الجزء التاسع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الرضا(ع)

باب عبادته (ع) ومكارم أخلاقه ومعالي أموره وإقرار أهل زمانه بفضله

ما رأيت أبا الحسن الرضا (ع) جفا أحداً بكلامه قطّ ، وما رأيت قطع على أحد كلامه حتى يفرغ منه ، وما ردّ أحداً عن حاجة يقدر عليها ، ولا مدّ رجليه بين يدي جليسٍ له قطّ ، ولا اتّكأ بين يدي جليس له قطّ ، ولا رأيته شتم أحداً من مواليه ومماليكه قطّ ، ولا رأيته تفل قطّ ، ولا رأيته يقهقه في ضحكه قطّ ، بل كان ضحكه التبسم .
وكان إذا خلا ونُصبت مائدته أجلس معه على مائدته مماليكه حتى البوّاب والسائس ، وكان (ع) قليل النوم بالليل ، كثير السهر ، يُحيي أكثر لياليه من أولها إلى الصبح ، وكان كثير الصيام فلا يفوته صيام ثلاثة أيام في الشهر ، ويقول : ذلك صوم الدهر .
وكان (ع) كثير المعروف والصدقة في السرّ ، وأكثر ذلك يكون منه في الليالي المظلمة ، فمن زعم أنه رأى مثله في فضله فلا تصدّقوه . ص91
المصدر: العيون 2/184

كان أبو الحسن الرضا (ع) إذا أكل أتى بصحفة فتُوضع قرب مائدته ، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يُؤتى به فيأخذ من كل شيءٍ شيئاً ، فيوضع في تلك الصحفة ، ثم يأمر بها للمساكين ، ثم يتلو هذه الآية: { فلا اقتحم العقبة } ، ثم يقول : علِم الله عزّ وجلّ أنّ ليس كلّ إنسانٍ يقدر على عتق رقبة ، فجعل لهم السبيل إلى الجنة بإطعام الطعام . ص97
المصدر: المحاسن ص392

كنت مع الرضا (ع) وقد أشرف على حيطان طوس ، وسمعت واعية فأتبعتها ، فإذا نحن بجنازة ، فلما بصرت بها رأيت سيدي وقد ثنّى رجله عن فرسه ، ثم أقبل نحو الجنازة فرفعها ، ثم أقبل يلوذ بها كما تلوذ السخلة بأمها ، ثم أقبل عليّ وقال : يا موسى بن سيّار !.. مَن شيّع جنازة وليٍّ من أوليائنا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه لا ذنب عليه .
حتى إذا وُضِع الرجل على شفير قبره رأيت سيدي قد أقبل ، فأخرج الناس عن الجنازة حتى بدا له الميت ، فوضع يده على صدره ، ثم قال :
يا فلان بن فلان !.. أبشر بالجنة فلا خوف عليك بعد هذه الساعة .
فقلت : جعلت فداك !.. هل تعرف الرجل ؟.. فو الله إنها بقعة لم تطأها قبل يومك هذا ، فقال لي : يا موسى بن سيّار !..
أما علمت أنّا معاشر الأئمة تُعرض علينا أعمال شيعتنا صباحاً ومساءً ؟.. فما كان من التقصير في أعمالهم سألنا الله تعالى الصفح لصاحبه ، وما كان من العلو سألنا الله الشكر لصاحبه . ص99
المصدر: المناقب 4/341

دخل الرضا (ع) الحمّام ، فقال له بعض الناس : دلّكني !.. فجعل يدلّكه فعرَّفوه ، فجعل الرجل يستعذر منه ، وهو يطيّب قلبه ويدلّكه . ص99
المصدر: المناقب 4/362

كنت مع الرضا (ع) في سفره إلى خراسان ، فدعا يوماً بمائدة له فجمع عليها مواليه من السودان وغيرهم ، فقلت :
جعلت فداك !.. لو عزلت لهؤلاء مائدة ، فقال : مه ! .. إنّ الربّ تبارك وتعالى واحدٌ ، والأم واحدةٌ ، والأب واحدٌ ، والجزاء بالأعمال . ص101
المصدر: الكافي

كنت أنا في مجلس أبي الحسن الرضا (ع) أحدّثه وقد اجتمع إليه خلقٌ كثيرٌ يسألونه عن الحلال والحرام ، إذ دخل عليه رجلٌ طوال آدم ، فقال له : السلام عليك يا بن رسول الله !.. رجلٌ من محبيك ومحبي آبائك وأجدادك (ع) ، مصدري من الحجّ وقد افتقدت نفقتي وما معي ما أبلغ به مرحلة ، فإن رأيت أن تنهضني إلى بلدي ولله عليّ نعمةٌ ، فإذا بلغتُ بلدي تصدّقتُ بالذي توليني عنك ، فلست موضع صدقة .
فقال له : اجلس رحمك الله !.. وأقبل على الناس يحدّثهم حتى تفرّقوا ، وبقي هو وسليمان الجعفري وخيثمة وأنا ، فقال : أتأذنون لي في الدخول ؟..
فقال له : يا سليمان !.. قدَّم الله أمرك ، فقام فدخل الحجرة وبقي ساعةً ثم خرج وردّ الباب وأخرج يده من أعلى الباب وقال : أين الخراساني ؟..
فقال : ها أنا ذا ، فقال : خذ هذه المائتي دينار ، واستعن بها في مؤنتك ونفقتك وتبرّك بها ولا تصدّق بها عني ، واخرج فلا أراك ولا تراني .
ثم خرج فقال سليمان : جُعلت فداك !.. لقد أجزلت ورحمت ، فلماذا سترت وجهك عنه ؟.. فقال : مخافة أن أرى ذلّ السؤال في وجهه لقضائي حاجته ، أما سمعت حديث رسول الله (ص) :
” المستتر بالحسنة تعدل سبعين حجّة ، والمذيع بالسيئة مخذولٌ ، والمستتر بها مغفورٌ له ” ، أما سمعت قول الأول :
متى آته يوما لأطلب حاجة***رجعت إلى أهلي ووجهي بمائه
ص101
المصدر: الكافي 4/24

نزل بأبي الحسن الرضا (ع) ضيفٌ ، وكان جالساً عنده يحدّثه في بعض الليل فتغيّر السراج ، فمدّ الرجل يده ليصلحه .. فزبره أبو الحسن (ع) ثم بادره بنفسه فأصلحه ، ثم قال : إنا قومٌ لا نستخدم أضيافنا . ص102
المصدر: الكافي 6/283

أكل الغلمان يوماً فاكهةً فلم يستقصوا أكلها ورموا بها ، فقال لهم أبو الحسن (ع) : سبحان الله !.. إن كنتم استغنيتم فإنّ أناساً لم يستغنوا ، أطعموه من يحتاج إليه !.. ص102
المصدر: الكافي 6/297

دخلت إلى أبي الحسن الرضا (ع) وبين يديه تمر برنيٌّ وهو مجدٌّ في أكله يأكله بشهوة ، فقال : يا سليمان !.. ادنُ فكل !..
فدنوت فأكلت معه وأنا أقول له : جُعلت فداك !.. إني أراك تأكل هذا التمر بشهوة ، فقال : نعم ، إني لأحبه .
قلت : ولِمَ ذاك ؟.. قال : لأنّ رسول الله (ص) كان تمريّاً ، وكان أمير المؤمنين (ع) تمريّاً ، وكان الحسن (ع) تمريّاً ، وكان أبو عبد الله الحسين (ع) تمريّاً ، وكان سيد العابدين (ع) تمريّاً ، وكان أبو جعفر (ع) تمريّاً ، وكان أبو عبد الله (ع) تمريّاً ، وكان أبي تمريّاً ، وأنا تمريٌّ ، وشيعتنا يحبون التمر لأنهم خُلقوا من طينتنا ، وأعداؤنا يا سليمان يحبّون المسكر ، لأنهم خُلقوا من مارج من نار . ص103
المصدر: الكافي 6/345

دخلت على الرضا (ع) وبين يديه إبريقٌ يريد أن يتهيّأ منه للصلاة ، فدنوت لأصبّ عليه فأبى ذلك ، وقال : مه يا حسن !.. فقلت له : لم تنهاني أن أصبّ على يدك ، تكره أن أوجر ؟.. قال : تُؤجر أنت وأُوزر أنا ؟!..
فقلت له : وكيف ذلك ؟.. فقال : أما سمعت الله عزّ وجل يقول :
{ فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } وها أنا ذا أتوضأ للصلاة وهي العبادة ، فأكره أن يشركني فيها أحد . ص104
المصدر: الكافي 3/96

قال الرضا (ع) لبعض مواليه يوم الفطر وهو يدعو له :
يا فلان !.. تقبّل الله منك ومنا ، ثم أقام حتى إذا كان يوم الأضحى ، فقال له : يا فلان !.. تقبّل الله منا ومنك ، فقلت له :
يا بن رسول الله !.. قلت في الفطر شيئاً وتقول في الأضحى غيره ؟.. فقال : نعم ، إني قلت له في الفطر :
تقبّل الله منك ومنا ، لأنه فعل مثل فعلي ، وناسبتُ أنا وهو في الفعل ، وقلت له في الأضحى : تقبّل الله منا ومنك لأنّا يمكننا أن نضحّي ، ولا يمكنه أن يضحّي ، فقد فعلنا نحن غير فعله.ص105
المصدر: الكافي 4/181

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى