الجزء السادس والخمسون كتاب السماء والعالم

باب عصمة الملائكة ، وقصة هاروت وماروت وفيه ذكر حقيقة السحر وأنواعه

*
المصدر:بحار الانوارج56/ص291
بيــان:
( سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية )
أما إذا قلنا إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال : النفوس مختلفة ، فيتفق في بعض النفوس أن تكون لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة ، مطلعة على الأسرار الغائبة عنّا ، فهذا الإحتمال مما لم يقم على فساده سوى الوجوه المتقدمة ، وقد بان بطلانها .
ثم أن الذي يؤكد هذا الإحتمال وجوه : ….
ورابعها : أجمعت الأمم على أنّ الدعاء مظنّة للإجابة ، وأجمعوا على أنّ الدعاء اللساني الخالي عن المطلب النفساني ، قليل البركة عديم الأثر ، فدلّ ذلك على أنّ للهمم والنفوس آثاراً ، وهذا الاتفاق غير مختصٍّ بملّةٍ معينةٍ ، ونحلةٍ مخصوصةٍ .
وخامسها: أنك لو أنصفت لعلمت أنّ المبادئ القريبة للأفعال الحيوانية ، ليست إلا التصوّرات النفسانية ، لأنّ القوة المحركة المخلوقة المطبوعة المغروزة في العضلات ، صالحةٌ للفعل وتركه أو ضده ، ولن يترجّح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجّح ، وما ذاك إلا تصوّر كون الفعل جميلاً أو لذيذاً ، أو تصوّر كونه قبيحاً أو مؤلماً ، فتلك التصوّرات هي المبادئ لصيرورة القوى العضلية مبادئ بالفعل ، لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة ، وإذا كانت هذه التصوّرات هي المبادئ لمبادئ هذه الأفعال ، فأي استبعادٍ في كونها مبادئ للأفعال بأنفسها ، وإلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار .
وسادسها : التجربة والعيان شاهدان ، بأن هذه التصوّرات مبادئٌ قريبةٌ لحدوث الكيفيات في الأبدان ، فإنّ الغضبان يشتدّ سخونة مزاجه حتى أنه يفيد سخونة قوية .. يُحكى عن بعض الملوك أنه عرض له فالجٌ فأعيى الأطباء مزاولة علاجه ، فدخل عليه بعض الحذّاق منهم على حين غفلةٍ منه ، وشافهه بالشتم والقدح في العرض ، فاشتدّ غضب الملك ، وقفز من مرقده قفزةً اضطراريةً لما ناله من شدة ذلك الكلام ، فزالت تلك العلّة المزمنة والمرضة المهلكة ! .. وإذا جاز كون التصوّرات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن ، فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن .
وسابعها : أنّ الإصابة بالعين أمرٌ قد اتفق عليها العقلاء ، وذلك أيضاً يحقق إمكان ما قلناه .
إذا عرفت هذا فنقول : النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جداً ، فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات ، وقد تكون ضعيفةً فتحتاج إلى الاستعانة بهذه .
وتحقيقه أنّ النفس إذا كانت قويةً مستعليةً على البدن ، شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات ، كانت كأنها روحٌ من الأرواح السماوية ، فكانت قويةً على التأثير في مواد هذا العالم ، أما إذا كانت ضعيفةً شديدة التعلّق بهذه اللذات البدنية ، فحينئذ لا يكون لها تصرّفٌ البتة إلا في هذا البدن ، فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها ، بحيث يتعدّى تأثيرها من بدنها إلى بدن آخر ، اتخذ تمثال ذلك الغير ، ووضعه عند الحسّ ليشتغل الحسّ به ، فيتبعه الخيال عليه ، وأقبلت النفس الناطقة عليه ، فقويت التأثيرات النفسانية والتصرفات الروحانية ، ولذلك اجتمعت الأمم على أنه لا بد لمزاول هذه الأعمال من الانقطاع عن المألوفات والمشتهيات ، وتقليله الغذاء والانقطاع عن مخالطة الخلق ، فكلما كانت هذه الأمور أتمّ ، كان ذلك التأثير أقوى ، فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبةً لهذا الأمر ، نظراً إلى ماهيتها وخاصيتها ، عظم التأثير .
والسبب المتعين فيه أنّ النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد ، استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل ، وإذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرّقت قوتها ، وتوزعت على تلك الأفعال ، فتصل إلى كلّ واحدٍ من تلك الأفعال شعبةٌ من تلك القوة ، وجدولٌ من ذلك النهر ، ولذلك ترى أنّ إنسانين يستويان في قوة الخاطر ، إذا اشتغل أحدهما بصناعةٍ واحدةٍ ، واشتغل الآخر بصناعتين ، فإنّ ذا الفن الواحد يكون أقوى من ذي الفنين ، ومن حاول الوقوف على حقيقة مسألةٍ من المسائل ، فإنه حال تفكّره فيها لا بدّ وأن يفرغ خاطره عما عداه ، فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجّه الخاطر بكليته إليه ، فيكون الفعل أسهل وأحسن .
وإذا كان كذلك ، فإذا كان الإنسان مشغول الهمّ والهمة ، بقضاء اللذّات وتحصيل الشهوات ، كانت القوة النفسانية مشغولةً بها ، مستغرقةً فيها ، فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذاباً قوياً ، لا سيما وهنا آفة أخرى ، وهي أنّ مثل هذه النفس اعتادت الاشتغال باللذّات من أول أمرها إلى آخره ، ولم تشتغل قطّ باستحداث هذه الأفعال الغريبة ، فهي بالطبع حنونٌ إلى الأول عزوفٌ للثاني ، فإذا وجدتْ مطلوبها من النمط الأول ، فأنى تلتفت إلى الجانب الآخر ؟.. فقد ظهر من هذا أنّ مزاولة هذه الأعمال لا تتأتّى إلا مع التجرّد عن الأحوال الجسمانية ، وترك مخالطة الخلق ، والإقبال بالكلية على عالم الصفاء والأرواح .
وأما الرقى فإن كانت معلومةً فالأمر فيها ظاهرٌ ، لأنّ الغرض منها أنّ حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة لذلك الغرض ، فحسّ السمع نشغله أيضاً بالأمور المناسبة لذلك الغرض ، فإنّ الحواس متى تطابقت نحو التوجّه إلى الغرض الواحد ، كان توجّه النفس إليه حينئذ أقوى ، وأما إذا كانت بألفاظٍ غير معلومةٍ ، حصلت للنفس هناك حالةٌ شبيهةٌ بالحيرة والدهشة ، ويحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاعٌ عن المحسوسات ، وإقبالٌ على ذلك الفعل ، وجدٌّ عظيمٌ ، فيقوى التأثير النفساني ، فيحصل الغرض . ص291

*
المصدر:بحار الانوارج56/ص293
بيــان:
النوع الثالث من السحر: الاستعانة بالأرواح الأرضية
واعلم أنّ القول بالجنّ ، مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة ، أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به ، إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية ، وهي في أنفسها مختلفةٌ ، منها خيّرةٌ ومنها شريرةٌ ، فالخير منهم الجنّ ، والشريرة هم كفار الجنّ وشياطينهم ، ثم قال :
خلق منهم هذه الأرواح جواهر قائمة بأنفسها ، لا متحيزة ولا حالّة في المتحيز ، وهي قادرةٌ عالمةٌ مدركةٌ للجزئيات ، واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية ، إلا أنّ القوة الحاصلة للنفوس الناطقة ، بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية ، أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية ، أما أن الاتصال أسهل ، فلأنّ المناسبة بين نفوسنا وبين هذه الأرواح الأرضية أرسل ، فإنّ المشابهة والمشاكلة بينها أتمّ وأشدّ من المشاكلة بين نفوسنا ، وبين الأرواح السماوية .
وأما أنّ القوة الحاصلة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى ، فلأن الأرواح السماوية بالنسبة إلى الأرواح الأرضية ، كالشمس بالنسبة إلى الشعلة ، والبحر بالنسبة إلى القطرة ، والسلطان بالنسبة إلى الرعية ، قالوا : وهذه الأشياء وإن لم يقم على وجودها برهانٌ قاهرٌ ، فلا أقل من الاحتمال والإمكان .
ثم إنّ أصحاب الصنعة وأرباب التجربة ، شاهدوا أنّ الاتصال بهذه الأرواح الأرضية ، يحصل بأعمالٍ سهلةٍ قليلةٍ من الرقى والدخن والتجريد ، فهذا النوع هو المسمى بالعزائم ، وعمل تسخير الجن.ص293

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى