الجزء الثاني والخمسون كتاب تاريخ الحجة(ع)

باب علة الغيبة ، وكيفية انتفاع الناس في غيبته (ع)

عن إسحاق بن يعقوب أنه ورد عليه من الناحية المقدّسة على يد محمد بن عثمان : وأما علة ما وقع من الغيبة فإنّ الله عزّ وجلّ يقول :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم } ، إنه لم يكن أحدٌ من آبائي إلا وقعت في عنقه بيعةٌ لطاغية زمانه ، وإني أخرج حين أخرج ولا بيعةَ لأحدٍ من الطواغيت في عنقي .
وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب ، وإني لأمانٌ لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمانٌ لأهل السماء ، فاغلقوا أبواب السؤال عما لا يعنيكم !.. ولا تتكلّفوا على ما قد كُفيتم !.. وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج !.. فإنّ ذلك فرجكم ، والسلام عليك يا إسحاق بن يعقوب !.. وعلى من اتّبع الهدى . ص92
المصدر:الاحتجاج
بيــان:
التشبيه بالشمس المجلّلة بالسحاب يومي إلى أمورٍ :
الأول : أنّ نور الوجود والعلم والهداية ، يصل إلى الخلق بتوسطه (ع) ، إذ ثبت بالأخبار المستفيضة أنهم العلل الغائية لإيجاد الخلق ، فلولاهم لم يصل نور الوجود إلى غيرهم ، وببركتهم والاستشفاع بهم ، والتوسّل إليهم يظهر العلوم والمعارف على الخلق ، ويكشف البلايا عنهم ، فلولاهم لاستحقَّ الخلق بقبائح أعمالهم أنواع العذاب ، كما قال تعالى : { وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } .
ولقد جرّبنا مراراً لا نحصيها أنّ عند انغلاق الأمور ، وإعضال المسائل ، والبعد عن جناب الحق تعالى ، وانسداد أبواب الفيض ، لما استشفعنا بهم ، وتوسلنا بأنوارهم ، فبقدر ما يحصل الارتباط المعنوي بهم في ذلك الوقت ، تنكشف تلك الأمور الصعبة ، وهذا معايَن لمن أكحل الله عين قلبه بنور الإيمان ، وقد مضى توضيح ذلك في كتاب الإمامة .
الثاني : كما أنّ الشمس المحجوبة بالسحاب – مع انتفاع الناس بها – ينتظرون في كلّ آنٍ انكشاف السحاب عنها وظهورها ، ليكون انتفاعهم بها أكثر ، فكذلك في أيام غيبته (ع) ، ينتظر المخلصون من شيعته خروجه وظهوره في كلّ وقتٍ وزمانٍ ، ولا ييأسون منه .
الثالث : أنّ منكر وجوده (ع) – مع وفور ظهور آثاره – كمنكر وجود الشمس إذا غيّبها السحاب عن الأبصار .
الرابع : أنّ الشمس قد تكون غيبتها في السحاب ، أصلح للعباد من ظهورها لهم بغير حجاب ، فكذلك غيبته (ع) أصلح لهم في تلك الأزمان ، فلذا غاب عنهم .
الخامس : أنّ الناظر إلى الشمس لا يمكنه النظر إليها بارزة عن السحاب ، وربما عمي بالنظر إليها لضعف الباصرة عن الإحاطة بها ، فكذلك شمس ذاته المقدسة ربما يكون ظهوره أضرّ لبصائرهم ، ويكون سبباً لعماهم عن الحقّ ، وتحتمل بصائرهم الإيمان به في غيبته ، كما ينظر الإنسان إلى الشمس من تحت السحاب ولا يتضرّر بذلك .
السادس : أنّ الشمس قد يخرج من السحاب وينظر إليه واحدٌ دون واحد ، فكذلك يمكن أن يظهر (ع) في أيام غيبته لبعض الخلق دون بعض .
السابع : أنهم (ع) كالشمس في عموم النفع ، وإنما لا ينتفع بهم من كان أعمى ، كما فُسّر به في الأخبار قوله تعالى : { من كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا } .
الثامن : أنّ الشمس كما أنّ شعاعها تدخل البيوت بقدر ما فيها من الرّوازن والشبابيك ، وبقدر ما يرتفع عنها من الموانع ، فكذلك الخلق إنما ينتفعون بأنوار هدايتهم بقدر ما يرفعون الموانع عن حواسهم ومشاعرهم ، التي هي روازن قلوبهم من الشهوات النفسانية ، والعلائق الجسمانية ، وبقدر ما يدفعون عن قلوبهم من الغواشي الكثيفة الهيولانية ، إلى أن ينتهي الأمر إلى حيث يكون بمنزلة من هو تحت السماء ، يحيط به شعاع الشمس من جميع جوانبه بغير حجاب .
فقد فتحتُ لك من هذه الجنة الروحانية ثمانية أبواب ، ولقد فتح الله عليّ بفضله ثمانية أخرى ، تضيق العبارة عن ذكرها ، عسى الله أن يفتح علينا وعليك في معرفتهم ألف باب ، يفتح من كل باب ألف باب . ص94

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى