الجزء الثامن والاربعون كتاب تاريخ الأمام الكاظم (ع)

باب أحواله (ع) في الحبس إلى شهادته وتاريخ وفاته ، ومدفنه صلوات الله عليه ولعنة الله على من ظلمه

دخلت على الفضل بن الربيع وهو جالسٌ على سطح فقال لي : إدنُ مني ، فدنوت حتى حاذيته ثم قال لي : أشرف إلى البيت في الدار ، فأشرفت فقال : ما ترى في البيت ؟.. قلت : ثوباً مطروحاً ، فقال : انظر حسناً ، فتأمّلت ونظرت فتيقّنت فقلت : رجلٌ ساجدٌ ، فقال لي : تعرفه ؟.. قلت : لا، قال : هذا مولاك قلت :
ومن مولاي ؟!.. فقال : تتجاهل عليّ ؟!.. فقلت : ما أتجاهل ، ولكني لا أعرف لي مولى .. فقال : هذا أبو الحسن موسى بن جعفر ، إني أتفقده الليل والنهار ، فلم أجده في وقت من الأوقات إلا على الحال التي أخبرك بها :
إنه يصلي الفجر فيعقّب ساعةً في دبر صلاته إلى أن تطلع الشمس ، ثم يسجد سجدةً ، فلا يزال ساجداً حتى تزول الشمس ، وقد وكّل من يترصد له الزوال ، فلست أدري متى يقول الغلام : قد زالت الشمس، إذ يثب فيبتدئ بالصلاة ، من غير أن يجدّد وضوءاً ، فأعلم أنه لم ينم في سجوده ولا أغفى ..
فلا يزال كذلك إلى أن يفرغ من صلاة العصر ، فإذا صلّى العصر سجد سجدةً فلا يزال ساجداً إلى أن تغيب الشمس .
فإذا غابت الشمس وثب من سجدته فصلّى المغرب من غير أن يحدث حدثاً ، ولا يزال في صلاته وتعقيبه إلى أن يصلّي العتمة ، فإذا صلى العتمة أفطر على شوي يُؤتى به ، ثم يجدّد الوضوء ، ثم يسجد ثم يرفع رأسه ، فينام نومة خفيفةً ، ثم يقوم فيجدّد الوضوء .
ثم يقوم فلا يزال يصلي في جوف الليل حتى يطلع الفجر ، فلست أدري متى يقول الغلام : إنّ الفجر قد طلع ، إذ قد وثب هو لصلاة الفجر ، فهذا دأبه منذ حوّل إليّ .. فقلت : اتق الله ، ولا تحدثنّ في أمره حدثاً يكون منه زوال النعمة ، فقد تعلم أنه لم يفعل أحدٌ بأحد منهم سوء إلا كانت نعمته زائلة .. فقال :
قد أرسلوا إليّ في غير مرة يأمرونني بقتله ، فلم أجبهم إلى ذلك ، وأعلمتهم أني لا أفعل ذلك ، ولو قتلوني ما أجبتهم إلى ما سألوني ..
فلما كان بعد ذلك حُوّل إلى الفضل بن يحيى البرمكي ، فحُبس عنده أياما فكان الفضل بن الربيع يبعث إليه في كل ليلة مائدة ، ومنع أن يدخل إليه من عند غيره ، فكان لا يأكل ولا يفطر إلا على المائدة التي يُؤتى بها ، حتى مضى على تلك الحال ثلاثة أيام ولياليها ، فلما كانت الليلة الرابعة ، قُدّمت إليه مائدة للفضل بن يحيى قال : ورفع (ع) يده إلى السماء فقال :
يا ربّ !.. إنك تعلم أني لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي .
قال : فأكل فمرض ، فلما كان من غد بُعث إليه بالطبيب ليسأله عن العلّة فقال له الطبيب : ما حالك ؟.. فتغافل عنه ، فلما أكثر عليه أخرج إليه راحته فأراها الطبيب ثم قال : هذه علّتي وكانت خضرة وسط راحته تدلّ على أنه سمّ ، فاجتمع في ذلك الموضع .. فانصرف الطبيب إليهم وقال :
والله لهو أعلم بما فعلتم به منكم ، ثم توفي (ع) . ص212
المصدر:العيون 1/106 ، أمالي الصدوق ص146

فخرجت من عنده ووافيت موسى بن جعفر (ع) – وهو في حبسه – فرأيته قائماً يصلّي ، فجلست حتى سلّم ثم أبلغته سلام أمير المؤمنين ، وأعلمته بالذي أمرني به في أمره ، وأني قد أحضرت ما وصله به ، فقال : إن كنت أُمرت بشيء غير هذا فافعله ؟.. فقلت : لا ، وحقّ جدك رسول الله ما أُمرت إلا بهذا .. فقال :
لا حاجة لي في الخلع والحملان والمال إذ كانت فيه حقوق الأمة .. فقلت : ناشدتك بالله أن لا تردّه فيغتاظ ، فقال : اعمل به ما أحببت ، وأخذت بيده (ع) وأخرجته من السجن ..
ثم قلت له : يا بن رسول الله !.. أخبرني بالسبب الذي نلت به هذه الكرامة من هذا الرجل ، فقد وجب حقي عليك لبشارتي إياك ، ولما أجراه الله عزّ وجلّ على يدي من هذا الأمر ، فقال (ع) :
رأيت النبي (ص) ليلة الأربعاء في النوم فقال لي : يا موسى !.. أنت محبوس مظلوم ؟.. فقلت :
نعم ، يا رسول الله محبوس مظلوم !.. فكرّر عليّ ذلك ثلاثا ، ثم قال :
{ وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } ، أصبحْ غداً صائماً وأتْبعه بصيام الخميس والجمعة ، فإذا كان وقت الإفطار فصلّ اثنتي عشرة ركعةً ، تقرأ في كلّ ركعة الحمد واثنتي عشرة مرة { قل هو الله أحد } فإذا صلّيت منها أربع ركعات فاسجد ثم قل :
” يا سابق الفوت !.. يا سامع كل صوت !.. يا محيي العظام وهي رميم بعد الموت !.. أسألك باسمك العظيم الأعظم أن تصلي على محمد عبدك ورسولك ، وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين ، وأن تعجّل لي الفرج مما أنا فيه ” ففعلت فكان الذي رأيت . ص215
المصدر:العيون 1/73

فقال الفضل : يا أمير المؤمنين !.. أردت أن تعاقبه فخلعت عليه وأكرمته ؟.. فقال لي : يا فضل إنك لما مضيت لتجيئني به ، رأيت أقواماً قد أحدقوا بداري ، بأيديهم حراب قد غرسوها في أصل الدار ، يقولون :
إن آذى ابن رسول الله خسفنا به ، وإن أحسن إليه انصرفنا عنه وتركناه .. فتبعته (ع) فقلت له : ما الذي قلت حتى كُفيت أمر الرشيد ؟.. فقال :
دعاء جدي علي بن أبي طالب (ع) كان إذا دعا به ما برز إلى عسكر ، إلا هزمه ولا إلى فارس إلا قهره ، وهو دعاء كفاية البلاء قلت : وما هو ؟.. قال : قلت :
” اللهم!.. بك أُساور ، وبك أُحاول ، وبك أُحاور ، وبك أصول ، وبك أنتصر ، وبك أموت ، وبك أحيا ، أسلمت نفسي إليك ، وفوّضت أمري إليك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
اللهم!.. إنك خلقتني ورزقتني وسترتني ، وعن العباد بلطف ما خوّلتني أغنيتني ، وإذا هويت رددتني ، وإذا عثرت قوّمتني ، وإذا مرضت شفيتني ، وإذا دعوت أجبتني ، يا سيدي !.. ارض عني ، فقدأرضيتني ” . ص217
المصدر:العيون 1/76

سمعت رجلاً من أصحابنا يقول : لما حبس الرشيد موسى بن جعفر (ع) جنّ عليه الليل ، فخاف ناحية هارون أن يقتله .
فجدّد موسى (ع) طهوره واستقبل بوجهه القبلة ، وصلى لله عزّ وجلّ أربع ركعات ، ثم دعا بهذه الدعوات فقال :
” يا سيدي !.. نجّني من حبس هارون ، وخلّصني من يده ، يا مخلّص الشجر من بين رمل وطين وماء ، ويا مخلّص اللبن من بين فرث ودم ، ويا مخلّص الولد من بين مشيمة ورحم ، ويا مخلّص النار من بين الحديد والحجر ، ويا مخلّص الروح من بين الأحشاء والأمعاء ، خلّصني من يدي هارون !.. “. ص219
المصدر:العيون 1/93

كانت للكاظم (ع) – بضع عشرة سنة – كل يوم سجدة بعد ابيضاض الشمس إلى وقت الزوال .. فكان هارون ربما صعد سطحا يشرف منه على الحبس الذي حبس فيه أبا الحسن (ع) فكان يرى أبا الحسن (ع) ساجداً ، فقال للربيع :
ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع ؟.. قال :
يا أمير المؤمنين !.. ما ذاك بثوب ، وإنما هو موسى بن جعفر .. له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال ، قال الربيع : فقال لي هارون : أما إن هذا من رهبان بني هاشم ، قلت :
فما لك فقد ضيّقت عليه في الحبس ؟!.. قال :
هيهات لا بدّ من ذلك . ص221
المصدر:العيون 1/95

لما قبض الرشيد على الكاظم (ع) وهو عند رأس النبي (ص) قائماً يصلي ، فقطع عليه صلاته وحُمل وهو يبكي ويقول :
إليك أشكو يا رسول الله ما ألقى !.. وأقبل الناس من كل جانب يبكون ويضجّون ، فلما حُمل إلى بين يدي الرشيد شتمه وجفاه .
فلما جنّ عليه الليل أمر ببيتين فهُيّئا له ، فحمل موسى بن جعفر (ع) إلى أحدهما في خفاء ، ودفعه إلى حسان السروي ، وأمره أن يصير به في قبّة إلى البصرة ، فيسلّمه إلى عيسى بن جعفر بن أبي جعفر – وهو أميرها – ووجّه قبة أخرى علانية نهاراً إلى الكوفة معها جماعة ، ليعمّي على الناس أمر موسى بن جعفر (ع) . ص221
المصدر:العيون 1/85

وخرج سليمان بن أبي جعفر من قصره إلى الشط ، فسمع الصياح والضوضاء فقال لولده وغلمانه : ما هذا ؟.. قالوا : السندي بن شاهك ينادي على موسى بن جعفر على نعش ، فقال لولده وغلمانه :
يوشك أن يفعل هذا به في الجانب الغربي ، فإذا عبر به فانزلوا مع غلمانكم فخذوه من أيديهم ، فإن مانعوكم فاضربوهم وخرّقوا ما عليهم من السواد .. فلما عبروا به نزلوا إليهم فأخذوه من أيديهم وضربوهم ، وخرّقوا عليهم سوادهم ، ووضعوه في مفرق أربعة طرق وأقام المنادين ينادون :
ألا من أراد الطيّب بن الطيّب موسى بن جعفر فليخرج ، وحضر الخلق وغُسّل وحُنّط بحنوط فاخر ، وكفّنه بكفن فيه حبرة اُستعملت له بألفين وخمسمائة دينار ، عليها القرآن كله ، واحتفى ومشى في جنازته متسلباً ، مشقوق الجيب إلى مقابر قريش ، فدفنه (ع) هناك.ص227
المصدر:إكمال الدين 1/118 ، العيون 1/99

قلت للرضا (ع) : الإمام يعلم إذا مات ؟.. قال : نعم ، يعلم بالتعليم حتى يتقدّم في الأمر ، قلت : علم أبو الحسن (ع) بالرطب والريحان المسمومين اللذين بعث إليه يحيى بن خالد ؟.. قال : نعم .. قلت : فأكله وهو يعلم ؟..
قال : أنساه لينفذ فيه الحكم . ص236
المصدر:مختصر بصائر الدرجات ص6 ، بصائر الدرجات 10/141
بيــان:
ما ذُكر في هذين الخبرين أحد الوجوه في الجمع بين ما دلّ على علمهم بما يؤل إليه أمرهم ، وبالأسباب التي يترتب عليها هلاكهم ، مع تعرّضهم لها وبين عدم جواز إلقاء النفس إلى التهلكة .
ويمكن أن يقال مع قطع النظر عن الخبر : أنّ التحرّز عن أمثال تلك الأمور إنما يكون فيمن لم يعلم جميع أسباب التقادير الحتمية ، وإلا فيلزم أن لا يجري عليهم شيء من التقديرات المكروهة ، وهذا مما لا يكون .. والحاصل أنّ أحكامهم الشرعية منوطة بالعلوم الظاهرة لا بالعلوم الإلهامية ، وكما أنّ أحوالهم في كثير من الأمور مبائنة لأحوالنا ، فكذا تكاليفهم مغايرة لتكاليفنا ، على أنه يمكن أن يُقال : لعلّهم علموا أنهم لو لم يفعلوا ذلك لأهلكوهم بوجه أشنع من ذلك ، فاختاروا أيسر الأمرين ، والعلم بعصمتهم وجلالتهم وكون جميع أفعالهم جارية على قانون الحق والصواب كاف لعدم التعرض لبيان الحكمة في خصوصيات أحوالهم لأولي الألباب .
وقد مرّ بعض الكلام في ذلك في باب شهادة أمير المؤمنين ، وباب شهادة الحسن ، وباب شهادة الحسين صلوات الله عليهم أجمعين . ص236

إن هارون الرشيد أنفذ إلى الكاظم جارية خصيفة ، لها جمال ووضاءة لتخدمه في السجن ، فقال :
قل له : { بل أنتم بهديتكم تفرحون } ، لا حاجة لي في هذه ولا في أمثالها فاستطار هارون غضباً وقال : ارجع إليه وقل له : ليس برضاك حبسناك ، ولا برضاك أخذناك ، واترك الجارية عنده وانصرفْ .. فمضى ورجع .. ثم قام هارون عن مجلسه ، وأنفذ الخادم إليه ، ليستفحص عن حالها ، فرآها ساجدة لربها ، لا ترفع رأسها تقول : قدوس سبحانك سبحانك !.. فقال هارون : سَحَرها والله موسى بن جعفر بسحره ، عليَّ بها ، فأُتي بها وهي ترعد شاخصة نحو السماء بصرها ، فقال : ما شأنكِ ؟.. قالت :
شأني الشأن البديع ، إني كنت عنده واقفة ، وهو قائم يصلي ليله ونهاره ، فلما انصرف عن صلاته بوجهه وهو يسبّح الله ويقدّسه قلت :
يا سيدي !.. هل لك حاجة أعطيكها ؟.. قال : وما حاجتي إليك ؟..
قلت : إني أُدخلت عليك لحوائجك ، قال : فما بال هؤلاء ؟.. قالت :
فالتفت فإذا روضة مزهرة لا أبلغ آخرها من أولها بنظري ، ولا أولها من آخرها ، فيها مجالس مفروشة بالوشي والديباج ، وعليها وصفاء ووصايف لم أر مثل وجوههم حسناً ، ولا مثل لباسهم لباساً ، عليهم الحرير الأخضر ، والأكاليل والدر والياقوت ، وفي أيديهم الأباريق والمناديل ومن كل الطعام .
فخررت ساجدة حتى أقامني هذا الخادم فرأيت نفسي حيث كنت .
فقال هارون : يا خبيثة !.. لعلك سجدت فنمت فرأيت هذا في منامك ؟.. قالت : لا والله يا سيدي !.. إلا قبل سجودي رأيت ، فسجدت من أجل ذلك ، فقال الرشيد :
اقبض هذه الخبيثة إليك !.. فلا يسمع هذا منها أحدٌ ، فأقبلتْ في الصلاة ، فإذا قيل لها في ذلك قالت :
هكذا رأيت العبد الصالح (ع).. فسُئلت عن قولها قالت :
إني لما عاينت من الأمر ، نادتني الجواري يا فلانة !.. ابعدي عن العبد الصالح ، حتى ندخل عليه .. فنحن له دونكِ .. فما زالت كذلك حتى ماتت ، وذلك قبل موت موسى بأيام يسيرة.ص239
المصدر:المناقب 3/414

قال الرضا (ع) في حديث طويل : فلولا أنّ الله يدافع عن أوليائه وينتقم لأوليائه من أعدائه .. أما رأيت ما صنع الله بآل برمك ، وما انتقم الله لأبي الحسن (ع) ؟.. وقد كان بنو الأشعث على خطر عظيم فدفع الله عنهم بولايتهم لأبي الحسن (ع) . ص249
المصدر:الكافي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى