الجزء الخامس والخمسون كتاب السماء والعالم

باب علم النجوم والعمل به وحال المنجّمين

*

المصدر: بحار الانوارج55/ص310
بيــان:
إذا أحطت خبراً بما تلونا عليك من الأخبار والأقوال ، لا يخفى عليك أنّ القول باستقلال النجوم في تأثيرها ، بل القول بكونها علّة فاعلية بالإرادة والاختيار – وإن توقَّفَ تأثيرها على شرائطٍ -كفرٌ ومخالفةٌ لضرورة الدين والقول بالتأثير الناقص يحتمل وجهين :
الأول : تأثيرها بالكيفية ، كحرارة الشمس وإضاءتها وسائر الكواكب ، وتبريد القمر ، فلا سبيل إلى إنكار ذلك .. لكنّ الكلام في أنها مؤثّرات أو معدّات لتأثير الربّ سبحانه ، أو أنه تعالى أجرى العادة بخلق الحرارة أو الضوء ، عقيب محاذاة الشمس مثلاً ، والأكثر على الأخير .
والثاني : كون حركاتها وأوضاعها ومقارناتها واتصالاتها مؤثرةً ، ناقصة في خلق الحوادث على أحد الوجوه الثلاثة المتقدّمة ، فلا ريب أنّ القول به فسقٌ وقولٌ بما لا يُعلم ، ولا دليل يدلّ عليه من عقلٍ ولا نقلٍ ، بل ظواهر الآيات والأخبار خلافه ، والقول به جرأةٌ على الله .
وأما أنه ينتهي إلى حدّ الكفر فيشكل الحكم به ، وإن لم يكن مستبعداً والكراجكي – ره – لم يفرّق فيما مرّ بين هذا الوجه والوجه الأول ، وإنما النزاع في الثاني دون الأول .. وأما كونها أمارات وعلامات ، جعلها الله دلالةً على حدوث الحوادث في عالم الكون والفساد ، فغير بعيدٍ عن السداد .
وقد عرفت أنّ كثيراً من الأخبار تدلّ على ذلك ، وهي إما مفيدةٌ للعلم العادي ، لكنه مخصوصٌ ببعض الأنبياء والأئمة (ع) ومَن أخذها منهم ، لأنّ الطريق إلى العلم بعدم ما يرفع دلالتها من وحيٍّ أو إلهامٍ ، والإحاطة بجميع الشرائط والموانع والقوابل مختصةٌ بهم ، أو مفيدةٌ للظنّ ، ووقوع مدلولاتها مشروطٌ بتحقق شروطٍ ، ورفع موانعٍ ، وما في أيدي الناس ليس ذلك العلم أصلاً أو بعضه منه ، لكنه غير معلومٍ بخصوصه ، ولا يفيد العلم قطعاً ، وإفادته نوعاً من الظن مشكوكٌ فيه ….
ومنها الاعتناء بالساعات المسعودة والمنحوسة ، واختيار الأولى لارتكاب الأعمال والشروع فيها ، والاحتراز عن الثانية ، وهذا أيضاً يحتمل الكراهة والحرمة ، وما ورد من رؤية العقرب والمحاق في التزويج والسفر ، فلا دلالة فيه على العموم ، مع أنك قد عرفت أن اصطلاح البروج في الأخبار الظاهر أنه غير اصطلاح المنجّمين .
وأما سعادة الكواكب والبروج ونحوستها ، فتحتمل الأخبار الواردة فيها أمرين :
أحدهما : أن يكون لها سعادةٌ ونحوسةٌ واقعيةٌ ، لكن ترتفع النحوسة بالتوكّل والدعاء والصدقة والتوسل بالله تعالى ، ونحن إنما أُمرنا بتلك الأمور لا برعاية الساعات .
وثانيهما : أن يكون تأثيرها من جهة الطِّيَرة ، لما اشتُهر بين الناس من نحوسة تلك الساعات ، وإنما يتأثر بها من يتأثر من الطِّيرة ، ممن ضعف توكّلهم واعتمادهم على ربهم ، ولهم عقولٌ ضعيفةٌ ، ونفوسٌ دنيةٌ ، يتأثرون بأدنى شيءٍ ، ويومي إليه قول أمير المؤمنين (ع) عند خبر المنجم : ” اللهم!.. لا طير إلا طيرك ”
فعلى الوجهين ، الأَولى لمن قويت نفسه وصدق في توكّله على ربه ، أن لا يلتفت إلى أمثال ذلك ، ويتوسل بجنابه تعالى في جميع أموره ، ويطلب منه الخيرة ، وقد روي عن الصادق (ع) : ” أنّ الطِّيرة على ما تجعلها ، إن هوّنتها تهوّنت ، وإن شدّدتها تشدّدت ، وإن لم تجعلها شيئاً لم تكن شيئاً “.. وعنه عن آبائه (ع) قال : قال النبي (ص) : ” أوحى الله عزّ وجلّ إلى داوود (ع) : كما لا تضيق الشمس على مَن جلس فيها كذلك لا تضيق رحمتي على من دخل فيها ، وكما لا تضرّ الطِّيرة من لا يتطيّر منها ، كذلك لا ينجو من الفتنة المتطيّرون “. ص310

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى