الجزء السابع والخمسون كتاب السماء والعالم

باب الأرض وكيفيتها وما أعد الله للناس فيها وجوامع أحوال العناصر وما تحت الأرضين

*
المصدر: بحار الانوارج57/ص60
بيــان:
قال الجاحظ : إذا تأملت في هذا العالم ، وجدته كالبيت المعدّ فيه كل ما يُحتاج إليه :
فالسماء مرفوعةٌ كالسقف ، والأرض ممدودةٌ كالبساط ، والنجوم منضودةٌ كالمصابيح ، والإنسان كمالِكِ البيت المتصرّف فيه ، وضروب النبات مهيّأةٌ لمنافعه ، وصنوف الحيوان متصرّفةٌ في مصالحه ، فهذه جملةٌ واضحةٌ دالةٌ على أنّ العالم مخلوقٌ بتدبيرٍ كاملٍ ، وتقديرٍ شاملٍ ، وحكمةٍ بالغةٍ ، وقدرةٍ غير متناهيةٍ .
ثم إنهم اختلفوا في أنّ السماء أفضل أم الأرض ؟.. قال بعضهم : السماء أفضل لأنها معبد الملائكة ، وما فيها بقعةٌ عُصي الله فيها ، ولما أتى آدم بالمعصية أُهبط من الجنة ، وقال الله : لا يسكن في جواري من عصاني !.. وقال تعالى : { وجعلنا السماء سقفا محفوظا } ، وقال : { تبارك الذي جعل في السماء بروجا } ، وورد في الأكثر ذكر السماء مقدّماً على ذكر الأرض .. والسماوات مؤثرة والأرضيات متأثرة ، والمؤثر أشرف من المتأثر .
وقال آخرون : بل الأرض أفضل ، لأنه تعالى وصف بقاعاً من الأرض بالبركة : { إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا } ، { في البقعة المباركة } ، { إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله } ، { مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا حولها } ، يعنى أرض الشام ، ووصف جملة الأرض بالبركة { وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام } .
فإن قيل : أي بركة في المفاوز المهلكة ؟.. قلت : إنها مساكن الوحوش ومراعيها ، ومساكن الناس إذا احتاجوا إليها ، ومساكن خلقٍ لا يعلمهم إلا الله تعالى .. فلهذه البركات قال :
{ وفي الأرض آيات للموقنين } تشريفاً لهم ، لأنهم هم المنتفعون بها ، كما قال : { هدى للمتقين } ، وخلق الأنبياء منها { منها خلقناكم } ، وأودعهم فيها { وفيها نعيدكم } ، وأكرم نبيه المصطفى ، فجعل الأرض كلها له مسجداً وطهوراً . ص60

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى