الجزء السابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الصادق(ع)

باب أحوال أصحابه واهل زمانه صلوات الله عليه

قال سعيد بن أبي الخصب : دخلت أنا وابن أبي ليلى المدينة ، فبينا نحن في مسجد الرسول (ص) إذ دخل جعفر بن محمد (ع) ، فقمنا إليه فسألني عن نفسي وأهلي ، ثم قال : من هذا معك ؟.. فقلت : ابن أبي ليلى قاضي المسلمين ، فقال : نعم ، ثم قال له :
تأخذ مال هذا فتعطيه هذا ؟.. وتفرّق بين المرء وزوجه ، لا تخاف في هذا أحدا ؟.. قال : نعم ، قال : بأي شيء تقضي ؟.. قال :
بما بلغني عن رسول الله (ص) وعن أبي بكر وعمر ، قال : فبلغك أن رسول الله (ص) قال : أقضاكم علي ؟.. قال : نعم ، قال : فكيف تقضي بغير قضاء علي (ع) وقد بلغك هذا ؟!.. قال : فاصفرّ وجه ابن أبي ليلى ، ثم قال : التمس زميلا لنفسك ، والله لا اكلمك من رأسي كلمة أبدا ؟..ص334
المصدر:الاحتجاج ص193

كنت بمنى إذ أقبل عمران بن عبد الله القمي ومعه مضارب ( أي خيام ) للرجال والنساء ، وفيها كنف ، وضربها في مضرب أبي عبد الله (ع) إذ أقبل الصادق (ع) ومعه نساؤه فقال : ممَ هذا ؟.. فقلت : جعلت فداك !.. هذه مضارب ، ضربها لك عمران بن عبد الله القمي : فنزل بها ، ثم قال : يا غلام ! ..عمران بن عبد الله .. فأقبل ، فقال :
جعلت فداك !.. هذه المضارب التي أمرتني أن أعملها لك فقال :
بكم ارتفعت ؟.. فقال له : جعلت فداك!.. إن الكرابيس من صنعتي ، وعملتها لك ، فأنا أحب جعلت فداك أن تقبلها مني هدية ، وقد رددت المال الذي أعطيتنيه ..
فقبض الصادق (ع) على يده ، ثم قال : أسأل الله تعالى أن يصلي على محمد وآل محمد ، وأن يظلك يوم لا ظلّ إلا ظلّه.ص335
المصدر:الاختصاص ص68

قال الكاظم (ع) : إن أبا الخطاب ممن أُعير الإيمان ، ثم سلبه الله .ص336
المصدر:قرب الإسناد ص193

سمعت سعد بن عبد الله يقول : ما رأينا ولا سمعنا بمتشيع رجع عن التشيع إلى النصب إلا أحمد بن هلال .. وكانوا يقولون : إن ما تفرد بروايته أحمد بن هلال فلا يجوز استعماله .ص339
المصدر:إكمال الدين 1/166

دخلت أنا وعمي الحصين بن عبد الرحمان على أبي عبد الله صلى الله عليه فأدناه وقال : من هذا معك ؟.. قال : ابن أخي إسماعيل فقال :
رحم الله إسماعيل وتجاوز عنه سيئ عمله ، كيف خلفتموه ؟.. قال :
بخيرٍ ، ما أبقى الله لنا مودتكم .. فقال : يا حصين !.. لا تستصغروا مودتنا ، فإنها من الباقيات الصالحات .. قال :
يا بن رسول الله ما استصغرتها ولكن أحمد الله عليها .ص340
المصدر:الاختصاص ص85

قال الصادق (ع) : أربعة أحب الناس إليّ أحياء وأمواتا : بريد العجلي ، وزرارة بن أعين ، ومحمد بن مسلم ، والأحول أحب الناس أحياء وأمواتا .ص340
المصدر:إكمال الدين 1/166

عن خالد بن نجيح الجواز قال : دخلت على أبي عبد الله (ع) وعنده خلق فقنّعت رأسي وجلست في ناحية وقلت في نفسي :
ويحكم ما أغفلكم ؟!.. عند من تكلمون ، عند رب العالمين !.. . قال :
فناداني ويحك يا خالد!.. إني والله عبد مخلوق ، لي رب أعبده إن لم أعبده والله عذبني بالنار .. فقلت :
لا والله !.. لا أقول فيك أبدا إلا قولك في نفسك.ص341
المصدر:بصائر الدرجات 5/65

خرج العطاء أيام أبي جعفر وما لي شفيع ، فبقيت على الباب متحيّراً ، وإذا أنا بجعفر الصادق (ع) فقمت إليه فقلت له : جعلني الله فداك !.. أنا مولاك الشقراني ، فرحّب بي وذكرت له حاجتي ، فنزل ودخل وخرج وأعطاني من كمّه فصبه في كمّي ، ثم قال :
يا شقراني !.. إن الحسن من كل أحد حسن وإنه منك أحسن لمكانك منا ، وإن القبيح من كل أحد قبيح وإنه منك أقبح ..
وعظه على جهة التعريض لأنه كان يشرب .ص350
المصدر:إعلام الورى ، المناقب 3/362

قال داود بن علي لأبي عبد الله (ع) : ما أنا قتلته – يعني معلى بن خنيس – قال : فمن قتله ؟.. قال : السيرافي ، وكان صاحب شرطته .. قال (ع) : أقدنا منه ( أي مكّنا من قتله قوداً ).. قال : قد أقدتك ، قال :
فلما أُخذ السيرافي وقُدّم ليُقتل جعل يقول : يا معشر المسلمين !.. يأمروني بقتل الناس فأقتلهم لهم ، ثم يقتلوني .. فقُتل السيرافي .ص353
المصدر:الكشي ص241

قال سفيان بن عيينة لأبى عبد الله (ع): إنه يروى أن علي بن أبي طالب (ع) كان يلبس الخشن من الثياب ، وأنت تلبس القوهي المروي ؟.. قال :
ويحك!.. إن عليا (ع) كان في زمان ضيق فإذا اتسع الزمان ، فأبرار الزمان أولى به .ص354
المصدر:الكشي ص248

قال الصادق(ع) لعبّاد بن كثير البصري الصوفي : ويحك يا عبّاد !.. غرّك أن عفّ بطنك وفرجك .. إن الله عز وجل يقول في كتابه :
{ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم } .. اعلم أنه لا يتقبل الله عز وجل منك شيئا حتى تقول قولا عدلا .ص359
المصدر:الكافي 8/107

كان رجل بالمدينة ، وكان له جارية نفيسة ، فوقعتْ في قلب رجل ، وأعجب بها ، فشكا ذلك إلى أبي عبد الله (ع) قال :
تعرّض لرؤيتها ، وكلما رأيتهَا فقل : أسأل الله من فضله ، ففعل .. فما لبث إلا يسيرا حتى عرض لوليها سفر ، فجاء إلى الرجل فقال :
يا فلان!.. أنت جاري ، وأوثق الناس عندي ، وقد عرض لي سفر ، وأنا أحب أن أودعك فلانة جاريتي تكون عندك ، فقال الرجل :
ليس لي امرأة ، ولا معي في منزلي امرأة ، فكيف تكون جاريتك عندي ؟.. فقال : أقوّمها عليك بالثمن ، وتضمنه لي تكون عندك ، فإذا أنا قدمت فبعنيها أشتريها منك ، وإن نلت منها نلت ما يحلّ لك ، ففعل وغلّظ عليه في الثمن ، وخرج الرجل فمكثت عنده ما شاء الله حتى قضى وطره منها.
ثم قدم رسولٌ لبعض خلفاء بني امية يشتري له جواري ، فكانت هي فيمن سُمّي أن يشتري .. فبعث الوالي إليه فقال له : جارية فلان .. قال : فلان غائب ، فقهره على بيعها فأعطاه من الثمن ما كان فيه ربح .
فلما أُخذت الجارية ، وأخرج بها من المدينة قدم مولاها ، فأول شيء سأله عن الجارية كيف هي ؟..
فأخبره بخبرها ، وأخرج إليه المال كله ، الذي قوّمه عليه والذي ربح ، فقال : هذا ثمنها فخذه ، فأبى الرجل ، فقال :
لا آخذ إلا ما قوّمت عليك ، وما كان من فضل ٍفخذه لك هينئا ، فصنع الله له بحسن نيته .ص360
المصدر:الكافي 5/559

عن مالك بن عطية عن يونس بن عمار قال : قلت لأبي عبد الله (ع) :
إن لي جارا من قريش من آل محرز ، قد نوّه باسمي وشهرني ، في كل ما مررت به قال : هذا الرافضي يحمل الأموال إلى جعفر بن محمد .. فقال لي :
ادع الله عليه إذا كنت في صلاة الليل ، و أنت ساجد في السجدة الأخيرة من الركعتين الأولين ، فاحمد الله عز وجل و مجّده وقل :
” اللهم !.. إن فلان بن فلان قد شهرني ونوّه بي ، وغاظني ، وعرّضني للمكاره..
اللهم !.. اضربه بسهم عاجل تشغله به عني ، اللهم وقرّب أجله ، واقطع أثره ، وعجّل ذلك يا رب الساعة الساعة !.. ” .
فلما قدمنا إلى الكوفة قدما ليلا ، فسألت أهلنا عنه قلت :
ما فعل فلان ؟.. فقالوا : هو مريض ، فما انقضى آخر كلامي حتى سمعت الصياح من منزله وقالوا : قد مات !.. ص362
المصدر:الكافي 2/512

كان خطاب الجهني خليطا لنا ، وكان شديد النصب لآل محمد وكان يصحب نجدة الحروري ، قال : فدخلت عليه أعوده للخلطة والتقية ، فإذا هو مغمىً عليه في حد الموت ، فسمعته يقول :
ما لي ولك يا عليّ !.. فأخبرت بذلك أبا عبد الله (ع) فقال الصادق (ع) :
رآه ورب الكعبة ، رآه ورب الكعبة ، رآه ورب الكعبة !..ص362
المصدر:الكافي 3/133

كان المعلى بن خنيس رحمه الله إذا كان يوم العيد خرج إلى الصحراء شعثا مغبّراً في زي ملهوف ، فإذا صعد الخطيب المنبر مدّ يده نحو السماء ثم قال :
اللهم !.. هذا مقام خلفائك وأصفيائك ، ومواضع أمنائك الذين خصصتهم ، ابتزوها و أنت المقدّر للأشياء ، لا يُغالب قضاؤك ، ولا يُجاوز المحتوم من تدبيرك ، كيف شئت وأنى شئت ..
علمك في إرادتك كعلمك في خلقك ، حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً ، وفرائضك محرّفة عن جهات شرائعك ، وسنن نبيك صلواتك عليه وآله متروكة .
اللهم !.. العن أعداءهم من الأولين والآخرين ، والغادين والرائحين ، والماضين والغابرين .
اللهم !.. والعن جبابرة زماننا ، وأشياعهم وأتباعهم ، وأحزابهم ، وأعوانهم ، إنك على كل شيء قدير .ص363
المصدر:الكشي ص243

عن سدير قال : سمعت أبا جعفر (ع) وهو داخل وأنا خارج ، وأخذ بيدي ثم استقبل البيت ، فقال :
يا سدير !.. إنما أُمر الناس أن يأتوا هذه الأحجار فيطوفوا بها ، ثم يأتونا فيعْلمونا ولايتهم لنا ، وهو قول الله :
{ وإني لغفّار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى } – ثم أومأ بيده إلى صدره إلى ولايتنا – ثم قال :
يا سدير !.. أفأُريك الصادّين عن دين الله ؟.. ثم نظر إلى أبي حنيفة وسفيان الثوري في ذلك الزمان ، وهم حلق في المسجد فقال :
هؤلاء الصادّون عن دين الله ، بلا هدى من الله ، ولا كتاب مبين ، إن هؤلاء الأخابث لو جلسوا في بيوتهم ، فجال الناس فلم يجدوا أحدا يخبرهم عن الله تبارك وتعالى و عن رسوله (ص) حتى يأتونا فنخبرهم عن الله تبارك وتعالى وعن رسوله (ص) .ص365
المصدر:الكافي 1/392

قلت لأبى عبد الله (ع) إنه كان في يدي شيء فتفرّق وضقت به ضيقا شديدا فقال لي : ألك حانوت في السوق ؟.. فقلت : نعم ، وقد تركته .. فقال :
إذا رجعت إلى الكوفة فاقعد في حانوتك واكنسه ، وإذا أردت أن تخرج إلى سوقك فصلّ ركعتين أو أربع ركعات ، ثم قل في دبر صلاتك :
” توجهت بلا حول مني ولا قوة ، ولكن بحولك يا رب وقوتك ، وأبرأ من الحول والقوة إلا بك ، فأنت حولي ومنك قوتي ..
اللهم فارزقني من فضلك الواسع رزقا كثيرا طيبا وأنا خافض في عافيتك ، فإنه لا يملكها أحد غيرك ” .ص367
المصدر:التهذيب 3/312

قال الصادق (ع) : كنت أطوف وسفيان الثوري قريب مني ، فقال : يا أبا عبد الله !.. كيف كان يصنع رسول الله (ص) بالحجَر إذا انتهى إليه ؟.. فقلت : كان رسول الله (ص) يستلمه في كل طواف ، فريضة ونافلة .. فتخلّف عني قليلا ..
فلما انتهيت إلى الحجَر ، جزت ومشيت فلم أستلمه ، فلحقني فقال :
يا أبا عبد الله !.. ألم تخبرني أن رسول الله (ص) كان يستلم الحجَر في كل طواف ، فريضة و نافلة ؟.. قلت : بلى!.. قال : فقد مررت به فلم تستلم ؟!.. فقلت : إن الناس كانوا يرون لرسول الله (ص) ما لا يرون لي ، وكان إذا انتهى إلى الحجَر ، أفرجوا له حتى يستلمه ، وإني أكره الزحام.ص369
المصدر:الكافي 4/404

حاضت صاحبتي وأنا بالمدينة ، وكان ميعاد جمّالنا ، وإباّن مقامنا وخروجنا قبل أن تطهر ، ولم تقرب المسجد ولا القبر ولا المنبر ، فذكرت ذلك لأبي عبد الله (ع) فقال :
مرها فلتغتسل ، ولتأت مقام جبرائيل (ع) ، فإن جبرائيل (ع) كان يجيء فيستأذن على رسول الله (ص) ، وإن كان على حال لا ينبغي أن يأذن له ، قام في مكانه حتى يخرج إليه ، وإن أذن له دخل عليه .. فقلت : وأين المكان ؟.. قال : حيال الميزاب الذي إذا خرجت من الباب يقال له باب فاطمة (ع) بحذاء القبر ، إذا رفعت رأسك بحذاء الميزاب ، والميزاب فوق رأسك ، والباب من وراء ظهرك .. وتجلس في ذلك الموضع ، وتجلس معها نساء ولتدع ربها ، ولتؤمّن على دعائها.. فقلت : وأي شيء تقول ؟.. قال : تقول :
” اللهم !.. إني أسألك بأنك أنت الله الذي ليس كمثلك شيء ، أن تفعل بي كذا وكذا .. ” فصنعتْ صاحبتي الذي أمرني ، فطهرتْ ودخلتْ المسجد.ص370
المصدر:الكافي 4/452

قال الصادق (ع) : قال لي إبراهيم بن ميمون : كنت جالسا عند أبي حنيفة فجاءه رجل فسأله ، فقال :
ما ترى في رجل قد حجّ حجّة الإسلام ، أيحجّ أفضل أم يعتق رقبة ؟.. قال :
لا بل عتق رقبة ، فقال الصادق (ع) :
كذب والله وأثم ، الحجّة أفضل من عتق رقبة ورقبة حتى عدّ عشراً ، ثم قال : ويحه !.. في أي رقبة طواف بالبيت ، وسعي بين الصفا والمروة ، والوقوف بعرفة ، وحلق الرأس ، ورمي الجمار ؟.. لو كان كما قال لعطّل الناس الحج ، ولو فعلوا كان ينبغي للإمام أن يجبرهم على الحج ، إن شاؤا وإن أبوا ، فإن هذا البيت إنما وُضع للحج .ص371
المصدر:الكافي 4/259

سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : إنه ليست من احتمال أمرنا التصديق له والقبول فقط .. من احتمال أمرنا ستره ، وصيانته من غير أهله ، فأقرئهم السلام وقل لهم :
رحم الله عبدا اجتر مودة الناس إلى نفسه ، حدّثوهم بما يعرفون ، واستروا عنهم ما ينكرون ، ثم قال :
والله !.. ما الناصب لنا حربا ، بأشدّ علينا مؤنة من الناطق علينا بما نكره .. فإذا عرفتم من عبد إذاعة فامشوا إليه وردّوه عنها ، فإن قبل منكم وإلا فتحمّلوا عليه بمن يثقل عليه ويسمع منه..
فإن الرجل منكم يطلب الحاجة فيلطف فيها حتى تُقضى له ، فالطفوا في حاجتي كما تلطفون في حوائجكم ، فإن هو قبل منكم وإلا فادفنوا كلامه تحت أقدامكم ولا تقولوا : إنه يقول ويقول .. فإن ذلك يحمل عليَّ وعليكم .
أما والله لو كنتم تقولون ما أقول لأقررت أنكم أصحابي .
هذا أبو حنيفة له أصحاب ، وهذا الحسن البصري له أصحاب ، وأنا امرؤ من قريش قد ولدني رسول الله (ص) وعلمت كتاب الله ، وفيه تبيان كل شيء : بدء الخلق ، وأمر السماء وأمر الأرض ، وأمر الأولين وأمر الآخرين ، وأمر ما كان وما يكون ، كأني أنظر إلى ذلك نصب عيني .ص372
المصدر:الكافي 2/222

عن سدير الصيرفي قال : دخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت له : والله ما يسعك القعود!.. قال : ولِمَ يا سدير ؟.. قلت : لكثرة مواليك وشيعتك وأنصارك .. والله لو كان لأمير المؤمنين ما لك من الشيعة والأنصار والموالي ، ما طمع فيه تيم ولا عدي فقال :
يا سدير !.. وكم عسى أن تكونوا ؟.. قلت : مائة ألف ، قال : مائة ألف ؟.. قلت : نعم ، ومائتي ألف ؟.. فقال : ومائتي ألف ؟.. قلت : نعم ، ونصف الدنيا .. فسكت عني ثم قال : يخفُّ عليك أن تبلغ معنا إلى ينبع ؟.. قلت : نعم ، فأمر بحمار وبغل أن يُسرجا ، فبادرت فركبت الحمار فقال :
يا سدير !.. ترى أن تؤثرني بالحمار ؟.. قلت : البغل أزين وأنبل ، قال : الحمار أرفق بي .. فنزل فركب الحمار وركبت البغل ، فمضينا فحانت الصلاة ، فقال : يا سدير!.. انزل بنا نصلي..
ثم قال : هذه أرض سبخة لا يجوز الصلاة فيها ، فسرنا حتى صرنا إلى أرض حمراء ، ونظر إلى غلام يرعى جداءً ( أي ولد الماعز ) فقال :
والله!.. يا سدير لو كان لي شيعة بعدد هذه الجداء ما وسعني القعود .. ونزلنا وصلينا ، فلما فرغنا من الصلاة عطفت إلى الجداء فعددتها فإذا هي سبعة عشر .ص373
المصدر:الكافي 2/242

عن سماعة بن مهران قال : قال لي عبد صالح (ع) : يا سماعة !.. أمِنوا على فرشهم وأخافوني ، أما والله !.. لقد كانت الدنيا وما فيها إلا واحد يعبد الله ، ولوكان معه غيره لأضافه الله عز وجل إليه حيث يقول : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين } فصبر بذلك ما شاء الله ، ثم إن الله آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة .. أما والله إن المؤمن لقليل ، وإن أهل الكفر كثير ، أتدري لم ذاك ؟.. فقلت :
لا أدري جعلت فداك !.. فقال : صُيّروا أُنسا للمؤمنين ، يبثّون إليهم ما في صدورهم ، فيستريحون إلى ذلك ، ويسكنون إليه .ص373
المصدر:الكافي 2/243
بيــان:
قوله (ع) : ” صيروا أنساً ” أي إنما جعل الله تعالى هؤلاء المنافقين في صورة المؤمنين ، مختلطين بهم ، لئلا يتوحش المؤمنون لقلّتهم. ص373

عن عبد الله بن أبي يعفور قال : كان أصحابنا يدفعون إليه الزكاة يقسمها في أصحابه ، فكان يقسمها فيهم وهو يبكي .. قال سليمان :
فأقول له : ما يبكيك ؟..فيقول : أخاف أن يروا أنها من قِبَلي .ص374
المصدر:الاختصاص

عن زكريا بن إبراهيم قال : كنت نصرانيا فأسلمت وحججت ، فدخلت على أبي عبد الله (ع) فقلت :
إني كنت على النصرانية ، وإني أسلمت فقال : وأي شيء رأيت في الإسلام ؟.. قلت : قول الله عز وجل :
{ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء }.. فقال : لقد هداك الله ، ثم قال : اللهم اهده ثلاثا !.. سل عما شئت يا بني .. فقلت :
إن أبي و أمي على النصرانية ، وأهل بيتي و أمي مكفوفة البصر ، فأكون معهم ، وآكل من آنيتهم ، فقال : يأكلون لحم الخنزير ؟.. فقلت :
لا ، ولا يمسّونه ، فقال : لا بأس ، فانظر أمك فبرّها ، فإذا ماتت فلا تكلها إلى غيرك ، كن أنت الذي تقوم بشأنها ، ولا تخبرنّ أحدا أنك أتيتني حتى تأتيني بمنى إن شاء الله.
فأتيته بمنى والناس حوله – كأنه معلم صبيان – هذا يسأله وهذا يسأله ، فلما قدمت الكوفة ، ألطفت لأمي ، وكنت أطعمها و أفلّي ( أي استخرج القمّل ) ثوبها ورأسها وأخدمها .. فقالت لي :
يا بني !.. ما كنت تصنع بي هذا وأنت على ديني ، فما الذي أرى منك منذ هاجرت ، فدخلت في الحنيفية ؟.. فقلت :
رجل من ولد نبينا أمرني بهذا ، فقالت : هذا الرجل هو نبي ؟.. فقلت :
لا ، ولكنه ابن نبي ، فقالت :
يا بني !.. هذا نبي ، إن هذه وصايا الأنبياء ، فقلت :
يا أمِّ!.. إنه ليس يكون بعد نبينا نبي ، ولكنه ابنه .. فقالت :
يا بني!.. دينك خير دين ، اعرضه عليّ فعرضته عليها ، فدخلتْ في الإسلام وعلّمتها فصلّت الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء الآخرة .. ثم عرض بها عارض في الليل ، فقالت :
يا بني !.. أعد عليّ ما علّمتني ، فأعدته عليها فأقرت به وماتت..
فلما أصبحت كان المسلمون الذين غسّلوها ، وكنت أنا الذي صلّيت عليها ونزلت في قبرها.ص375
المصدر:الكافي 2/160

عن أبي ولاد الحناط قال : اكتريت بغلا إلى قصر ابن هبيرة ذاهبا وجائيا بكذا وكذا ، وخرجت في طلب غريم لي . .
فلما صرت قرب قنطرة الكوفة ، أُخبرت أن صاحبي توجّه إلى النيل فتوجّهت نحو النيل ، فلما أتيت النيل أُخبرت أن صاحبي توجّه إلى بغداد ، فاتّبعته وظفرت به ، وفرغت مما بيني وبينه ، ورجعنا إلى الكوفة ، وكان ذهابي ومجيئي خمسة عشر يوما ، فأخبرت صاحب البغل بعذري ، وأردت أن أتحلّل منه مما صنعت وأُرضيه ، فبذلت خمسة عشر درهما ، فأبى أن يقبل ، فتراضينا بأبي حنيفة ، فأخبرته بالقصة وأخبره الرجل ، فقال لي :
ما صنعت بالبغل ؟.. فقلت : قد دفعته إليه سليما ، قال :
نعم !.. بعد خمسة عشر يوما .. قال : فما تريد من الرجل ؟..
قال : أريد كرى بغلي فقد حبسه عليَّ خمسة عشر يوما .
فقال : ما أرى لك حقاً لأنه اكتراه إلى قصر ابن هبيرة ، فخالف وركبه إلى النيل وإلى بغداد ، فضمن قيمة البغل وسقط الكرى ، فلما ردّ البغل سليما وقبضته لم يلزمه الكرى .
فخرجنا من عنده ، وجعل صاحب البغل يسترجع ، فرحمته مما أفتى به أبو حنيفة ، فأعطيته شيئا وتحلّلت منه .. فحججت تلك السنة ، فأخبرت أبا عبد الله (ع) بما أفتى به أبو حنيفة ، فقال لي :
في مثل هذا القضاء وشبهه تحبس السماء ماءها ، وتمنع الأرض بركتها ..
فقلت لأبي عبد الله (ع) : فما ترى أنت ؟.. قال : أرى له عليك مثل كرى بغلٍ ذاهبا من الكوفة إلى النيل ، ومثل كرى بغل راكبا من النيل إلى بغداد ، ومثل كرى بغل من بغداد إلى الكوفة ، توفّيه إياه .
فقلت : جعلت فداك !.. قد علفته بدراهم ، فلي عليه علفه ؟.. فقال :
لا، لأنك غاصب ، فقلت : أرأيت لو عطب البغل ونفق ، أليس كان يلزمني ؟.. قال : نعم ، قيمة بغلٍ يوم خالفته ، قلت :
فإن أصاب البغل كسر أو دبر أو غمز ؟.. فقال : عليك قيمة ما بين الصحة والعيب يوم تردّه عليه .. قلت : فمن يعرف ذلك ؟.. قال :
أنت وهو ، إما أن يحلف هو على القيمة فيلزمك ، فإن ردّ اليمين عليك فحلفت على القيمة لزمه ذلك ، أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون أن قيمة البغل حين أكرى كذا وكذا فيلزمك .. قلت : إن كنت أعطيته دراهم ورضي بها وحلّلني ؟.. فقال :
إنما رضي بها وحلّلك حين قضى عليه أبو حنيفة بالجور والظلم ، ولكن ارجع إليه فأخبره بما أفتيتك به ، فإن جعلك في حلّ بعد معرفته فلا شيء عليك بعد ذلك .. قال أبو ولاد :
فلما انصرفت من وجهي ذلك ، لقيت المكاري فأخبرته بما أفتاني به الصادق (ع) وقلت له : قل ما شئت حتى أُعطيكه ؟.. فقال :
قد حبّبت إليَّ جعفر بن محمد (ع) ووقع في قلبي له التفضيل ، وأنت في حلّ ، وإن أحببت أن أردّ عليك الذي أخذته منك فعلت !..ص376
المصدر:الكافي 5/290

عن أبي عمارة الطيار قال : قلت لأبي عبد الله (ع) : إني قد ذهب مالي وتفرّق ما في يدي ، وعيالي كثير ، فقال له الصادق (ع) : إذا قدمت الكوفة فافتح باب حانوتك وابسط بساطك ، وضع ميزانك ، وتعرّض لرزق ربك ، فلما أن قدم الكوفة ، فتح باب حانوته ، وبسط بساطه ، ووضع ميزانه .. فتعجّب من حوله ، بأن ليس في بيته قليل ولا كثير من المتاع ، ولا عنده شيء .
فجاءه رجل فقال : اشتر لي ثوبا !.. فاشترى له وأخذ ثمنه ، وصار الثمن إليه ، ثم جاءه آخر فقال : اشتر لي ثوبا !..
فجلب له في السوق ، ثم اشترى له ثوبا ، فأخذ ثمنه فصار في يده ، وكذلك يصنع التجّار يأخذ بعضهم من بعض .
ثم جاءه رجل آخر فقال له : يا با عمارة !.. إن عندي عدلا من كتّان فهل تشتريه وأُؤخرك بثمنه سنة ؟.. فقال : نعم !.. احمله وجئ به .. فحمله إليه فاشتراه منه بتأخير سنة .. فقام الرجل فذهب ، ثم أتاه آت من أهل السوق فقال : يا أبا عمارة ما هذا العدل ؟.. قال :
هذا عدل اشتريته ، فقال : فتبيعني نصفه وأُعجّل لك ثمنه ؟.. قال : نعم ، فاشتراه منه وأعطاه نصف المتاع ، فأخذ نصف الثمن .. فصار في يده الباقي إلى سنة ، فجعل يشتري بثمنه الثوب والثوبين ويعرض ويشتري ويبيع حتى أثرى ، وعرض وجهه ، وأصاب معروفا .ص377
المصدر:الكافي 5/304

قلت له : جعلت فداك!.. لقد ادّعى أبو الخطاب وأصحابه فيك أمرا عظيماً ، إنه لبّى بلبّيك جعفر ، لبّيك معراج ، وزعم أصحابه أن أبا الخطّاب أُسري به إليك ، فلما هبط إلى الأرض دعا إليك ، ولذا لبّى بك !..
فرأيت أبا عبد الله (ع) قد أرسل دمعته من حماليق عينيه وهو يقول :
يا رب !.. برئت إليك مما ادّعى فيّ الأجدع عبد بني أسد ، خشع لك شعري وبشري ، عبدٌ لك ابن عبدٍ لك ، خاضع ذليل..
ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئا ، ثم رفع رأسه وهو يقول :
أجل أجل !.. عبد خاضع خاشع ، ذليل لربه ، صاغر راغم ، من ربه خائف وجل ، لي والله رب أعبده لا أشرك به شيئا ..
ما له أخزاه الله وأرعبه ، ولا آمن روعته يوم القيامة ، ما كانت تلبية الأنبياء هكذا ، ولا تلبيتي ولا تلبية الرسل ، إنما لبّيت : بلبّيك اللهم لبّيك ، لبّيك لا شريك لك ، ثم قمنا من عنده .. فقال يا زيد:
إنما قلت لك هذا لأستقر في قبري ، يا زيد استر ذلك عن الأعداء !..ص378
المصدر:أصل زيد النرسي ص46

عن بشار المكاري قال : دخلت على أبي عبد الله (ع) بالكوفة وقد قُدّم له طبق رطب طبرزد ( نوع تمر) وهو يأكل فقال :
يا بشار!.. ادن فكلْ.. فقلت : هنّاك الله ، وجعلني فداك !.. قد أخذتني الغيرة من شيء رأيته في طريقي ، أوجع قلبي ، وبلغ مني .. فقال لي : بحقي لما دنوت فأكلتَ!.. فدنوت فأكلت ، فقال لي : حديثك !.. قلت :
رأيت جلوازا يضرب رأس امرأة ، ويسوقها إلى الحبس وهي تنادي بأعلى صوتها : المستغاث بالله ورسوله ، ولا يغيثها أحد ، قال : ولِمَ فعل بها ذلك ؟.. قال : سمعت الناس يقولون إنها عثرت فقالت :
لعن الله ظالميك يا فاطمة !.. فارتكب منها ما ارتكب.
فقطع الأكل ولم يزل يبكي حتى ابتلّ منديله ولحيته وصدره بالدموع ، ثم قال : يا بشار !.. قم بنا إلى مسجد السهلة ، فندعو الله عزّ وجلّ ونسأله خلاص هذه المرأة ، ووجّه بعض الشيعة إلى باب السلطان ، وتقدّم إليه بأن لا يبرح إلى أن يأتيه رسوله ، فإن حدث بالمرأة حدثٌ صار إلينا حيث كنا.
فصرنا إلى مسجد السهلة ، وصلّى كل واحد منا ركعتين ، ثم رفع الصادق (ع) يده إلى السماء وقال : أنت الله – إلى آخر الدعاء – فخرّ ساجداً لا أسمع منه إلا النفس ثم رفع رأسه ، فقال :
قم !.. فقد أُطلقتْ المرأة .. فخرجنا جميعاً ، فبينما نحن في بعض الطريق ، إذ لحق بنا الرجل الذي وجّهناه إلى باب السلطان فقال له (ع) :
ما الخبر ؟.. قال : قد أُطلق عنها ، قال : كيف كان إخراجها ؟..
قال : لا أدري ، ولكنني كنت واقفاً على باب السلطان ، إذ خرج حاجبٌ فدعاها وقال لها : ما الذي تكلّمتِ ؟.. قالت : عثرتُ ، فقلتُ :
لعن الله ظالميك يا فاطمة !.. ففُعل بي ما فُعل ، فأخرج مائتي درهم وقال : خذي هذه واجعلي الأمير في حلّ ، فأبت أن تأخذها ، فلما رأى ذلك منها دخل وأعلم صاحبه بذلك، ثم خرج فقال : انصرفي إلى بيتك !.. فذهبت إلى منزلها .
فقال الصادق (ع) : أبت أن تأخذ المائتي درهم ؟.. قال : نعم ، وهي والله محتاجة إليها ، فأخرج من جيبه صرّةً فيها سبعة دنانير وقال :
اذهب أنت بهذه إلى منزلها ، فأقرئها مني السلام ، وادفع إليها هذه الدنانير !.. فذهبنا جميعاً فأقرأناها منه السلام ، فقالت :
بالله أقرأني جعفر بن محمد السلام ؟.. فقلت لها : رحمك الله ، والله إنّ جعفر بن محمد أقرأكِ السلام .. فشقّت جيبها ووقعت مغشيةً عليها ، فصبرنا حتى أفاقت ، وقالت : أعدها عليّ ، فأعدناها عليها حتى فعلت ذلك ثلاثا ، ثم قلنا لها :
خذي !.. هذا ما أرسل به إليك ، وأبشري بذلك ، فأخذته منا ، وقالت :
سلوه أن يستوهب أمته من الله ، فما أعرف أحداً تُوسِّل به إلى الله أكثر منه ومن آبائه وأجداده (ع) ..
فرجعنا إلى أبي عبدالله (ع) فجعلنا نحدّثه بما كان منها ، فجعل يبكي ويدعو لها ، ثم قلت : ليت شعري متى أرى فرج آل محمد (ع) ؟..
قال : يا بشار !.. إذا توفي ولي الله وهو الرابع من ولدي في أشدّ البقاع بين شرار العباد ، فعند ذلك يصل إلى ولد بني فلان مصيبة سواء ، فإذا رأيت ذلك التقت حلق البطان ، ولا مردّ لأمر الله . ص 381
المصدر:كتاب المزار

شكوت إلى أبي عبد الله (ع) حالي ، وانتشار أمري عليّ .. فقال لي :
إذا قدمت الكوفة فبع وسادة من بيتك بعشرة دراهم ، وادع إخوانك ، وأعدّ لهم طعاما ، وسلهم يدعون الله لك .. ففعلت ، وما أمكنني ذلك حتى بعت وسادة ، واتخذت طعاما كما أمرني ، وسألتهم أن يدعوا الله لي..
فوالله ما مكثت إلا قليلا ، حتى أتاني غريم لي فدقّ الباب عليّ وصالحني من مالٍ لي كثير ، كنت أحسبه نحوا من عشرة آلاف درهم .. ثم أقبلت الأشياء عليّ.ص382
المصدر:الكافي 5/314

أخبرني مولى لعلي بن الحسين (ع) قال : كنت بالكوفة ، فقدم الصادق (ع) الحيرة ، فأتيته فقلت :
جعلت فداك !.. لو كلّمت داود بن علي أو بعض هؤلاء فأدخل في بعض هذه الولايات ؟.. فقال : ما كنت لأفعل !.. قال : فانصرفت إلى منزلي ، فتفكرت ، فقلت :
ما أحسبه منعني إلا مخافة أن أظلم أو أجور .. والله لآتينه ولأعطينه الطلاق والعتاق والأيمان المغلظة ، أن لا أظلم أحدا ولا أجور ، ولأعدلنّ.. قال :
فأتيته فقلت : جعلت فداك !.. إني فكرت في إبائك عليّ ، فظننتُ أنك إنما كرهت ذلك مخافة أن أجور أو أظلم ، وإن كل امرأة لي طالق ، وكل مملوك لي حر ّ، وعليَّ وعليَّ إن ظلمت أحدا ، أو جرت عليه ، وإن لم أعدل.
قال : كيف قلت ؟.. قال : فأعدت عليه الأيمان ، فرفع رأسه إلى السماء فقال : تناول السماء أيسر عليك من ذلك !..ص384
المصدر:الكافي 5/107

سألت عبد الله بن محمد بن خالد عن محمد بن مسلم ، قال : كان رجلاً شريفاً موسراً ، فقال له الباقر : تواضع يا محمد !..
فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوسرة ( أي وعاء من قصب ) من تمر مع الميزان وجلس على باب مسجد الجامع ، وجعل ينادي عليه ، فأتاه قومه فقالوا له : فضحتنا ، فقال : إنّ مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه ، ولن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوسرة ، فقال له قومه :
أما إذ أبيت إلا أن تشتغل ببيع وشراء فاقعد في الطحانين ، فقعد في الطحانين فهيّأ رحى وجملاً وجعل يطحن .. وذكر أبو محمد عبدالله بن محمد بن خالد البرقي : أنه كان مشهورا في العبادة ، وكان من العبّاد في زمانه . ص390
المصدر:الاختصاص ص51

سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : ما أحد أحيا ذكرنا وأحاديث أبي إلا زرارة وأبو بصير المرادي ، ومحمد بن مسلم ، وبريد بن معاوية ، ولولا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هدى ، هؤلاء حفّاظ الدين وأمناء أبي على حلال الله وحرامه ، وهم السابقون إلينا في الدنيا وفي الآخرة .ص390
المصدر:الاختصاص ص66

أتيت الصادق (ع) بعد أن كبرت سني ودقّ عظمي واقترب أجلي ، مع أني لست أرى ما أصبر إليه في آخرتي .. فقال :
يا أبا محمد !.. إنك لتقول هذا القول ؟.. فقلت : جعلت فداك كيف لا أقوله ؟!.. فقال :
أما علمت أنّ الله تبارك وتعالى يكرم الشباب منكم ، ويستحيي من الكهول ، قلت : جعلت فداك !.. كيف يكرم الشباب منا ويستحيي من الكهول ؟.. قال : يكرم الشباب منكم أن يعذّبهم ، ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم ، فهل سررتك ؟.. قلت :
جعلت فداك !.. زدني !.. فإنا قد نبزنا نبزاً ( أي عيباً وانتقاصاً ) انكسرت له ظهورنا ، وماتت له أفئدتنا ، واستحلّت به الولاة دماءنا في حديث رواه فقهاؤهم هؤلاء ، فقال : الرافضة ؟.. قلت : نعم .. فقال :
والله ما هم سمّوكم بل الله سمّاكم ، أما علمت أنه كان مع فرعون سبعون رجلاً من بني إسرائيل يدينون بدينه ، فلما استبان لهم ضلال فرعون وهدى موسى ، رفضوا فرعون ولحقوا موسى ، وكانوا في عسكر موسى أشدّ أهل ذلك العسكر عبادةً ، وأشدهم اجتهادا ، إلا أنهم رفضوا فرعون .
فأوحى الله إلى موسى أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة ، فإني قد نحلتُهم ، ثم ذخر الله هذا الاسم حتى سمّاكم به، إذ رفضتم فرعون وهامان وجنودهما واتبعتم محمدا وآل محمد ..
يا أبا محمد !.. فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني ..
فقال : افترق الناس كل فرقة واستشيعوا كل شيعة ، فاستشيعتم مع أهل بيت نبيكم ، فذهبتم حيث ذهب الله ، واخترتم ما اختار الله ، وأحببتم من أحب الله ، وأردتم من أراد الله ، فابشروا ثم ابشروا ثم ابشروا ، فأنتم والله المرحومون ، المتقبَّل من محسنكم ، والمتجاوَز عن مسيئكم ، من لم يلق الله بمثل ما أنتم عليه لم يتقبّل الله منه حسنةً ، ولم يتجاوز عنه سيئةً ..
يا أبا محمد !.. فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : إن الله وملائكته يُسقطون الذنوب من ظهور شيعتنا ، كما تسقط الريح الورق عن الشجر في أوان سقوطه ، وذلك قول الله : { والملائكة يسبّحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض } ، فاستغفارهم والله لكم دون هذا العالم ..
فهل سررتك يا أبا محمد ؟!.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : لقد ذكركم الله في كتابه فقال : { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } ، والله ما عنى غيركم إذ وفيتم بما أخذ عليكم ميثاقكم من ولايتنا ، إذ لم تبدلوا بنا غيرنا ، ولو فعلتم لعيّركم الله كما عيّر غيركم في كتابه إذ يقول : { وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين } ، فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .. قال : لقد ذكركم الله في كتابه فقال :
{ الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين }، فالخلق والله أعداءٌ ، غيرنا وشيعتنا ، وما عنى بالمتقين غيرنا وغير شيعتنا ..
فهل سررتك يا أبا محمد ؟!.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : لقد ذكركم الله في كتابه فقال : { ومن يطع الله ورسوله فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } ، فمحمد (ص) النبيين ، ونحن الصدّيقين والشهداء ، وأنتم الصالحون ، فتسمّوا بالصلاح كما سمّاكم الله ، فوالله ما عنى غيركم ، فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : لقد جمعنا الله وولينا وعدونا في آية من كتابه فقال : قل :
يا محمد !.. { هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب } .. فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : ذكركم الله في كتابه فقال : { ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار } ، فأنتم في النار تُطلبون ، وفي الجنة والله تحبرون ..
فهل سررتك يا أبا محمد ؟!.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
فقال : لقد ذكركم الله في كتابه فأعاذكم من الشيطان فقال :
{ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } ، والله ما عنى غيرنا وغير شيعتنا ، فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
قال : والله لقد ذكركم الله في كتابه ، فأوجب لكم المغفرة فقال :
{ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } ، قال :
يا أبا محمد !.. فإذا غفر الله الذنوب جميعاً فمن يعذب ؟.. والله ما عنى غيرنا وغير شيعتنا ، وإنها لخاصة لنا ولكم ، فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني .
قال : والله ما استثنى الله أحداً من الأوصياء ولا أتباعهم ، ما خلا أمير المؤمنين وشيعته إذ يقول : { يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا ولا هم ينصرون إلا من رحم الله إنه هو العزيز الرحيم } ، والله ما عنى بالرحمة غير أمير المؤمنين وشيعته ، فهل سررتك ؟.. قلت : جعلت فداك !.. زدني ..
قال : فقال علي بن الحسين (ع) : ليس على فطرة الإسلام غيرنا وغير شيعتنا وسائر الناس من ذلك براء . ص393
المصدر:الاختصاص ص104

عن زرارة قال : شهد أبوكدينة الازدي ومحمد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة وهو قاض ، ونظر في وجههما مليا ، ثم قال : جعفريين فاطميين ، فبكيا .. فقال لهما : ما يبكيكما ؟.. فقالا :
نسبتنا إلى أقوام لا يرضون بأمثالنا أن نكون من إخوانهم ، لما يرون من سخف ورعنا ، ونسبتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن نكون من شيعته .. فإن تفضّل وقبلِنا فله المنّ علينا والفضل قديما فينا .. فتبسَّم شريك ثم قال :
إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم ..
يا وليد!.. أجزهما هذه المرة ولا يعودا ، قال : فحججنا فخبّرنا أبا عبد الله (ع) بالقصة ، فقال :
وما لشريك !.. شركه الله يوم القيامة بشراكين من نار .ص393
المصدر:الاختصاص ص202

ذكر أبو النصر محمد بن مسعود أن ابن مسكان كان لا يدخل على أبي عبد الله (ع) شفقة أن لا يوفّيه حق إجلاله ، فكان يسمع من أصحابه ويأبى أن يدخل عليه إجلالا له وإعظاما له (ع) ، وذكر يونس بن عبد الرحمن أن ابن مسكان كان رجلا مؤمنا ، وكان يتلقى أصحابه إذا قدموا فيأخذ ما عندهم.ص394
المصدر:الاختصاص ص207

كنت عند الصادق (ع) إذ دخل المفضّل بن عمر ، فلما بصر به ضحك إليه ثم قال :
إليّ يا مفضّل !.. فو ربي إني لأحبك وأحب من يحبك ..
يا مفضّل !.. لو عرف جميع أصحابي ما تعرف ما اختلف اثنان ، فقال له المفضّل :
يا بن رسول الله !.. لقد حسبت أن أكون قد أُنزلت فوق منزلتي ، فقال (ع) : بل أُنزلتَ المنزلة التي أنزلك الله بها ، فقال :
يا بن رسول الله !.. فما منزلة جابر بن يزيد منكم ؟.. قال : منزلة سلمان من رسول الله (ص) ، قال : فما منزلة داود بن كثير الرقي منكم ؟.. قال : منزلة المقداد من رسول الله (ص) .. ثم أقبل عليّ فقال :
يا عبدالله بن الفضل !.. إنّ الله تبارك وتعالى خلقنا من نور عظمته ، وصنعنا برحمته ، وخلق أرواحكم منا ، فنحن نحنُّ إليكم وأنتم تحنّون إلينا ، والله لو جهد أهل المشرق والمغرب أن يزيدوا في شيعتنا رجلاً وينقصوا منهم رجلاً ما قدروا على ذلك ، وإنهم لمكتوبون عندنا بأسمائهم وأسماء آبائهم وعشائرهم وأنسابهم .
يا عبدالله بن الفضل !.. ولو شئت لأريتك اسمك في صحيفتنا ، ثم دعا بصحيفة فنشرها فوجدتها بيضاء ليس فيها أثر الكتابة ، فقلت :
يا بن رسول الله !.. ما أرى فيها أثر الكتابة ، فمسح يده عليها فوجدتها مكتوبة ، ووجدت في أسفلها اسمي ، فسجدت لله شكراً.ص395
المصدر:الاختصاص ص216

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى