الجزء السابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الصادق(ع)

باب أحوال أزواجه وأولاده صلوات الله عليه

كان إسماعيل أكبر إخوته ، وكان الصادق (ع) شديد المحبة له والبرّ به والإشفاق عليه ، وكان قوم من الشيعة يظنون أنه القائم بعد أبيه ، والخليفة له من بعده ، إذ كان أكبر أخوته سناً ، ولميل أبيه إليه وإكرامه له ، فمات في حياة أبيه (ع) بالعريض ، وحُمل على رقاب الرجال إلى أبيه بالمدينة ، حتى دفن بالبقيع .ص242
المصدر:الإرشاد ص303

روي أن الصادق (ع) جزع عليه جزعاً شديداً ، وحزن عليه حزناً عظيماً ، وتقدّم سريره بغير حذاء ولا رداء ، وأمر بوضع سريره على الأرض مرارا كثيرة ، وكان يكشف عن وجهه وينظر إليه ، يريد بذلك تحقيق أمر وفاته عند الظانين خلافته له من بعده ، وإزالة الشبهة عنه في حياته .
ولما مات إسماعيل – رحمة الله عليه – انصرف عن القول بإمامته بعد أبيه من كان يظن ذلك ويعتقده من أصحاب أبيه (ع) وأقام على حياته شرذمة لم تكن من خاصة أبيه ، ولا من الرواة عنه وكانوا من الأباعد والأطراف .
فلما مات الصادق (ع) انتقل فريق منهم إلى القول بإمامة موسى بن جعفر (ع) بعد أبيه ، وافترق الباقون فرقتين : فريق منهم رجعوا على حياة إسماعيل وقالوا بإمامة ابنه محمد بن إسماعيل ، لظنّهم أن الإمامة كانت في أبيه ، وأن الابن أحق بمقام الإمامة من الأخ .
وفريق ثبتوا على حياة إسماعيل ، وهم اليوم شذّاذ لا يُعرف منهم أحد يؤمى إليه ، وهذان الفريقان يسميان بالإسماعيلية .
والمعروف منهم الآن من يزعم أن الإمامة بعد إسماعيل في ولده و ولد ولده إلى آخر الزمان .ص242
المصدر:الإرشاد ص304

كان عبدالله بن جعفر أكبر إخوته بعد إسماعيل ولم يكن منزلته عند أبيه منزلة غيره من ولده في الإكرام ، وكان متّهماً بالخلاف على أبيه في الاعتقاد فيقال : إنه كان يخالط الحشويّة ويميل إلى مذاهب المرجئة ، وادّعى بعد أبيه الإمامة واحتجّ بأنه أكبر إخوته الباقين .
فتابعه على قوله جماعة من أصحاب الصادق (ع) ، ثم رجع أكثرهم بعد ذلك إلى القول بإمامة أخيه موسى (ع) لما تبيّنوا ضعف دعواه ، وقوة أمر أبي الحسن ، ودلالة حقيقته ، وبراهين إمامته ، وأقام نفر يسير منهم على أمرهم ودانوا بإمامة عبدالله ، وهم الطائفة الملقبة بالفطحية ، وإنما لزمهم هذا اللقب لقولهم بإمامة عبدالله ، وكان أفطح الرجلين ، ويُقال إنهم لقبوا بذلك لأن داعيهم إلى إمامة عبدالله كان يقال له عبدالله بن أفطح .ص243
المصدر:الإرشاد ص304

لما مات إسماعيل بن جعفر بن محمد (ع) وفرغنا من جنازته ، جلس الصادق جعفر بن محمد (ع) وجلسنا حوله وهو مطرق .. ثم رفع رأسه فقال :
أيها الناس!.. إن هذه الدنيا دار فراق ، ودار التواء ، لا دار استواء ، على أنّ لفراق المألوف حرقة لا تُدفع ولوعة لا تردّ ، وإنما يتفاضل الناس بحسن العزاء ، وصحّة الفكرة ، فمن لم يُثكل أخاه ثكله أخوه ، ومن لم يقدّم ولداً كان هو المقدّم دون الولد ، ثم تمثّل (ع) بقول أبي خراش الهذلي يرثي أخاه :

ص246
المصدر:إكمال الدين 1/163 ، أمالي الصدوق ص237

كنت عند أبي الحسن الرضا (ع) ، فذكر محمد بن جعفر فقال :
إني جعلت على نفسي أن لا يظلّني وإياه سقف بيت ، فقلت في نفسي :
هذا يأمرنا بالبر والصلة ويقول هذا لعمّه ! .. فنظر إليّ فقال :
هذا من البّر والصلة ، إنه متى يأتيني ويدخل عليّ فيقول فيّ فيصدّقه الناس ، وإذا لم يدخل عليّ ولم أدخل عليه لم يُقبل قوله إذا قال .ص246
المصدر:العيون 2/204

جاءني رجل فقال لي : تعال حتى أريك أين الرجل ؟.. قال : فذهبت معه .. فجاءني إلى قوم يشربون فيهم إسماعيل بن جعفر فخرجت مغموماً ، فجئت إلى الحجْر فإذا إسماعيل بن جعفر متعلق بالبيت يبكي ، قد بلّ أستار الكعبة بدموعه .
فرجعت أشتدّ ، فإذا إسماعيل جالس مع القوم ، فرجعت فإذا هو آخذ بأستار الكعبة قد بلّها بدموعه .. فذكرت ذلك للصادق (ع) فقال :
لقد أُبتلي ابني بشيطان يتمثّل في صورته .ص247
المصدر:إكمال الدين 1/159

لما قضى الصادق (ع) كانت وصيّته في الإمامة إلى موسى الكاظم ، فادّعى أخوه عبدالله الإمامة ، وكان أكبر ولد جعفر (ع) في وقته ذلك ، وهو المعروف بالأفطح ، فأمر موسى بجمع حطب كثير في وسط داره .. فأرسل إلى أخيه عبدالله يسأله أن يصير إليه .
فلما صار عنده ومع موسى جماعة من وجوه الإمامية ، فلما جلس إليه أخوه عبدالله أمر موسى أن يجعل النار في ذلك الحطب كله ، فاحترق كله ، ولا يعلم الناس السبب فيه ، حتى صار الحطب كله جمراً ، ثم قام موسى وجلس بثيابه في وسط النار ، وأقبل يحدّث الناس ساعة ثم قام فنفض ثوبه ورجع إلى المجلس ، فقال لأخيه عبدالله : إن كنت تزعم أنك الإمام بعد أبيك فاجلس في ذلك المجلس ، فقالوا : فرأينا عبدالله قد تغيّر لونه ، فقام يجرّ رداءه حتى خرج من دار موسى (ع) . ص251
المصدر:الخرائج ص200

كنت عند علي بن جعفر بن محمد عليهما السلام جالسا ، وكنت أقمت عنده سنتين أكتب عنه ما سمع من أخيه – يعني أبا الحسن – إذ دخل عليه أبو جعفر محمد بن علي الرضا (ع) المسجد – مسجد رسول الله – فوثب علي بن جعفر بلا حذاء ولا رداء ، فقبّل يده وعظّمه .
فقال له أبو جعفر (ع) : يا عمّ اجلس رحمك الله !.. فقال : يا سيدي كيف أجلس وأنت قائم ؟.. فلما رجع علي بن جعفر إلى مجلسه ، جعل أصحابه يوبّخونه ويقولون : أنت عم أبيه ، وأنت تفعل به هذا الفعل ؟..
فقال : اسكتوا !.. إذا كان الله عز وجل – وقبض على لحيته – لم يؤهّل هذه الشيبة وأهّل هذا الفتى ووضعه حيث وضعه ، أُنكر فضله ؟.. نعوذ بالله مما تقولون ، بل أنا له عبد . ص266
المصدر:الكافي 1/322

دخلت على الصادق (ع) فسطاطه وهو يكلّم امرأة فأبطأت عليه فقال : ادنه !.. هذه أم إسماعيل جاءت وأنا أزعم أن هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجها عام أول ، كنت أردت الإحرام فقلت : ضعوا لي الماء في الخباء ، فذهبت الجارية بالماء فوضعته فاستخففتها فأصبت منها ، فقلت :
اغسلي رأسك وامسحيه مسحا شديدا لا تعلم به مولاتك ، فإذا أردت الإحرام فاغسلي جسدك ولا تغسلي رأسك فتستريب مولاتك ، فدخلت فسطاط مولاتها فذهبت تتناول شيئا ، فمسّت مولاتها رأسها فإذا لزوجة الماء ، فحلقت رأسها وضربتها ، فقلت لها : هذا المكان الذي أحبط الله فيه حجك . ص267
المصدر:التهذيب 1/134

كانت لإسماعيل بن أبي عبد الله دنانير ، وأراد رجل من قريش أن يخرج إلى اليمن ، فقال إسماعيل :
يا أبه !.. إن فلانا يريد الخروج إلى اليمن وعندي كذا وكذا دينارا ، أفترى أن أدفعها إليه يبتاع لي بها بضاعة من اليمن ؟.. فقال أبو عبد الله (ع) :
يا بني ، أما بلغك أنه يشرب الخمر ؟.. فقال إسماعيل : هكذا يقول الناس ، فقال (ع) : يا بني لا تفعل .
فعصى إسماعيل أباه ودفع إليه دنانيره ، فاستهلكها ولم يأته بشيء منها ، فخرج إسماعيل وقضي أن أبا عبد الله (ع) حجّ وحجّ إسماعيل تلك السنة ، فجعل يطوف بالبيت ويقول :
اللهم !.. آجرني واخلف عليَّ ، فلحقه أبو عبد الله (ع) فهمزه بيده من خلفه وقال له :
مه يا بني !.. فلا والله ما لك على الله هذا ، ولا لك أن يؤجرك ولا يخلف عليك ، وقد بلغك أنه يشرب الخمر فائتمنته .. فقال إسماعيل :
يا أبه !.. أني لم أره يشرب الخمر إنما سمعت الناس يقولون ، فقال :
يا بني : إن الله عز وجل يقول في كتابه :
{ يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين } يقول : يصدّق لله ويصدّق للمؤمنين ، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم ولا تأتمن شارب الخمر ، فإن الله عز وجل يقول في كتابه :
{ ولا تؤتوا السفهاء أموالكم } فأي سفيه أسفه من شارب الخمر؟!.. إن شارب الخمر لا يزوّج إذا خطب ، ولا يشفّع إذا شفع ، ولا يؤتمن على أمانة ، فمن ائتمنه على أمانة فاستهلكها ، لم يكن للذي ائتمنه على الله أن يؤجره ولا يخلف عليه .ص268
المصدر:الكافي 6/299

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى