الجزء الخامس والخمسون كتاب السماء والعالم

باب الحجب والأستار والسرادقات

*
المصدر: بحار الانوارج55/ص47

بيــان:
والتحقيق أنّ لتلك الأخبار ظهراً وبطناً ، وكلاهما حقٌّ :
فأما ظهرها : فإنه سبحانه كما خلق العرش والكرسي – مع عدم احتياجه إليهما – كذلك خلق عندهما أستاراً وحجباً وسرادقات ، وحشاها من أنواره الغريبة المخلوقة له ، ليُظهر لمن يشاهدها من الملائكة وبعض النبيين ولمن يسمعها من غيرهم عظمة قدرته ، وجلال هيبته ، وسعة فيضه ورحمته .
ولعلّ اختلاف الأعداد باعتبار أنّ في بعض الإطلاقات اعتبرت الأنواع ، وفي بعضها الأصناف ، وفي بعضها الأشخاص ، أو ضمّ بعضها إلى بعض في بعض التعبيرات ، أو اكتُفي بذكر بعضها في بعض الروايات .
وأما بطنها : فلأنّ الحُجب المانعة عن وصول الخلق إلى معرفة كنه ذاته وصفاته أمور كثيرة :
منها ما يرجع إلى نقص المخلوق وقواه ومداركه ، بسبب الإمكان والافتقار والاحتياج والحدوث ، وما يتبع ذلك من جهات النقص والعجز ، وهي الحجب الظلمانية .. ومنها ما يرجع إلى نوريّته وتجرّده وتقدّسه ، ووجوب وجوده وكماله وعظمته وجلاله ، وسائر ما يتبع ذلك ، وهي الحُجب النورانية .
وارتفاع تلك الحجب بنوعيه محالٌ ، فلو ارتفعت لم يبقَ بغير ذات الحقّ شيءٌ ، أو المراد بكشفها رفْعها في الجملة بالتخلّي عن الصفات الشهوانية ، والأخلاق الحيوانية ، والتخلّق بالأخلاق الربّانية ، بكثرة العبادات والرياضات والمجاهدات ، وممارسة العلوم الحقّة ، فترتفع الحُجب بينه وبين ربه سبحانه في الجملة .
فيحرق ما يظهر عليهم من أنوار جلاله تعيّناتهم وإراداتهم وشهواتهم ، فيرون بعين اليقين كمالَه – سبحانه – ونقصَهم ، وبقاءه وفناءهم وذلهم وغناه وافتقارهم ، بل يرون وجودهم المستعار في جنب وجوده الكامل عدماً ، وقدرتهم الناقصة في جنب قدرته الكاملة عجزاً ، بل يتخلّون عن إرادتهم وعلمهم وقدرتهم ، فيتصرّف فيهم إرادته وقدرته وعلمه سبحانه ، فلا يشاؤون إلا أن يشاء الله ، ولا يريدون سوى ما أراد الله ، ويتصرّفون في الأشياء بقدرة الله ، فيحيون الموتى ، ويردّون الشمس ، ويشقّون القمر ، كما قال أمير المؤمنين (ع) : ” ما قلعت باب خيبر بقوةٍ جسمانيةٍ ، بل بقوةٍ ربّانية ” ، والمعنى الذي يمكن فهمه ، ولا ينافي أصول الدين من الفناء في الله والبقاء بالله ، هو هذا المعنى .
وبعبارةٍ أخرى : الحُجب النورانية ، الموانع التي للعبد عن الوصول إلى قربه ، وغاية ما يمكنه من معرفته سبحانه من جهة العبادات : كالرياء والعُجب والسمعة والمراء وأشباهها .. والظلمانية : ما يحجبه من المعاصي عن الوصول إليه ، فإذا ارتفعت تلك الحجب تجلّى الله له في قلبه ، وأحرق محبة ما سواه حتى نفسه عن نفسه ، وسيأتي تمام القول في ذلك في كتاب الإيمان والكفر إن شاء الله تعالى ، وكلّ ذلك لا يُوجب عدم وجوب الإيمان بظواهرها ، إلا بمعارضة نصوصٍ صحيحةٍ صريحةٍ صارفةٍ عنها ، وأول الإلحاد سلوك التأويل من غير دليل ، والله الهادي إلى سواء السبيل . ص47

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى