة عدم الألم ، وهذا العدم كان حاصلاً عند العدم الأصلي ، فثبت أنّ هذه الأحوال ليست سعاداتٍ ولا كمالاتٍ البتّة .
الحجة الخامسة : أنّ الإنسان من حيث يأكل ويشرب ، ويجامع ويؤذي ، يشاركه سائر الحيوانات ، وإنما يمتاز عنها بالإنسانية ، وهي مانعةٌ من تكميل تلك الأحوال ، وموجبةٌ لنقصانها وتقليلها ، فلو كانت هذه الأحوال عين السعادة ، لكان الإنسان من حيث إنه إنسانٌ ، ناقصاً شقيّاً خسيساً ، ولما حكمت البديهة بفساد هذا التالي ثبت فساد المقدّم .
الحجة السادسة : أنّ العلم الضروري حاصلٌ ، بأنّ بهجة الملائكة وسعادتهم ، أكمل وأشرف من بهجة الحمار وسعادته ، ومن بهجة الديدان والذباب ، وسائر الحيوانات والحشرات ، ثم لا نزاع أنّ الملائكة ليس لها هذه اللذّات فلو كانت السعادة القصوى ليست إلا هذه اللذّات ، لزم كون هذه الحيوانات الخسيسة أعلى حالاً ، وأكمل درجةً ، من الملائكة المقرّبين ، ولما كان هذا التالي باطلاً ، كان المقدّم مثله ، بل ههنا ما هو أعلى وأقوى مما ذكرناه ، وهو أنه لا نسبة لكمال واجب الوجود ، وجلاله ، وشرفه ، وعزته ، إلى أحوال غيره ، مع أنّ هذه اللذّات الحسية ممتنعةٌ عليه ، فثبت أنّ الكمال والشرف قد يحصلان سوى هذه اللذات الجسمية .
فإن قالوا : ذلك الكمال لأجل حصول الإلهية ، وذلك في حقّ الخلق محالٌ .. فنقول : لا نزاع أنّ حصول الإلهية في حقّ الخلق محالٌ ، إلا أنه قال (ع) : ” تخلقوا بأخلاق الله ” ، والفلاسفة قالوا : ” الفلسفة عبارةٌ عن التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية ” ، فيجب عليه أن يعرف تفسير هذا التخلّق وهذا التشبّه ، ومعلومٌ أنه لا معنى لهما إلا تقليل الحاجات ، وإضافة الخيرات والحسنات ، لا بالاستكثار من اللذّات والشهوات .
الحجة السابعة : أنّ هؤلاء الذين حكموا بأنّ سعادة الإنسان ، ليس إلا في تحصيل هذه اللذات البدنية والراحات الجسمانية ، إذا رأوا إنساناً أعرض عن طلبها ، مثل أن يكون مواظباً للصوم ، مكتفياً بما جاءت الأرض ، عظُم اعتقادهم فيه ، وزعموا أنه ليس من جنس الإنسان ، بل من زمرة الملائكة ، ويعدّون أنفسهم بالنسبة إليه أشقياء أراذل ، وإذ رأوا إنساناً مستغرق الفكر والهمة في طلب الأكل والشرب والوقاع ، مصروف الهمة إلى تحصيل أسباب هذه الأحوال ، معرضاً عن العلم والزهد والعبادة ، قضوا بالبهيمية والخزي والنكال .
ولولا أنه تقرّر في عقولهم ، أنّ الاشتغال بتحصيل هذه اللذّات الجسدانية نقصٌ ودناءةٌ ، وأن الترفّع عن الالتفات إليها كمالٌ وسعادةٌ ، لما كان الأمر على ما ذكرنا ، ولكان يجب أن يحكموا على المعرض عن تحصيل هذه اللذّات بالخزي والنكال ، وعلى المستغرق فيها بالسعادة والكمال ، وفساد التالي يدلّ على فساد المقدّم .
الحجة الثامنة : كلّ شيءٍ يكون في نفسه كمالاً وسعادةً ، وجب أن لا يُستحيى من إظهاره ، بل يجب أن يفتخر بإظهاره ، ويتبجّح بفعله ، ونحن نعلم بالضرورة أنّ أحداً من العقلاء لا يفتخر بكثرة الأكل ، ولا بكثرة المباشرة ولا بكونه مستغرق الوقت والزمان في هذه الأعمال ، وأيضاً فالعاقل لا يقدر على الوقاع إلا في الخلّوة ، فأما عند حضور الناس ، فإنّ أحداً من العقلاء لا يجد في نفسه تجويز الإقدام عليه ، وذلك يدلّ على أنه تقرّر في عقول الخلق ، أنه فعلٌ خسيسٌ وعملٌ قبيحٌ ، فيجب إخفاؤه عن العيون ، وأيضاً فقد جرت عادة السفهاء ، بأنه لا يشتم بعضهم بعضاً إلا بذكر ألفاظ الوقاع ، وذلك يدلّ على أنه مرتبةٌ خسيسةٌ ودرجةٌ قبيحةٌ ، وأيضاً لو أنّ واحداً من السفهاء أخذ يحكي عند حضور الجمع العظيم ، فلاناً كيف يواقع زوجته ، فإنّ ذلك الرجل يستحيي من ذلك الكلام ويتأذّى من ذلك القائل ، وكل هذا يدلّ على أنّ ذلك الفعل ليس من الكمالات والسعادات ، بل هو عملٌ باطلٌ ، وفعلٌ قبيحٌ .
الحجة التاسعة : كلّ فرسٍ وحمارٍ كان ميله إلى الأكل والشرب والإيذاء أكثر ، وكان قبوله للرياضة أقلّ ، كان قيمته أقلّ .. وكلّ حيوانٍ كان أقلّ رغبةً في الأكل والشرب ، وكان أسرع قبولاً للرياضة ، كانت قيمته أكثر .. ألا ترى أنّ الفرس الذي يقبل الرياضة ، في الكرّ والفرّ والعدْو الشديد ، فإنه يُشترى بثمنٍ رفيعٍ ، وكلّ فرسٍ لا يقبل هذه الرياضة ، يُوضع على ظهره الإكاف ( أي البرذعة ) ، ويُسوّى بينه وبين الحمار ، ولا يُشترى إلا بثمنٍ قليلٍ ، فلما كانت الحيوانات التي هي غير ناطقةٍ لا تظهر فضائلها ، بسبب الأكل والشرب والوقاع ، بل بسبب تقليلها ، وبسبب قبول الأدب وحسن الخدمة لمولاه ، فما ظنك بالحيوان الناطق العاقل ؟.. ص130
المصدر:بحار الانوارج58/ص130

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى