الجزء الخمسون كتاب تاريخ الامام الهادي(ع)

باب أحوال جعفر وسائر أولاده (ع)

سأ لت محمد بن عثمان العمري – رحمه الله – أن يوصل إليه عليه السلام ، سألت فيه عن مسائل أُشكلت عليّ فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (ع) :
أما ما سألت عنه ، أرشدك الله وثبّتك الله من أمر المنكرين من أهل بيتنا وبني عمنا ، فاعلم أنه ليس بين الله عزّ وجلّ وبين أحد قرابة ، ومن أنكرني فليس مني ، وسبيله سبيل ابن نوح ، وأما سبيل عمي جعفر وولده فسبيل إخوة يوسف (ع) . ص227
المصدر:الاحتجاج ص163

جاءه بعض أصحابنا يعلمه بأنّ جعفر بن علي كتب إليه كتاباً يعرّفه نفسه ، ويعلمه أنه القيّم بعد أخيه ، وأنّ عنده من علم الحلال والحرام ما يحتاج إليه ، وغير ذلك من العلوم كلها .
قال أحمد بن إسحاق : فلما قرأت الكتاب كتبت إلى صاحب الزمان (ع) وصيّرت كتاب جعفر في درجه ، فخرج إليّ الجواب في ذلك :
” بسم الله الرحمن الرحيم ، أتاني كتابك – أبقاك الله – والكتاب الذي في درجه ، وأحاطت معرفتي بما تضمّنه على اختلاف ألفاظه ، وتكرّر الخطأ فيه .. ولو تدبّرته لوقفت على بعض ما وقفت عليه منه .. والحمد لله ربّ العالمين حمداً لا شريك له على إحسانه إلينا وفضله علينا .
أبى الله عزّ وجلّ للحقّ إلا تماماً ، وللباطل إلا زهوقاً ، وهو شاهدٌ عليّ بما أذكره ، ولي عليكم بما أقوله إذا اجتمعنا ليوم لا ريب فيه ، وسألنا عما نحن فيه مختلفون ، وأنه لم يجعل لصاحب الكتاب على المكتوب إليه ، ولا عليك ولا على أحد من الخلق جميعاً إمامة مفترضة ، ولا طاعة ولا ذمّة ، وسأبيّن لكم جملة تكتفون بها إن شاء الله .
يا هذا !.. يرحمك الله ، إنّ الله تعالى لم يخلق الخلق عبثاً ، ولا أمهلهم سدىً بل خلقهم بقدرته ، وجعل لهم أسماعاً وأبصاراً وقلوباً وألباباً ، ثم بعث إليهم النبيين (ع) مبشّرين ومنذرين ، يأمرونهم بطاعته ، وينهونهم عن معصيته ، ويعرّفونهم ما جهلوه من أمر خالقهم ودينهم .
وأنزل عليهم كتاباً ، وبعث إليهم ملائكةً ، وباين بينهم وبين من بعثهم بالفضل الذي لهم عليهم ، وما آتاهم من الدلائل الظاهرة ، والبراهين الباهرة ، والآيات الغالبة .
فمنهم من جعل عليه النار برداً وسلاماً ، واتخذه خليلاً ، ومنهم من كلّمه تكلّيماً ، وجعل عصاه ثعباناً مبيناً ، ومنهم من أحيى الموتى بإذن الله ، وأبرأ الأكمه والأبرص بإذن الله ، ومنهم من علّمه منطق الطير ، وأُوتي من كل شيء ثم بعث محمدا (ص) رحمةً للعالمين ، وتمّم به نعمته ، وختم به أنبياءه ورسله إلى الناس كافّةً ، وأظهر من صدقه ما ظهر ، وبيّن من آياته وعلاماته ما بيّن ، ثم قبضه حميدا فقيداً سعيداً .
وجعل الأمر من بعده إلى أخيه وابن عمه ووصيه ووارثه علي بن أبي طالب ، ثم إلى الأوصياء من ولده واحداً بعد واحد ، أحيا بهم دينه ، وأتمّ بهم نوره ، وجعل بينهم وبين إخوتهم وبني عمّهم ، والأدنين فالأدنين من ذوي أرحامهم فرقاً بيّناً تعرف به الحجّة من المحجوج ، والإمام من المأموم ، بأن عصمهم من الذنوب ، وبرأهم من العيوب ، وطهّرهم من الدنس ، ونزّههم من اللّبس ، وجعلهم خزّان علمه ، ومستودع حكمته ، وموضع سرّه ، وأيّدهم بالدلائل ، ولولا ذلك لكان الناس على سواء ولادّعى أمر الله عزّ وجلّ كلّ واحد ، ولما عُرف الحقّ من الباطل ، ولا العلم من الجهل .
وقد ادّعى هذا المبطل المدّعي على الله الكذب بما ادّعاه ، فلا أدري بأية حالة هي له رجاء أن يتمّ دعواه أبفقه في دين الله ؟.. فو الله ما يعرف حلالاً من حرام ، ولا يفرّق بين خطأ وصواب ، أم بعلمٍ ؟.. فما يعلم حقّاً من باطل ، ولا محكماً من متشابه ، ولا يعرف حدّ الصلاة ووقتها ، أم بورعٍ ؟..
فالله شهيدٌ على تركه لصلاة الفرض أربعين يوماً ، يزعم ذلك لطلب الشعبذة ، ولعلّ خبره تأدّى إليكم ، وهاتيك ظروف مسكره منصوبة ، وآثار عصيانه لله عزّ وجلّ مشهودة قائمة .
أم بآيةٍ ، فليأت بها !.. أم بحجّةٍ ، فليقمها !.. أم بدلالةٍ ، فليذكرها !.
قال الله عزّ وجلّ في كتابه العزيز : { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم ، ما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أُنذروا معرضون ، قل أفرأيتم ماتدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين ، ومن أضلّ ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين } .
فالتمسْ تولى الله توفيقك من هذا الظالم ما ذكرت لك ، وامتحنه واسأله آيةً من كتاب الله يفسّرها ، أو صلاةً يبيّن حدودها ، وما يجب فيها لتعلم حاله ومقداره ويظهر لك عواره ونقصانه والله حسيبه .
حفظ الله الحقّ على أهله ، وأقرّه في مستقره ، وقد أبى الله عزّ وجلّ أن تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين (ع) ، وإذا أذن الله لنا في القول ظهر الحقّ واضمحل الباطل وانحسر عنكم ، وإلى الله أرغب في الكفاية ، وجميل الصنع والولاية ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ” . ص231
المصدر:الاحتجاج ص162

كنت في دار أبي الحسن علي بن محمد العسكري (ع) في الوقت الذي وُلِد فيه جعفر ، فرأيت أهل الدار قد سُرّوا به ، فصرت إلى أبي الحسن (ع) فلم أره مسروراً بذلك ، فقلت له :
يا سيدي !.. ما لي أراك غير مسرور بهذا المولود ؟.. فقال (ع) : يهون عليك أمره ، فإنه سيضلّ خلقاً كثيراً . ص231
المصدر:إكمال الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى