الجزء الخمسون كتاب تاريخ الامام الهادي(ع)

باب ما جرى بينه وبين خلفاء زمانه وبعض أحوالهم ، وتاريخ وفاته (ع)

سأل المتوكّل ابن الجهم : مَن أشعر الناس ؟.. فذكر شعراء الجاهلية والإسلام ، ثم إنه سأل أبا الحسن (ع) فقال : الحمّاني حيث يقول :
لقد فاخرتنا من قريش عصابةٌ***بمطّ خدودٍ وامتداد أصابع
فلما تنازعنا المقال قضى لنا***عليهم بما يهوي نداء الصوامع
ترانا سكوتاً والشهيد بفضلنا***عليهم جهير الصوت في كلّ جامع
فإنّ رسول الله أحمد جدّنا***ونحن بنوه كالنجوم الطّوالع
قال : وما نداء الصوامع يا أبا الحسن ؟!.. قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أنّ محمداً رسول الله (ص) جدّي أم جدّك ؟.. فضحك المتوكّل ، ثم قال :
هو جدك ، لا ندفعك عنه . ص191
المصدر:المناقب 4/406

كتب أبو عون الأبرش – قرابة نجاح بن سلمة – إلى أبي محمد (ع) أنّ الناس قد استوهنوا من شقّك على أبي الحسن (ع) ، فقال :
يا أحمق !.. ما أنت وذاك ؟.. قد شقّ موسى على هارون (ع) ، إنّ من الناس من يُولد مؤمناً ، ويحيى مؤمناً ، ويموت مؤمناً ، ومنهم من يُولد كافراً ، ويحيى كافراً ، ويموت كافراً ، ومنهم من يُولد مؤمناً ، ويحيى مؤمناً ، ويموت كافراً ، وإنك لا تموت حتى تكفر ، ويتغيّر عقلك .
فما مات حتى حجبه ولده عن الناس ، وحبسوه في منزله في ذهاب العقل والوسوسة ولكثرة التخليط ، ويردّ على أهل الإمامة ، وانكشف عمّا كان عليه ص191
المصدر:الكشي ص480

خرجت أيام المتوكّل إلى سرّ من رأى ، فدخلت على سعيد الحاجب ، ودفع المتوكّل أبا الحسن إليه ليقتله ، فلما دخلت عليه قال : أتحب أن تنظر إلى إلهك ؟..
قلت : سبحان الله الذي لا تدركه الأبصار !.. قال : هذا الذي تزعمون أنه إمامكم !.. قلت : ما أكره ذلك .
قال : قد أمرت بقتله وأنا فاعله غدا ، وعنده صاحب البريد ، فإذا خرج فادخل إليه ولم ألبث أن خرج ، قال : ادخل !.. فدخلت الدار التي كان فيها محبوساً ، فإذا بحياله قبرٌ يُحفر ، فدخلت وسلّمت ، وبكيت بكاءً شديداً ، فقال : ما يبكيك ؟..قلت : لما أرى ، قال :
لا تبكِ لذلك ، لا يتمّ لهم ذلك ، فسكن ما كان بي .
فقال : إنه لا يلبث أكثر من يومين ، حتى يسفك الله دمه ودم صاحبه الذي رأيته ، قال : فوالله ما مضى غير يومين حتى قُتل .
فقلت لأبي الحسن (ع) : حديث رسول الله (ص) : ” لا تعادوا الأيام فتعاديكم ” ، قال : نعم ، إنّ لحديث رسول الله (ص) تأويلاً .
أما السبت فرسول الله (ص) ، والأحد أمير المؤمنين (ع) ، والاثنين الحسن والحسين (ع) ، والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد ، والأربعاء موسى بن جعفر ، وعلي بن موسى ، ومحمد بن علي ، وأنا علي بن محمد ، والخميس ابني الحسن ، والجمعة القائم منّا أهل البيت . ص196
المصدر:مختار الخرائج ص212

مرض المتوكّل من خراج خرج به ، فأشرف منه على التلف ، فلم يجسر أحدٌ أن يمسّه بحديدة ، فنذرت أمه إن عوفي أن يحمل إلى أبي الحسن علي بن محمد (ع) مالاً جليلاً من مالها .. وقال له الفتح بن خاقان :
لو بعثت إلى هذا الرجل – يعني أبا الحسن – فسألته فإنه ربما كان عنده صفة شيء يفرّج الله به عنك ، قال : ابعثوا إليه ، فمضى الرسول ورجع .
فقال : خذوا كُسب ( أي ثفل الدهن ) الغنم فديّفوه بماء ورد ، وضعوه على الخراج فإنه نافعٌ بإذن الله .. فجعل مَن بحضرة المتوكّل يهزأ من قوله .
فقال لهم الفتح : وما يضرّ من تجربة ما قال ، فو الله إني لأرجو الصلاح به .
فأُحضر الكسب ، ودُيّف بماء الورد ، ووُضِع على الخراج ، فانفتح وخرج ما كان فيه ، وبُشّرت أم المتوكّل بعافيته ، فحملت إلى أبي الحسن (ع) عشرة آلاف دينار تحت ختمها ، فاستقلّ المتوكّل من علّته .
فلما كان بعد أيام ، سعى البطحائي بأبي الحسن (ع) إلى المتوكّل فقال :
عنده سلاحٌ وأموالٌ ، فتقدّم المتوكّل إلى سعيد الحاجب أن يهجم ليلاً عليه ، ويأخذ ما يجد عنده من الأموال والسلاح ، ويُحمل إليه .
فقال إبراهيم بن محمد : قال لي سعيد الحاجب : صرت إلى دار أبي الحسن (ع) بالليل ومعي سلّمٌ ، فصعدت منه إلى السطح ، ونزلت من الدّرجة إلى بعضها في الظلمة ، فلم أدرِ كيف أصل إلى الدار ؟..
فناداني أبو الحسن (ع) من الدار : يا سعيد !.. مكانك حتى يأتوك بشمعة ! فلم ألبث أن أتوني بشمعة .
فنزلت فوجدت عليه جبّةٌ من صوف وقلنسوةٌ منها ، وسجّادته على حصير بين يديه ، وهو مقبلٌ على القبلة فقال لي : دونك بالبيوت .. فدخلتها وفتشتها فلم أجد فيها شيئاً ، ووجدت البدرة مختومة بخاتم أمّ المتوكّل وكيساً مختوماً معها .
فقال أبو الحسن (ع) : دونك المصلّى ، فرفعت فوجدت سيفاً في جفن غير ملبوس ، فأخذت ذلك وصرت إليه ، فلما نظر إلى خاتم أمه على البدرة بعث إليها ، فخرجت إليه ، فسألها عن البدرة .
فأخبرني بعض خدم الخاصة أنها قالت له : كنتُ نذرتُ في علّتك ، إن عوفيت أن أحمل إليه من مالي عشرة آلاف دينار ، فحملتها إليه وهذا خاتمك على الكيس ما حرّكها .
وفتح الكيس الآخر وكان فيه أربعمائة دينار ، فأمر أن يُضمّ إلى البدرة بدرةٌ أخرى ، وقال لي :
احمل ذلك إلى أبي الحسن ، واردد عليه السيف والكيس بما فيه ، فحملت ذلك إليه واستحييت منه ، وقلت :
يا سيدي !.. عزّ عليّ بدخول دارك بغير إذنك ، ولكني مأمورٌ به ، فقال لي : { سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون } . ص200
المصدر:إعلام الورى ص344 ، الإرشاد ص309

كان سبب شخوص أبي الحسن (ع) من المدينة إلى سرّ من رأى ، أنّ عبدالله بن محمد ، كان يتولّى الحرب والصلاة في مدينة الرسول (ص) ، فسعى بأبي الحسن إلى المتوكّل ، وكان يقصده بالأذى ..
وبلغ أبا الحسن (ع) سعايته به ، فكتب إلى المتوكّل يذكر تحامل عبدالله بن محمد عليه وكذبه فيما سعى به ، فتقدّم المتوكّل بإجابته عن كتابه ودعائه فيه إلى حضور العسكر على جميلٍ من الفعل والقول ، فخرجت نسخة الكتاب وهي :
” بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد ، فإنّ أمير المؤمنين عارفٌ بقدرك ، راعٍ لقرابتك ، موجبٌ لحقّك ، مؤثر من الأمور فيك وفي أهل بيتك ما يصلح الله به حالك وحالهم ، يثبت به من عزّك وعزّهم ، ويُدخل الأمن عليك وعليهم ، يبتغي بذلك رضا ربه ، وأداء ما فرض عليه فيك وفيهم ..
فقد رأى أمير المؤمنين صرف عبدالله بن محمد عمّا كان يتولّى من الحرب والصلاة بمدينة الرسول ، إذ كان على ما ذكرت من جهالته بحقّك ، واستخفافه بقدرك ، وعندما قرفك به ، ونسبك إليه من الأمر الذي قد علم أمير المؤمنين براءتك منه ، وصدق نيتك في برّك وقولك ، وأنك لم تؤهّل نفسك لما قرفت بطلبه .
وقد ولّى أمير المؤمنين ما كان يلي من ذلك محمد بن الفضل ، وأمره بإكرامك وتبجيلك ، والانتهاء إلى أمرك ورأيك ، والتقرّب إلى الله وإلى أمير المؤمنين بذلك ، وأمير المؤمنين مشتاقٌ إليك ، يحبّ إحداث العهد بك ، والنظر إلى وجهك ..
فإن نشطت لزيارته والمقام قِبَله ما أحببت ، شخصت ومن اخترت من أهل بيتك ومواليك وحشمك على مهلة وطمأنينة ، ترحل إذا شئت ، وتنزل إذا شئت ، وتسير كيف شئت ، فإن أحببت أن يكون يحيى بن هرثمة مولى أمير المؤمنين ومن معه من الجند يرحلون برحيلك ، يسيرون بمسيرك ، فالأمر في ذلك إليك ، وقد تقدمنا إليه بطاعتك .
فاستخر الله حتى توافي أمير المؤمنين ، فما أحدٌ من أخوته وولده وأهل بيته وخاصته ألطف منه منزلةً ولا أحمد له أثرةً ، ولا هو لهم أنظر ، وعليهم أشفق وبهم أبرّ ، وإليهم أسكن منه إليك ، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته ” .
وكتب إبراهيم بن العباس في جمادى الأخرى سنة ثلاث وأربعين ومائتين .. فلما وصل الكتاب إلى أبي الحسن (ع) تجهّز للرحيل ، وخرج معه يحيى بن هرثمة حتى وصل سرّ من رأى ، فلما وصل إليها تقدّم المتوكّل بأن يُحجب عنه في يومه ، فنزل في خان يُقال له خان الصعاليك ، وأقام به يومه ، ثم تقدّم المتوكّل بإفراد دار له ، فانتقل إليها . ص202
المصدر:الإرشاد ص313

فلما قدمت إلى مدينة السلام بدأت بإسحاق بن إبراهيم الطاهري ، وكان على بغداد ، فقال :
يا يحيى !.. إنّ هذا الرجل قد ولده رسول الله (ص) ، والمتوكّل مَن تعلم ، وإن حرّضتَه عليه قتله ، وكان رسول الله (ص) خصمك ، فقلت : والله ما وقفت منه إلا على أمر جميل .
فصرت إلى سامراء ، فبدأت بوصيف التركي وكنت من أصحابه ، فقال لي : والله لئن سقط من رأس هذا الرجل شعرةٌ لا يكون الطالب بها غيري ، فتعجّبت من قولهما ، وعرّفت المتوكّل ما وقفت عليه من أمره ، وسمعته من الثناء فأحسن جائزته ، وأظهر برّه وتكرمته . ص208
المصدر:مروج الذهب

أتيت علي بن محمد (ع) عائداً في علّته التي كانت وفاته بها ، فلما هممت بالانصراف قال لي :
يا أبا دعامة !.. قد وجب عليّ حقّك ألا أحدّثك بحديث تسرّ به ؟.. فقلت له : ما أحوجني إلى ذلك يا بن رسول الله !.. قال :
حدّثني أبي محمد بن علي قال : حدّثني أبي علي بن موسى قال :
حدّثني أبي موسى بن جعفر ، قال : حدّثني أبي جعفر بن محمد ، قال : حدّثني أبي محمد بن علي قال :
حدّثني أبي علي بن الحسين قال : حدّثني أبي الحسين بن علي قال : حدّثني أبي علي بن أبي طالب (ع) قال :
قال لي رسول الله (ص) : يا علي !.. اكتب ، فقلت : ما أكتب ؟.. فقال :
اكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، الإيمان ما وقر في القلوب ، وصدّقته الأعمال ، والإسلام ما جرى على اللسان ، وحلّت به المناكحة ..
فقلت : يا بن رسول الله !.. والله ما أدري أيهما أحسن ؟.. الحديث أم الإسناد ؟.. فقال :
إنها لصحيفةٌ بخطّ علي بن أبي طالب (ع) ، وإملاء رسول الله (ص) نتوارثهما صاغرٌ عن كابر . ص208
المصدر:مروج الذهب

سُعي إلى المتوكّل بعلي بن محمد الجواد (ع) ، أنّ في منزله كتباً وسلاحاً من شيعته من أهل قم ، وأنه عازمٌ على الوثوب بالدولة ، فبعث إليه جماعةٌ من الأتراك ، فهجموا داره ليلاً فلم يجدوا فيها شيئاً ، ووجدوه في بيت مغلق عليه ، وعليه مدرعة من صوف ، وهو جالسٌ على الرمل والحصا ، وهو متوجّهٌ إلى الله تعالى يتلو آيات من القرآن .
فحُمل على حاله تلك إلى المتوكّل ، وقالوا له : لم نجد في بيته شيئاً ووجدناه يقرأ القرآن مستقبل القبلة ، وكان المتوكّل جالساً في مجلس الشرب ، فدخل عليه والكأس في يدّ المتوكّل .
فلما رآه هابه وعظمّه وأجلسه إلى جانبه ، وناوله الكأس التي كانت في يده ، فقال : والله ما يخامر لحمي ودمي قطّ ، فاعفني فأعفاه ، فقال :
أنشدني شعرا فقال (ع) : إني قليل الرواية للشعر ، فقال :
لا بدّ ، فأنشده (ع) وهو جالسٌ عنده:
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم***غُلب الرجال فلم تنفعهم القلل
واستنُزلوا بعد عزّ من معاقلهم***وأسكنوا حفراً يا بئسما نزلوا
ناداهم صارخٌ من بعد دفنهم***أين الأساور والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعّمة***من دونها تُضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم***تلك الوجوه عليها الدود تقتتل
قد طال ما أكلوا دهراً وقد شربوا***وأصبحوا اليوم بعد الأكل قد أُكلوا
فبكى المتوكّل حتى بلّت لحيته دموع عينيه ، وبكى الحاضرون ، ودفع إلى علي (ع) أربعة آلاف دينار ، ثم ردّه إلى منزله مكرّماً . ص212
المصدر:مروج الذهب

وفي رواية : فضرب المتوكّل بالكأس الأرض ، وتنغص عيشه في ذلك اليوم . ص213
المصدر:الكراجكي

كنت بمنبج بحضرة المتوكّل إذ دخل عليه رجلٌ من أولاد محمد ابن الحنفية حلو العينين ، حسن الثياب ، قد قرف عنده بشيء ، فوقف بين يديه والمتوكّل مقبلٌ على الفتح يحدّثه .. فلما طال وقوف الفتى بين يديه وهو لا ينظر إليه ، قال له :
يا أمير المؤمنين !.. إن كنت أحضرتني لتأديبي فقد أسأت الأدب ، وإن كنت قد أحضرتني ليعرف مَن بحضرتك من أوباش الناس استهانتك بأهلي فقد عرفوا .. فقال له المتوكّل :
والله يا حنفي !.. لولا ما يثنيني عليك من أوصال الرحم ، ويعطفني عليك من مواقع الحلم ، لانتزعت لسانك بيدي ، ولفرقت بين رأسك وجسدك ، ولو كان بمكانك محمد أبوك ، ثم التفت إلى الفتح فقال :
أما ترى ما نلقاه من آل أبي طالب ؟.. إما حسنيٌّ يجذب إلى نفسه تاج عزّ نقله الله إلينا قبله ، أو حسينيٌّ يسعى في نقض ما أنزل الله إلينا قبله ، أو حنفيٌّ يدلّ بجهله أسيافنا على سفك دمه .. قال له الفتى :
وأي حلم تركته لك الخمور وإدمانها ؟.. أم العيدان وفتيانها ، ومتى عطفك الرحم على أهلي ، وقد ابتززتهم فدكاً إرثهم من رسول الله (ص) ، فورثها أبو حرملة ؟.. وأما ذكرك محمدا أبي فقد طفقت تضع عن عزّ رفعه الله ورسوله ، وتطاول شرفاً تقصر عنه ولا تطوله ، فأنت كما قال الشاعر :
فغضّ الطرف إنك من نمير***فلا كعباً بلغتَ ولا كلابا
ثم ها أنت تشكو لي علجك هذا ما تلقاه من الحسنيّ والحسيني والحنفي ، فلبئس المولى ولبئس العشير .. ثم مدّ رجليه ثم قال :
هاتان رجلاي لقيدك ، وهذه عنقي لسيفك ، فبوءْ بإثمي ، وتحمّلْ ظلمي ، فليس هذا أول مكروهٍ أوقعته أنت وسلفك بهم ، يقول الله تعالى :
{ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } ، فو الله ما أجبت رسول الله (ص) عن مسألته ، ولقد عطفت بالمودة على غير قرابته ، فعمّا قليل ترد الحوض ، فيذودك أبي ويمنعك جدي صلوات الله عليهما ..
فبكى المتوكّل ثم قام فدخل إلى قصر جواريه ، فلما كان من الغد أحضره وأحسن جائزته وخلّى سبيله . ص214
المصدر:كتاب الاستدراك

وكان يُلقّب بأبي نوّاس لأنه كان يتخالع ويتطيّب مع الناس ، ويُظهر التشيع على الطيبة فيأمن على نفسه .. فلما سمع الإمام (ع) لقّبني بأبي نواس قال :
يا أبا السريِّ !.. أنت أبو نواس الحقّ ومن تقدّمك أبو نواس الباطل ..
فقلت له ذات يوم : يا سيدي !.. قد وقع لي اختيارات الأيام عن سيدنا الصادق (ع) مما حدّثني به الحسن بن عبدالله بن مطهر ، عن محمد بن سليمان الديلمي ، عن أبيه ، عن سيدنا الصادق (ع) في كل شهر فأعرضه عليك ؟.. فقال لي : افعل .. فلما عرضته عليه وصحّحته قلت له :
يا سيدي !.. في أكثر هذه الأيام قواطع عن المقاصد ، لما ذكر فيها من التحذير والمخاوف ، فتدلّني على الاحتراز من المخاوف فيها ، فإنما تدعوني الضرورة إلى التوجّه في الحوائج فيها ، فقال لي :
يا سهل !.. إنّ لشيعتنا بولايتنا لعصمةً ، لو سلكوا بها في لجّة البحار الغامرة ، وسباسب البيد الغائرة بين سباع وذئاب ، وأعادي الجنّ والإنس ، لأمنوا من مخاوفهم بولايتهم لنا ، فثق بالله عزّ وجلّ ، واخلص في الولاء لأئمتك الطاهرين ، فتوجّه حيث شئت . ص216
المصدر:أمالي الطوسي

كان بغا من الأتراك من غلمان المعتصم يشهد الحروب العظام ، يباشرها بنفسه ، فيخرج منها سالماً ولم يكن يلبس على بدنه شيئاً من الحديد ، فعذل في ذلك فقال :
رأيت في نومي النبي (ص) ومعه جماعةٌ من أصحابه ، فقال :
يا بغا !.. أحسنت إلى رجلٍ من أمتي ، فدعا لك بدعوات استُجيبت له فيك ، قال : فقلت : يا رسول الله !.. ومَن ذلك الرجل ؟.. قال :
الذي خلّصته من السباع ، فقلت : يا رسول الله (ص) !.. سل ربك أن يطيل عمري ، فشال يده نحو السماء ، وقال :
اللهم!.. أطل عمره وأنسئ في أجله ، فقلت :
يا رسول الله !.. خمس وتسعون سنة ، فقال خمس وتسعون سنة .. فقال رجل كان بين يديه : ” ويوقى من الآفات ” ، فقال النبي (ص) : ويُوقى من الآفات ، فقلت للرجل : من أنت ؟.. فقال : أنا علي بن أبي طالب ، فاستيقظت من نومي وأنا أقول علي بن أبي طالب .
وكان بغا كثير التعطّف والبرّ على الطالبيين ، فقيل له : ما كان ذلك الرجل الذي خلّصته من السباع ؟.. قال :
أُتي المعتصم بالله برجلٍ قد رُمي ببدعة ، فجرت بينهم في الليل مخاطبةٌ في خلوة ، فقال لي المعتصم : خذه فألقه إلى السباع ، فأتيت بالرجل إلى السباع ، لألقيه إليها وأنا مغتاظ عليه ، فسمعته يقول :
اللهم!.. إنك تعلم أني ما كلّمت إلا فيك ، ولا نصرت إلا دينك ، ولا أُتيت إلا من توحيدك ، ولم أرد غيرك تقرّباً إليك بطاعتك ، وإقامة الحقّ على مَن خالفك أفتسلمني ؟..
فارتعدت وداخلني له رقةٌ ، وعلى قلبي منه وجعٌ ، فجذبته عن طريق بركة السباع ، وقد كدت أن أزخّ به فيها ، وأتيت به إلى حجرتي فأخفيته وأتيت المعتصم فقال : هيه ؟.. فقلت : ألقيته !.. قال : فما سمعته يقول ؟..
قلت : أنا أعجمي وكان يتكلّم بكلام عربي ما كنت أعلم ما يقول ؟.. وقد كان الرجل أغلظ للمعتصم في خطابه .
فلما كان في السحر قلت للرجل : قد فتحت الأبواب وأنا مخرجك مع رجال الحرس ، وقد آثرتك على نفسي ووقيتك بروحي ، فاجهد أن لا تظهر في أيام المعتصم ، قال : نعم ، قلت : فما خبرك ؟.. قال : هجم رجل من عمالنا في بلدنا على ارتكاب المحارم والفجور ، وإماتة الحقّ ونصر الباطل ، فسرى ذلك في فساد الشريعة وهدم التوحيد ، فلم أجد ناصراً عليه ، فهجمت في ليلةٍٍ عليه فقتلته ، لأنّ جرمه كان مستحقاً في الشريعة أن يُفعل به ذلك فأُخذت ، فكان ما رأيت . ص219
المصدر:مروج الذهب

كتب أبو الحسن العسكري (ع) إلى علي بن عمرو القزويني بخطّه :
اعتقدْ فيما تدين الله به ، أنّ الباطن عندي حسب ما أظهرتُ لك فيمن استنبأتَ عنه ، وهو فارسٌ لعنه الله ، فإنه ليس يسعك إلا الاجتهاد في لعنه ، وقصده ومعاداته ، والمبالغة في ذلك بأكثر ما تجد السبيل إليه ، ما كنت آمر أن يُدان الله بأمر غير صحيح ، فجدَّ وشدَّ في لعنه وهتكه ، وقطْع أسبابه ، وسدِّ أصحابنا عنه ، وإبطال أمره ، وأبلغهم ذلك مني واحكهِ لهم عني ، وإني سائلكم بين يدي الله عن هذا الأمر المؤكد ، فويلٌ للعاصي وللجاحد .
وكتبتُ بخطي ليلة الثلاثاء لتسع ليالٍ من شهر ربيع الأول ، سنة خمسين ومائتين ، وأنا أتوكّل على الله وأحمده كثيرا . ص222
المصدر:غيبة الشيخ ص228

روى عبدالله بن عياش بإسناده عن أبي الهاشم الجعفري فيه وقد اعتلّ :
مادت الأرض لي وآدت فؤادي***واعترتني موارد العرواء
حين قيل الإمام نضو عليل***قلت نفسي فدته كلّ الفداء
مرض الدّين لاعتلالك واعتلّ***وغارت له نجوم السماء
عجباً إن منيت بالداء والسقم***وأنت الإمام حسم الداء
أنت آسي الأدواء في الدين والدنيا***ومحبي الأموات والأحياء
المصدر:إعلام الورى ص348
بيــان:
مادت ” أي اضطربت ، ” وآدت ” أي أثقلت ، ” والعُرَواء ” بضم العين وفتح الراء قرّة الحمى ، ومسّها في أول ما تأخذ بالرّعدة ، و ” النِضو ” بكسر النون المهزول ، و” الآسي ” الطبيب . ص222

نسخة الكتاب ( كتاب الهادي (ع) ) مع ابن راشد إلى جماعة الموالي ، الذين هم ببغداد المقيمين بها والمدائن والسواد وما يليها :
أحمد الله إليكم ما أنا عليه من عافية وحسن عائدته ، وأصلّي على نبيه وآله أفضل صلواته وأكمل رحمته ورأفته ، وإني أقمت أبا علي بن راشد مقام الحسين بن عبد ربه ، ومن كان قبله من وكلائي وصار في منزلته عندي ، ووليته ما كان يتولاّه غيره من وكلائي قبلكم ، ليقبض حقي وارتضيته لكم ، وقدّمته في ذلك وهو أهله وموضعه ..
فصيروا رحمكم الله إلى الدفع إليه ذلك وإليّ ، وأن لا تجعلوا له على أنفسكم علّة ، فعليكم بالخروج عن ذلك ، والتسرّع إلى طاعة الله ، وتحليل أموالكم والحقن لدمائكم ، { وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله لعلكم ترحمون ، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } .
فقد أوجبت في طاعته طاعتي ، والخروج إلى عصيانه الخروج إلى عصياني ، فالزموا الطريق يأجركم الله ويزيدكم من فضله ، فإنّ الله بما عنده واسعٌ كريم ، متطوّلٌ على عباده رحيم ، نحن وأنتم في وديعة الله وحفظه وكتبته بخطي والحمد لله كثيرا . ص223
المصدر:الكشي ص433

أخبرني عمرو بن مسعدة وزير المعتصم الخليفة ، أنه جاء عليَّ بالمكروه الفظيع حتى تخوّفته على إراقة دمي وفقر عقبي ، فكتبت إلى سيدي أبي الحسن العسكري (ع) أشكو إليه ما حلّ بي ، فكتب إليّ :
لا روع عليك ولا بأس فادع الله بهذه الكلمات ، يخلّصك الله وشيكاً مما وقعت فيه ، ويجعل لك فرجاً ، فإنّ آل محمد (ص) يدعون بها عند إشراف البلاء ، وظهور الأعداء ، وعند تخوّف الفقر ، وضيق الصدر .
قال اليسع بن حمزة : فدعوت الله بالكلمات التي كتب إليّ سيدي بها في صدر النهار ، فو الله ما مضى شطره حتى جاءني رسول عمرو بن مسعدة .
فقال لي : أجب الوزير ، فنهضت ودخلت عليه .
فلما بصر بي تبسّم إليّ ، وأمر بالحديد ففُكّ عني والأغلال فحُلّت مني ، وأمرني بخلعة من فاخر ثيابه ، وأتحفني بطيب ، ثم أدناني وقرّبني وجعل يحدّثني ويعتذر إليّ ، وردّ عليّ جميع ما كان استخرجه مني ، وأحسن رفدي وردّني إلى الناحية التي كنت أتقلّدها ، وأضاف إليها الكورة التي تليها ثم ذكر الدعاء . ص224
المصدر:مهج الدعوات ص338

بعث إليّ أبو الحسن (ع) في مرضه وإلى محمد بن حمزة ، فسبقني إليه محمد بن حمزة ، فأخبرني محمد ما زال يقول : ابعثوا إلى الحير ، وقلت لمحمد : ألا قلت له : أنا أذهب إلى الحير ، ثم دخلت عليه وقلت له : جُعلت فداك !.. أنا أذهب إلى الحير ، فقال : انظروا في ذاك ، ثم قال : إنّ محمداً ليس له سرٌّ من زيد بن علي ، وأنا أكره أن يسمع ذلك .. فذكرت ذلك لعلي بن بلال ، فقال : ما كان يصنع الحير ؟.. هو الحير .
فقدمت العسكر فدخلت عليه ، فقال لي : اجلس حين أردت القيام ، فلما رأيته أنس بي ذكرت له قول علي بن بلال ، فقال لي : ألا قلت له :
إنّ رسول الله (ص) كان يطوف بالبيت ويقبّل الحجر ، وحرمة النبي (ص) والمؤمن أعظم من حرمة البيت ، وأمره الله عزّ وجلّ أن يقف بعرفة وإنما هي مواطن يحبّ الله أن يُذكر فيها ، فأنا أحبّ أن يُدعى لي حيث يحبّ الله أن يُدعى فيها …. ص225
المصدر:الكافي 4/567
بيــان:
ابعثوا إلى الحير ” أي ابعثوا رجلاً إلى حائر الحسين (ع) يدعو لي هناك ، قوله (ع) : ” انظروا في ذاك ” يعني أنّ الذهاب إلى الحير مظنّةً للأذى والضرر ، فانظروا في ذلك ، ولا تبادروا إليه لأنّ المتوكّل – لعنه الله – كان يمنع الناس من زيارته (ع) أشدّ المنع ، قوله (ع) : ” ليس له سرٌّ من زيد بن علي ” ، لعلّه كنايةً عن خلوص التشيّع فإنه بذل نفسه لإحياء الحقّ ، ويُحتمل أن تكون من تعليلية أي ليس هو بموضع سرّ ، لأنه يقول بإمامة زيد .
قوله : ” ما كان يصنع الحير ” أي هو في الشرف مثل الحير ، فأي حاجة له في أن يُدعى له في الحير . ص226

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى