الجزء الثامن والخمسون كتاب السماء والعالم

باب تتمة من المجلسي رحمه الله تعالى

بعد ما أحطتَ خبراً بما قيل في هذا الباب من الأقوال المتشتتة ، والآراء المتخالفة ، وبعض دلائلهم عليها ، لا يخفى عليك أنه لم يقم دليلٌ عقليٌّ على التجرّد ولا على المادية ، وظواهر الآيات والأخبار تدلّ على تجسّم الروح والنفس ، وإن كان بعضها قابلاً للتأويل ، وما استدلّوا به على التجرّد لا يدلّ دلالةً صريحةً عليه ، وإن كان في بعضها إيماءٌ إليه ، فما يحكم به بعضهم من تكفير القائل بالتجرّد إفراطٌ وتحكّمٌ ، كيف وقد قال به جماعةٌ من علماء الإمامية ونحاريرهم ؟!..
وجزمُ القائلين بالتجرّد أيضاً بمحض شبهات ضعيفةٌ ، مع أنّ ظواهر الآيات والأخبار تنفيه أيضاً جرأة وتفريط ، فالأمر مردّد بين أن يكون جسماً لطيفاً نورانياً ملكوتياً داخلاً في البدن ، تقبضه الملائكة عند الموت ، وتبقى معذّباً أو منعّماً بنفسه ، أو بجسدٍ مثاليٍّ يتعلّق به كما مرّ في الأخبار ، أو يُلهى عنه إلى أن يُنفخ في الصور – كما في المستضعفين – ولا استبعاد في أن يخلق الله جسماً لطيفاً يبقيه أزمنةً متطاولةً ، كما يقول المسلمون في الملائكة والجنّ ، ويمكن أن يُرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده المثالي ، ولا يُرى في بعض الأحوال بنفسه أو بجسده بقدرة الله سبحانه .
أو يكون مجرداً يتعلّق بعد قطع تعلّقه عن جسده الأصلي بجسدٍ مثالي ، ويكون قبض الروح وبلوغها الحلقوم وأمثال ذلك تجوّزاً عن قطع تعلّقها ، أو أُجري عليها أحكامٌ ما تعلّقت أولاً به – وهو الروح الحيواني البخاري – مجازاً .
ثم الظاهر من الأخبار أنّ النفس الإنساني ، غير الروح الحيواني ، وغير سائر أجزاء البدن المعروفة ، وأما كونها جسماً لطيفاً ، خارجاً من البدن ، محيطاً به ، أو متعلقاً به ، فهو بعيدٌ ، ولم يقل به أحدٌ ، وإن كان يستفاد من ظواهر بعض الأخبار كما عرفت . ص105
المصدر:بحار الانوارج58/105

في كمالات النفس ومراتبها : قال في شرح المقاصد : قد سبق أنّ لفظ القوة كما يُطلق على مبدأ التغيير والفعل ، فكذا يُطلق على مبدأ التغير والانفعال ، فقوة النفس باعتبار تأثرها عما فوقها من المبادئ ، للاستكمال بالعلوم والإدراكات ، يسمى عقلاً نظرياً ، وباعتبار تأثيرها في البدن لتكميل جوهره – وإن كان ذلك أيضاً عائداً إلى تكميل النفس من جهة أنّ البدن آلةٌ لها في تحصيل العلم والعمل – يسمى عقلاً عملياً والمشهور أنّ مراتب النفس أربعٌ :
لأنه إما كمالٌ ، وإما استعدادٌ نحو الكمال قويّ ، أو متوسط ، أو ضعيف : فالضعيف : وهو محض قابلية النفس للإدراكات ، يسمى عقلاً هيولانيا ، تشبيهاً بالهيولى الأولى الخالية في نفسها عن جميع الصور القابلة لها ، بمنزلة قوة الطفل للكتابة .
والمتوسط : وهو استعدادها لتحصيل النظريات بعد حصول الضروريات ، تسمى عقلاً بالملَكة ، لما حصل لها من ملَكة الانتقال إلى النظريات ، بمنزلة الشخص المستعدّ لتعلم الكتابة ، وتختلف مراتب الناس في ذلك اختلافاً عظيماً بحسب اختلاف درجات الاستعدادات .
والقوي : وهو الاقتدار على استحضار النظريات ، متى شاءت من غير افتقارٍ إلى كسبٍ جديدٍ ، لكونها مكتسبة مخزونة تحضر بمجرّد الالتفات بمنزلة القادر على الكتابة حين لا يكتب ، وله أن يكتب متى شاء ، ويسمى عقلاً بالفعل لشدة قربة من الفعل .
وأما الكمال فهو أن يحصل النظريات مشاهدةً ، بمنزلة الكاتب حين يكتب ، ويسمى عقلاً مستفاداً ، أي من خارج هو العقل الفعّال ، الذي يخرج نفوسنا من القوة إلى الفعل ، فيما له من الكمالات ، ونسبته إلينا نسبة الشمس إلى أبصارنا . ص119
المصدر:شرح المقاصد

قال ابن سينا : وكمال القوة النظرية : معرفة أعيان الموجودات ، وأحوالها وأحكامها كما هي ، أي على الوجه الذي هي عليه ، في نفس الأمر ، بقدر الطاقة البشرية ، وسمي حكمة نظرية ، وكمال القوة العملية : القيام بالأمور على ما ينبغي ، أي على الوجه الذي يرتضيه العقل الصحيح ، بقدر الطاقة البشرية ، وسمي حكمة عملية .
وفسّروا الحكمة على ما يشمل القسمين : بأنها خروج النفس من القوة إلى الفعل ، في كمالها الممكن علماً وعملاً .. إلا أنه لما كثر الخلاف ، وفشا الباطل والضلال في شأن الكمال ، وفي كون الأشياء كما هي ، والأمور على ما ينبغي ، لزم الاقتداء في ذلك بمن ثبت بالمعجزات الباهرة أنهم على هدى من الله تعالى ، وكانت الحكمة الحقيقية هي الشريعة ، لكن لا بمعنى مجرّد الأحكام العملية ، بل بمعنى معرفة النفس ما لها وما عليها والعمل بها ، على ما ذهب إليه أهل التحقيق : من أن المشار إليها في قوله : { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } هو الفقه ، وأنه اسمٌ للعلم والعمل جميعاً .
وقد تقسم الحكمة المفسرة بمعرفة الأشياء ، كما هي إلى النظرية والعملية لأنها إن كانت علماً بالأصول المتعلّقة بقدرتنا واختيارنا فعمليةٌ ، وغايتها العمل وتحصيل الخير ، وإلا فنظريةٌ وغايتها إدراك الحقّ ، وكل منهما ينقسم بالقسمة الأولية إلى ثلاثة أقسام ، فالنظرية إلى الإلهي والرياضي والطبيعي ، والعملية إلى علم الأخلاق ، وعلم تدبير المنزل ، وعلم سياسة المدينة .
لأنّ النظرية إن كان علماً بأحوال الموجودات ، من حيث يتعلّق بالمادة تصوّرا وقواما ، فهي العلم الطبيعي ، وإن كان من حيث يتعلّق بها قواماً لا تصّوراً فالرياضي ، كالبحث عن الخطوط والسطوح ، وغيرهما مما يفتقر إلى المادة في الوجود لا في التصوّر ، وإن كان من حيث لا يتعلّق بها لا قواما ولا تصوّراً فالإلهي ، ويسمى العلم الأعلى وعلم ما بعد الطبيعة ، كالبحث عن الواجب والمجرّدات وما يتعلق بذلك .
والحكمة العملية إن تعلّقت بآراءٍ ، ينتظم بها حال الشخص ، وذكاء نفسه ، فالحكمة الخلقية ، وإلا فإن تعلقت بانتظام المشاركة الإنسانية الخاصة ، فالحكمة المنزلية والعامة ، فالحكمة المدنية والسياسة .
ثم قال : للإنسان قوةٌ شهويةٌ : هي مبدأ جذب المنافع ودفع المضار ، من المآكل والمشارب وغيرها ، وتسمى القوة البهيمية والنفس الأمّارة ، وقوةٌ غضبيةٌ : هي مبدأ الإقدام على الأهوال ، والشوق إلى التسلّط والترفّع ، وتسمى السبعية والنفس اللوّامة ، وقوةٌ نطقيةٌ : هي مبدأ إدراك الحقائق ، والشوق إلى النظر في العواقب ، ليتميز بين المصالح والمفاسد .
ويحدث من اعتدال حركة الأولى العفّة ، وهي أن تكون تصرفات البهيمية على وفق اقتضاء النطقية ، ليسلم عن أن تستعبدها الهوى ، وتستخدمها اللذات ، ولها طرف إفراطٍ هي الخلاعة والفجور ، أي الوقوع في ازدياد اللذات على ما لا ينبغي ، وطرف تفريطٍ هي الخمود ، أي السكون عن طلب ما رخّص فيه العقل والشرع من اللذات إيثاراً لا خلقةً .
ومن اعتدال حركة السبعيّة الشجاعة ، وهي انقيادها للنطقية ، ليكون إقدامها على حسب الروية من غير اضطرابٍ في الأمور الهائلة ، ولها طرف إفراطٍ هو التهوّر ، أي الإقدام على ما لا ينبغي ، وتفريط هو الجبن ، أي الحذر عما لا ينبغي .. ومن اعتدال حركة النطقية ، وهي معرفة الحقائق على ما هي بقدر الاستطاعة ، وطرف إفراطها الجربزة ، وهي استعمال الفكر فيما لا ينبغي وطرف تفريطها الغباوة ، وهي تعطيل الفكر بالإرادة ، والوقوف على اكتساب العلوم ، فالأوساط فضائلٌ والأطراف رذائلٌ ، وإذا امتزجت الفضائل ، حصل من اجتماعها حالٌ متشابهةٌ هي العدالة .. فأُصول الفضائل : العفة ، والشجاعة ، والحكمة ، والعدالة .. ولكلٍّ منها شُعَبٌ وفروعٌ مذكورةٌ في كتب الأخلاق ، وكذا الرذائل الستة . ص122
المصدر:بحار الانوارج58/ص122

قال الرازي في المطالب العاليّة في تعديد خواص النفس الإنسانية :
ونحن نذكر منها عشرة : القسم الأول من الخواص : النطق : وفيه أبحاث :
البحث الأول : ….
البحث الثاني : مما يتعلق بهذا الباب ، أنّ المشهور أنه يقال في حدّ الإنسان :
إنه حيوانٌ ناطقٌ ، فقال بعضهم : إنّ هذا التعريف باطلٌ طرداً وعكساً .
أما الطرد : فلأنّ بعض الحيوانات قد تنطق ، وأما العكس : فهو بعض الناس لا ينطق ، فأُجيب عنه : بأن المراد منه النطق العقلي ، ولم يذكروا لهذا النطق العقلي تفسيراً ملخصاً .
فنقول : الحيوان نوعان : منه ما إذا عرف شيئاً ، فإنه لا يقدر على أن يعرّف غيره حال نفسه ، مثل البهائم وغيرها ، فإنها إذا وجدت من نفسها أحوالاً مخصوصةً ، لا تقدر على أن تعرّف غيرها تلك الأحوال ، وأما الإنسان فإذا وجد من نفسه حالةً مخصوصةً ، قدر على أن يعرّف غيره تلك الحالة الموجودة في نفسه ، فالناطق الذي جعل فصلاً مقوّماً هو هذا المعنى ، والسبب فيه : أن أكمل طرق التعريف هو النطق ، فعبّر عن هذه القدرة بأكمل الطرق الدالة عليها ، وبهذا التقرير فإنّ تلك السؤال لا يتوجّه والله أعلم بالصواب .
البحث الثالث : أنّ هذه الألفاظ والكلمات لها أسماءٌ كثيرةٌ:
فالأول : اللفظ ، وفيه وجهان : أحدهما : أنّ هذه الألفاظ إنما تولد بسبب أنّ ذلك الإنسان ، لفظ ذلك الهواء من حلقه ، فلما كان سبب حدوث هذه الأصوات هو لفظ ذلك الهواء ، لا جرمَ سميت باللفظ .. والثاني : أنّ تلك المعاني كانت كامنةً في قلب ذلك الإنسان ، فلما ذكر هذه الألفاظ ، صارت تلك المعاني الكامنة معلومةً ، فكأنّ ذلك الإنسان لفظها من الداخل إلى الخارج .
والاسم الثاني : الكلام ، واشتقاق هذه اللفظة من الكلم وهو الجرح ، والسبب أنّ الإنسان إذا سمع تلك اللفظة ، تأثر جسمه بسماعها وتأثر عقله بفهم معناها ، فلهذا السبب سمي بالكلمة .
والاسم الثالث : العبارة ، وهي مأخوذة من العبور والمجاوزة ، وفيه وجهان :
الأول : أنّ ذلك النفس لما خرج منه ، فكأن جاوزه وعبر عليه .
الثاني : أنّ ذلك المعنى عبر من القائل إلى فهم المستمع .
والاسم الرابع : القول – وهذا التركيب يفيد الشدة والقوة – ولاشكّ أنّ تلك اللفظة لها قوةٌ ، إما لسبب خروجها إلى الخارج ، وإما لسبب أنها تقوى على التأثير في السمع ، وعلى التأثير في العقل ، والله اعلم .
النوع الثاني : من خواص الإنسان قدرته على استنباط الصنائع العجيبة ، ولهذه القدرة مبدأ وآلة :
أما المبدأ : فهو الخيال القادر على تركيب الصور بعضها ببعض .
وأما الآلة : فهي اليدان ، وقد سماهما الحكيم أرسطاطاليس ” الآلة المباحة ” ، وسنذكر هذه اللفظة في علم التشريح إن شاء الله ، وقد يحصل ما يشبه هذه الحالة للحيوانات الأُخر ، كالنحل في بناء البيوت المسدّسة ، إلا أنّ ذلك لا يصدر من استنباطٍ وقياسٍ ، بل إلهام وتسخير ، ولذلك لا يختلف ولا يتنوع .
هكذا قاله الشيخ ، وهو منقوضٌ بالحركة الفلكية .
النوع الثالث : من خواص الإنسان الأعراض النفسانية المختلفة ، وهي على أقسام :
فأحدها : أنه إذا رأى شيئاً لم يعرف سببه ، حصلت حالةٌ مخصوصةٌ في نفسه مسماة بالتعجب .
وثانيها : أنه إذا أحسّ بحصول الملائم ، حصلت حالةٌ مخصوصةٌ وتتبعها أحوالٌ جسمانيةٌ ، وهي تمدّد في عضلات الوجه ، مع أصواتٍ مخصوصةٍ وهي الضحك ، فإن أحسّ بحصول المنافي والمؤذي ، حزن فانعصر دم قلبه في الداخل ، فينعصر أيضاً دماغه وتنفصل عنه قطرةٌ من الماء ، وتخرج من العين وهي البكاء .
وثالثها : أنّ الإنسان إذا اعتقد في غيره ، أنه اعتقد فيه أنه أقدم على شيءٍ من القبائح ، حصلت حالةٌ مخصوصةٌ تسمى بالخجالة .
ورابعها : أنه إذا اعتقد في فعلٍ مخصوصٍ ، أنه قبيحٌ فامتنع عنه لقبحه ، حصلت حالةٌ مخصوصةٌ هي الحياء .. وبالجملة فاستقصاء القول في تعديد الأحوال النفسانية مذكورٌ في باب الكيفيات النفسانية .
والنوع الرابع : من خواص الإنسان الحكم بحسن بعض الأشياء ، وقبح بعضها ، إما لأنّ صريح العقل يوجب ذلك عند من يقول به ، وإما لأجل أنّ المصلحة الحاصلة – بسبب المشاركة الإنسانية – اقتضت تقريرها ، لتبقى مصالح العالم مرعية .
وأما سائر الحيوانات فإنها إن تركت بعض الأشياء مثل الأسد ، فإنه لا يفترس صاحبه ، فليس ذلك مشابهاً للحالة الحاصلة للإنسان ، بل هيئة أخرى ، لأنّ كلّ حيوان فهو يحب بالطبع كل من ينفعه ، فلهذا السبب الشخص الذي أطعمه محبوبٌ عنده ، فيصير ذلك مانعاً له عن افتراسه . النوع الخامس : من خواص الإنسان تذكّر الأمور الماضية ، وقيل : إنّ هذه الحالة لا تحصل لسائر الحيوانات ، والجزم في هذا الباب بالنفي والإثبات مشكل والنوع السادس : الفكر والروية ، وهذا الفكر على قسمين :
أحدهما : أن يتفكّر لأجل أن يعرف حاله .. وهذا النوع من الفكر ممكن في الماضي والمستقبل والحاضر …. ص126
المصدر:المطالب العالية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى