الجزء الخمسون كتاب تاريخ الامام العسكري(ع)

باب وفاته (ع) والردّ على من ينكرها

فلم يزالوا هناك حتى توفي لأيامٍ مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومائتين ، فصارت سرّ من رأى ضجة واحدة :
” مات ابن الرضا ” .. وبعث السلطان إلى داره من يفتّشها ويفتّش حجرها ، وختم على جميع ما فيها وطلبوا أثر ولده ، وجاؤا بنساء يعرفن الحبل ، فدخلن على جواريه فنظر إليهن ، فذكر بعضهن أنّ هناك جاريةً بها حبلٌ ، فأمر بها فجُعلت في حجرة ، ووكل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم .
ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته ، وعُطّلت الأسواق ، وركب أبي وبنو هاشم ، والقوّاد والكتّاب وسائر الناس إلى جنازته ، فكانت سرّ من رأى يومئذٍ شبيهاً بالقيامة . ص328
المصدر:إكمال الدين 1/120

قالت أم أبي محمد (ع) : قال لي أبو محمد يوماً من الأيام : تصيبني في سنة ستين حزازةٌ أخاف أن أنكب فيها نكبةً ، فإن سلمتُ منها فإلى سنة سبعين ، فأظهرت الجزع ، وبكيت ، فقال (ع) :
لابدّ لي من وقوع أمر الله ، فلا تجزعي .. فلما أن كان أيام صفر أخذها المقيم المقعد ، وجعلت تقوم وتقعد ، وتخرج في الأحايين إلى الجبل ، وتجسّس الأخبار حتى ورد عليها الخبر .
المصدر:بصائر الدرجات ص482
بيــان:
” أخذها المقيم المقعد ” : أي الحزن الذي يقيمها ويقعدها . ص331

مات أبو محمد (ع) يوم الجمعة مع صلاة الغداة ، وكان في تلك الليلة قد كتب بيده كتباً كثيرةً إلى المدينة ، وذلك في شهر ربيع الأول لثمانٍ خلون سنة ستين ومائتين للهجرة، ولم يحضره في ذلك الوقت إلا صقيل الجارية ، وعقيد الخادم ، ومن علم الله غيرهما .
قال عقيد : فدعا بماء قد أُغلي بالمصطكي فجئنا به إليه ، فقال : أبدأ بالصلاة جيئوني فجئنا به ، وبسطنا في حجره المنديل وأخذ من صقيل الماء ، فغسل به وجهه وذراعيه مرّة مرّة ، ومسح على رأسه وقدميه مسحاً ، وصلّى صلاة الصبح على فراشه ، وأخذ القدح ليشرب فأقبل القدح يضرب ثناياه ، ويده ترعد ، فأخذت صقيل القدح من يده ، ومضى من ساعته صلى الله عليه ، ودُفن في داره بسرّ من رأى إلى جانب أبيه (ع) ، وصار إلى كرامة الله جلّ جلاله ، وقد كمُل عمره تسعاً وعشرين سنة .
وقال لي ابن عباد في هذا الحديث : قدمت أم أبي محمد (ع) من المدينة واسمها حديث حين اتصل بها الخبر إلى سرّ من رأى ، فكانت لها أقاصيص يطول شرحها مع أخيه جعفر من مطالبته إياها بميراثه ، وسعايته بها إلى السلطان ، وكشف ما أمر الله عزّ وجلّ بستره .
وادّعت عند ذلك صقيل أنها حاملٌ ، فحُملت إلى دار المعتمد ، فجعلن نساء المعتمد وخدمه ، ونساء الموفّق وخدمه ، ونساء القاضي ابن أبي الشوارب ، يتعاهدن أمرها في كلّ وقت ، ويراعونه إلى أن دهمهم أمر الصفّار ، وموت عبيد الله بن يحيى بن خاقان بغتةً ، وخروجهم عن سرّ من رأى ، وأمر صاحب الزنج بالبصرة وغير ذلك فشغلهم عنها . ص332
المصدر:إكمال الدين 2/149

كنت أخدم الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ، وأحمل كتبه إلى الأمصار ، فدخلتُ إليه في علّته التي تُوفي فيها صلوات الله عليه ، فكتب معي كتباً ، وقال :
تمضي بها إلى المدائن ، فإنك ستغيب خمسة عشر يوماً ، فتدخل إلى سرّ من رأى يوم الخامس عشر ، وتسمع الواعية في داري ، وتجدني على المغتسل .. فقلت : يا سيدي !.. فإذا كان ذلك فمَن ؟..
قال : من طالبك بجوابات كتبي فهو القائم بعدي ، فقلت : زدني ، فقال : من يصلّي عليّ فهو القائم بعدي ، فقلت : زدني ، فقال : من أخبر بما في الهميان فهو القائم بعدي .
ثم منعتني هيبته أن أسأله ما في الهميان ، وخرجت بالكتب إلى المدائن وأخذت جواباتها ، ودخلت سرّ من رأى يوم الخامس عشر كما قال لي (ع) ، فإذا أنا بالواعية في داره ، وإذا أنا بجعفر بن علي أخيه بباب الدار ، والشيعة حوله يعزّونه ويهنّؤنه .. فقلت في نفسي :
إن يكن هذا الإمام فقد حالت الإمامة ، لأني كنت أعرفه بشرب النبيذ ، ويقامر في الجوسق ، ويلعب بالطنبور ، فتقدّمت فعزّيت وهنّيت ، فلم يسألني عن شيء ثم خرج عقيد فقال :
يا سيدي !.. قد كُفّن أخوك فقم للصلاة عليه !..
فدخل جعفر بن علي والشيعة من حوله يقدمهم السمان والحسن بن علي قتيل المعتصم المعروف بسلمة .. فلما صرنا بالدار إذا نحن بالحسن بن علي (ع)
على نعشه مكفّناً ، فتقدّم جعفر بن علي ليصلّي على أخيه فلما همّ بالتكبير خرج صبيٌّ بوجهه سمرةٌ ، بشعره قطط ، بأسنانه تفليج ، فجبذ رداء جعفر بن علي ، وقال : تأخّر يا عم !.. فأنا أحقّ بالصلاة على أبي ، فتأخّر جعفر وقد اربدّ وجهه ، فتقدّم الصبي فصلّى عليه ، ودُفن إلى جانب قبر أبيه .
ثم قال : يا بصري !.. هات جوابات الكتب التي معك !.. فدفعتها إليه ، وقلت في نفسي : هذه اثنتان بقي الهميان ، ثم خرجت إلى جعفر بن علي وهو يزفر ، فقال له حاجز الوشّاء : يا سيدي من الصبي ؟!.. ليقيم عليه الحجّة فقال : والله ما رأيت قطّ ولا عرفته .
فنحن جلوسٌ إذ قدم نفرٌ من قم ، فسألوا عن الحسن بن علي فعرفوا موته ، فقالوا : فمن ؟.. فأشار الناس إلى جعفر بن علي ، فسلّموا عليه وعزّوه وهنؤوه وقالوا معنا كتبٌ ومالٌ ، فتقول : ممّن الكتب ؟.. وكم المال ؟.. فقام ينفض أثوابه ويقول : يريدون منا أن نعلم الغيب .. فخرج الخادم فقال : معكم كتب فلان وفلان ، وهميان فيه ألف دينار ، عشرة دنانير منها مطلية ، فدفعوا الكتب والمال ، وقالوا : الذي وجّه بك لأجل ذلك هو الإمام . ص333
المصدر:إكمال الدين 1/150

وكان قد أخفى مولده وستر أمره لصعوبة الوقت ، وشدّة طلب سلطان الزمان له ، واجتهاده في البحث عن أمره ، لما شاع من مذهب الشيعة الإمامية فيه ، وعُرف من انتظارهم له ، فلم يُظهر ولده (ع) في حياته ، ولا عرفه الجمهور بعد وفاته ..
وتولّى جعفر بن علي أخو أبي محمد (ع) أخذ تركته ، وسعى في حبس جواري أبي محمد (ع) ، واعتقال حلائله ، وشنّع على أصحابه بانتظارهم ولده ، وقطعهم بوجوده والقول بإمامته ، وأغرى بالقوم حتى أخافهم وشدّدهم وجرى على مخلّفي أبي الحسن (ع) بسبب ذلك كلّ عظيمة من اعتقالٍ ، وحبسٍ ، وتهديدٍ ، وتصغيرٍ ، واستخفافٍ ، وذلٍّ ، ولم يظفر السلطان منهم بطائل .
وحاز جعفر ظاهر تركة أبي محمد (ع) ، واجتهد في القيام على الشيعة
مقامه ، فلم يقبل أحدٌ منهم ذلك ، ولا اعتقدوه فيه ، فصار إلى سلطان الوقت يلتمس مرتبة أخيه ، وبذل مالاً جليلاً وتقرّب بكل ما ظنّ أنه يتقرّب به ، فلم ينتفع بشيء من ذلك . ص334
المصدر:الإرشاد ص325

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى