الجزء الثامن والاربعون كتاب تاريخ الأمام الكاظم (ع)

باب أحوال عشائره وأصحابه وأهل زمانه وما جرى بينه وبينهما وما جرى من الظلم على عشائره صلوات الله عليه

رأيت موسى بن جعفر (ع) بعد عتمة وقد جاء إلى الحسين صاحب فخّ ، فانكبّ عليه شبه الركوع وقال : أحبّ أن تجعلني في سعة وحلّ من تخلّفي عنك ، فأطرق الحسين طويلاً لا يجيبه ، ثم رفع رأسه إليه فقال : أنت في سعة.
وبأسانيد أخرى قال : قال الحسين لموسى بن جعفر (ع) في الخروج فقال له : إنك مقتول ، فأجد الضراب ، فإنّ القوم فسّاق ، يظهرون إيماناً ، ويضمرون نفاقاً وشكّاً فإنا لله وإنا إليه راجعون ، وعند الله عزّ وجلّ أحتسبكم من عصبة.ص169
المصدر:مقاتل الطالبيين ص447

أكريت الصادق (ع) من المدينة ، فلما رحلنا من بطن مرّ قال لي :
يا نصر !.. إذا انتهيت إلى فخّ فأعلمني ، قلت : أو لست تعرفه ؟!..
قال : بلى ، ولكن أخشى أن تغلبني عيني ، فلما انتهينا إلى فخّ دنوت من المحمل فإذا هو نائم فتنحنحت فلم ينتبه ، فحرّكت المحمل فجلس فقلت :
قد بلغتَ ، فقال : حلّ محملي ثم قال : صل القطار فوصلته ، ثم تنحّيت به عن الجادة فأنخت بعيره ، فقال : ناولني الأداوة والركوة .. فتوضأ وصلّى ، ثم ركب فقلت له :
جعلت فداك !.. رأيتك قد صنعت شيئا أفهو من مناسك الحج ؟.. قال :
لا ، ولكن يُقتل ههنا رجلٌ من أهل بيتي في عصابة تسبق أرواحهم أجسادهم إلى الجنة . ص170
المصدر:مقاتل الطالبيين ص437

دخل أبو حنيفة على الصادق (ع) فقال له : رأيت ابنك موسى يصلّي والناس يمرّون بين يديه ، فلا ينهاهم وفيه ما فيه ، فقال الصادق (ع) : ادعوا لي موسى ، فدُعي فقال له :
يا بنيّ !.. إنّ أبا حنيفة يذكر أنك كنت تصلي والناس يمرّون بين يديك فلم تنههم ، فقال : نعم يا أبت !.. إنّ الذي كنت أصلّي له كان أقرب إليّ منهم ، يقول الله عزّ وجلّ :
{ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ، فضمّه الصادق (ع) إلى نفسه .. ثم قال : بأبي أنت وأمي يا مودع الأسرار . ص171
المصدر:الكافي 3/297

قال لي محمد : ألا أسرّك يا بن المثنى ؟!.. قلت : بلى ، وقمت إليه .. قال : دخل هذا الفاسق آنفا فجلس قبالة أبي الحسن الكاظم ، ثم أقبل عليه فقال له :
يا أبا الحسن !.. ما تقول في المحرِم أيستظلّ على المحمل ؟.. فقال له : لا ، قال : فيستظلّ في الخباء ؟.. فقال له : نعم ، فأعاد عليه القول شبه المستهزئ يضحك ، فقال :
يا أبا الحسن !.. فما فرق بين هذا وهذا ، فقال : يا أبا يوسف !.. إنّ الدين ليس بقياسٍ كقياسك ، أنتم تلعبون بالدين ، إنا صنعنا كما صنع رسول الله (ص) ، وقلنا كما قال رسول الله (ص) .
كان رسول الله يركب راحلته فلا يستظلّ عليها وتؤذيه الشمس ، فيستر جسده بعضه ببعض ، وربما ستر وجهه بيده ، وإذا نزل استظلّ بالخباء ، وفي البيت وفي الجدار.ص171
المصدر:الكافي 4/350

رأيت عبدالله بن جندب بالموقف ، فلم أر موقفاً كان أحسن من موقفه ، مازال مادّاً يديه إلى السماء ودموعه تسيل على خدّه حتى تبلغ الأرض ، فلما انصرف الناس قلت له :
يا أبا محمد !.. ما رأيت موقفاً قطّ أحسن من موقفك قال : والله ما دعوت إلا لإخواني ، وذلك أنّ أبا الحسن موسى بن جعفر (ع) أخبرني : أنه من دعا لأخيه بظهر الغيب نودي من العرش :
ها !.. ولك مائة ألف ضعف مثله ، فكرهت أن أدع مائة ألف ضعف مضمونة لواحد لا أدري يُستجاب أم لا.ص172
المصدر:الكافي 2/508

كنت في الموقف فلما أفضتُ لقيت إبراهيم بن شعيب فسلّمت عليه ، وكان مصاباً بإحدى عينيه ، وإذا عينه الصحيحة حمراء كأنها علقة دم .. فقلت له :
قد أصبتَ بإحدى عينيك ، وأنا والله مشفق على الأخرى ، فلو قصّرت من البكاء قليلاً ، فقال :
لا ، والله يا أبا محمد !.. ما دعوت لنفسي اليوم بدعوة ، فقلت : لمن دعوت ؟.. قال : دعوت لإخواني ، لأني سمعت أبا عبدالله (ع) يقول :
من دعا لأخيه بظهر الغيب ، وكّل الله به ملكاً يقول : ولك مثلاه .
فأردت أن أكون إنما أدعو لإخواني ، ويكون المَلَك يدعو لي ، لأني في شكّ من دعائي لنفسي ، ولستُ في شكٍّ من دعاء المَلَك . ص172
المصدر:الكافي 4/465

دخلت على الكاظم (ع) فقال لي : يا زياد !.. إنك لتعمل عمل السلطان ؟.. قلت : أجل ، قال لي : ولِمَ ؟.. قلت :
أنا رجلٌ لي مروةٌ ، وعليّ عيالٌ ، وليس وراء ظهري شيءٌ ، فقال لي :
يا زياد !.. لأن أسقط من حالق ، فأنقطع قطعةً قطعةً ، أحبّ إليّ من أن أتولى لأحد منهم عملاً أو أطأ بساط رجل منهم ، إلا لماذا ؟.. قلت : لا أدري جعلت فداك !.. قال : إلا لتفريج كربة عن مؤمن ، أو فكّ أسره ، أو قضاء دينه يا زياد !.. إنّ أهون ما يصنع الله بمن تولّى لهم عملاً أن يضرب عليه سرادق من نار إلى أن يفرغ الله من حساب الخلائق ..
يا زياد !.. فإن وُلّيت شيئاً من أعمالهم فأحسن إلى إخوانك ، فواحدة بواحدة والله من وراء ذلك .
يا زياد !.. أيما رجل منكم تولّى لأحد منهم عملاً ، ثم ساوى بينكم وبينهم فقولوا له : أنت منتحل كذّاب .
يا زياد !.. إذا ذكرت مقدرتك على الناس فاذكر مقدرة الله عليك غدا ، ونفاد ما أتيت إليهم عنهم ، وبقاء ما أتيت إليهم عليك . ص173
المصدر:الكافي 5/109

كان بالمدينة عندنا رجل يكنّى أبا القمقام وكان محارفاً ، فأتى الكاظم (ع) فشكا إليه حرفته ، وأخبره أنه لا يتوجّه في حاجة له فتُقضى له ، فقال له الكاظم (ع) : قل في آخر دعائك من صلاة الفجر :
” سبحان الله العظيم وبحمده ، أستغفر الله وأتوب إليه ، وأسأله من فضله ” عشر مرات .. قال أبو القمقام :
فلزمت ذلك ، فوالله ما لبثت إلا قليلا حتى ورد عليّ قوم من البادية ، فأخبروني أنّ رجلاً من قومي مات ، ولم يُعرف له وارث غيري ، فانطلقت فقبضت ميراثه ، وأنا مستغن . ص173
المصدر:الكافي 5/315

ولي علينا بعض كتّاب يحيى بن خالد ، وكان عليّ بقايا يطالبني بها ، وخفت من إلزامي إياها خروجاً عن نعمتي ، وقيل لي : إنه ينتحل هذا المذهب ، فخفت أن أمضي إليه ، فلا يكون كذلك فأقع فيما لا أحب ، فاجتمع رأيي على أني هربت إلى الله تعالى وحججت ، ولقيت مولاي الصابر – يعني موسى بن جعفر (ع) – فشكوت حالي إليه ، فأصحبني مكتوباً نسخته :
” بسم الله الرحمن الرحيم ، اعلمْ أنّ لله تحت عرشه ظلاً ، لا يسكنه إلا من أسدى إلى أخيه معروفاً ، أو نفّس عنه كربةً ، أو أدخل على قلبه سروراً ، وهذا أخوك والسلام “..
فعدت من الحج إلى بلدي ، ومضيت إلى الرجل ليلاً ، واستأذنت عليه وقلت : رسول الصابر (ع) !.. فخرج إليّ حافياً ماشياً ، ففتح لي بابه ، وقبّلني وضمّني إليه ، وجعل يقبّل بين عينيّ ، ويكرّر ذلك كلما سألني عن رؤيته (ع) ، وكلما أخبرته بسلامته وصلاح أحواله استبشرَ ، وشكَر الله .
ثم أدخلني داره وصدّرني في مجلسه وجلس بين يديّ ، فأخرجتُ إليه كتابه (ع) فقبّله قائماً وقرأه ، ثم استدعى بماله وثيابه ، فقاسمني ديناراً ديناراً ، ودرهماً درهماً ، وثوباً ثوباً ، وأعطاني قيمة ما لم يمكن قسمته ، وفي كل شيء من ذلك يقول : يا أخي هل سررتك ؟!.. فأقول :
إي والله ، وزدت على السرور ، ثم استدعى العمل ، فأسقط ما كان باسمي وأعطاني براءة مما يتوجّه عليّ منه ، وودّعته وانصرفت عنه ..
فقلت : لا أقدر على مكافأة هذا الرجل ، إلا بأن أحجّ في قابل وأدعو له وألقى الصابر (ع) وأُعرّفه فعله ، ففعلت ولقيت مولاي الصابر (ع) وجعلت أحدثه ووجهه يتهلّل فرحاً ، فقلت :
يا مولاي هل سرّك ذلك ؟!.. فقال :
إي والله لقد سرّني وسرّ أمير المؤمنين ، والله لقد سرّ جدي رسول الله (ص) ولقد سرّ الله تعالى . ص174
المصدر:قضاء حقوق المؤمنين

روي عن أبي حنيفة أنه قال : أتيت الصادق (ع) لأسأله عن مسائل فقيل لي : إنه نائمٌ ، فجلست أنتظر انتباهه ، فرأيت غلاماً خماسياً أو سداسياً جميل المنظر ذا هيبة وحسن سمت ، فسألت عنه فقالوا :
هذا موسى بن جعفر !.. فسلّمت عليه وقلت له :
يا بن رسول الله !.. ما تقول في أفعال العباد ممن هي ؟.. فجلس ثم تربّع ، وجعل كمّه الأيمن على الأيسر وقال :
يا نعمان !.. قد سألتَ فاسمع ، وإذا سمعت فعُهُ ، وإذا وعيت فاعمل ، إنّ أفعال العباد لا تعدو من ثلاث خصال : إما من الله على انفراده ، أو من الله والعبد شركةً ، أو من العبد بانفراده ..
فإن كانت من الله على انفراده ، فما باله سبحانه يعذّب عبده على ما لم يفعله مع عدله ورحمته وحكمته ؟..
وإن كانت من الله والعبد شركةً ، فما بال الشريك القوي يعذّب شريكه على ما قد شَرِكَه فيه وأعانه عليه ؟.. قال : استحال الوجهان يا نعمان ؟!..
فقال : نعم ، فقال له : فلم يبق إلا أن يكون من العبد على انفراده . ص175
المصدر:اعلام الدين

انن بيني وبين حميد بن قحطبة الطائي الطوسي معاملة ، فرحلت إليه في بعض الأيام ، فبلغه خبر قدومي فاستحضرني للوقت وعليَّ ثياب السفر لم أغيّرها ، وذلك في شهر رمضان وقت صلاة الظهر ..
فلما دخلت إليه رأيته في بيت يجري فيه الماء فسلّمت عليه وجلست ، فأُتي بطست وإبريق فغسّل يديه ، ثم أمرني فغسّلت يدي ، وأُحضرت المائدة وذهب عني أني صائم وأني في شهر رمضان ، ثم ذكرت فأمسكت يدي ، فقال لي حميد : ما لك لا تأكل ؟.. فقلت : أيها الأمير !.. هذا شهر رمضان ، ولستُ بمريض ولا بي علّة توجب الإفطار ، ولعلّ الأمير له عذر في ذلك أو علة توجب الإفطار .. فقال : ما بي علة توجب الإفطار وإني لصحيح البدن .
ثم دمعت عيناه وبكى .. فقلت له بعد ما فرغ من طعامه : ما يبكيك أيها الأمير ؟!.. فقال : أنفَذَ إليّ هارون الرشيد وقت كونه بطوس ، في بعض الليل أن أجب !.. فلما دخلت عليه رأيت بين يديه شمعة تتقد ، وسيفاً أخضر مسلولاً ، وبين يديه خادم واقف ، فلما قمت بين يديه ، رفع رأسه إليّ فقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟.. فقلت : بالنفس والمال .
فأطرق ثم أذن لي في الانصراف .. فلم ألبث في منزلي حتى عاد الرسول إليّ وقال : أجب أمير المؤمنين ، فقلت في نفسي : إنا لله ، أخاف أن يكون قد عزم على قتلي وإنه لما رآني استحيى مني ، فعدت إلى بين يديه فرفع رأسه إليّ فقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين ؟.. فقلت :
بالنفس والمال والأهل والولد .. فتبسّم ضاحكاً ، ثم أذن لي في الانصراف .. فلما دخلت منزلي لم ألبث أن عاد الرسول إليّ ، فقال : أجب أمير المؤمنين !.. فحضرت بين يديه وهو على حاله ، فرفع رأسه إليّ فقال : كيف طاعتك لأمير المؤمنين فقلت : بالنفس والمال والأهل والولد والدين فضحك ، ثم قال لي : خذ هذا السيف ، وامتثل ما يأمرك به هذا الخادم !..
قال : فتناول الخادم السيف وناولنيه وجاء بي إلى بيت بابه مغلق ، ففتحه فإذا فيه بئر في وسطه ، وثلاثة بيوت أبوابها مغلقة ، ففتح باب بيت منها فإذا فيه عشرون نَفْساً ، عليهم الشعور والذوائب ، شيوخ وكهول وشبّان مقيّدون ، فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، وكانوا كلهم علوية من ولد علي وفاطمة (ع) ، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه ، حتى أتيت على آخرهم ، ثم رمى بأجسادهم ورؤوسهم في تلك البئر .
ثم فُتح باب بيت آخر ، فإذا فيه أيضا عشرون نَفْساً من العلوية من ولد علي وفاطمة (ع) مقيّدون ، فقال لي : إنّ أمير المؤمنين يأمرك بقتل هؤلاء ، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد ، فأضرب عنقه ويرمي به في تلك البئر ، حتى أتيت على آخرهم ، ثم فتح باب البيت الثالث ، فإذا فيه مثلهم عشرون نَفْساً من ولد علي وفاطمة ، مقيّدون عليهم الشعور والذوائب .. فقال لي :
إنّ أمير المؤمنين يأمرك أن تقتل هؤلاء أيضا ، فجعل يُخرج إليّ واحداً بعد واحد فأضرب عنقه فيرمي به في تلك البئر ، حتى أتيت على تسعة عشر نفساً منهم ، وبقي شيخ منهم عليه شعر فقال لي :
تبّاً لك يا مشوم !.. أي عذر لك يوم القيامة إذا قدمت على جدنا رسول الله (ص) ، وقد قتلت من أولاده ستين نفساً ، قد ولدهم علي وفاطمة (ع) ؟!.. فارتعشت يدي وارتعدت فرائصي ، فنظر إليّ الخادم مغضباً وزبرني ، فأتيت على ذلك الشيخ أيضا ، فقتلته ورمى به في تلك البئر.. فإذا كان فعلي هذا وقد قتلت ستين نفساً من ولد رسول الله (ص) ، فما ينفعني صومي وصلاتي ؟.. وأنا لا أشك أني مخلد في النار . ص178
المصدر:العيون 1/108

عن حمّاد بن عيسى قال : دخلت على الكاظم (ع) فقلت له : جعلت فداك !.. ادع الله لي أن يرزقني داراً وزوجة وولداً وخادماً والحجّ في كلّ سنة ، فقال :
اللهم!.. صلّ على محمد وآل محمد ، وارزقه داراً وزوجةً وولداً وخادماً والحج خمسين سنة .. قال حماد :
فلما اشترط خمسين سنة ، علمت أني لا أحج أكثر من خمسين سنة ، قال حماد : وحججت ثمان وأربعين حجة وهذه داري قد رزقتها ، وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي ، وهذا ابني ، وهذه خادمتي قد رزقت كل ذلك ، فحجّ بعد هذا الكلام حجتين تمام الخمسين .
ثم خرج بعد الخمسين حاجّاً فزامل أبا العباس النوفلي القصير .. فلما صار في موضع الإحرام دخل يغتسل في الوادي ، فحمله فغرقه الماء – رحمه الله وأباه – قبل أن يحج زيادة على خمسين ، عاش إلى وقت الرضا (ع) وتوفي سنة تسع ومائتين ، وكان من جهينة . ص180
المصدر:الاختصاص ص205

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى