الجزء الخامس والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع)

باب شهادة ولدي مسلم الصغيرين رضي الله عنهما

فلماكان في بعض الليل ، سمع غطيط الغلامين في جوف البيت ، فأقبل يهيج كما يهيج البعير الهائج ، ويخور كما يخور الثور ، ويلمس بكفّه جدار البيت حتى وقعت يده على جنب الغلام الصغير ، فقال له : من هذا ؟.. قال : أما أنا فصاحب المنزل فمن أنتما ؟..
فأقبل الصغير يحرك الكبير ، ويقول : قم يا حبيبي!.. فقد والله وقعنا فيما كنا نحاذره ، قال لهما : من أنتما ؟..
قالا له : يا شيخ !.. إن نحن صدقناك فلنا الأمان ؟.. قال : نعم .
قالا : أمان الله وأمان رسوله وذمة الله وذمة رسوله (ص) ؟.. قال : نعم .
قالا : ومحمد بن عبدالله على ذلك من الشاهدين ؟.. قال : نعم .
قالا : والله على ما نقول وكيل وشهيد ؟.. قال : نعم .
قالا له : ياشيخ !.. فنحن من عترة نبيك محمد (ص) هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل ، فقال لهما : من الموت هربتما ، وإلى الموت وقعتما .. الحمدلله الذي أظفرني بكما .
فقام إلى الغلامين فشد أكتافهما ، فبات الغلامان ليلتهما مكتّفين ، فلما انفجر عمود الصبح دعا غلاما له أسود يقال له فليح ، فقال له :
خذ هذين الغلامين فانطلق بهما إلى شاطئ الفرات واضرب أعناقهما ، وائتني برؤوسهما لأنطلق بهما إلى عبيدالله بن زياد ، وآخذ جائزة ألفي درهم ، فحمل الغلامُ السيف ومشى أمام الغلامين .
فما مضى إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا أسود!.. ما أشبه سوادك بسواد بلال مؤذّن رسول الله (ص).. قال :
إن مولاي قد أمرني بقتلكما فمن أنتما ؟.. قالا له :
يا أسود !.. نحن من عترة نبيك محمد (ص) هربنا من سجن عبيدالله بن زياد من القتل .. أضافتنا عجوزكم هذه ، ويريد مولاك قتلنا ، فانكبّ الأسود على أقدامهما يقبّلهما ويقول :
نفسي لنفسكما الفداء ، ووجهي لوجهكما الوقاء ، يا عترة نبي الله المصطفى !.. والله لا يكون محمد خصمي في القيامة .
ثم عدا فرمى بالسيف من يده ناحية ، وطرح نفسه في الفرات ، وعبر إلى الجانب الآخر ، فصاح به مولاه يا غلام!.. عصيتني ؟..
فقال : يا مولاي !.. إنما أطعتك مادمت لا تعصي الله ، فإذا عصيت الله فأنا منك بريء في الدنيا والآخرة .. فدعا ابنه فقال : يا بنيّ !.. إنما أجمع الدنيا حلالها وحرامها لك ، والدنيا محرص عليها ، فخذهذين الغلامين إليك ، فانطلقْ بهما إلى شاطئ الفرات ، فاضرب أعناقهما وائتني برؤوسهما ، لأنطلق بهما إلى عبيدالله بن زياد وآخذ جائزة ألفي درهم .
فأخذ الغلام السيف ومشى أمام الغلامين ، فما مضيا إلا غير بعيد حتى قال أحد الغلامين : يا شاب !.. ما أخوفني على شبابك هذا من نار جهنم ؟..
فقال : ياحبيبي ، فمن أنتما ؟.. قالا : من عترة نبيك محمد (ص) يريد والدك قتلنا ؟.. فانكبّ الغلام على أقدامهما يقبلهما ويقول لهما مقالة الاسود ، ورمى بالسيف ناحية ، وطرح نفسه في الفرات وعبر ، فصاح به أبوه يابني عصيتني ؟.. قال : لئن أطيع الله وأعصيك ، أحبّ إلي من أن أعصي الله وأطيعك .
قال الشيخ : لا يلي قتلكما أحد غيري ، وأخذ السيف ومشى أمامهما ، فلما صار إلى شاطئ الفرات سلّ السيف عن جفنه ، فلما نظر الغلامان إلى السيف مسلولا اغرورقت أعينهما .
وقالا له : يا شيخ!.. انطلق بنا إلى السوق واستمتع بأثماننا ، ولا تُرد أن يكون محمد خصمك في القيامة غدا ، فقال : لا ، ولكن أقتلكما وأذهب برؤوسكما إلى عبيدالله بن زياد وآخذ جائزة ألفين .
فقالا له : ياشيخ !.. أما تحفظ قرابتنا من رسول الله ؟.. فقال : ما لكما من رسول الله قرابة ، قالا له : ياشيخ !.. فائت بنا إلى عبيدالله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره ، قال : ما إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما .
قالا له : يا شيخ !.. أما ترحم صغر سننا ؟.. قال : ماجعل الله لكما في قلبي من الرحمة شيئا .
قالا : ياشيخ !.. إن كان ولا بد ، فدعنا نصلي ركعات .
قال : فصليا ماشئتما إن نفعتكما الصلاة ، فصلى الغلامان أربع ركعات.. ثم رفعا طرفيهما إلى السماء فناديا : يا حي يا حليم ، يا أحكم الحاكمين ، احكم بيننا وبينه بالحق !.. فقام إلى الأكبر فضرب عنقه ، وأخذ برأسه ووضعه في المخلاة ، وأقبل الغلام الصغير يتمرغ في دم أخيه وهويقول : حتى ألقى رسول الله وأنا مختضب بدم أخي ، فقال : لا عليك ، سوف ألحقك بأخيك !..
ثم قام إلى الغلام الصغير ، فضرب عنقه وأخذ رأسه ، ووضعه في المخلاة ، ورمى ببدنهما في الماء وهما يقطران دماً ..
ومر حتى أتى بهما عبيدالله بن زياد ، وهو قاعد على كرسي له ، وبيده قضيب خيزران ، فوضع الرأسين بين يديه ، فلما نظر إليهما قام ثم قعد، ثم قام ثم قعد” ثلاثا ” .. ثم قال : الويل لك !.. أين ظفرتَ بهما ؟..
قال : أضافتهما عجوز لنا .. قال : فما عرفتَ لهما حق الضيافة ؟..
قال : لا ، قال : فأي شي ء قالا لك ؟..
قال : قالا: يا شيخ!.. اذهب بنا إلى السوق ، فبعنا فانتفع بأثماننا ولاترد أن يكون محمد خصمك في القيامة ، قال : فأي شيء قلت لهما ؟.. قال :
قلت : لا ، ولكن أقتلكما وأنطلق برؤوسكما إلى عبيدالله بن زياد ، وآخذ جائزة ألفي درهم ، قال : فأي شيء قالا لك ؟..
قال : قالا : ائت بنا إلى عبيدالله بن زياد حتى يحكم فينا بأمره !.. قال : فأي شيء قلت ؟.. قال : قلت : ليس إلى ذلك سبيل إلا التقرب إليه بدمكما .
قال : أفلا جئتني بهما حيين ؟.. فكنت أضعّف لك الجائزة ، وأجعلها أربعة آلاف درهم ؟.. قال : ما رأيت إلى ذلك سبيلا إلا التقرب إليك بدمهما ..
قال : فأي شيء قالا لك أيضا ؟.. قال : قالا لي : يا شيخ !..احفظ قرابتنا من رسول الله ، قال : فأي شيء قلت لهما ؟.. قال : قلت لهما : ما لكما من رسول الله قرابة .. قال : ويلك !.. فأي شيء قالا لك أيضا ؟..
قال : قالا : يا شيخ !.. ارحم صغر سننا ، قال : فما رحمتهما ؟..
قال : قلت : ما جعل الله لكما من الرحمة في قلبي شيئا .. قال : ويلك !.. فأي شيء قالا لك أيضا ؟..
قال : قالا : دعنا نصلي ركعات ، فقلت : فصليا ماشئمتا إن نفعتكما الصلاة ، فصلي الغلامان أربع ركعات ، قال : فأي شيء قالا في آخر صلاتهما ؟..
قال : رفعا طرفيهما إلى السماء وقالا : يا حي يا حليم ، يا أحكم الحاكمين ، احكم بيننا وبينه بالحق!..
قال عبيدالله بن زياد : فإن أحكم الحاكمين قد حكم بينكم .. من للفاسق ؟.. قال : فانتدب له رجل من أهل الشام ، فقال : أنا له ، قال : فانطلقْ به إلى الموضع الذي قتل فيه الغلامين ، فاضرب عنقه ، ولا تترك أن يختلط دمه بدمهما وعجّل برأسه !..
ففعل الرجل ذلك ، وجاء برأسه فنصبه على قناة ، فجعل الصبيان يرمونه بالنبل والحجارة ، وهم يقولون : هذا قاتل ذرية رسول الله (ص) .ص105
المصدر: أمالي الصدوق مجلس 19 رقم 2

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى