الجزء الواحد والخمسون كتاب تاريخ الحجة(ع)

باب أحوال السفراء الذين كانوا في زمان الغيبة الصغرى وسائط بين الشيعة وبين القائم (ع)

اجتمعت أنا والشيخ أبو عمرو عند أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري القمّي ، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف .. فقلت له :
يا أبا عمرو !.. إني أريد أن أسألك وما أنا بشاكّ فيما أريد أن أسألك عنه ، فإنّ اعتقادي وديني أن الأرض لا تخلو من حجّةٍ ، إلا إذا كان قبل القيامة بأربعين يوماً ، فإذا كان ذلك رُفعت الحجّة وغُلّق باب التوبة ، فلم يكن ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً ، فأولئك أشرار من خلق الله عزّ وجلّ ، وهم الذين تقوم عليهم القيامة . .
ولكن أحببت أن أزداد يقيناً ، فإنّ إبراهيم (ع) سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ، فقال : أَوَ لم تؤمن ؟.. قال : بلى ، ولكن ليطمئن قلبي ، وقد أخبرني أحمد بن إسحاق أبو علي ، عن أبي الحسن (ع) قال : سألته فقلت له : لمن أعامل ؟.. وعمّن آخذ ؟.. وقول مَن أقبل ؟.. فقال له :
العمري ثقتي ، فما أدّى إليك فعنّي يؤدّي ، وما قال لك فعنّي يقول ، فاسمع له وأطع ، فإنه الثقة المأمون .
قال : وأخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد الحسن بن علي عن مثل ذلك ، فقال له : العمري وابنه ثقتان ، فما أدّيا إليك فعنّي يؤدّيان ، وما قالا لك فعنّي يقولان ، فاسمع لهما وأطعهما ، فإنهما الثقتان المأمونان .. فهذا قول إمامين قد مضيا فيك .. فخرّ أبو عمرو ساجداً وبكى ثم قال : سل !..
فقلت له : أنت رأيت الخلف من أبي محمد (ع)؟.. فقال :
أي والله !.. ورقبته مثل ذا وأومأ بيديه ، فقلت له : فبقيت واحدة ، فقال لي : هات !.. قلت : فالاسم ؟.. قال : محرّمٌ عليكم أن تسألوا عن ذلك ، ولا أقول هذا من عندي وليس لي أن أحلّل واحرّم ، ولكن عنه (ع) فإنّ الأمر عند السلطان ، أنّ أبا محمد (ع) مضى ولم يخلّف ولداً ، وقسّم ميراثه وأخذه من لا حق له ، وصبر على ذلك ، وهو ذا عياله يجولون وليس أحدٌ يجسر أن يتعرّف إليهم أو يُنيلهم شيئاً .
وإذا وقع الاسم وقع الطلب ، فاتقوا الله وأمسكوا عن ذلك !.. ص348
المصدر:الكافي 1/329

خرج التوقيع إلى الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري – قدس الله روحه – في التعزية بأبيه – رضي الله عنه – وفي فصل من الكتاب :
” إنا لله وإنا إليه راجعون ، تسليماً لأمره ورضىً بقضائه ، عاش أبوك سعيداً ومات حميداً ، فرحمه الله وألحقه بأوليائه ومواليه (ع) ، فلم يزل مجتهداً في أمرهم ، ساعياً فيما يقرّبه إلى الله عزّ وجلّ وإليهم ، نضّر الله وجهه ، وأقاله عثرته ” وفي فصل آخر :
” أجزل الله لك الثواب ، وأحسن لك العزاء ، رُزئت ورزئنا ، وأوحشك فراقه وأوحشنا ، فسرّه الله في منقلبه ، وكان من كمال سعادته أن رزقه الله ولداً مثلك يخلفه من بعده ، ويقوم مقامه بأمره ويترّحم عليه ، وأقول : الحمد لله ، فإنّ الأنفس طيبة بمكانك ، وما جعله الله عزّ وجلّ فيك وعندك ، أعانك الله وقوّاك وعضدك ، ووفّقك وكان لك وليا وحافظا وراعيا ” . ص349
المصدر:الكافي 1/329

والله إنّ صاحب هذا الأمر ليحضر الموسم كلّ سنة ، يرى الناس ويعرفهم ويرونه ولا يعرفونه . ص350
المصدر:غيبة الشيخ

سألت محمد بن عثمان – رضي الله عنه – فقلت له : رأيت صاحب هذا الأمر ؟.. قال : نعم ، وآخر عهدي به عند بيت الله الحرام وهو يقول : اللهم!.. أنجز لي ما وعدتني .ص351
المصدر:غيبة الشيخ

قال محمد بن عثمان – رضي الله عنه – : ورأيته صلوات الله عليه متعلّقا بأستار الكعبة في المستجار وهو يقول :
اللهم!.. انتقم بي من أعدائك . ص351
المصدر:غيبة الشيخ

وكان أبو القاسم – رحمه الله – من أعقل الناس عند المخالف والموافق ، ويستعمل التقية .. فروى أبو نصر هبة الله بن محمد قال : حدثني أبو عبد الله بن غالب وأبو الحسن ابن أبي الطيب ، قالا :
ما رأيت من هو أعقل من الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح ، ولعهدي به يوما في دار ابن يسار ، وكان له محلٌّ عند السيد والمقتدر عظيم ، وكانت العامة أيضا تعظّمه ، وكان أبو القاسم يحضر تقيةً وخوفاً .. فعهدي به وقد تناظر اثنان : فزعم واحدٌ أن أبا بكر أفضل الناس بعد رسول الله (ص) ثم عمر ثم عليّ ، وقال الآخر : بل عليّ أفضل من عمر ، فزاد الكلام بينهما فقال أبو القاسم – رضي الله عنه – :
الذي اجتمعت عليه الصحابة هو تقديم الصدّيق ثم بعده الفاروق ثم بعده عثمان ذو النورين ثم عليّ الوصي ، وأصحاب الحديث على ذلك ، وهو الصحيح عندنا .
فبقي من حضر المجلس متعجباً من هذا القول ، وكانت العامة الحضور يرفعونه على رؤوسهم ، وكثر الدعاء له ، والطعن على من يرميه بالرفض .. فوقع عليّ الضحك ، فلم أزل أتصبّر وأمنع نفسي وأدسّ كمّي في فمي ، فخشيت أن أُفتضح ، فوثبت عن المجلس ونظر إليّ فتفطّن لي ، فلما حصلتُ في منزلي فإذا بالباب يُطرق ، فخرجت مبادراً فإذا بأبي القاسم بن روح راكباً بغلته ، قد وافاني من المجلس قبل مضيه إلى داره فقال لي :
يا عبد الله !.. أيّدك الله لِمَ ضحكت وأردت أن تهتف بي ، كأن الذي قلتُه عندك ليس بحق ؟.. فقلت له : كذاك هو عندي ، فقال لي :
اتق الله أيها الشيخ !.. فإني لا أجعلك في حلٍّ ، تستعظم هذا القول مني ، فقلت : يا سيدي !.. رجلٌ يرى بأنه صاحب الإمام ووكيله ، يقول ذلك القول لا يُتعجب منه ؟.. ولا يُضحك من قوله هذا ؟.. فقال لي : وحياتك لئن عدت لأهجرنّك ، وودعني وانصرف .ص357
المصدر:غيبة الشيخ ص385

بلغ الشيخ أبا القاسم – رضي الله عنه – أنّ بوّاباً كان له على الباب الأول قد لعن معاوية وشتمه ، فأمر بطرده وصرفه عن خدمته ، فبقي مدة طويلة يُسأل في أمره ، فلا والله ما ردّه إلى خدمته ، وأخذه بعض الآهلة فشغله معه ، كل ذلك للتقية . ص357
المصدر:غيبة الشيخ ص385

إني كنت أنا وإخوتي ندخل إلى أبي القاسم الحسين بن روح – رضي الله عنه – نعامله ، قال : وكانوا باعة ، ونحن مثلاً عشرة تسعة نلعنه وواحد يشكّك ، فنخرج من عنده بعد ما دخلنا إليه تسعة نتقرّب إلى الله بمحبته وواحدٌ واقفٌ ، لأنه كان يجارينا من فضل الصحابة ما رويناه وما لم نروه ، فنكتبه عنه لحسنه – رضي الله عنه – . ص357
المصدر:غيبة الشيخ ص385

وقال أبو الحسين بن تمام : حدثني عبدالله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح – رضي الله عنه – قال :
سئل الشيخ – يعني أبا القاسم رضي الله عنه – عن كتب ابن أبي العزاقر بعدما ذُمّ وخرجت فيه اللعنة ، فقيل له :
فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملأى ؟.. فقال :
أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليه ، وقد سئل عن كتب بني فضال ، فقالوا : كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملأى ؟.. فقال صلوات الله عليه :” خذوا بما رووا ، وذروا ما رأوا “.ص358
المصدر:غيبة الشيخ ص389

قال ابن نوح : وسمعت جماعة من أصحابنا بمصر يذكرون أنّ أبا سهل النوبختي سُئل فقيل له : كيف صار هذا الأمر إلى الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح دونك ؟.. فقال : هم أعلم وما اختاروه ، ولكن أنا رجل ألقى الخصوم وأناظرهم ، ولو علمت بمكانه كما علم أبو القاسم وضغطتني الحجة، لعلّي كنت أدلّ على مكانه ، وأبو القاسم فلو كانت الحجة تحت ذيله وقُرِّض بالمقاريض ما كشف الذيل عنه. ص359
المصدر:غيبة الشيخ ص391

حدثني أبو محمد الحسن بن أحمد المكتّب قال : كنت بمدينة السلام في السنة التي توفي فيها الشيخ أبو الحسن علي بن محمد السمري – قدس الله روحه – فحضرته قبل وفاته بأيام ، فأخرج إلى الناس توقيعاً نسخته :
” بسم الله الرحمن الرحيم ، يا علي بن محمد السمري !.. أعظم الله أجر إخوانك فيك ، فإنك ميّتٌ ما بينك وبين ستة أيام .
فاجمع أمرك ولا توصِ إلى أحدٍ فيقوم مقامك بعد وفاتك ، فقد وقعت الغيبة التامة فلا ظهور إلا بعد إذن الله تعالى ذكره ، وذلك بعد طول الأمد ، وقسوة القلب ، وامتلاء الأرض جوراً ، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة .
ألا فمن ادّعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كذّابٌ مفترٍ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم “.
فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده ، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه ، فقيل له : من وصيك من بعدك ؟.. فقال : لله أمرٌ هو بالغه .. وقضى فهذا آخر كلام سُمع منه رضي الله عنه وأرضاه . ص361
المصدر:غيبة الشيخ

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى