الجزء السابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الصادق(ع)

باب ما جرى بينه (ع) وبين المنصور

دعاني المنصور يوما فقال : يا ربيع !.. أحضر جعفر بن محمد ، والله لأقتلنّه!.. فوجّهت إليه ، فلمّا وافى قلت :
يا بن رسول الله !.. إن كان لك وصية أو عهد تعهده فافعل ، فقال : استأذن لي عليه !.. فدخلتُ إلى المنصور فأعلمته موضعه ، فقال : أدخله !..
فلما وقعت عين جعفر (ع) على المنصور ، رأيته يحرك شفتيه بشيء لم أفهمه ومضى ، فلما سلّم على المنصور ، نهض إليه فاعتنقه وأجلسه إلى جانبه ، وقال له : إرفع حوائجك !.. فأخرج رقاعاً لأقوام ، وسأل في آخرين فقُضيت حوائجه ، فقال المنصور : ارفع حوائجك في نفسك !.. ، فقال له جعفر : لا تدعُني حتى أجيئك ، فقال له المنصور :
ما لي إلى ذلك سبيل ، وأنت تزعم للناس – يا أبا عبد الله – أنك تعلم الغيب !.. فقال جعفر (ع) : من أخبرك بهذا ؟..
فأومأ المنصور إلى شيخ قاعد بين يديه ، فقال جعفر (ع) للشيخ :
أنت سمعتني أقول هذا ؟.. قال الشيخ : نعم !..
قال جعفر للمنصور : أيحلف يا أمير المؤمنين ؟.. فقال له المنصور : احلف !.. فلما بدأ الشيخ في اليمين ، قال جعفر (ع) للمنصور :
حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن أمير المؤمنين :
إن العبد إذا حلف باليمين التي يُنزّه الله عز وجل فيها وهو كاذب ، امتنع الله عز وجل من عقوبته عليها في عاجلته لما نزّه الله عز وجل ، ولكني أنا أستحلفه ، فقال المنصور : ذلك لك !..فقال جعفر (ع) للشيخ :
قل أبرأ إلى الله من حوله وقوّته ، وألجأ إلى حولي وقوّتي إن لم أكن سمعتك تقول هذا القول ، فتلكّأ الشيخ ، فرفع المنصور عموداً كان في يده فقال :
والله !.. لئن لم تحلف لأعلونّك بهذا العمود ، فحلف الشيخ ، فما أتمّ اليمين حتى دلع لسانه كما يدلع الكلب ، ومات لوقته ، ونهض جعفر (ع) .
قال الربيع : فقال لي المنصور : ويلك !.. اكتمها الناس لا يفتتنون .. قال الربيع : فحلّفتُ جعفراً (ع) فقلت له :
يا بن رسول الله !.. إنّ منصوراً كان قد همّ بأمرٍ عظيم ، فلما وقعت عينك عليه وعينه عليك زال ذلك ، فقال : يا ربيع !.. إني رأيت البارحة رسول الله (ص) في النوم ، فقال لي :
يا جعفر، خفته ؟.. فقلت : نعم يا رسول الله !.. فقال لي : إذا وقعت عينك عليه فقل :
” ببسم الله أستفتح ، وببسم الله أستنجح ، وبمحمد (ص) أتوجّه ، اللهمّ ذلّل لي صعوبة أمري وكلّ صعوبة ، وسهّل لي حزونة أمري وكل حزونة ، واكفني مؤنة أمري وكل مؤنة “.ص165
المصدر:أمالي الطوسي ص294

قال أبو جعفر الدوانيقي بالحيرة – أيام أبي العباس – للصادق (ع) :
يا أبا عبد الله !.. ما بال الرجل من شيعتكم يُستخرج ما في جوفه في مجلس واحد ، حتى يُعرف مذهبه ؟.. فقال (ع) :
ذلك لحلاوة الإيمان في صدورهم ، من حلاوته يبدونه تبديّاً .ص166
المصدر:صفات الشيعة

قال المنصور يوما للصادق (ع) وقد وقع على المنصور ذباب فذبّه عنه ، ثم وقع عليه فذبّه عنه ، ثم وقع عليه فذبّه عنه ، فقال :
يا أبا عبد الله !.. لأي شيء خلق الله عز وجل الذباب ؟.. قال :
ليُذلَّ به الجبّارين .ص166
المصدر:العلل ص496

قال الصادق (ع) : كنت عند زياد بن عبيدالله وجماعة من أهل بيتي ، فقال : يا بني علي وفاطمة !.. ما فضلكم على الناس ؟.. فسكتوا ، فقلت : إن من فضلنا على الناس أنّا لا نحب أن نكون من أحد سوانا ، وليس أحد من الناس لا يحب أن يكون منّا إلا أشرك ، ثم قال : إرووا هذا الحديث .ص166
المصدر:العلل ص583

عن الربيع صاحب المنصور قال : بعث المنصور إلى الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام يستقدمه لشيء بلغه عنه ، فلما وافى بابه خرج إليه الحاجب فقال :
أعيذك بالله من سطوة هذا الجبار !.. فإني رأيت حرده ( أي غضبه ) عليك شديداً ، فقال الصادق (ع) : عليّ من الله جُنّة واقية ، تعينني عليه إن شاء الله ، استأذن لي عليه ، فاستأذن فأذن له .
فلما دخل سلّم فرد (ع) السلام …. فقال الصادق (ع) : أنا فرع من فُرُع الزيتونة ، وقنديل من قناديل بيت النبوة ، وأديب السفرة ، وربيب الكرام البررة ، ومصباح من مصابيح المشكاة التي فيها نور النور ، وصفوة الكلمة الباقية في عقب المصطفين إلى يوم الحشر .
فالتفت المنصور إلى جلسائه فقال : هذا قد أحالني على بحر موّاج لا يُدرك طرفه ، ولا يُبلغ عمقه ، تحار فيه العلماء ويغرق فيه السُبحاء ، ويضيق بالسّابح عرض الفضاء ، هذا الشجى المعترض في حلوق الخلفاء الذي لا يجوز نفيه ، ولا يحلّ قتله ، ولولا ما يجمعني وإياه شجرة طاب أصلها ، وبسق فرعها ، وعذب ثمرها ، وبوركت في الذّر ، وقدِّست في الزبر ، لكان مني إليه ما لا يُحمد في العواقب ، لما يبلغني عنه من شدة عيبه لنا ، وسوء القول فينا.
فقال الصادق (ع) : لا تقبل في ذي رحمك ، وأهل الرعاية من أهل بيتك ، قول من حرّم الله عليه الجنة ، وجعل مأواه النار ، فإن النمام شاهد زور ، وشريك إبليس في الإغراء بين الناس ، فقد قال الله تعالى :
{ يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } ونحن لك أنصار وأعوان ، ولملكك دعائم وأركان ، ما أمرت بالمعروف والإحسان ، وأمضيت في الرعية أحكام القرآن ، وأرغمت بطاعتك لله أنف الشيطان .
وإن كان يجب عليك في سعة فهمك ، وكثرة علمك ، ومعرفتك بآداب الله ، أن تصل من قطعك ، وتعطي من حرمك ، وتعفو عمن ظلمك ، فإن المكافي ليس بالواصل .. إنما الواصل من إذا قطعته رحمه وصلها ، فصل رحمَك يزد الله في عمرك ، ويخفّف عنك الحساب يوم حشرك .
فقال المنصور : قد صفحت عنك لقدرك ، وتجاوزت عنك لصدقك ، فحدِّثني عن نفسك بحديث أتّعظ به ، ويكون لي زاجر صدق عن الموبقات ، فقال الصادق (ع) :
عليك بالحلم ، فإنه ركن العلم .. واملك نفسك عند أسباب القدرة ، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه كنت كمن شفى غيظا ، أو تداوي حقداً ، أو يحب أن يُذكر بالصّولة ، واعلم بأنك إن عاقبت مستحقاً لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل ، والحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر .
فقال المنصور : وعظت فأحسنت ، وقلت فأوجزت ، فحدثني عن فضل جدك علي بن أبي طالب (ع) حديثا لم تأثره العامة .. فقال الصادق (ع) :
حدثني أبي ، عن أبيه ، عن جده قال : قال رسول الله (ص) : لما أسري بي إلى السماء عهد إلي ربي جل جلاله في علي ثلاث كلمات ، فقال :
يا محمد !.. فقلت : لبيك ربي وسعديك !.. فقال عز وجل :
إن عليا إمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين ، ويعسوب المؤمنين ، فبشّره بذلك ، فبشّره النبي (ص) بذلك ، فخرّ علي (ع) ساجدا شكرا لله عز وجل ، ثم رفع رأسه فقال : يا رسول الله بلغ من قدري حتى أني اذكر هناك ؟..
قال : نعم ، وإن الله يعرفك ، وإنك لتذكر في الرفيق الأعلى ، فقال المنصور : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء .ص169
المصدر:أمالي الصدوق ص611

كتب المنصور إلى الصادق (ع) : لمَ لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس ؟.. فأجابه:
ليس لنا ما نخافك من أجله ، ولا عندك من أمر الآخرة ما نرجوك له ، ولا أنت في نعمة فنهنّئك ، ولا تراها نقمة فنعزّيك بها ، فما نصنع عندك ؟!.. فكتب إليه : تصحبنا لتنصحنا .. فأجابه : من أراد الدنيا لا ينصحك ، ومن أراد الآخرة لا يصحبك ، فقال المنصور :
والله لقد ميّز عندي منازل الناس ، مَن يريد الدنيا ممن يريد الآخرة ، وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا . ص185
المصدر:كشف الغمة ص2/448

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى