الجزء الواحد والخمسون كتاب تاريخ الحجة(ع)

باب ما فيه (ع) من سنن الأنبياء ، والاستدلال بغيباتهم على غيبته (ع)

دخلت أنا والمفضل بن عمر وأبو بصير وأبان بن تغلب ، على مولانا الصادق (ع) ، فرأيناه جالساً على التراب ، وعليه مسحٌ خيبريٌّ مطوّقٌ بلا جيب ، مقصّر الكمين ، وهو يبكي بكاء الواله الثكلى ، ذات الكبد الحرّى ، قد نال الحزن من وجنتيه ، وشاع التغير في عارضيه ، وأبلى الدموع محجريه ، وهو يقول :
سيدي !.. غيبتك نفت رقادي ، وضيّقت عليّ مهادي ، وأسرت مني راحة فؤادي .
سيدي !.. غيبتك أوصلت مصابي بفجائع الأبد ، وفقد الواحد بعد الواحد ، يفني الجمع والعدد ، فما أحسّ بدمعةٍ ترقى من عيني ، وأنين يفتر من صدري عن دوارج ( أي مواضي ) الرزايا ، وسوالف البلايا ، إلا مُثّل لعيني عن عواير ( أي مصائب ) أعظمها وأفظعها ، وتراقي أشدّها وأنكرها ، ونوائب مخلوطة بغضبك ، ونوازل معجونة بسخطك .
قال سدير : فاستطارت عقولنا ولهاً ، وتصدّعت قلوبنا جزعاً من ذلك الخطب الهائل والحادث الغائل ، وظننا أنه سمة لمكروهة قارعة ، أو حلّت به من الدهر بائقةٌ ، فقلنا :
لا أبكى الله يا بن خير الورى عينيك !.. من أي حادثة تستنزف دمعتك ، وتستمطر عبرتك ؟.. وأية حالة حتمت عليك هذا المأتم ؟.. فزفر الصادق (ع) زفرةً انتفخ منها جوفه ، واشتدّ منها خوفه ، وقال :
ويكم !.. إني نظرت في كتاب الجفر صبيحة هذا اليوم – وهو الكتاب المشتمل على علم المنايا والبلايا والرزايا ، وعلم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، الذي خصّ الله تقدس اسمه به محمداً والأئمة من بعده عليه وعليهم السلام – وتأملت فيه مولد قائمنا وغيبته ، وإبطاؤه وطول عمره ، وبلوى المؤمنين به من بعده في ذلك الزمان ، وتولّد الشكوك في قلوبهم من طول غيبته ، وارتداد أكثرهم عن دينهم ، وخلعهم ربقة الإسلام من أعناقهم ، التي قال الله تقدّس ذكره :
{ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } : يعني الولاية ، فأخذتني الرقة ، واستولت عليّ الأحزان …. الخبر . ص220
المصدر:إكمال الدين

قال الصادق (ع) : وكذلك القائم (ع) تمتد أيام غيبته ليصرِّح الحقُّ عن محضه ، ويصفو الإيمان من الكدر ، بارتداد كلّ من كانت طينته خبيثة من الشيعة الذين يخشى عليهم النفاق إذا أحسوا بالاستخلاف ، والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم (ع).
قال المفضل : فقلت : يا بن رسول الله !.. إنّ النواصب تزعم أن هذه الآية { ولنبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ، نزلت في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي قال : لا يهد الله قلوب الناصبة !.. متى كان الدين الذي ارتضاه الله ورسوله متمكناً بانتشار الأمن في الأمة وذهاب الخوف من قلوبها ، وارتفاع الشكّ من صدورها في عهد أحد من هؤلاء ؟..
وفي عهد علي (ع) مع ارتداد المسلمين والفتن التي كانت تثور في أيامهم ، والحروب التي كانت تنشب بين الكفار وبينهم ، ثم تلا الصادق (ع) :
{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا } .
وأما العبد الصالح الخضر (ع) فإنّ الله تبارك وتعالى ما طوّل عمره لنبوةٍ قدّرها له ، ولا لكتابٍ ينزله عليه ، ولا لشريعةٍ ينسخ بها شريعة من كان قبلها من الأنبياء ، ولا لإمامةٍ يلزم عباده الاقتداء بها ، ولا لطاعةٍ يفرضها له .. بلى ، إنّ الله تبارك وتعالى لما كان في سابق علمه أن يقدّر من عمر القائم (ع) في أيام غيبته ما يقدّر ، وعلم ما يكون من إنكار عباده بمقدار ذلك العمر في الطول ، طوّل عمر العبد الصالح من غير سببٍ أوجب ذلك ، إلا لعلة الاستدلال به على عمر القائم (ع) ، وليقطع بذلك حجة المعاندين لئلا يكون للناس على الله حجة.ص223
المصدر:إكمال الدين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى