الجزء السادس والاربعون كتاب تاريخ الأمام السجاد (ع)

باب معجزاته ومعالي أموره وغرائب شأنه صلوات الله عليه

كنت عند علي بن الحسين (ع) فجاءه رجل من أصحابه ، فقال له علي بن الحسين (ع) : ما خبرك أيها الرجل ؟.. فقال الرجل : خبري يا بن رسول الله !.. أني أصبحت وعليّ أربعمائة دينار دين ، لا قضاء عندي لها ، ولي عيال ثقال ليس لي ما أعود عليهم به ، فبكى علي بن الحسين (ع) بكاءً شديدا ، فقلت له : ما يبكيك يا بن رسول الله ؟..
فقال : وهل يُعدّ البكاء إلا للمصائب والمحن الكبار ؟..
قالوا : كذلك يا بن رسول الله .
قال : فأية محنة ومصيبة أعظم على حرّ مؤمن ، من أن يرى بأخيه المؤمن خلّة فلا يمكنه سدّها ، ويشاهده على فاقة فلا يطيق رفعها .. فتفرقوا عن مجلسهم ذلك ، فقال بعض المخالفين – وهو يطعن على علي بن الحسين (ع) – :
عجبا لهؤلاء !.. يدّعون مرة أن السماء والأرض وكل شي ء يطيعهم ، وأن الله لا يردّهم عن شيء من طلباتهم ، ثم يعترفون أخرى بالعجز عن إصلاح حال خواص إخوانهم ، فاتصل ذلك بالرجل صاحب القصة.
فجاء إلى علي بن الحسين (ع) فقال له : يا بن رسول الله!.. بلغني عن فلان كذا وكذا ، وكان ذلك أغلظ عليّ من محنتي ، فقال علي بن الحسين (ع) : فقد أذن الله في فرجك .. يا فلانة !.. احملي سحوري وفطوري ، فحملت قرصتين ، فقال علي بن الحسين (ع) للرجل :
خذهما فليس عندنا غيرهما ، فإن الله يكشف عنك بهما ، وينُيلك خيرا واسعا منهما ، فأخذهما الرجل ودخل السوق لا يدري ما يصنع بهما ، يتفكر في ثقل دينه ، وسوء حال عياله ، ويوسوس إليه الشيطان : أين موقع هاتين من حاجتك ؟..
فمرّ بسمّاك قد بارت عليه سمكة ٌقد أراحت ( أي تغيرّت رائحتها ) فقال له : سمكتك هذه بائرة عليك وإحدى قرصتيّ هاتين بائرة عليّ ، فهل لك أن تعطيني سمكتك البائرة ، وتأخذ قرصتي هذه البائرة ؟.. فقال : نعم ، فأعطاه السمكة وأخذ القرصة .
ثم مرّ برجل معه ملح قليل مزهود فيه ، فقال : هل لك أن تعطيني ملحك هذا المزهود فيه بقرصتي هذه المزهود فيها ؟.. قال : نعم !.. ففعل فجاء الرجل بالسمكة والملح فقال : أصلحُ هذه بهذا ، فلما شق بطن السمكة وجد فيه لؤلؤتين فاخرتين ، فحمد الله عليهما .. فبينما هو في سروره ذلك إذ قُرع بابه ، فخرج ينظر مَن بالباب فإذا صاحب السمكة وصاحب الملح قد جاءا ، يقول كل واحد منهما له :
يا عبدالله!.. جهدنا أن نأكل نحن أو أحد من عيالنا هذا القرص فلم تعمل فيه أسناننا ، وما نظنك إلا وقد تناهيت في سوء الحال ومرنت على الشقاء ، قد رددنا إليك هذا الخبز وطيبنا لك ما أخذته منا ، فأخذ القرصتين منهما ، فلما استقر بعد انصرافهما عنه قُرع بابه ، فإذا رسول علي بن الحسين (ع) فدخل فقال :
إنه يقول لك : إن الله قد أتاك بالفرج ، فاردد إلينا طعامنا فإنه لا يأكله غيرنا ، وباع الرجل اللؤلؤتين بمالٍ عظيم قضى منه دينه وحسُنت بعد ذلك حاله.
فقال بعض المخالفين : ما أشدّ هذا التفاوت !.. بينا علي بن الحسين لا يقدر أن يسدّ منه فاقة إذ أغناه هذا الغناء العظيم ، كيف يكون هذا ؟.. وكيف يعجز عن سدّ الفاقة من يقدر على هذا الغناء العظيم ؟..
فقال علي بن الحسين (ع) : هكذا قالت قريش للنبي (ص) : كيف يمضي إلى بيت المقدس ، ويشاهد ما فيه من آثار الأنبياء من مكة ، ويرجع إليها في ليلة واحدة من لا يقدر أن يبلغ من مكة إلى المدينة إلا في اثني عشر يوما ؟.. وذلك حين هاجر منها ، ثم قال علي بن الحسين (ع) : جهلوا والله أمر الله وأمر أوليائه معه ، إن المراتب الرفيعة لا تنال إلا بالتسليم لله جل ثناؤه ، وترك الاقتراح عليه والرضا بما يدبرهم به .. إن أولياء الله صبروا على المحن والمكاره صبراً لم يساوهم فيه غيرهم ، فجازاهم الله عز وجل بأن أوجب لهم نجح جميع طلباتهم ، لكنّهم مع ذلك لا يريدون منه إلا ما يريده لهم . ص22
المصدر: أمالي الصدوق ص453
كنت مع علي بن الحسين (ع) في المسجد ، فمر عمر بن عبدالعزيز ، عليه شراكا فضة – وكان من أحسن الناس وهو شاب – فنظر إليه علي بن الحسين (ع) فقال : يا عبدالله بن عطاء!.. أترى هذا المترف ؟.. إنه لن يموت حتى يليَ الناس ، قلتُ : هذا الفاسق ؟.. قال : نعم ، فلا يلبث فيهم إلا يسيرا حتى يموت ، فإذا هو مات لعنه أهل السماء ، واستغفر له أهل الأرض .ص23
المصدر: بصائر الدرجات ج4 باب2

كنت عند علي بن الحسين (ع) وعصافير على الحائط قبالته يصحن فقال : يا أبا حمزة!.. أتدري ما يقلن ؟.. قال : يتحدثن ، إنّ لهن وقتا يسألن فيه قوتهن ، يا أبا حمزة !.. لا تنامن قبل طلوع الشمس فإني أكرهها لك ، إن الله يقسم في ذلك الوقت أرزاق العباد ، وعلى أيدينا يجريها .ص24
المصدر: بصائر الدرجات ج7 باب14

روي أن الحجاج بن يوسف كتب إلى عبدالملك بن مروان : إن أردتَ أن يثبت ملكك ، فاقتل علي بن الحسين (ع) .. فكتب عبدالملك إليه :
أما بعد !.. فجنّبني دماء بني هاشم واحقنها ، فإني رأيت آل أبي سفيان لما أولعوا فيها ، لم يلبثوا إلى أن أزال الله الملك عنهم ، وبعث بالكتاب سرا أيضا .. فكتب علي بن الحسين (ع) إلى عبدالملك في الساعة التي أنفذ فيها الكتاب إلى الحجاج : ” وقفتُ على ما كتبتَ في دماء بني هاشم ، وقد شكر الله لك ذلك ، وثبّت لك ملكك ، وزاد في عمرك “.
وبعث به مع غلامٍ له ، بتاريخ الساعة التي أنفذ فيها عبدالملك كتابه إلى الحجاج .. فلما قدم الغلام أوصل الكتاب إليه ، فنظر عبدالملك في تاريخ الكتاب فوجده موافقا لتاريخ كتابه ، فلم يشكّ في صدق زين العابدين ، ففرح بذلك وبعث إليه بوقر ( إي حمل ) دنانير ، وسأله أن يبسط إليه بجميع حوائجه وحوائج أهل بيته ومواليه ، وكان في كتابه (ع) :
إن رسول الله (ص) أتاني في النوم ، فعرّفني ما كتبتُ به إليك وما شكر من ذلك .ص29
المصدر: الخرائج ص194

كان (ع) قائما يصلي حتى وقف ابنه محمد (ع) – وهو طفل – إلى بئر في داره بالمدينة بعيدة القعر ، فسقط فيها ، فنظرتْ إليه أمّه فصرختْ وأقبلتْ نحو البئر ، تضرب بنفسها حذاء البئر وتستغيث وتقول : يا بن رسول الله !.. غرق ولدك محمد ، وهو لا ينثني عن صلاته ، وهو يسمع اضطراب ابنه في قعر البئر ، فلما طال عليها ذلك قالت – حزنا على ولدها – : ما أقسى قلوبكم يا أهل بيت رسول الله ؟..
فأقبل على صلاته ولم يخرج عنها إلا عن كمالها وإتمامها ، ثم أقبل عليها وجلس على أرجاء البئر ومد يده إلى قعرها ، وكانت لا تنُال إلا برشاء ( أي حبل ) طويل ، فأخرج ابنه محمدا (ع) على يديه يناغي ويضحك ، لم يبتل له ثوب ولا جسد بالماء ، فقال : هاكِ يا ضعيفة اليقين بالله!.. فضحكت لسلامة ولدها وبكت لقوله (ع) : يا ضعيفة اليقين بالله ..
فقال (ع) : لا تثريب عليك اليوم !.. لو علمتِ أني كنت بين يديّ جبار ، لو ملتُ بوجهي عنه لمال بوجهه عني.. أفمن يُرى راحما بعده .ص35
المصدر: المناقب 3/278

قال علي بن الحسين (ع) : خرجتُ حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكيتُ عليه ، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهي ، ثم قال :
يا علي بن الحسين !.. ما لي أراك كئيبا حزينا ؟.. أعلى الدنيا حزنك ؟.. فرزق الله حاضرٌ للبرّ والفاجر ، قلت :
ما على هذا حزني وإنه لكما تقول .. قال : فعلى الآخرة ؟.. فهو وعد صادق يحكم فيه ملك قاهر ، فعلام حزنك ؟.. قلت : أتخوّف من فتنة ابن الزبير ، قال : فضحك ، ثم قال :
يا علي بن الحسين !..هل رأيت أحدا توكّل على الله فلم يكْفه ؟.. قلت : لا .. قال :
يا علي بن الحسين !..هل رأيت أحدا خاف الله فلم ينجّه ؟.. قلت : لا .. فقال :
يا علي بن الحسين !.هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه ؟.. قلت : لا ، ثم نظرت فإذا ليس قدامي أحد ، وكان الخضر (ع) .ص37
المصدر: المناقب 3/279

قال حماد بن حبيب الكوفي القطان : انقطعت عن القافلة عند زبالة ( موضع بطريق مكة ) فلما أن أجنني الليل ، أويت إلى شجرة عالية ، فلما اختلط الظلام ، إذا أنا بشاب قد أقبل ، عليه أطمارٌ بيض يفوح منه رائحة المسك ، فأخفيت نفسي ما استطعت ، فتهيأ للصلاة ، ثم وثب قائما وهو يقول : يا من حاز كل شيء ملكوتاً ، وقهر كل شيء جبروتاً ، أولجْ قلبي فرح الإقبال عليك ، وألحقني بميدان المطيعين لك ..
ثم دخل في الصلاة ، فلما رأيته وقد هدأت أعضاؤه ، وسكنت حركاته ، قمتُ إلى الموضع الذي تهيأ فيه إلى الصلاة ، فإذا أنا بعين تنبع فتهيأتُ للصلاة ثم قمتُ خلفه ، فإذا بمحرابٍ كأنه مثّل في ذلك الوقت ، فرأيته كلما مرّ بالآية التي فيها الوعد والوعيد يرددها بانتحاب وحنين .. فلما أن تقشّع الظلام ، وثب قائما وهو يقول :
” يا من قصده الضالّون فأصابوه مرشدا ، وأمّه الخائفون فوجدوه معقلا ، ولجأ إليه العابدون فوجدوه موئلا !.. متى راحةُ من نصب لغيرك بدنَه ؟.. ومتى فرحُ من قصد سواك بنيته ؟.. إلهي !.. قد تقشّع الظلام ولم أقض من خدمتك وطراً ، ولا من حياض مناجاتك صدراً ، صلّ على محمد وآله ، وافعل بي أولى الأمرين بك يا أرحم الراحمين !..” .
فخفت أن يفوتني شخصه ، وأن يخفى عليّ أمره ، فتعلّقت به ، فقلت : بالذي أسقط عنك هلاك التعب ، ومنحك شدة لذيذ الرّهب ، إلا ما لحقتني منك جناحُ رحمة ، وكنفُ رقةٍ ، فإني ضالٌّ .. فقال :
لو صدق توكلك ما كنت ضالا ، ولكن اتّبعني واقْفُ أثري.. فلما أن صار تحت الشجرة أخذ بيدي وتخيّل لي أن الأرض يمتد من تحت قدميّ ، فلما انفجر عمود الصبح ، قال لي :
أبشر فهذه مكة!.. فسمعت الضجّة ورأيت الحجّة ، فقلت له : بالذي ترجوه يوم الأزفة ، يوم الفاقة من أنت ؟.. فقال :
إذا أقسمت ، فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .ص41
المصدر: الخرائج 1/266

رج علي بن الحسين (ع) إلى مكة حاجّاً ، حتى انتهى إلى واد بين مكة والمدينة ، فإذا هو برجل يقطع الطريق ، فقال لعلي : إنزل !.. قال : تريد ماذا ؟.. قال :
أريد أن أقتلك وآخذ ما معك ، قال : فأنا أقاسمك ما معي وأُحلّلك .. فقال اللص : لا ، قال : فدع معي ما أتبلّغ به ، فأبى ..
قال : فأين ربك ؟.. قال : نائم .. فإذا أسدان مقبلان بين يديه ، فأخذ هذا برأسه وهذا برجليه ، قال : زعمت أن ربك عنك نائم .ص41
المصدر: الخرائج ص605

كان علي بن الحسين (ع) في سفرٍ ، وكان يتغدّى وعنده رجل ، فأقبل غزال في ناحيةٍ يتقمّم وكانوا يأكلون على سفرة في ذلك الموضع .. فقال له علي بن الحسين (ع) :
ادن فكلْ ، فأنت آمن .. فدنا الغزال فأقبل يتقمّم من السفرة ، فقام الرجل الذي كان يأكل معه بحصاة فقذف بها ظهره ، فنفر الغزال ومضى.. فقال له علي بن الحسين (ع) :
أخفرتَ ذمتي ؟.. لا كلّمتك كلمة أبدا .ص43
المصدر: كشف الغمة 2/306

قال الباقر (ع) : خرج أبو محمد علي بن الحسين (ع) إلى مكة في جماعة من مواليه وناس من سواهم ، فلما بلغ عسفان ضرب مواليه فسطاطه في موضع منها ، فلما دنا علي بن الحسين (ع) من ذلك الموضع قال لمواليه :
كيف ضربتم في هذا الموضع ؟.. وهذا موضع قومٍ من الجن هم لنا أولياء ولنا شيعة ، وذلك يضرّ بهم ويضيّق عليهم ، فقلنا : ما علمنا ذلك ، وعمدوا إلى قلع الفسطاط ، وإذا هاتف نسمع صوته ولا نرى شخصه وهو يقول :
يا بن رسول الله!.. لا تحوّل فسطاطك من موضعه فإنا نحتمل لك ذلك ، وهذا اللطف قد أهديناه إليك ، ونحب أن تنال منه لنسرّ بذلك ، فإذا جانب الفسطاط طبقٌ عظيم ، وأطباقُ معه فيها عنب ورمان وموز وفاكهة كثيرة ، فدعا أبو محمد (ع) من كان معه ، فأكل وأكلوا من تلك الفاكهة .ص45
المصدر: أمان الأخطار ص124

روي أن رجلا مؤمنا من أكابر بلاد بلخ ، كان يحج البيت ويزور النبي (ص) في أكثر الأعوام ، وكان يأتي علي بن الحسين (ع) ويزوره ويحمل إليه الهدايا والتحف ، ويأخذ مصالح دينه منه ثم يرجع إلى بلاده .. فقالت له زوجته : أراك تهدي تحفا كثيرة ، ولا أراه يجازيك عنها بشيء فقال :
إن الرجل الذي نهدي إليه هدايانا هو مَلِك الدنيا والآخرة ، وجميع ما في أيدي الناس تحت مُلكه لأنه خليفة الله في أرضه وحجته على عباده ، وهو ابن رسول الله (ص) وإمامنا ، فلما سمعت ذلك منه أمسكت عن ملامته …. الخبر.ص 47
المصدر: مدينة المعاجز 4/312

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى