الجزء الخامس والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع)

باب الوقائع المتأخرة عن قتله صلوات الله عليه

قال السيد رحمه الله : وسار ابن سعد بالسبي المشار إليه ، فلما قاربوا الكوفة اجتمع أهلها للنظر إليهن ، قال : فأشرفت امرأة من الكوفيات فقالت : من أيّ الأسارى أنتنّ ؟.. فقلن : نحن أسارى آل محمد ، فنزلت من سطحها وجمعت ملاء ًو ازراً ومقانع ، فأعطتهن فتغطين .
وكان مع النساء علي بن الحسين (ع) قد نهكتْه العلة ، والحسن بن الحسن المثنى ، وكان قد واسى عمه وإمامه في الصبر على الرماح ، وإنما ارتث ( أي ضُرب في الحرب ) وقد اثخن بالجراح ، وكان معهم أيضا زيد وعمرو ولدا الحسن السبط (ع).
فجعل أهل الكوفة ينوحون ويبكون ، فقال علي بن الحسين عليهما السلام : أتنوحون وتبكون من أجلنا ؟.. فمَن قَتَلنا ؟..ص108
المصدر: الملهوف

قال بشير بن خزيم الأسدي : ونظرت إلى زينب بنت علي (ع) يومئذ ولم أر والله خَفِرةً ( أي شديدة الحياء ) قط أنطق منها ، كأنما تفرغ ( أي تسكب ) عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وقد أومأت إلى الناس أن اسكتوا !.. فارتدّت الانفاس ، وسكنت الأجراس.. ثم قالت :
الحمد لله والصلاة على أبي محمد وآله الطيبين الاخيار.. أما بعد يا أهل الكوفة !.. ياأهل الختل ( أي الخديعة ) والغدر!.. أتبكون ؟..
فلا رقأت الدمعة ولا هدأت الرنة ، إنما مثلَكم كمثل التي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا ، تتخذون أيمانكم دخلا بينكم .
ألا وهل فيكم إلا الصَّلف ( أي الادعاء فوق القدر ) والنّطَف ( أي العيب ) ، وملََق الإماء ، وغمز الأعداء ، أو كمرعىً على دَمِنة ، أو كفضة على ملحودة ؟!..
ألا ساء ما قدّمتْ لكم أنفسكم أن سخط الله عليكم ، وفي العذاب أنتم خالدون ، أتبكون وتنتحبون ؟..
إي والله !.. فابكوا كثيرا واضحكوا قليلا ، فلقد ذهبتم بعارها وشنآنها ، ولن ترحضوها ( أي تغسلوها ) بغسلٍ بعدها أبدا وأنى ترحضون قتل سليل خاتم الأنبياء ، وسيد شباب أهل الجنة ، وملاذ خِيَرتكم ، ومفزع نازلتكم ، ومنار حجتكم ، ومدرة ( أي زعيم ) سنتّكم ؟..
ألا ساء ما تزرون ، وبُعدا لكم وسحقاً ، فلقد خاب السعي وتبت الأيدي ، وخسرت الصفقة ، وبؤتم بغضبٍ من الله ، وضُربت عليكم الذلة والمسكنة .
ويلكم يا أهل الكوفة !..أي كبد لرسول الله فريتم ؟.. وأي كريمة له أبرزتم ؟.. وأي دم له سفكتم ؟.. وأي حرمة له انتهكتم ؟..
لقد جئتم بهم صلعاء ( أي الداهية القبيحة ) عنقاء سوّاء فقماء ( أي عظيمة ) – وفي بعضها خرقاء شوهاء – كطلاع الأرض ( أي ملؤها ) وملاء السماء .
أفعجبتم أن قطرت السماء دما ، ولعذاب الآخرة أخزى وأنتم لا تنصرون ، فلايستخفنّكم المَهَل ، فإنه لا تحفزه البدار ، ولا يخاف فوت الثأر ، وإن ربكم لبالمرصاد.
قال : فوالله لقد رأيت الناس يومئذ حيارى يبكون ، وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ، ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته ، وهويقول : بأبي أنتم وأمي !.. كهولكم خير الكهول ، وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ، ونسلكم خير نسل ، لا يخزى ولا يبزى ( أي لا يُقهر ). ص110
المصدر: الملهوف

روى زيد بن موسى قال : حدثني أبي ، عن جدي عليهم السلام قال : خطبت فاطمة الصغرى بعد أن ردّت من كربلا ، فقالت :
الحمد لله عدد الرمل والحصى ، وزنة العرش إلى الثرى ، أحمده وأؤمن به وأتوكل عليه ، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله (ص) وأن ولده ذُبحوا بشط الفرات بغير ذحل (أي ثأر) ولا ترات ، إلى أن قالت :
أما بعد يا أهل الكوفة ، يا أهل المكر والغدر والخيلاء !.. فإنا أهل بيت ابتلانا الله بكم ، وابتلاكم بنا ، فجعل بلاءنا حسنا ، وجعل علمه عندنا وفهمه لدينا ، فنحن عيبة علمه ، ووعاء فهمه وحكمته ، وحجته في الأرض لبلاده ولعباده ، أكرمنا الله بكرامته ، وفضّلنا بنبيه محمد (ص) على كثير ممن خلق تفضيلا بينّا ، فكذبتمونا وكفّرتمونا ، ورأيتم قتالنا حلالا ، وأموالنا نهبا ، كأنا أولاد ترك أوكابل ، كما قتلتم جدنا بالأمس ، وسيوفكم تقطر من دمائنا أهل البيت لحقد متقدّم ، قرّت بذلك عيونكم ، وفرحت قلوبكم ، افتراء منكم على الله ، ومكرا مكرتم والله خير الماكرين .
فلا تدعونّكم أنفسكم إلى الجذل بما أصبتم من دمائنا ، ونالتْ أيديكم من أموالنا ، فإن ما أصابنا من المصائب الجليلة والرزايا العظيمة في كتابٍ من قبل أن نبرأها ، إن ذلك على الله يسير لكيلا تأسوا على مافاتكم ، ولاتفرحوا بما آتاكم ، والله لا يحب كل مختال فخور ، تبّاً لكم فانتظروا اللعنة والعذاب !.. وكأن قد حلّ بكم ، وتواترت من السماء نقمات فيسحتكم بماكسبتم ، ويُذيق بعضكم بأس بعض ، ثم تُخلّدون في العذاب الأليم يوم القيامة بما ظلمتمونا .. ألا لعنة الله على الظالمين.
ويلكم أتدرون أية يد طاعنتنا منكم ؟.. وأية نفس نزعت إلى قتالنا ؟.. أم بأية رجل مشيتم إلينا تبغون محاربتنا ؟..
قست قلوبكم ، وغلظت أكبادكم ، وطُبع على أفئدتكم ، وخُتم على سمعكم وبصركم ، وسوّل لكم الشيطان و أملى لكم ، وجعل على بصركم غشاوة ، فأنتم لاتهتدون….
فارتفعت الأصوات بالبكاء ، وقالوا : حسبك يا ابنة الطيبين !.. فقد أحرقتِ قلوبنا ، وأنضجتِ نحورنا ، وأضرمتِ أجوافنا ، فسكتت عليها وعلى أبيها وجدتها السلام.ص112
المصدر: الملهوف

وخطبت أم كلثوم بنت علي (ع) في ذلك اليوم من وراء كلّتها ، رافعة صوتها بالبكاء ، فقالت :
يا أهل الكوفة !.. سوأة لكم ، ما لكم خذلتم حسينا وقتلتموه ، وانتهبتم أمواله وورثتموه ، وسبيتم نساءه ونكبتموه ، فتبّاً لكم وسُحقا .. ويلكم!.. أتدرون أي دواه دهتكم ؟.. وأي وزر على ظهوركم حملتم ؟.. وأي دماء سفكتموها ؟.. وأي كريمة أصبتموها ؟.. وأي صبية سلبتموها ؟.. وأي أموال انتهبتموها ؟.. قتلتم خير رجالات بعد النبيّ ، ونُزعت الرحمة من قلوبكم .. ألا إن حزب الله هم الفائزون ، وحزب الشيطان هم الخاسرون….
فضج الناس بالبكاء ، والحنين والنوح ، ونشر النساء شعورهن ووضعن التراب على رؤوسهن ، وخمشن وجوههن ، وضربن خدودهن ، ودعون بالويل والثبور وبكى الرجال ، فلم يُر باكية وباك أكثر من ذلك اليوم .ص112
المصدر: الملهوف

ثم إن زين العابدين (ع) أومأ إلى الناس أن اسكتوا !.. فسكتوا ، فقام قائما فحمدالله وأثنى عليه ، وذكر النبي وصلّى عليه ، ثم قال : أيها الناس !.. من عرفني فقد عرفني ، ومن لم يعرفني فأنا علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليهم ، أنا ابن المذبوح بشط الفرات ، من غير ذحل ولا ترات ، أنا ابن من انتهك حريمه ، وسلب نعيمه ، وانتهب ماله ، وسُبي عياله ، أنا ابن من قُتل صبراً ، وكفى بذلك فخرا .
أيها الناس !.. ناشدتكم بالله ، هل تعلمون أنكم كتبتم إلى أبي وخدعتموه وأعطيتموه من أنفسكم العهد والميثاق والبيعة ، وقاتلتموه وخذلتموه ؟. فتبّاً لما قدّمتم لأنفسكم وسوأة لرأيكم ، بأية عين تنظرون إلى رسول الله (ص) إذ يقول لكم : ” قتلتم عترتي وانتهتكم حرمتي ، فلستم من أمتي ؟..” .
فارتفعت أصوات الناس من كل ناحية ، ويقول بعضهم لبعض : هلكتم وما تعلمون ؟.. فقال (ع) :
رحم الله امرأ قَبِل نصيحتي ، وحفظ وصيتي في الله وفي رسوله وأهل بيته .. فإن لنا في رسول الله أسوة حسنة ، فقالوا بأجمعهم :
نحن كلنا يا بن رسول الله سامعون مطيعون حافظون لذمامك ، غير زاهدين فيك ولا راغبين عنك ، فمُرنا بأمرك يرحمك الله ، فأنا حرب لحربك وسلم لسلمك ، لنأخذنّ يزيد ونبرأ ممن ظلمك وظلمنا !..
فقال (ع) : هيهات هيهات !.. أيها الغدرة المكرة !.. حِيل بينكم وبين شهوات أنفسكم ، أتريدون أن تأتوا إلي كما أتيتم إلى آبائي من قبل ؟.. كلا ورب الراقصات !.. فإن الجرح لما يندمل .
قُتل أبي صلوات الله عليه بالأمس وأهل بيته معه ، ولم يُنسني ثكل رسول الله ، وثكل أبي وبني أبي ، ووجْدُه بين لهاتي ، ومرارته بين حناجري وحلقي ، وغصصه يجري في فراش صدري ومسألتي أن لا تكونوا لنا ولا علينا…. الخبر .ص114
المصدر: الملهوف

عن مسلم الجصاص قال : دعاني ابن زياد لاصلاح دار الإمارة بالكوفة ، فبينما أنا أجصّص الأبواب وإذا أنا بالزعقات قدارتفعت من جنبات الكوفة ، فأقبلت على خادم كان معنا فقلت : ما لي أرى الكوفة تضجّ ؟..
قال : الساعة أتوا برأس خارجي خرج على يزيد ، فقلت :
من هذا الخارجي ؟.. فقال : الحسين بن علي عليهما السلام .
فتركت الخادم حتى خرج ، ولطمت وجهي حتى خشيت على عيني أن يذهب ، وغسّلت يدي من الجصّ ، وخرجت من ظهر القصر ، وأتيت إلى الكناس .. فبينما أنا واقف والناس يتوقعون وصول السبايا والرؤوس ، إذ قد أقبلتْ نحو أربعين شُقّة ، تحمل على أربعين جملا ، فيها الحرم والنساء وأولاد فاطمة عليها السلام ، وإذا بعلي بن الحسين عليهما السلام على بعير بغير وطاء ، وأوداجه تشخب دما ، وهو مع ذلك يبكي.ص114
المصدر: بحار الانوارج45/ص114

وصار أهل الكوفة يناولون الاطفال الذين على المحامل ، بعض التمر والخبز والجوز فصاحت بهم أم كلثوم !..وقالت :
يا أهل الكوفة !.. إن الصدقة علينا حرام .. وصارت تأخذ ذلك من أيدي الأطفال وأفواههم وترمي به إلى الأرض ، كل ذلك والناس يبكون على ما أصابهم ، ثم أن أم كلثوم أطلعتْ رأسها من المحمل ، وقالت لهم : صه يا أهل الكوفة !.. تقتلنا رجالكم ، وتبكينا نساؤكم ؟.. فالحاكم بيننا وبينكم الله يوم فصل القضاء .. فبينما هي تخاطبهن إذا بضجة قد ارتفعت ، فإذا هم أتوا بالرؤوس يقدمهم رأس الحسين (ع) وهو رأس زهري قمري أشبه الخلق برسول الله (ص) ولحيته كسواد السبج ( أي حجر شديد السواد ) قد انتصل منها الخضاب ، ووجهه دارة قمر طالع والرمح تلعب بها يمينا وشمالا .. فالتفتت زينب فرأت رأس أخيها ، فنطحت جبينها بمقدّم المحمل ، حتى رأينا الدم يخرج من تحت قناعها ، وأومأت إليه بخرقة وجعلت تقول :
يا هلالا لما استتم كمالاً***غاله خسفه فأبدا غروبا
ما توهمت يا شقيق فؤادي***كان هذا مقدرا مكتوبا
يا أخي فاطم الصغيرة كلّمها***فقد كاد قلبها أن يذوبا
يا أخي قلبك الشفيق علينا*** ما له قد قسى وصار صليبا
يا أخي لو ترى عليّا لدى الأسر***مع اليتم لا يطيق وجوبا
كلما أوجعوه بالضرب نادا***ك بذلّ يغيض دمعا سكوبا
يا أخي ضمّه إليك وقرّبه***وسكّن فؤاده المرعوبا
ما أذلّ اليتيم حين ينادي***بأبيه ولا يراه مجيبا
ص115
المصدر: بحار الانوارج45/115

قال السيد : ثم إن ابن زياد جلس في القصر للناس ، وأذن إذنا عاما وجيئ برأس الحسين (ع) فوُضع بين يديه ، وأُدخل نساء الحسين وصبيانه إليه ، فجلست زينب بنت علي (ع) متنكرة ، فسأل عنها فقيل : هذه زينب بنت علي ّ، فأقبل عليها ، فقال :
الحمد لله الذي فضحكم ، وأكذب أحدوثتكم ، فقالت :
إنما يُفتضح الفاسق ، ويكذب الفاجر ، وهو غيرنا .. فقال ابن زياد :
كيف رأيتِ صنع الله بأخيك وأهل بيتك ؟.. فقالت : ما رأيت إلا جميلا ، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فتُحاجّ وتُخاصم ، فانظر لمن الفَلَج ( أي الظفر ) يومئذ ، ثكلتك أمك يا بن مرجانة !..
فغضب وكأنه همّ بها ، فقال له عمرو بن حريث : إنها امرأة ، والمرأة لا تؤاخذ بشيء من منطقها .. فقال لها ابن زياد :
لقد شفى الله قلبي من طاغيتكِ الحسين ، والعصاة المردة من أهل بيتك !.. فقالت : لعمري لقد قتلتَ كهلي ، وقطعت فرعي ، واجتثثت أصلي ، فإن كان هذا شفاؤك فقد اشتفيت ، فقال ابن زياد :
هذه سجّاعة !.. ولعمري لقدكان أبوك سجّاعا شاعرا ، فقالت :
يا بن زياد !.. ما للمرأة والسجَاعة . ص116
المصدر: الملهوف ص241

وإن لي عن السجاعة لشغلا ، وإني لاعجب ممن يشتفي بقتل أئمته ، ويعلم أنهم مُنتقمون منه في آخرته.ص116
المصدر: مثير الأحزان

قال المفيد – رحمه الله – فوُضع الرأس بين يديه ينظر إليه ويتبسم وبيده قضيب يضرب به ثناياه ، وكان إلى جانبه زيد بن أرقم صاحب رسول الله (ص) وهوشيخ كبير .
فلما رآه يضرب بالقضيب ثناياه قال : إرفعْ قضيبك عن هاتين الشفتين ، فوالله الذي لا إله إلا هو!.. لقد رأيت شفتي رسول الله (ص) عليهما ما لا أحصيه يقبّلهما ، ثم انتحب باكيا .
فقال له ابن زياد : أبكى الله عينيك ، أتبكي لفتح الله ؟.. والله لولا أنك شيخ كبير قد خرفت وذهب عقلك ، لضربت عنقك.. فنهض زيد بن أرقم من بين يديه وصار إلى منزله .ص116
المصدر: الإرشاد ص228

ثم رفع زيد صوته يبكي وخرج ، وهويقول :
ملكَ عبدٌ حرّاً ، أنتم يا معشر العرب !.. العبيد بعد اليوم .. قتلتم ابن فاطمة وأمّرتم ابن مرجانة ، حتى يقتل خياركم ويستعبد أشراركم ، رضيتم بالذل فبُعداً لمن رضي .ص117
المصدر: تسلية المجالس

ثم التفت ابن زياد إلى علي بن الحسين فقال : من هذا ؟.. فقيل : علي بن الحسين ، فقال : أليس قد قتل الله علي بن الحسين ؟.. فقال عليّ (ع) :
قدكان لي أخ يسمى علي بن الحسين قتله الناس ، فقال : بل الله قتله !.. فقال عليّ : { الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } ..
فقال ابن زياد : ولك جرأة على جوابي ؟.. اذهبوا به فاضربوا عنقه !.. فسمعت عمته زينب ، فقالت : يا بن زياد !.. إنك لم تُبق منا أحدا ، فان عزمت على قتله فاقتلني معه .ص117
المصدر: الملهوف ص144 ، مثير الأحزان

فتعلقت به زينب عمته ، وقالت : يا بن زياد !.. حسبك من دمائنا ، واعتنقته وقالت : والله لا أفارقه !.. فإن قتلته فاقتلني معه.
فنظر ابن زياد إليها وإليه ساعة ثم قال : عجبا للرحم !.. والله إني لأظنها ودّت أني قتلتها معه .. دعوه فإني أراه لما به !.. ص118
المصدر: الإرشاد ، مثير الأحزان

فقال علي (ع) لعمّته : اسكتي يا عمه حتى أُكلمه !..
ثم أقبل (ع) فقال :
أبالقتل تهددني يا بن زياد ؟.. أماعلمتَ أن القتل لنا عادة ، وكرامتنا الشهادة ، ثم أمر ابن زياد بعلي بن الحسين (ع) وأهله ، فحُملوا إلى دار إلى جنب المسجد الأعظم .
فقالت زينب بنت علي (ع) : لا يدخلن علينا عربية إلا أم ولد أو مملوكة ، فإنهن سبين وقد سبينا . ص118
المصدر: الملهوف

قال أنس بن مالك : شهدتُ عبيد الله بن زياد وهو ينكت بقضيب على أسنان الحسين (ع) .. ويقول :
إنه كان حسن الثغر !.. فقلت : أمَ والله لأسوءنك ، لقد رأيت رسول الله (ص) يقبّل موضع قضيبك من فيه .ص118
المصدر: مثير الأحزان

ثم قال المفيد : ولما أصبح عبيدالله بن زياد بعث برأس الحسين (ع) فدير به في سكك الكوفة وقبائلها ، فروي عن زيد بن أرقم : أنه مّر به عليّ وهو على رمح ، وأنا في غرفة لي ، فلما حاذاني سمعته يقرأ:
{ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } .. فوقف والله شعري عليّ وناديتُ :
رأسك يا بن رسول الله ، أعجب وأعجب !..ص121
المصدر: الإرشاد

وقال شهر بن حوشب : بينما أنا عند أم سلمة ، إذ دخلت صارخة تصرخ وقالت : قُتل الحسين قالت أم سلمة : فعلوها ، ملأ الله قبورهم نارا .ص124
المصدر: مثير الأحزان ص75

قال السيد: وأما يزيد بن معاوية فإنه لما وصل كتاب عبيد الله ووقف عليه ، أعاد الجواب إليه يأمره فيه بحمل رأس الحسين (ع) ورؤوس من قتل معه ، وحمل أثقاله ونسائه وعياله ، فاستدعى ابن زياد بمخفّر بن ثعلبة العايذي فسلّم إليه الرؤوس والنساء ، فسار بهم إلى الشام كما يُسار سبايا الكفار ، يتصفّح وجوههن أهل الأقطار. ص124
المصدر: الملهوف ص152

ذكر أبو مخنف : أن عمر بن سعد لما دفع الرأس إلى خولي الأصبحي لعنهما الله ليحمله إلى ابن زياد عليه اللعنة ، أقبل به خولي ليلا فوجد باب القصر مغلقا ، فأتى به منزله وله امرأتان امرأة من بني أسد ، وأخرى حضرمية يقال لها النوار ، فآوى إلى فراشها ، فقالت له :
ما الخبر ؟.. فقال : جئتك بالذهب ، هذا رأس الحسين معك في الدار !.. فقالت : ويلك !.. جاء الناس بالذهب والفضة ، وجئت برأس ابن رسول الله (ص) !.. والله لا يجمع رأسي ورأسك وسادة أبدا .. قالت :
فقمتُ من فراشي فخرجت إلى الدار ، ودعا الأسدية فأدخلها عليه ، فما زالت والله أنظر إلى نور مثل العمود يسطع من الإجانة التي فيها رأس الحسين (ع) إلى السماء ، ورأيت طيورا بيضا ترفرف حولها وحول الرأس .ص125
المصدر: المناقب ، مثير الأحزان

ثم قال السيد : وسار القوم برأس الحسين (ع) ونسائه والأسرى من رجاله ، فلما قربوا من دمشق دنت أم كلثوم من شمر – وكان في جملتهم – فقالت : لي إليك حاجة فقال : ما حاجتك ؟..
فقالت : إذا دخلتَ بنا البلد ، فاحملنا في درب قليل النظارة ، وتقدّم إليهم أن يُخرجوا هذه الرؤوس من بين المحامل ، وينحّونا عنها ، فقد خُزينا من كثرة النظر إلينا ونحن في هذه الحال .
فأمر في جواب سؤالها أن يُجعل الرؤوس على الرماح في أوساط المحامل ، بغياً منه وكفرا ، وسلك بهم بين النظارة على تلك الصفة ، حتى أتى بهم باب دمشق ، فوقفوا على درج باب المسجد الجامع حيث يُقام السبي.ص127
المصدر: الملهوف ص155

قال سهل بن سعد : فبينا أنا كذلك ، حتى رأيت الرايات يتلو بعضها بعضا ، فإذا نحن بفارس بيده لواء منزوع السنان ، عليه رأس من أشبه الناس وجها برسول الله (ص) فإذا أنا من ورائه رأيت نسوة على جمال بغير وطاء ، فدنوتُ من أولادهم فقلت : يا جارية من أنتِ ؟..
فقالت : أنا سكينة بنت الحسين ، فقلتُ لها : ألكِ حاجة إليّ ؟.. فأنا سهل بن سعد ممن رأى جدّكِ وسمعت ُحديثه ، قالت : يا سعد !.. قل لصاحب هذا الرأس أن يُقدّم الرأس أمامنا ، حتى يشتغل الناس بالنظر إليه ، ولا ينظروا إلى حرم رسول الله (ص). ص128
المصدر: المناقب

قال السيد : فروي أن بعض فضلاء التابعين ، لما شهد برأس الحسين بالشام أخفى نفسه شهرا من جميع أصحابه ، فلما وجدوه بعد إذ فقدوه سألوه عن سبب ذلك ، فقال : ألا ترون ما نزل بنا ، ثم أنشأ يقول :

ص129
المصدر: الملهوف ص156

وجاء شيخ فدنا من نساء الحسين وعياله ، وهم أُقيموا على درج باب المسجد ، فقال : الحمد لله الذي قتلكم وأهلككم ، وأراح البلاد من رجالكم وأمكن أمير المؤمنين منكم ، فقال له علي بن الحسين (ع) : ياشيخ !.. هل قرأت القرآن ؟.. قال : نعم ، قال : فهل عرفت هذه الاية : { قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى } قال الشيخ : قد قرأت ذلك ، فقال له علي (ع): فنحن القربى ياشيخ ..
فهل قرأت هذه الآية : { واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى } قال : نعم ، قال علي (ع): فنحن القربى ياشيخ ..
وهل قرأت هذه الآية : { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا } .. قال الشيخ : قد قرأت ذلك ، قال علي (ع) : فنحن أهل البيت الذين خُصّصنا بآية الطهارة ياشيخ !..
فبقي الشيخ ساكتا نادما على ماتكلم به ، وقال : بالله إنكم هم ؟..
فقال علي بن الحسين : تالله إنا لنحن هم من غير شك !.. وحق جدنا رسول الله إنا لنحن هم !.. فبكى الشيخ ورمى عمامته ، ورفع رأسه إلى السماء وقال :
اللهم إني أبرأ إليك من عدو آل محمد من جن وإنس ، ثم قال :
هل لي من توبة ؟.. فقال له : نعم ، إن تبت تاب الله عليك وأنت معنا ، فقال : أنا تائب ، فبلغ يزيد بن معاوية حديث الشيخ فأمر به فقُتل. ص129
المصدر: الملهوف ص156

قال السيد : ثم أُدخل ثقل الحسين (ع) ونساؤه ومن تخلّف من أهله على يزيد وهم مقرّنون في الحبال ، فلما وقفوا بين يديه وهم على تلك الحال ، قال له علي بن الحسين (ع) :
أنشدك الله يا يزيد !.. ما ظنك برسول الله لو رآنا على هذه الحالة ؟..
فأمر يزيد بالحبال فقُطّعت ، ثم وُضع رأس الحسين (ع) بين يديه وأجلس النساء خلفه لئلا ينظرن إليه ، فرآه علي بن الحسين (ع) فلم يأكل الرؤوس بعد ذلك أبدا .ص132
المصدر: الملهوف ص158

قالت فاطمة بنت الحسين : يا يزيد!.. بنات رسول الله سبايا ؟.. فبكى الناس وبكى أهل داره حتى علت الأصوات .
فقال علي بن الحسين (ع) : فقلت وأنا مغلول : أتأذن لي في الكلام ؟.. فقال : قل !.. ولا تقل هجرا ؟.. فقال : لقد وقفت موقفا لا ينبغي لمثلي أن يقول الهجر ، ماظنك برسول الله لو رآني في الغل ؟..
فقال لمن حوله : حلّوه. ص132
المصدر: مثير الأحزان

وأما زينب فإنها لما رأته أهوت إلى جيبها فشقته ، ثم نادت بصوت حزين تفزع القلوب : يا حسيناه !.. يا حبيب رسول الله !.. يا بن مكة ومنى !.. يا بن فاطمة الزهراء سيدة النساء !.. يا بن بنت المصطفى !.. فأبكت والله كل من كان في المجلس ، ويزيد ساكت .
ثم جعلت امرأة من بني هاشم في دار يزيد تندب على الحسين (ع) وتنادي : وا حبيباه !.. يا سيد أهل بيتاه !.. يا بن محمداه !.. يا ربيع الأرامل واليتامى !.. ياقتيل أولاد الأدعياء !.. فأبكت كل من سمعها ، ثم دعا يزيد بقضيب خيزران ، فجعل ينكت به ثنايا الحسين (ع) .
فأقبل عليه أبو برزة الاسلمي وقال : ويحك يا يزيد!.. أتنكت بقضيبك ثغر الحسين بن فاطمة ؟.. أشهد لقد رأيت النبي يرشف ثناياه وثنايا أخيه الحسن ويقول : ” أنتما سيدا شباب أهل الجنة ، فقتل الله قاتلكما ولعنَه وأعدّ له جهنم وساءت مصيرا “.. قال : فغضب يزيد وأمر بإخراجه ، فأُخرج سحبا قال : فجعل يزيد يتمثل بأبيات ابن الزبعرى :

ص133
المصدر: مثير الأحزان

قال السيد وغيره : فقامت زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) فقالت : الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله وآله أجمعين ، صدق الله كذلك يقول : {ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن }.
أظننت يا يزيد حيث أخذت علينا أقطار الأرض وآفاق السماء ، فأصبحنا نُساق كما تُساق الأسارى ، أن بنا على الله هوانا وبك عليه كرامة ؟.. وأن ذلك لعِظَم خطرك عنده ؟.. فشمختَ بأنفك ، ونظرتَ في عِطفك ، جذلان مسرورا ، حين رأيت الدنيا لك مستوسقة ، والامور متّسقة ، وحين صفا لك مُلكنا وسلطاننا ..
مهلا مهلا ، أنسيت قول الله تعالى : { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } .
أمن العدل يا بن الطلقاء !.. تخديرك حرائرك وإماءك ، وسوقَك بنات رسول الله سبايا ؟.. قد هتكت ستورهن ، وأبديت وجوههن ، تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ، ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل (طريق الجبال) ، ويتصفّح وجوههن القريب والبعيد ، والدني والشريف ، ليس معهن من رجالهن وليّ ، ولا من حماتهن حميّ ؟..
وكيف يُرتجى مراقبة من لفظ فوه أكباد الأزكياء ، ونبت لحمه بدماء الشهداء ؟.. وكيف يستبطئ في بغضنا – أهل البيت – من نظر إلينا بالشنف والشنآن ، والإحن والأضغان ؟.. ثم تقول غير متأثم ولا مستعظم :

منتحيا على ثنايا أبي عبدالله سيدشباب أهل الجنة ، تنكتها بمخصرتك .. وكيف لا تقول ذلك ؟.. وقدنكأت َالقرحة واستأصلتَ الشأفة ، بإراقتك دماء ذرية محمد (ص) ونجوم الأرض من آل عبد المطلب ، وتهتف بأشياخك ، زعمت أنك تناديهم !.. فلتردنّ وشيكا موردهم ، ولتودنّ أنك شلُلت وبكُمت ، ولم يكن قلت ما قلت ، وفعلت ما فعلت ..
اللهم !.. خذ بحقنا ، وانتقم من ظالمنا ، وأحللْ غضبك بمن سفك دماءنا وقتل حماتنا .
فوالله مافريت إلا جلدك ، ولاجززت إلا لحمك ، ولتردَنّ على رسول الله بما تحمّلت من سفك دماء ذريته ، وانتهكت من حرمته في عترته ولُحمته ، حيث يجمع الله شملهم ويلم ّشعثهم ، ويأخذ بحقهم :
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } .. حسبك بالله حاكما ، وبمحمد خصيما ، وبجبرئيل ظهيرا ، وسيعلم من سوّى لك ومكّنك من رقاب المسلمين ، بئس للظالمين بدلا ، وأيكم شر مكانا وأضعف جندا .
ولئن جرّت علي الدواهي مخاطبتك ، إني لاستصغر قدرك ، وأستعظم تقريعك ، وأستكبر توبيخك ، لكن العيون عبرى ، والصدور حرّى .
ألا فالعجب كل العجب لقتل حزب الله النجباء بحزب الشيطان الطلقاء ، فهذه الأيدي تنطف (أي تقطر) من دمائنا ، والأفواه تتحلّب من لحومنا ، وتلك الجثث الطواهر الزواكي تنتابها العواسل (أي الذئاب) وتعفوها أمهات الفراعل (أي الضباع) ولئن اتخذتنا مغنماً ، لتجدنا وشيكا مغرما ، حين لا تجد إلاما قدّمتَ ، وما ربك بظلام للعبيد .. فالى الله المشتكى ، وعليه المعوّل .
فكدكيدك ، واسع سعيك ، وناصب جهدك ، فوالله لا تمحو ذكرنا ، ولا تمُيت وحينا ، ولا تُدرك أمدنا ، ولا ترحض عنك عارها ، وهل رأيُك إلا فند (أي كذب) ، وأيامك إلا عدد ، وجمعك إلا بدد ، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين ، فالحمد لله الذي ختم لأوّلنا بالسعادة ، ولآخرنا بالشهادة والرحمة ، ونسأل الله أن يكمل لهم الثواب ، ويوجب لهم المزيد ، ويحسن علينا الخلافة ، إنه رحيم ودود ، وحسبنا الله ونعم الوكيل.ص135
المصدر: الملهوف ص161

فقال علي بن الحسين :(ع) يا بن معاوية وهند وصخر!.. لم تزل النبوة والإمرة لآبائي وأجدادي من قبل أن تولد ، ولقدكان جدي علي بن أبي طالب في يوم بدر وأُحد والأحزاب في يده راية رسول الله (ص) وأبوك وجدك في أيديهما رايات الكفار ، ثم جعل علي بن الحسين عليهما السلام يقول :

ثم قال علي بن الحسين (ع) : ويلك يا يزيد !.. إنك لوتدري ماذا صنعت ، وما الذي ارتكبت من أبي وأهل بيتي وأخي وعمومتي ، إذا لهربت في الجبال ، وافترشت الرماد ، ودعوت بالويل والثبور ، أن يكون رأس أبي الحسين بن فاطمة وعليّ منصوبا على باب مدينتكم ، وهو وديعة رسول الله فيكم ، فابشرْ بالخزي والندامة غدا ، إذا جمع الناس ليوم القيامة .ص136
المصدر: المناقب

فقالت فاطمة بنت الحسين : ولما جلسنا بين يدي يزيد رق لنا ، فقام إليه رجل من أهل الشام أحمر ، فقال :
يا أمير المؤمنين !.. هب لي هذه الجارية – يعنيني – وكنت جارية وضيئة ، فارعدت وظننت أن ذلك جائز لهم ، فأخذتُ بثياب عمتي زينب ، وكانت تعلم أن ذلك لا يكون .. ( وفي رواية السيد – قلت ُ: أُوتمت وأُستخدم ؟..) فقالت عمتي للشامي : كذبت والله ولؤمتَ ، والله ما ذلك لك ولا له !.. فغضب يزيد وقال :
كذبتِ والله !.. إن ذلك لي ولو شئتُ أن أفعل لفعلتُ ، قالت : كلا والله !.. ما جعل الله لك ذلك إلا أن تخرج من ملتنا ، وتدين بغيرها .. فاستطار يزيد غضبا وقال : إياي تستقبلين بهذا ؟.. إنما خرج من الدين أبوك وأخوك .
قالت زينب : بدين الله ودين أبي ودين أخي ، اهتديتَ أنت وأبوك وجدك إن كنت مسلما .
قال : كذبتِ يا عدوة الله !.. قالتْ له : أنت أمير ، تشتم ظالما ، وتقهر لسلطانك فكأنه استحيا وسكت ، وعاد الشامي فقال : هبْ لي هذه الجارية فقال له يزيد : اعزب !.. وهب الله لك حتفا قاضيا.ص136
المصدر: الإرشاد ص231

روي أن يزيد – لعنه الله – أمر بمنبر وخطيب ، ليخبر الناس بمساوي الحسين وعلي عليهما السلام وما فعلا ، فصعد الخطيب المنبر ، فحمدالله وأثنى عليه ، ثم أكثر الوقيعة في علي والحسين (ع) ، وأطنب في تقريظ معاوية ويزيد لعنهما الله ، فذكرهما بكل جميل ، فصاح به علي بن الحسين (ع) :
ويلك أيها الخاطب!.. اشتريت مرضاة المخلوق بسخط الخالق ، فتبّوأ مقعدك من النار .. ثم قال علي بن الحسين (ع) :
يا يزيد !.. ائذن لي حتى أصعد هذه الأعواد فأتكلم بكلمات لله فيهن رضا ، ولهؤلاء الجلساء فيهن أجر وثواب ، فأبى يزيد عليه ذلك .
فقال الناس : يا أمير المؤمنين !.. ائذن له فليصعد المنبر فلعلنا نسمع منه شيئا ، فقال : إنه إن صعد لم ينزل إلا بفضيحتي وبفضيحة آل أبي سفيان ، فقيل له : يا أمير المؤمنين ، وما قدر مايحسن هذا ؟..
فقال : إنه من أهل بيت قد زُقّوا العلم زقّا .. فلم يزالوا به حتى أذن له ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثم خطب خطبة أبكى منها العيون ، وأوجل منها القلوب ، ثم قال :
أيها الناس !.. أُعطينا ستّاً وفُضّلنا بسبع : أُعطينا العلم ، والحلم ، والسماحة ، والفصاحة ، والشجاعة ، والمحبة في قلوب المؤمنين ، وفُضّلنا بأن منا النبي المختارمحمدا ، ومنا الصدِّيق ، ومنّا الطيار ، ومنا أسد الله وأسدرسوله ، ومنا سبطا هذه الأمة ، من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني أنبأته بحسبي ونسبي .
أيها الناس !.. أنا ابن مكة ومنى ، أنا ابن زمزم والصفا ، أنا ابن من حمل الركن بأطراف الردا ، أنا ابن خير من ائتزر وارتدى ، أنا ابن خير من انتعل واحتفى ، أنا ابن خير من طاف وسعى ، أنا ابن خير من حجّ ولبّى .
أنا ابن من حُمل على البراق في الهوا ، أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، أنا ابن من بلغ به جبرئيل إلى سدرة المنتهى ، أنا ابن من دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى .
أنا ابن من صلى بملائكة السماء ، أنا ابن من أوحى إليه الجليل ما أوحى ، أنا ابن محمد المصطفى ، أنا ابن علي المرتضى ، أنا ابن من ضرب خراطيم الخلق حتى قالوا : لا إله إلا الله .
أنا ابن من ضرب بين يدي رسول الله بسيفين ، وطعن برمحين ، وهاجر الهجرتين ، وبايع البيعتين ، وقاتل ببدر وحنين ، ولم يكفر بالله طرفة عين ، أنا ابن صالح المؤمنين ، ووراث النبيين ، وقامع الملحدين ، ويعسوب المسلمين ، ونور المجاهدين ، وزين العابدين ، وتاج البكائين ، وأصبر الصابرين ، وأفضل القائمين من آل ياسين رسول رب العالمين .
أنا ابن المؤيَّد بجبرئيل ، المنصور بميكائيل ، أنا ابن المحامي عن حرم المسلمين ، وقاتل المارقين والناكثين والقاسطين ، والمجاهد أعداءه الناصبين ، وأفخر من مشى من قريش أجمعين ، وأول من أجاب واستجاب لله ولرسوله من المؤمنين ، وأول السابقين ، وقاصم المعتدين ، ومبيدالمشركين ، وسهمٌ من مرامي الله على المنافقين ، ولسان حكمة العابدين ، وناصر دين الله ، وولي أمر الله ، وبستان حكمة الله ، وعيبة علمه .
سمحٌ ، سخيٌّ ، بهيٌّ ، بهلولٌ ، زكيٌّ ، أبطحيٌّ ، رضيٌّ ، مقدامٌ ، همامٌ ، صابرٌ صوّامٌ ، مهذّبٌ ، قوّامٌ ، قاطع الأصلاب ، ومفرّق الأحزاب ، أربطهم عنانا ، وأثبتهم جنانا ، وأمضاهم عزيمة ، وأشدّهم شكيمة ، أسدٌ باسل ، يطحنهم في الحروب إذا ازدلفت الأسنّة ، وقربت الأعنّة طحن الرّحا ، ويذروهم فيها ذرو الريح الهشيم .
ليث الحجاز ، وكبش العراق ، مكيٌّ ، مدنيٌّ ، خيفيٌّ ، عقبيٌّ ، بدريٌّ ، أُحديٌّ ، شجريٌّ ، مهاجريٌّ ، من العرب سيدها ، ومن الوغى ليثها ، وارث المشعرين وأبو السبطين : الحسن والحسين ، ذاك جدي علي بن أبي طالب .
ثم قال : أنا ابن فاطمة الزهراء ، أنا ابن سيدة النساء ، فلم يزل يقول : أنا أنا ، حتى ضجّ الناس بالبكاء والنحيب ، وخشي يزيد لعنه الله أن يكون فتنة ، فأمر المؤذّن فقطع عليه الكلام .
فلما قال المؤذّن : الله أكبر ، الله أكبر.. قال علي (ع) : لا شيء أكبر من الله .
فلما قال : أشهد أن لا إله إلا الله .. قال علي بن الحسين (ع) : شهد بها شعري وبشري ولحمي ودمي .
فلما قال المؤذّن : أشهد أن محمدا رسول الله ، التفت من فوق المنبر إلى يزيد ، فقال : محمد هذا جدي أم جدك يا يزيد ؟.. فإن زعمت أنه جدك فقد كذبتَ وكفرتَ ، وإن زعمت أنه جدي فلم قتلتَ عترته ؟..
وفرغ المؤذّن من الأذان والإقامة وتقدّم يزيد، فصلّى صلاة الظهر .ص139
المصدر: المناق

قالت فاطمة بنت علي صلوات الله عليهما : ثم إن يزيد لعنه الله أمر بنساء الحسين ، فحُبس مع علي بن الحسين عليهما السلام في محبس لا يكنّهم من حرّ ولا قرّ ، حتى تقشّرت وجوههم ، ولم يُرفع ببيت المقدس حجرٌ على وجه الأرض إلا وُجد تحته دم عبيط ، وأبصر الناس الشمس على الحيطان حمراء كأنها الملاحف المعصفرة ، إلى أن خرج علي بن الحسين (ع) بالنسوة ، وردّ رأس الحسين (ع) إلى كربلاء .ص140
المصدر: أمالي الصدوق مجلس 31 رقم 4

ورأت سكينة في منامها – وهي بدمشق – كأن خمسة نجُب من نور قد أقبلت وعلى كل نجيب شيخ ، والملائكة محدقة بهم ، ومعهم وصيف يمشي فمضى النّجُب وأقبل الوصيف إليّ وقرب مني ، وقال :
يا سكينة !.. إن جدك يسلّم عليك ، فقلت : وعلى رسول الله السلام ، يا رسول الله !.. من أنت؟.. قال : وصيف من وصائف الجنة .
فقلتُ : من هؤلاء المشيخة الذين جاؤا على النجب ؟..
قال : الأول آدم صفوة الله ، والثاني إبراهيم خليل الله ، والثالث موسى كليم الله ، والرابع عيسى روح الله ، فقلت :
من هذا القابض على لحيته يسقط مرة ويقوم أخرى ؟.. فقال :
جدك رسول الله (ص) فقلت : وأين هم قاصدون ؟.. قال : إلى أبيك الحسين فأقبلتُ أسعى في طلبه ، لأعرفه ما صنع بنا الظالمون بعده ، فبينما أنا كذلك ، إذ أقبلت خمسة هوادج من نور ، في كل هودج امرأة ، فقلت :
من هذه النسوة المقبلات ؟.. قال : الأولى حواء أم البشر ، الثانية آسية بنت مزاحم ، والثالثة مريم ابنة عمران ، والرابعة خديجة بنت خويلد ، فقلت :
من الخامسة الواضعة يدها على رأسها ، تسقط مرة وتقوم أخرى ؟..
فقال : جدتك فاطمة بنت محمد أم أبيك .. فقلت : والله لأخبرنّها ما صُنع بنا ، فلحقتُها ووقفتُ بين يديها أبكي و أقول :
يا أمتاه جحدوا والله حقنا !.. يا أمتاه بدّدوا والله شملنا !.. يا أمتاه استباحوا والله حريمنا !.. يا أمتاه قتلوا والله الحسين أبانا !..
فقالت : كفّي صوتكِ ، يا سكينة !.. فقد أحرقتِ كبدي ، وقطّعتِ نياط قلبي هذا قميص أبيك الحسين معي لا يفارقني حتى ألقى الله به ، ثم انتبهتُ وأردتُ كتمان ذلك المنام وحدّثتُ به أهلي ، فشاع بين الناس.ص141
المصدر: مثير الأحزان

روي عن زين العابدين (ع) : أنه لما أُتي برأس الحسين إلى يزيد ، كان يتخذ مجالس الشراب ويأتي برأس الحسين (ع) ويضعه بين يديه ، ويشرب عليه .. فحضر في مجلسه ذات يوم رسولُ ملك الروم ، وكان من أشراف الروم وعظمائهم ، فقال : يا ملك العرب ، هذا رأس من ؟..
فقال له يزيد : ما لك ولهذا الرأس ؟.. فقال : إني إذا رجعت إلى ملكنا يسألني عن كل شيء رأيتُه فأحببت أن أُخبره بقصة هذا الرأس وصاحبه حتى يشاركك في الفرح والسرور ، فقال له يزيد : هذا رأس الحسين بن علي بن أبي
طالب ، فقال الرومي : ومن أمه ؟.. فقال : فاطمة بنت رسول الله !..
فقال النصراني : أفّ لك ولدينك !.. لي دين أحسن من دينك ، إن أبي من حوافد داود (ع) وبيني وبينه آباء كثيرة ، والنصارى يعظّموني ويأخذون من تراب قدميّ تبركا بأبي من حوافد داود ، وأنتم تقتلون ابن بنت رسول الله ، وما بينه وبين نبيّكم إلا أم واحدة ؟.. فأي دين دينكم ؟..
ثم قال ليزيد : هل سمعت حديث كنيسة الحافر؟…. وفي تلك البلدة كنائس كثيرة أعظمها كنيسة الحافر في محرابها حقّة ذهب معلقة ، فيها حافر يقولون : إن هذا حافر حمار كان يركبه عيسى ، وقد زيّنوا حول الحقّة بالذهب والديباج ، يقصدها في كل عام عالم من النصارى ، ويطوفون حولها ويقبّلونها ويرفعون حوائجهم إلى الله تعالى ..
هذا شأنهم ودأبهم بحافر حمار ، يزعمون أنه حافر حماركان يركبه عيسى نبيّهم ، وأنتم تقتلون ابن بنت نبيكم ؟.. فلا بارك الله تعالى فيكم ولا في دينكم .. فقال يزيد : اقتلوا هذا النصراني لئلا يفضحني في بلاده !.. فلما أحسّ النصراني بذلك قال له : تريد أن تقتلني ؟.. قال : نعم .
قال : اعلمْ أني رأيت البارحة نبيّكم في المنام يقول لي : يا نصراني أنت من أهل الجنة !.. فتعجّبت من كلامه ، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ، ، وأن محمدا رسول الله (ص) ثم وثب إلى رأس الحسين فضمّه إلى صدره ، وجعل يقبله ويبكي حتى قتُل.ص142
المصدر: الملهوف ص169

وخرج زين العابدين (ع) يوما يمشي في أسواق دمشق ، فاستقبله المنهال بن عمرو ، فقال له : كيف أمسيت يا بن رسول الله ؟..
قال : أمسينا كمثَل بني إسرائيل في آل فرعون ، يذبّحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، يا منهال!.. أمست العرب تفتخر على العجم بأن محمدا عربيٌّ ، وأمست قريش تفتخر على سائر العرب بأن محمدا منها ، وأمسينا معشر أهل بيته ونحن مغصوبون مقتولون مشرّدون ، فإنا لله وإنا إليه راجعون مما أمسينا فيه.ص143
المصدر: الملهوف

قال يزيد – لعنه الله – لعلي بن الحسين (ع) : إذكر حاجاتك الثلاث اللاتي وعدتك بقضائهن ، فقال (ع) :
الأولى : أن تريني وجه سيدي وأبي ومولاي الحسين فأتزود منه ، وأنظر إليه وأودّعه .. والثانية : أن تردّ علينا ما أُخذ منّا .. والثالثة : إن كنتَ عزمت على قتلي أن توجّه مع هؤلاء النسوة من يردّهن إلى حرم جدهن (ص) ..
فقال : أما وجه أبيك فلن تراه أبدا ، وأما قتلك فقد عفوت عنك ، وأما النساء فما يؤدّيهن إلى المدينة غيرك ، وأما ما أُخذ منكم فأنا أُعوّضكم عنه أضعاف قيمته فقال (ع) :
أما ما لك فما نريده ، وهوموفّر عليك ، وإنما طلبتُ ما أُخذ منا لأن فيه مغزل فاطمة بنت محمد (ص) ومقنعتها وقلادتها وقميصها .
فأمر بردّ ذلك وزاد عليه مائتي دينار .. فأخذها زين العابدين (ع) وفرّقها في الفقراء والمساكين ، ثم أمر برد الاسارى وسبايا البتول إلى أوطانهم بمدينة الرسول.ص144
المصدر: الملهوف

وحدثني جماعة من أهل مصر ، أن مشهدَ الرأس عندهم يسمونه مشهد الكريم ، عليه من الذهب شيء كثير ، يقصدونه في المواسم ويزورونه ويزعمون أنه مدفون هناك .. والذي عليه المعوّل من الأقوال : أنه أُعيد إلى الجسد بعد أن طيف به في البلاد ودفن معه .ص144
المصدر: مثير الأحزان

وقال السيد : فأما رأس الحسين فرُوي أنه أُعيد فدفن بكربلا مع جسده الشريف صلوات الله عليه ، وكان عمل الطائفة على هذا المعنى المشار إليه ، ورُويت آثار مختلفة كثيرة غير ما ذكرناه تركنا وضعها لئلا ينفسخ ما شرطناه من اختصار الكتاب.ص144
المصدر: الملهوف ص175

ولما رجعتْ نساء الحسين (ع) وعياله من الشام ، وبلغوا إلى العراق ، قالوا للدليل : مُرّ بنا على طريق كربلا ، فوصلوا إلى موضع المصرع ، فوجدوا جابر بن عبدالله الأنصاري وجماعة من بني هاشم ، ورجلا من آل رسول الله قد وردوا لزيارة قبر الحسين (ع) ، فوافوا في وقت واحد ، وتلاقوا بالبكاء والحزن واللطم ، وأقاموا المأتم المقرحة للاكباد ، واجتمع إليهم نساء ذلك السواد وأقاموا على ذلك أياما.ص146
المصدر: الملهوف ص177

ثم انفصلوا من كربلا طالبين المدينة ، قال بشير بن حذلم : فلما قربنا منها نزل علي بن الحسين عليهما السلام فحط رحله ، وضرب فسطاطه وأنزل نساءه وقال :
يا بشير !.. رحم الله أباك !.. لقدكان شاعرا ، فهل تقدر على شئ منه ؟.. قلت : بلى يا بن رسول الله !.. إني لشاعر ، قال : فادخل المدينة وانع أبا عبدالله (ع) .
قال بشير : فركبت فرسي وركضت حتى دخلت المدينة ، لما بلغت مسجد النبي (ص) رفعت صوتي بالبكاء وأنشأت أقول :
ثم قلت : هذا علي بن الحسين مع عمّاته وأخواته قدحلّوا بساحتكم ، ونزلوا بفنائكم ، وأنا رسوله إليكم أُعرّفكم مكانه .
فما بقيتْ في المدينة مخدّرة ولا محجّبة إلا برزن من خدورهن : مكشوفة شعورهن ، مخمّشة وجوههن ، ضاربات خدودهن ، يدعون بالويل والثبور ، فلم أرباكيا أكثر من ذلك اليوم ولا يوما أمرّ على المسلمين منه .ص147
المصدر: الملهوف ص177

فضربت فرسي حتى رجعت إليهم ، فوجدت الناس قد أخذوا الطرق والمواضع ، فنزلت عن فرسي وتخطيت رقاب الناس حتى قربت من باب الفسطاط ، وكان علي بن الحسين (ع) داخلا ومعه خرقة يمسح بها دموعه ، وخلفه خادم معه كرسي فوضعه له وجلس عليه ، وهو لا يتمالك من العبرة ، وارتفعت أصوات الناس بالبكاء ، وحنين الجواري والنساء ، والناس من كل ناحية يعزّونه .. فضجّت تلك البقعة ضجّة شديدة ، فأومأ بيده أن : اسكتوا !.. فسكنت فورتهم ، فقال (ع) :
الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بارئ الخلائق أجمعين الذي بعُد فارتفع في السماوات العلى ، وقرُب فشهد النجوى ، نحمده على عظائم الأمور ، وفجائع الدهور ، وألم الفجائع ، ومضاضة اللواذع ، وجليل الرزء ، وعظيم المصائب الفاضعة ، الكاظّة الفادحة الجائحة .
أيها الناس إن الله – وله الحمد – ابتلانا بمصائب جليلة ، وثلمة في الإسلام عظيمة ، قُتل أبوعبد الله وعترته ، وسُبي نساؤه وصبيته ، وداروا برأسه في البلدان من فوق عامل السنان ، وهذه الرزية التي لا مثلها رزية !..
أيها الناس !.. فأي رجالات منكم يسرّون بعد قتله ؟.. أم أية عين منكم تحبس دمعها وتضنّ عن انهمالها ، فلقد بكت السبع الشداد لقتله ، وبكت البحار بأمواجها والسماوات بأركانها ، والأرض بأرجائها ، والأشجار بأغصانها ، والحيتان ، ولجج البحار والملائكة المقرّبون ، وأهل السماوات أجمعون .
أيها الناس !.. أي قلب لا ينصدع لقتله ؟.. أم أي فؤاد لا يحنّ إليه ؟.. أم أي سمع يسمع هذه الثلمة التي ثلمت في الإسلام ؟..
أيها الناس !.. أصبحنا مطرودين مشرّدين مذودين شاسعين عن الأمصار، كأنا أولاد ترك وكابل ، من غير جرم اجترمناه ، ولا مكروه ارتكبناه ، ولا ثلمة في الإسلام ثلمناها ، ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين ، إن هذا إلا اختلاق ..
والله لو أن النبيّ تقدّم إليهم في قتالنا كما تقدّم إليهم في الوصاءة بنا ، لما ازدادوا على ما فعلوا بنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، من مصيبة ما أعظمها ، وأوجعها ، وأفجعها ، وأكظّها ، وأفظّها ، وأمرّها ، وأفدحها ؟.. فعند الله نحتسب فيما أصابنا وما بلغ بنا إنه عزيز ذو انتقام.ص149
المصدر: الملهوف ص177

روي عن الصادق (ع) أنه قال : إن زين العابدين (ع) بكى على أبيه أربعين سنة : صائما نهاره ، قائما ليله .. فإذا حضر الإفطار جاءه غلامه بطعامه وشرابه ، فيضعه بين يديه فيقول :
كلْ يا مولاي !.. فيقول : قُتل ابن رسول الله جائعا !.. قتل ابن رسول الله عطشانا !.. فلا يزال يكرّر ذلك ويبكي حتى يبلّ طعامه من دموعه ، ثم يمزج شرابه بدموعه ، فلم يزل كذلك حتى لحق بالله عز وجل .ص149
المصدر: الملهوف ص188

وحدّث مولى للسجاد (ع) أنه برز يوما إلى الصحراء قال : فتبعتُه فوجدته قد سجدعلى حجارة خشنة ، فوقفت وأنا أسمع شهيقه وبكاءه ، وأحصيت عليه ألف مرة :
” لا إله إلا الله حقا حقا .. لاإله إلا الله تعبّدا ورقّا .. لا إله إلا الله إيمانا وصدقا “، ثم رفع رأسه من السجود وإن لحيته ووجهه قد غُمر بالماء من دموع عينيه .. فقلت : يا سيدي !.. أما آن لحزنك أن ينقضي ، ولبكائك أن تقلّ ؟.. فقال لي :
ويحك !.. إنّ يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام كان نبيّا ابن نبيّ ، كان له اثنا عشر ابنا ، فغيّب الله سبحانه واحدا منهم فشاب رأسه من الحزن ، واحدودب ظهره من الغم ّ، وذهب بصره من البكاء وابنه حي في دار الدنيا ، وأنا فقدت أبي وأخي وسبعة عشر من أهل بيتي صرعىً مقتولين ، فكيف ينقضي حزني ويقلّ بكائي ؟.. ص149
المصدر: الملهوف ص188

قال الباقر (ع) : سألت أبي علي بن الحسين عن حمْل يزيد له ، فقال : حملني على بعيرٍ يطلع بغير وطاء ، ورأس الحسين (ع) على علَم ، ونسوتنا خلفي على بغال فأكفّ ( أي أشرف على السقوط ) ، والفارطة ( أي الظلمة ) خلفنا وحولنا بالرماح ، إن دمعتْ من أحدنا عينٌ قُرع رأسه بالرمح …. الخبر .ص154
المصدر: الإقبال

قال حاجب عبيد الله بن زياد : أنه لما جيئ برأس الحسين (ع) أمر فوضع بين يديه في طست من ذهب ، وجعل يضرب بقضيب في يده على ثناياه ويقول : لقد أسرع الشيب إليك يا أبا عبد الله !.. فقال رجل من القوم : مه!.. فاني رأيت رسول الله (ص) يلثم حيث تضع قضيبك !.. فقال : يوم ٌبيوم بدر ، ثم أمر بعلي بن الحسين (ع) فغُلّ وحُمل مع النسوة والسبايا إلى السجن ، وكنت معهم ، فما مررنا بزقاق إلا وجدناه ملاء رجال ونساء ، يضربون وجوههم ويبكون ، فحُبسوا في سجن وطبّق عليهم .ص154
المصدر: أمالي الصدوق مجلس 31 رقم3

قال علي بن الحسين (ع) : يا عمّة اسكتي !.. ففي الباقي من الماضي اعتبار وأنت – بحمد الله – عالمة غير مُعلّمة ، فَهِمة غير مفهّمة .. إن البكاء والحنين لا يردان من قد أباده الدهر ، فسكتت .. ثم نزل (ع) وضرب فسطاطه وأنزل نساءه ودخل الفسطاط .ص164
المصدر: الاحتجاج

قال الصادق (ع) : لما أُدخل رأس الحسين بن علي عليهما السلام على يزيد – لعنه الله – وأُدخل عليه علي بن الحسين عليهما السلام وبنات أمير المؤمنين ، عليه وعليهن السلام ، كان علي بن الحسين (ع) مقيّدا مغلولا ، فقال يزيد لعنه الله : يا علي بن الحسين !.. الحمد لله الذي قتل أباك ، فقال علي بن الحسين (ع) : لعنةُ الله على من قتل أبي ..
فغضب يزيد وأمر بضرب عنقه !.. فقال علي بن الحسين (ع) : فإذا قتلتني فبنات رسول الله من يردّهم إلى منازلهم ، وليس لهم محرم غيري ؟..
فقال : أنت تردّهم إلى منازلهم .. ثم دعا بِمبرَد فأقبل يبرد الجامعة من عنقه بيده ، ثم قال له : يا علي بن الحسين : أتدري ما الذي أريد بذلك ؟..
قال : بلى تريد أن لا يكون لأحد عليّ منّة غيرك !.. فقال يزيد : هذا والله ما أردت .. ثم قال يزيد : يا علي بن الحسين { ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم } ..
فقال علي بن الحسين (ع) : كلا ، ما هذه فينا نزلت ، إنما نزلت فينا { ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلافي كتاب من قبل أن نبرأها } فنحن الذين لا نأسى على ما فاتنا ولا نفرح بما آتانا منها.ص169
المصدر: تفسير القمي

قال الصادق (ع) : لما قُتل الحسين (ع) أقامت امرأته الكلبية عليه مأتما ، وبكت وبكين النساء والخدم حتى جفّت دموعهن وذهبت ، فبينا هي كذلك إذا رأت جارية من جواريها تبكي ودموعها تسيل ، فدعتها فقالت لها :
ما لكِ أنت من بيننا تسيل دموعك ِ؟.. قالت : إني لما أصابني الجهد شربت شربة سويق .. قال : فأمرت بالطعام والأسوقة ، فأكلت وشربت وأطعمت وسقت وقالت : إنما نريد بذلك أن نتقوى على البكاء على الحسين (ع) .. وأُهدي إلى الكلبية جؤنا لتستعين بها على مأتم الحسين (ع) ، فلمّا رأت الجؤن قالت : ما هذه ؟.. قالوا : هدية أهداها فلان لتستعيني بها على مأتم الحسين (ع) ، فقالت : لسنا في عرس فما نصنع بها ؟.. ثم أمرت بهن فأُخرجن من الدار ، فلما اخرجن من الدار لم يُحس لها حس ، كأنما طرن بين السماء والأرض ، ولم يُر لهن بعد خروجهن من الدار أثر .
.ص170
المصدر: أصول الكافي 1/466

بيــان: الجوني ضرب من القطا سود البطون والأجنحة
قال الصادق (ع) : لما قدم علي بن الحسين (ع) ، وقد قُتل الحسين بن عليّ صلوات الله عليهم ، استقبله إبراهيم بن طلحة بن عبيد الله ، وقال : يا علي بن الحسين ، من غلب ؟.. وهو يغطي رأسه في المحمل .
فقال له علي بن الحسين (ع) : إذا أردت أن تعلم من غلب ودخل وقت الصلاة ، فأذّن ثم أقم .ص177
المصدر: أمالي الطوسي
قال علي بن الحسين (ع) : بلغني يا زائدة أنك تزور قبر أبي عبدالله أحيانا ؟.. فقلت : إن ذلك لكما بلغك .. فقال لي : فلماذا تفعل ذلك ولك مكان عند سلطانك الذي لايحتمل أحدا على محبتنا وتفضيلنا ، وذكر فضائلنا والواجب على هذه الأمة من حقنا ؟..
فقلت : والله ما أريد بذلك إلا الله ورسوله ، ولا أحفل بسخط من سخط ، ولايكبر في صدري مكروه ينالني بسببه .. فقال : والله إن ذلك لكذلك .. فقلتُ : والله !.. إن ذلك لكذلك ” يقولها ثلاثا وأقولها ثلاثا ” فقال :
أبشرْ ثم أبشرْ ثم أبشر !.. فلأخبرنّك بخبر ٍكان عندي في النخب المخزون .
إنه لما أصابنا بالطفّ ما أصابنا ، وقُتل أبي (ع) وقُتل من كان معه من ولده وإخوته وسائر أهله ، وحُملت حرمُه ونساؤه على الأقتاب ، يراد بنا الكوفة.
فجعلتُ أنظر إليهم صرعى ، ولم يوارَوا فيعظم ذلك في صدري ، ويشتد لما أرى منهم قلقي ، فكادت نفسي تخرج ، وتبيّنت ذلك مني عمتي زينب بنت عليّ الكبرى ، فقالت :
ما لي أراك تجود بنفسك يا بقيّة جدي وأبي وإخوتي ؟..
فقلتُ : وكيف لا أجزع وأهلع ، وقد أرى سيدي وإخوتي وعمومتي وولد عمي وأهلي مضرجين بدمائهم مرملين بالعراء ، مسلّبين ، لا يُكفّنون ولا يوارون ، ولا يعرج عليهم أحد ، ولا يقربهم بشر كأنهم أهل بيت من الديلم والخزر…. الخبر .ص179
المصدر: كامل الزيارات ص257
عن المنهال بن عمرو قال : أنا والله رأيت رأس الحسين (ع) حين حُمل وأنا بدمشق ، وبين يديه رجل يقرأ الكهف حتى بلغ قوله { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا } ..فأنطق الله الرأس بلسانٍ ذربٍ ذلق فقال (ع) :
أعجب من أصحاب الكهف ، قتلي وحملي !.. ص188
المصدر: الخرائج
عن عمربن علي بن الحسين قال : لما قُتل الحسين بن علي صلوات الله عليه لبس نساء بني هاشم السواد والمسوح ، وكن لا يشتكين من حر ولا برد ، وكان علي بن الحسين يعمل لهن الطعام للمأتم.ص188
المصدر: المحاسن ص420
روي أنه لما حمل علي بن الحسين (ع) إلى يزيد لعنه الله همّ بضرب عنقه ، فوقّفه بين يديه وهو يكلّمه ، ليستنطقه بكلمة يوجب بها قتله وعلي ّ(ع) يجيبه حسب ما يكلّمه ، وفي يده سبحة صغيرة يديرها بأصابعه ، وهو يتكلم فقال له يزيد : أكلمك وأنت تجيبني ، وتدير أصابعك بسبحة في يدك ؟.. فكيف يجوز ذلك ؟..
فقال : حدثني أبي عن جدي : أنه كان إذا صلّى الغداة وانفتل ، لا يتكلم حتى يأخذ سُبحة بين يديه ، فيقول :
اللهم !.. إني أصبحتُ أُسبّحك وأمجّدك وأحمدك وأهلّلك بعدد ما أُدير به سبحتي ، ويأخذ السبحة ويديرها ، وهو يتكلم بما يريد من غير أن يتكلّم بالتسبيح ، وذكر أن ذلك مُحتسب له ، وهو حرز إلى أن يأوي إلى فراشه ، فإذا آوى إلى فراشه قال مثل ذلك القول ، ووضع سبحته تحت رأسه ، فهي محسوبة له من الوقت إلى الوقت .
ففعلتُ هذا اقتداءً بجدي ، فقال له يزيد : لست أكلّم أحدا منكم إلا ويجيبني بما يعوذ به ، وعفا عنه ووصله وأمر بإطلاقه .ص200
المصدر: دعوات الراوندي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى