الجزء الثامن والاربعون كتاب تاريخ الأمام الكاظم (ع)

باب مناظراته (ع) مع خلفاء الجور ، وما جرى بينه وبينهم ، وفيه بعض أحوال علي بن يقطين

قال الكاظم (ع) : لما أُدخلت على الرشيد سلّمت عليه فردّ عليّ السلام ثم قال : يا موسى بن جعفر ، خليفتين يُجبى إليهما الخراج ؟!.. فقلت :
يا أمير المؤمنين !.. أعيذك بالله أن تبوأ باثمي وإثمك ، وتقبل الباطل من أعدائنا علينا ، فقد علمتَ أنه قد كُذب علينا منذ قُبض رسول الله (ص) بما علْمُ ذلك عندك ، فإن رأيتَ بقرابتك من رسول الله (ص) أن تأذن لي أحدّثك بحديث أخبرني به أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (ص) ؟.. فقال :
قد أذنت لك .. فقلت :
أخبرني أبي عن آبائه عن جدي رسول الله (ص) قال :
إنّ الرحم إذا مسّت الرحم تحرّكت واضطربت ، فناولني يدك جعلني الله فداك ، فقال : ادن فدنوت منه ، فأخذ بيدي ، ثم جذبني إلى نفسه وعانقني طويلاً ، ثم تركني وقال : اجلس يا موسى !.. فليس عليك بأس ، فنظرت إليه فإذا أنه قد دمعت عيناه ، فرجعت إلى نفسي فقال :
صدقت وصدق جدك (ص) لقد تحرّك دمي ، واضطربتْ عروقي ، حتى غلبت عليّ الرقة وفاضت عيناي …. الخبر.ص126
المصدر:العيون 1/81

استأذن علي بن يقطين مولاي الكاظم (ع) في ترك عمل السلطان ، فلم يأذن له وقال : لا تفعل ، فإنّ لنا بك أُنساً ، ولإخوانك بك عزّاً ، وعسى أن يجبر الله بك كسراً ، ويكسر بك نائرة المخالفين عن أوليائه .
يا عليّ !.. كفّارة أعمالكم الإحسان إلى إخوانكم ، اضمن لي واحدةً وأضمن لك ثلاثاً ، اضمن لي أن لا تلقى أحداً من أوليائنا إلا قضيتَ حاجته وأكرمته ، وأضمن لك أن لا يظلّك سقف سجن أبداً ، ولا ينالك حدّ سيفٍ أبداً ، ولا يدخل الفقر بيتك أبداً .
يا عليّ !.. مَن سرّ مؤمناً فبالله بدأ ، وبالنبي (ص) ثنّى ، وبنا ثلّث . ص136
المصدر:حقوق المؤمنين

رُوي أنّ علي بن يقطين كتب إلى موسى بن جعفر (ع) : اختُلف في المسح على الرجلين ، فإن رأيت أن تكتب ما يكون عملي عليه فعلتُ ..
فكتب الكاظم (ع) : الذي آمرك به أن تتمضمض ثلاثا ، وتستنشق ثلاثا ، وتغسل وجهك ثلاثا ، وتخلّل شعر لحيتك ثلاثا ، وتغسل يديك ثلاثا ، وتمسح أذنيك وباطنهما ، وتغسل رجليك ثلاثا ، ولا تخالف ذلك إلى غيره .. فامتثل أمره وعمل عليه .
فقال الرشيد : أحبّ أن أستبرئ أمر علي بن يقطين ، فإنهم يقولون : إنه رافضي والرافضة يخففون في الوضوء ، فناطه بشيء من الشغل في الدار ، حتى دخل وقت الصلاة ، ووقف الرشيد وراء حائط الحجرة ، بحيث يرى علي بن يقطين ولا يراه هو ، وقد بعث إليه بالماء للوضوء فتوضأ كما أمره موسى .
فقام الرشيد وقال : كذب من زعم أنك رافضي ، فورد على علي بن يقطين كتاب موسى بن جعفر : توضأ من الآن كما أمر الله :
اغسل وجهك مرة فريضة ، والأخرى إسباغاً ، واغسل يديك من المرفقين كذلك ، وامسح مقدّم رأسك ، وظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك ، فقد زال ما يُخاف عليك . ص137
المصدر:الخرائج ص203

كان يتقدّم الرشيد إلى خدمه إذا خرج موسى بن جعفر من عنده أن يقتلوه ، فكانوا يهمّون به فيتداخلهم من الهيبة والزمع ( أي الدهشة ) ، فلما طال ذلك أمر بتمثال من خشب ، وجعل له وجهاً مثل وجه موسى بن جعفر ، وكانوا إذا سكروا أمرهم أن يذبحوها بالسكاكين ، وكانوا يفعلون ذلك أبداً .
فلما كان في بعض الأيام جمعهم في الموضع – وهم سكارى – وأخرج سيدي إليهم ، فلما بصروا به همّوا به على رسم الصورة .. فلما علم منهم ما يريدون كلّمهم بالخزرية والتركية ، فرموا من أيديهم السكاكين ، ووثبوا إلى قدميه فقبّلوهما ، وتضرّعوا إليه ، وتبعوه إلى أن شيّعوه إلى المنزل الذي كان ينزل فيه ، فسألهم الترجمان عن حالهم فقالوا :
إنّ هذا الرجل يصير إلينا في كل عام ، فيقضي أحكامنا ، ويُرضي بعضنا من بعض ، ونستسقي به إذا قحط بلدنا ، وإذا نزلت بنا نازلة فزعنا إليه ، فعاهدهم أنه لا يأمرهم بذلك فرجعوا.ص140
المصدر:المناقب 3/417

حكي أنه مغص بعض الخلفاء فعجز بختيشوع النصراني عن دوائه وأخذ جليداً فأذابه بدواء ، ثم أخذ ماءً وعقده بدواء وقال : هذا الطب ، إلا أن يكون مستجابَ دعاءٍ ، ذا منزلة عند الله يدعو لك ، فقال الخليفة : عليَّ بموسى بن جعفر ، فأُتي به فسمع في الطريق أنينه ، فدعا الله سبحانه ، وزال مغص الخليفة فقال له : بحق جدك المصطفى أن تقول بم دعوت لي ؟.. فقال (ع) قلت : اللهم !.. كما أريته ذلّ معصيته ، فأره عزّ طاعتي .. فشفاه الله من ساعته.ص141
المصدر:المناقب 3/422

حضر باب الرشيد رجل يقال له نفيع الأنصاري ، وحضر موسى بن جعفر (ع) على حمار له ، فتلقّاه الحاجب بالإكرام ، وعجّل له بالإذن ، فسأل نفيع عبد العزيز بن عمر :
مَن هذا الشيخ ؟.. قال : شيخ آل أبي طالب شيخ آل محمد ، هذا موسى بن جعفر .. قال : ما رأيت أعجز من هؤلاء القوم يفعلون هذا برجل يقدر أن يزيلهم عن السرير ، أما إن خرج لأسوأنّه .. فقال له عبد العزيز :
لا تفعل ، فإنّ هؤلاء أهل بيت قلّ ما تعرّض لهم أحدٌ في الخطاب إلا وسموه في الجواب سمةً يبقى عارها عليه مدى الدهر ، وخرج موسى وأخذ نفيع بلجام حماره ، وقال : من أنت يا هذا ؟!.. قال :
يا هذا !.. إن كنت تريد النسب أنا ابن محمد حبيب الله ، ابن إسماعيل ذبيح الله ، ابن إبراهيم خليل الله ، وإن كنت تريد البلد فهو الذي فرض الله على المسلمين وعليك – إن كنت منهم – الحجّ إليه ، وإن كنت تريد المفاخرة فو الله ما رضوا مشركوا قومي مسلمي قومك أكفّاء لهم حتى قالوا :
يا محمد !.. أخرج إلينا أكفّاءنا من قريش ، وإن كنت تريد الصيت والاسم فنحن الذين أمر الله بالصلاة علينا في الصلوات المفروضة ، تقول :
اللهم صلّ على محمد وآل محمد ، فنحن آل محمد ..
خلِّ عن الحمار !.. فخلّى عنه ويده ترعد ، وانصرف مخزياً فقال له عبد العزيز : ألم أقل لك ؟! . ص144
المصدر:أمالي المرتضى 1/275

كان هارون الرشيد يقول لموسى بن جعفر : خذ فدكا حتى أردّها إليك ، فيأبى حتى ألحّ عليه ، فقال (ع) : لا آخذها إلا بحدودها ، قال : وما حدودها ؟.. قال : إن حددتها لم تردّها ، قال : بحق جدك إلا فعلت ؟.. قال :
أما الحدّ الأول فعدن ، فتغيّر وجه الرشيد وقال : ايهاً .. قال :
والحدّ الثاني سمرقند ، فاربدّ وجهه .. قال :
والحدّ الثالث أفريقية ، فاسودّ وجهه وقال : هيه.. قال :
والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وأرمينة .. قال الرشيد :
فلم يبق لنا شيء فتحوّل إلى مجلسي !.. قال موسى :
قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردّها .. فعند ذلك عزم على قتله . ص144
المصدر:المناقب 3/435

فقال له هارون : بالله عليك يا موسى !.. هذا العلم لا تظهره عند الجهّال وعوامّ الناس ، حتى لا يشنّعوا عليك وانفس عن العوام به ، وغطّ هذا العلم ، وارجع إلى حرم جدّك ..
ثم قال له هارون : وقد بقي مسألةٌ أخرى بالله عليك أخبرني بها ، قال له :
سل ، فقال : بحقّ القبر والمنبر ، وبحقّ قرابتك من رسول الله (ص) ، أخبرني أنت تموت قبلي ؟.. أو أنا أموت قبلك ؟..لأنك تعرف هذا من علم النجوم ، فقال له موسى (ع) : آمني حتى أخبرك ، فقال : لك الأمان ، فقال :
أنا أموت قبلك ، وما كذبت ولا أكذب ووفاتي قريب ، فقال له هارون :
قد بقي مسألة تخبرني بها ولا تضجر ، فقال له : سل !.. فقال :
خبّروني أنكم تقولون : إنّ جميع المسلمين عبيدنا وجوارينا ، وأنكم تقولون: من يكون لنا عليه حقّ ولا يوصله إلينا فليس بمسلم ؟..
فقال له موسى (ع) : كذب الذين زعموا أننا نقول ذلك ، وإذا كان الأمر كذلك ، فكيف يصحّ البيع والشراء عليهم ، ونحن نشتري عبيداً وجواري ونعتقهم ، ونقعد معهم ، ونأكل معهم ، ونشتري المملوك ، ونقول له : يا بنيّ وللجارية يا بنتي !.. ونُقعدهم يأكلون معنا تقرّبا إلى الله سبحانه .
فلو أنهم عبيدنا وجوارينا ، ما صحّ البيع والشراء ، وقد قال النبي (ص) لما حضرته الوفاة : ” الله الله في الصلاة وما ملكت أيمانكم ” يعني : صلّوا ، وأكرموا مماليككم وجواريكم ، ونحن نعتقهم ..
وهذا الذي سمعته غلطٌ من قائله ، ودعوى باطلة ، ولكن نحن ندّعي أنّ ولاء جميع الخلائق لنا ، يعني ولاء الدين ، وهؤلاء الجهّال يظنّونه ولاء المِلك ، حملوا دعواهم على ذلك ، ونحن ندّعي ذلك لقول النبي (ص) يوم غدير خم : من كنت مولاه فعلي مولاه .
وما كان يطلب بذلك إلا ولاء الدين ، والذي يوصلونه إلينا من الزكاة والصدقة فهو حرام علينا مثل الميتة والدم ولحم الخنزير ..
وأما الغنائم والخمس من بعد موت رسول الله (ص) فقد منعونا ذلك ، ونحن محتاجون إلى ما في يد بني آدم ، الذين لنا ولاؤهم بولاء الدين ليس بولاء المِلك ، فإن نفذ إلينا أحد هدية ولا يقول إنها صدقة نقبلها لقول النبي (ص): لو دُعيت إلى كراع لأجبت ، ولو أُهدي لي كراع لقبلت – والكراع اسم القرية ، والكراع يد الشاة – وذلك سنّة إلى يوم القيامة ، ولو حملوا إلينا زكاة وعلمنا أنها زكاة رددناها ، وإن كانت هدية قبلناها .
ثم إنّ هارون أذن له في الانصراف ، فتوجّه إلى الرقة ، ثم تقوّلوا عليه أشياء فاستعاده هارون ، وأطعمه السمّ فتوفي صلى الله عليه . ص147
المصدر:فرج المهموم ص107

قيل للكاظم (ع) : إني قد أشفقت من دعوة أبي عبدالله (ع) على ابن يقطين وما ولد .. فقال :
يا أبا الحسن !.. ليس حيث تذهب !.. إنما المؤمن في صلب الكافر بمنزلة الحصاة في اللبنة ، يجيء المطر فيغسل اللبنة فلا يضرّ الحصاة شيئاً . ص158
المصدر:الكافي 2/13

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى