الجزء الخامس والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع)

باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته

فجعل برُير يضاحك عبد الرحمن ، فقال له عبد الرحمن : يا بُرير أتضحك ؟.. ما هذه ساعة باطل ، فقال برير : لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا ولا شابا ، وإنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه ، فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعالجهم ساعة ، ثم نعانق الحور العين .ص1
المصدر: الملهوف ص84

قال علي بن الحسين (ع) : إني جالس في تلك الليلة التي قُتل أبي في صبيحتها وعندي عمتي زينب تمرّضني ، إذا اعتزل أبي خباء له ، وعنده فلان مولى أبي ذر الغفاري وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبي يقول :
يا دهر أفّ لك ِمن خليل***كم لكِ بالإشراق والأصيل
من صاحبٍ وطالبٍ قتيل*** والدهر لايقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل*** وكل حيّ سالك سبيلي
فأعادها مرتين ، أو ثلاثا حتى فهمتها وعلمت ما أراد فخنقتني العبرة ، فرددتها ولزمت السكوت ، وعلمت أن البلاء قد نزل ، وأما عمتي فلما سمعت ما سمعت – وهي امرأة ومن شأن النساء الرقة والجزع – فلم تملك نفسها أن وثبتْ تجرّ ثوبها وهي حاسرة حتى انتهت إليه ، وقالت :
واثكلاه !.. ليت الموت أعدمني الحياة ، اليوم ماتت أمي فاطمة ، وأبي علي ، وأخي الحسن ، يا خليفة الماضي ، وثمال الباقي !..فنظر إليها الحسين (ع) وقال لها : يا أخته لايذهبن حلمك الشيطان !.. وترقرقت عيناه بالدموع ، وقال : لو ترك القطا ليلا لنام ، فقالت :
يا ويلتاه !.. أفتغتصب نفسك اغتصابا ؟.. فذلك أقرح لقلبي وأشدّ على نفسي ، ثم لطمت وجهها ، وهوت إلى جيبها وشقته وخرت مغشية عليها ..
فقام إليها الحسين (ع) فصَب على وجهها الماء وقال لها :
يا أختاه !.. اتقي الله وتعزي بعزاء الله ، واعلمي أن أهل الأرض يموتون ، وأهل السماء لايبقون ، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله تعالى ، الذي خلق الخلق بقدرته ، ويبعث الخلق ويعودون ، وهو فرد وحده ، وأبي خير مني ، وأمي خير مني ، وأخي خير مني ، ولي ولكل مسلم برسول الله أسوة ، فعزاها بهذا ونحوه ، وقال لها :
يا أختاه !.. إني أقسمت عليكِِ فأبري قسمي : لاتشقّي عليّ جيبا ، ولا تخمشي عليّ وجها ، ولا تدعي عليّ بالويل والثبور إذا أنا هلكت ، ثم جاء بها حتى أجلسها عندي ..
ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يقرن بعضهم بيوتهم من بعض ، وأن يُدخلوا الأطناب بعضها في بعض ، وأن يكونوا بين البيوت ، فيقبلوا القوم في وجه واحد والبيوت من ورائهم وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم قد حفّت بهم ، إلا الوجه الذي يأتيهم منه عدوهم .
ورجع (ع) إلى مكانه فقام ليلته كلها يصلي ويستغفر ويدعو ويتضرع ، وقام أصحابه كذلك يصلون ويدعون ويستغفرون . ص3
المصدر: بحار الانوارج45/ص3
فلما كان وقت السحر خفق الحسين برأسه خفقة ثم استيقظ ، فقال : أتعلمون ما رأيت في منامي الساعة ؟..
فقالوا : وما الذي رأيت يا بن رسول الله ؟.. فقال : رأيت كأن كلابا قد شدّت علي لتنهشني ، وفيها كلب أبقع رأيته أشدها عليّ ، وأظن أن الذي يتولى قتلي رجل أبرص من بين هؤلاء القوم ، ثم إني رأيت بعد ذلك جدي رسول الله (ص) ومعه جماعة من أصحابه وهو يقول لي :
يا بني!.. أنت شهيد آل محمد ، وقد استبشر بك أهل السماوات وأهل الصفيح الأعلى ، فليكن إفطارك عندي الليلة عجّل ولا تؤخّر !.. فهذا ملك قد نزل من السماء ليأخذ دمك في قارورة خضراء ، فهذا ما رأيتُ وقد أزف الأمر ، واقترب الرحيل من هذه الدنيا لا شك في ذلك .ص3
المصدر: المناقب

قال علي بن الحسين (ع) : لما أصبحت الخيل تُقبل على الحسين (ع) رفع يديه وقال :
اللهم !.. أنت ثقتي في كل كرب ، ورجائي في كل شدة ، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة ، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد ، وتقلّ فيه الحيلة ، ويخذل فيه الصديق ، ويشمت فيه العدو ، أنزلتُه بك وشكوته إليك ، رغبة مني إليك عمن سواك ، ففرّجته وكشفته ، فأنت ولي كل نعمة ، وصاحب كل حسنة ، ومنتهى كل رغبة .
فأقبل القوم يجولون حول بيت الحسين ، فيرون الخندق في ظهورهم والنار تضطرم في الحطب والقصب الذي كان أُلقي فيه ، فنادى شمر بن ذي الجوشن بأعلى صوته : ياحسين أتعجّلت بالنارقبل يوم القيامة ؟..
فقال الحسين (ع) : من هذا ، كأنه شمر بن ذي الجوشن ؟.. فقالوا : نعم ، فقال له : يا بن راعية المعزى ، أنت أولى بها صليا ، ورام مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم فمنعه الحسين (ع) من ذلك ، فقال له :
دعني حتى أرميه ، فإن الفاسق من أعداء الله وعظماء الجبارين ، وقد أمكن الله منه ، فقال له الحسين (ع) : لا ترمه !.. فاني أكره أن أبدأهم بقتال .ص5
المصدر: الإرشاد ص217

وتقدم الحسين (ع) حتى وقف بإزاء القوم ، فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل ، ونظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة ، فقال :
الحمدلله الذي خلق الدنيا فجعلها دارفناء وزوال ، متصرفة بأهلها حالا بعد حال ، فالمغرور من غرّته والشقي من فتنته ، فلا تغرنكم هذه الدنيا ، فإنها تقطع رجاء من ركن إليها ، وتخيّب طمع من طمع فيها ، وأراكم قد اجتمعتم على أمرٍ قد أسخطتم الله فيه عليكم ، وأعرض بوجهه الكريم عنكم ، وأحلّ بكم نقمته ، وجنّبكم رحمته ، فنعم الرب ربّنا ، وبئس العبيد أنتم !..
أقررتم بالطاعة ، وآمنتم بالرسول محمد (ص) ، ثم إنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم ، لقد استحوذ عليكم الشيطان ، فأنساكم ذكر الله العظيم ، فتبّا لكم ولما تريدون ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، هؤلاء قوم كفروا بعد إيمانهم فبُعداً للقوم الظالمين .ص6
المصدر: تسلية المجالس

ودعا الحسين (ع) براحلته فركبها ونادى بأعلى صوته : ياأهل العراق – وجُلّهم يسمعون – فقال :
أيها الناس !.. اسمعوا قولي ولاتعجلوا حتى أعظكم بمايحق لكم عليّ ، وحتى أعذر عليكم ، فإن أعطيتموني النَّصف كنتم بذلك أسعد، وإن لم تعطوني النصف من أنفسكم { فاجمعوا رأيكم ثم لايكن أمركم علكيم غمة ثم اقضوا إلي ولاتنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهويتولى الصالحين } ، ثم حمدالله وأثنى عليه وذكر الله بما هو أهله ، وصلى على النبي وعلى ملائكته وعلى أنبيائه ، فلم يُسمع متكلم قط قبله ولابعده ، أبلغ منه في منطق .ص6
المصدر: الإرشاد ص217

ثم قال لهم الحسين (ع) : فإن كنتم في شك من هذا ، أفتشكون أني ابن بنت نبيكم ؟.. فوالله ما بين المشرق والمغرب ابن بنت نبي غيري فيكم ولا في غيركم ، ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته ؟.. أو مالٍ لكم استهلكته ؟.. أوبقصاص من جراحة ؟..
فأخذوا لايكلمونه ، فنادى : يا شبث بن ربعي !.. يا حجّار بن أبجر !.. يا قيس بن الأشعث ! .. يا يزيد بن الحارث !.. ألم تكتبوا إلي أن قد أينعت الثمار ، واخضرّ الجناب ، وإنما تقدم على جند لك مجنّد ؟..
فقال له قيس بن الأشعث : ما ندري ما تقول ؟.. ولكن انزل على حكم بني عمك ، فإنهم لن يروك إلا ما تحب ، فقال لهم الحسين (ع) : لا والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ، ولا أقرّ لكم إقرار العبيد ..
ثم نادى : يا عباد الله !.. إني عذت بربي وربكم أن ترجمون ، وأعوذ بربي وربكم من كل متكبر لايؤمن بيوم الحساب .ص7
المصدر: الإرشاد ص217

وأحاطوا بالحسين من كل جانب ، حتى جعلوه في مثل الحلقة ، فخرج (ع) حتى أتى الناس فاستنصتهم ، فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم :
ويلكم !.. ما عليكم أن تنصتوا إليّ فتسمعوا قولي ، وإنما أدعوكم إلى سبيل الرشاد ، فمن أطاعني كان من المرشَدين ، ومن عصاني كان من المهلَكين ، وكلكم عاص لأمري ، غير مستمع قولي ، فقد مُلئت بطونكم من الحرام ، وطُبع على قلوبكم ، ويلكم ألا تنصتون ؟!.. ألا تسمعون ؟!..
فتلاوم أصحاب عمر بن سعد بينهم ، وقالوا : أنصتوا له .
فقام الحسين (ع) ثم قال : تبا لكم أيتها الجماعة وترحا ، أفحين استصرختمونا ولهين متحيرين ، فأصرختكم مؤدِّين مستعدِّين ، سللتم علينا سيفا في رقابنا ، وحششتم علينا نارالفتن ، خباها عدوكم وعدونا ، فأصبحتم إلبا على أوليائكم ، ويداً عليهم لأعدائكم ، بغير عدلٍ أفشوه فيكم ، ولا أملٍ أصبح لكم فيهم ، إلا الحرام من الدنيا أنالوكم ، وخسيس عيش طمعتم فيه ، من غير حدث كان منا ولا رأي تفيل لنا ، فهلاّ – لكم الويلات – إذ كرهتمونا وتركتمونا ، تجهزتموها والسيف لم يُشهر ، والجاش طامن ، والرأي لم يستحصف ، ولكن أسرعتم علينا كطيرة الذباب ، وتداعيتم كتداعي الفراش .
فقبحا لكم !.. فإنما أنتم من طواغيت الأمة وشذّاذ الأحزاب ، ونبذة الكتاب ، ونفثة الشيطان ، وعصبة الآثام ، ومحرّفي الكتاب ، ومطفئي السنن ، وقتلة أولاد الأنبياء ، ومبيري عترة الأوصياء ، وملحقي العهار بالنسب ، ومؤذي المؤمنين ، وصراخ أئمة المستهزئين ، الذين جعلوا القرآن عضين ….
ألا إن الدعي بن الدعي قد ركّز بين اثنتين : بين القلّة والذلة ، وهيهات ما آخذالدنية !.. أبى الله ذلك ورسوله ، وجدود طابت ، وحجور طهرت ، وأنوف حمية ، ونفوس أبية ، لاتؤْثر مصارع اللئام على مصارع الكرام ، ألا قد أعذرت وأنذرت ، ألا إني زاحف بهذه الأسرة ، على قلة العتاد ، وخذلة الأصحاب ، ثم أنشأ يقول :
فإن نَهزِم فهزّامون قدْما***وإن نُهزم فغيرمهزّمينا
وما إن طبّنا جبن ولكن***منايانا ودولة آخرينا
ألا !.. ثم لا تلبثون بعدها إلا كريث ما يركب الفرس ، حتى تدور بكم الرحى ، عهدٌ عهده إليّ أبي عن جدي ، فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم كيدوني جميعا فلا تنظرون ، إني توكلت على الله ربي وربكم ، ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم ..
اللهم احبس عنهم قطر السماء ، وابعث عليهم سنين كسني يوسف ، وسلّط عليهم غلام ثقيف ، يسقيهم كأسا مصبّرة ، ولايدع فيهم أحدا إلا قتله قتلةً بقتلة ، وضربة بضربة ، ينتقم لي ولأوليائي وأهل بيتي وأشياعي منهم ، فإنهم غرّونا وكذبونا وخذلونا ، وأنت ربنا عليك توكلّنا وإليك أنبنا وإليك المصير ، ثم قال : أين عمر بن سعد ؟.. ادعوا لي عمر !.. فدُعي له ، وكان كارهاً لايحب أن يأتيه فقال :
يا عمر أنت تقتلني ؟.. تزعم أن يوليك الدعي بن الدعي بلاد الري وجرجان ، والله لاتتهنأ بذلك أبدا ، عهدا معهودا ، فاصنع ما أنت صانع ، فإنك لا تفرح بعدي بدنيا ولا آخرة ، ولكأني برأسك على قصبة قد نصب بالكوفة ، يتراماه الصبيان ويتخذونه غرضا بينهم .. فاغتاظ عمر من كلامه ، ثم صرف بوجهه عنه ونادى بأصحابه :
ما تنتظرون به ؟.. احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة .
ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه ، وعبّأ أصحابه . ص10
المصدر: المناقب

فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين (ع) قال لعمر بن سعد : أي عمر !.. أمقاتل أنت هذا الرجل ؟.. قال : إي والله قتالا شديدا ، أيسره أن تسقط الرؤوس ، وتطيح الأيدي .
قال : أفما لكم فيما عرضه عليكم رضاً ؟..
قال عمر : أمَا لوكان الأمر إليّ لفعلت ، ولكن أميرك قد أبى .
فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا ومعه رجل من قومه يقال له قرّة بن قيس ، فقال له : يا قرّة !.. هل سقيت فرسك اليوم ؟.. قال : لا .
قال : فما تريدأن تسقيه ؟.. قال قرة : فظننت والله إنه يريد أن يتنحى ولايشهد القتال ، فكره أن أراه حين يصنع ذلك .
فقلت له : لم أسقِه وأنا منطلقٌ فأسقيه ، فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه ، فوالله لو أنه أطلعني على الذي يريد ، لخرجتُ معه إلى الحسين ، فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا ، فقال له مهاجر بن أوس : ماتريد يا بن يزيد ؟.. أتريد أن تحمل ؟.. فلم يجبه فأخذه مثل الافكل – وهي الرعدة – .
فقال له المهاجر : إن أمرك لمريب ، والله مارأيت منك في موقف قط مثل هذا ، ولو قيل لي : من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك !..
فما هذا الذي أرى منك ؟.. فقال له الحرّ :
إني والله أخير نفسي بين الجنة والنار ، فو الله لا أختار على الجنة شيئا ، ولوقُطّعت و أحرقت ، ثم ضرب فرسه فلحق الحسين (ع) فقال له :
جعلت فداك يا بن رسول الله !.. أنا صاحبك الذي حبستُك عن الرجوع ، وسايرتك في الطريق ، وجعجعتُ بك في هذا المكان ، وما ظننت أن القوم يردّون عليك ما عرضتَه عليهم ، ولايبلغون منك هذه المنزلة ، والله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما أرى ماركبتُ مثل الذي ركبت ، وأنا تائب إلى الله مما صنعت ، فترى لي من ذلك توبة ؟..
فقال له الحسين (ع) : نعم !.. يتوب الله عليك ، فانزلْ ، فقال :
أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة ، وإلى النزول ما يصير آخر أمري ، فقال له الحسين (ع) : فاصنع – يرحمك الله – ما بدا لك .. فاستقدم أمام الحسين (ع) فقال :
يا أهل الكوفة !.. لأمّكم الهبل ( أي الثكل ) والعبر ( أي الموت ) ، أدعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه ؟.. وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ، ثم عدوتم عليه لتقتلوه ؟.. أمسكتم بنفسه ، وأخذتم بكلكله ، وأحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة ، فصار كالأسير في أيديكم : لا يملك لنفسه نفعا ولا يدفع عنها ضرا ، وحلأْتموه ونساءه وصبيته وأهله عن ماء الفرات الجاري ، تشربه اليهود والنصارى والمجوس ، وتمرغ فيه خنازير السواد وكلابهم ، وها هم قد صرعهم العطش ، بئسما خلفتم محمدا في ذريته ، لا سقاكم الله يوم الظمأ !.
فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل ، فأقبل حتى وقف أمام الحسين (ع) ونادى عمر بن سعد : يا دُريد!.. أدن رايتك ، فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى ، وقال : اشهدوا أني أول من رمى الناس . ص12
المصدر: الإرشاد ص219

فرمى أصحابه كلهم ، فما بقي من أصحاب الحسين (ع) إلا أصابه من سهامهم قيل : فلما رموهم هذه الرمية ، قلّ أصحاب الحسين (ع) وقُتل في هذه الحملة خمسون رجلا .ص12
المصدر: تسلية المجالس

فقال (ع) لأصحابه : قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لا بد منه ، فإن هذه السهام رسل القوم إليكم ..
فاقتتلوا ساعة من النهار حملة وحملة ، حتى قتل من أصحاب الحسين (ع) جماعة .. فعندها ضرب الحسين (ع) يده على لحيته ، وجعل يقول :
اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا ، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة ، واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه ، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم ، أما والله لا أجيبهم إلى شيء مما يريدون حتى ألقى الله تعالى ، وأنا مخضب بدمي ..
ثم صاح (ع) : أما من مُغيث يغيثنا لوجه الله ؟.. أما من ذابّ يذبّ عن حرم رسول الله؟.. ص12
المصدر: الملهوف ص89

إن الحرّ أتى الحسين (ع) فقال : يا بن رسول الله !.. كنت أول خارج عليك ، فائذن لي لاكون أول قتيل بين يديك ، وأول من يصافح جدك غدا ، وإنما قال الحر : لأكون أول قتيلٍ بين يديك ” والمعنى يكون أول قتيل من المبارزين وإلا فان جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الاولى كما ذكر ، فكان أول من تقدم إلى براز القوم ” .. وجعل ينشد ويقول :
ص14
المصدر: تسلية المجالس

رُوي أن الحر لما لحق بالحسين (ع) ، قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان : أما والله لولحقتهُ لأتبعتهُ السنان ، فبينما هو يقاتل وإن فرسه لمضروب على أذنيه وحاجبيه ، وإن الدماء لتسيل ، إذ قال الحصين : يا يزيد!.. هذا الحر الذي كنت تتمناه ، قال : نعم ، فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله ، وقتل أربعين فارسا وراجلا ، فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه ، وبقي راجلا وهويقول :
إني أنا الحر ونجل الحر***أشجع من ذي لبد هزبر
ولست بالجبان عند الكرّ***لكنني الوقّاف عند الفرّ
ثم لم يزل يقاتل حتى قتل رحمه الله ، فاحتمله أصحاب الحسين (ع) حتى وضعوه بين يدي الحسين (ع) وبه رمق ، فجعل الحسين يمسح وجهه ، ويقول : أنت الحر كما سمّتك أمك ، وأنت الحر في الدنيا ، وأنت الحر في الآخرة ..
ورثاه رجل من أصحاب الحسين (ع) وقيل : بل رثاه علي بن الحسين عليهما السلام :
لنعم الحرُّ حر بني رياحٍ***صبور عند مختلف الرماح
ونعم الحرّ إذ نادى حسينا***فجاد بنفسه عند الصياح
فيا ربي أضفه في جنان***وزوّجه مع الحور الملاح
ص14
المصدر: بحار الانوارج45/ص14

وكان كل من أراد الخروج ودّع الحسين (ع) وقال : السلام عليك يا بن رسول الله !.. فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفُك ، ويقرأ (ع) : { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} .
ثم برز بُرير بن خضير الهمداني بعد الحر ، وكان من عباد الله الصالحين فبرز وهويقول :
أنا برير وأبي خُضير***ليث يروع الأسد عند الزئر
يعرف فينا الخير أهل الخير***أضربكم ولا أرى من ضير
كذاك فعل الخير من برير
وجعل يحمل على القوم وهويقول : اقتربوا مني يا قَتَلة المؤمنين !.. اقتربوا مني ياقتلة أولاد البدريين !.. اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين وذريته الباقين !..
وكان برير أقرأ أهل زمانه ، فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا .
فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل ، فقال لبرير : أشهد أنك من المضلّين.
فقال له برير : هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا ، وأن يقتل المحقّ منا المبطلَ ، فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا ، وضربه برير ضربة قدّت المغفر ، ووصلت إلى دماغه ، فسقط قتيلا .
قال : فحمل رجل من أصحاب ابن زياد ، فقتَل بريراً رحمه الله .ص15
المصدر: بحار الانوارج45/ص15

ثم برز من بعده وهب بن عبدالله بن حباب الكلبي وقد كانت معه أمّه يومئذ فقالت : قم يا بني!.. فانصر ابن بنت رسول الله ، فقال : أفعل يا أمّاه ولا أقصّر.. ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة ، فرجع إلى أمه وامرأته فوقف عليهما فقال : يا أمّاه أرضيتِ ؟.. فقالت : ما رضيتُ أو تقتل بين يدي الحسين (ع) ، فقالت إمرأته : بالله لاتفجعني في نفسكَ !..
فقالت أمّه : يا بني!.. لا تقبل قولها وارجع ، فقاتل ْبين يدي ابن رسول الله ، فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله.
فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا واثني عشر راجلا ، ثم قُطّعت يداه فأخذت امرأته عمودا وأقبلت نحوه وهي تقول : فداك أبي وأمي !.. قاتل دون الطيبين حرم رسول الله ، فأقبل كي يردّها إلى النساء فأخذتْ بجانب ثوبه ، وقالت : لن أعود أو أموت معك .. فقال الحسين (ع):
جُزيتم من أهل بيتي خيرا !.. ارجعي إلى النساء رحمك ِالله ، فانصرفت .. وجعل يقاتل حتى قُتل رضوان الله عليه.. فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر ، فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها وقتلها ، وهي أول امرأة قتُلت في عسكر الحسين.ص17
المصدر: بحار الانوارج45/ص17

ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات ، فاضطربوا ساعة ، فصَرع مسلم بن عوسجة وانصرف عمرو وأصحابه ، وانقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع .ص20
المصدر: الإرشاد

فسقط إلى الأرض وبه رمق.. فمشى إليه الحسين ، ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين (ع) :
رحمك الله يامسلم !.. { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا } .. ثم دنا منه حبيب فقال :
يعزّ عليّ مصرعك يامسلم!.. أبشر بالجنة ، فقال له قولا ضعيفا : بشّرك الله بخير ، فقال له حبيب : لولا أعلم أني في الاثر لاحببت أن توصي إليّ بكل ما أهمك .. فقال مسلم : فإني أوصيك بهذا !.. وأشار إلى الحسين (ع) فقاتلْ دونه حتى تموت !.. فقال حبيب : لأنعمتك عينا ً، ثم مات رضوان الله عليه .. وصاحت جارية له ياسيداه !.. يا بن عوسجتاه !..
فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين : قتلنا مسلم بن عوسجة !..
فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله : ثكلتكم امهاتكم !.. أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم وتُذّلون عزّكم ، أتفرحون بقتل مسلم بن عوسجة ..
أما والذي أسلمتُ له!.. لربّ موقفٍ له في المسلمين كريم ، لقد رأيتُه يوم آذربيجان قَتل ستة من المشركين ، قبل أن تلتام خيول المسلمين.ص20
فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد والاثنان ، فيبين ذلك فيهم لقلّتهم ويُقتل من أصحاب عمر العشرة ، فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم .. فلما رأى ذلك أبوثمامة الصيداوي قال للحسين (ع) :
يا أبا عبدالله !.. نفسي لنفسك الفداء ، هؤلاء اقتربوا منك ، ولا والله لا تقتل حتى أقتل دونك ، وأحب أن ألقى الله ربي وقد صليت هذه الصلاة .
فرفع الحسين رأسه إلى السماء وقال : ذكرتَ الصلاة !.. جعلك الله من المصلين ، نعم هذا أول وقتها ، ثم قال : سلُوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي .
فقال الحصين بن نمير : إنها لا تُقبل !.. فقال حبيب بن مظاهر : لا تُقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله ، وتقبل منك ياختار ؟..
فحمل عليه حصين بن نمير ، وحمل عليه حبيب ، فضرب وجه فرسه بالسيف ، فشبّ به الفرس ، ووقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه .
فقال الحسين (ع) لزهير بن القين وسعيد بن عبدالله : تقدمّا أمامي حتى أصلي الظهر .. فتقدما أمامه في نحوٍ من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف ، ورُوي أن سعيد بن عبدالله الحنفي تقدم أما م الحسين (ع) ، فاستهدف لهم يرمونه بالنبل ، كلما أخذ الحسين (ع) يمينا وشمالا قام بين يديه ، فما زال يُرمى به حتى سقط إلى الأرض وهو يقول :
اللهم !.. العنهم لعن عاد وثمود ، اللهم أبلغ نبيك السلام عني !.. وأبلغه ما لقيت من ألم الجراح ، فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك .
ثم مات رضوان الله عليه ، فوُجد به ثلاثة عشر سهما ًسوى ما به من ضرب السيوف وطعن الرماح.ص21
المصدر: تسلية المجالس

قال السيد : فخرج عمرو بن قرظة الانصاري فاستأذن الحسين (ع) فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء ، وبالغ في خدمة سلطان السماء ، حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد ، وجمع بين سدادٍ وجهاد ٍ، وكان لايأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده ، ولا سيف إلا تلقاه بمهجته ، فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أُثخن بالجراح .
فالتفت إلى الحسين (ع) وقال : يا بن رسول الله ، أوَفيتُ ؟.. قال : نعم !.. أنت أمامي في الجنة ، فاقرئ رسول الله مني السلام ، وأعلمه أني في الأثر .
فقاتل حتى قتل رضوان الله عليه .ص22
المصدر: الملهوف ص94

قال السيد : ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري وكان عبداً أسود ، فقال له الحسين : أنت في إذن مني ، فإنما تبعتنا طلباً للعافية ، فلا تبتل بطريقنا ، فقال : يا بن رسول الله !.. أنا في الرخاء ألحس قصاعكم ، وفي الشدة أخذلُكم والله إن ريحي لمنتن ، وإن حسبي للئيم ، ولوني لأسود ، فتنفّس عليّ بالجنة ، فتطيب ريحي ، ويشرف حسبي ، ويبيض وجهي ؟.. لا والله !.. لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم.ص22
المصدر: الملهوف ص94

ثم قاتل حتى قُتِل ، فوقف عليه الحسين (ع) وقال : اللهم !.. بيّض وجهه ، وطيّب ريحه ، واحشره مع الأبرار ، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد. ص23
المصدر: تسلية المجالس

ورُوي عن الباقر (ع) عن علي بن الحسين عليهما السلام : أن الناس كانوا يحضرون المعركة ، ويدفنون القتلى ، فوجدوا جونا بعد عشرة أيام ، يفوح منه رائحة المسك رضوان الله عليه.ص23
المصدر: بحار الانوارج45/ص23

قال السيد : فتقدم سويد بن عمرو بن أبي المطاع ، وكان شريفا كثير الصلاة ، فقاتل قتال الأسد الباسل ، وبالغ في الصبر على الخطب النازل ، حتى سقط بين القتلى وقد أُثخن بالجراح ، فلم يزل كذلك وليس به حراك ، حتى سمعهم يقولون :
قُتل الحسين ، فتحامل وأخرج سكينا من خُفّه ، وجعل يقاتل حتى قتل .ص24
المصدر: الملهوف ص98

ثم خرج شاب قُتل أبوه في المعركة وكانت أمه معه ، فقالت له أمُّه :
اخرج يا بني !.. وقاتل بين يدي ابن رسول الله !.. فخرج فقال الحسين (ع) :
هذا شاب قُتل أبوه ، ولعل أمّه تكره خروجه ، فقال الشاب : أمي أمرتني بذلك فبرز وهو يقول :
أميري حسين ونعم الأمير***سرور فؤاد البشير النذير
عليّ وفاطمة والداه***فهل تعلمون له من نظير
له طلعة مثل شمس الضحى*** له غرّة مثل بدر منير
وقاتل حتى قُتل وجُزّ رأسه، ورمي به إلى عسكر الحسين (ع).
فحملت أمّه رأسه ، وقالت : أحسنتَ يا بني !.. يا سرور قلبي ويا قرة عيني !.. ثم رمت برأس ابنها رجلا ، فقتلته وأخذت عمود خيمته ، وحملت عليهم وهي تقول :
أنا عجوز سيدي ضعيفة***خاوية بالية نحيفة
أضربكم بضربة عنيفة***دون بني فاطمة الشريفة
وضربت رجلين فقتلتهما ، فأمر الحسين (ع) بصرفها ودعا لها .ص28
المصدر: تسلية المجالس

وجاء عابس بن أبي شبيب الشاكري ، معه شوذب مولى شاكر ، وقال : يا شوذب !.. ما في نفسك أن تصنع ؟.. قال :
ما أصنع ؟.. أقاتل حتى أُقتل قال : ذاك الظن بك .
فتقدّمْ بين يدي أبي عبدالله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك ، فإن هذا يوم ٌينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه ، فإنه لا عمل بعد اليوم وإنما هو الحساب .. فتقدّم فسلّم على الحسين (ع) وقال :
يا أبا عبدالله !.. أما والله ما أمسى على وجه الأرض قريبٌ ولا بعيدٌ أعز علي ولا أحب إلي منك ، ولو قدرت على أن أدفع عنك الضيم ، أو القتل بشيء أعز عليّ من نفسي ودمي لفعلتُ .. السلام عليك يا أبا عبد الله !.. أشهدْ أني على هداك وهدى أبيك ، ثم مضى بالسيف نحوهم .
قال ربيع بن تميم : فلما رأيتُه مقبلا عرفته وقدكنت شاهدته في المغازي ، وكان أشجع الناس ، فقلت :
أيها الناس!.. هذا أسد الاسود ، هذا ابن أبي شبيب ، لايخرجن إليه أحدٌ منكم !.. فأخذ ينادي : ألا رجل ؟.. ألا رجل ؟..
فقال عمر بن سعد : ارضخوه بالحجارة من كل جانب ، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومِغْفره ، ثم شدّ على الناس ، فوالله لقد رأيت يطرد أكثر من مائتين من الناس ، ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب ، فقُتل .
فرأيت رأسه في أيدي رجالٍ ذوي عدّة ، هذا يقول : أنا قتلته ، والآخر يقول كذلك ، فقال عمر بن سعد : لا تختصموا !.. هذا لم يقتله إنسان واحد ، حتى فرّق بينهم بهذا القول .
ثم جاءه عبدالله وعبدالرحمن الغفاريان ، فقالا :
يا أبا عبدالله !..السلام عليك ، إنه جئنا لنُقتل بين يديك ، وندفع عنك ، فقال : مرحبا بكما ادنوا مني ، فدنوا منه ، وهما يبكيان ، فقال : ياابني أخي ما يبكيكما ؟.. فوالله إني لارجو أن تكونا بعد ساعة قريري العين .. فقالا : جعلنا الله فداك !.. والله ماعلى أنفسنا نبكي ، ولكن نبكي عليك ، نراك قد أُحيط بك ، ولانقدر على أن ننفعك .
فقال : جزاكما الله ياابني أخي بوجدكما من ذلك ومواساتكما إياي بأنفسكما أحسن جزاء المتقين ..
ثم استقدما وقالا : السلام عليك يا ابن رسول الله ، فقال : وعليكما السلام ورحمة الله وبركاته .. فقاتلا حتى قُتلا .
ثم خرج غلام تركي كان للحسين (ع) وكان قارئا للقرآن ، فجعل يقاتل ويرتجز ويقول :
البحر من طعني وضربي يصطلي***والجو من سهمي ونبلي يمتلي
إذا حسامي في يميني ينجلي***ينشق قلب الحاسد المبجل
فقتل جماعة ثم سقط صريعا ،فجاءه الحسين (ع) فبكى ووضع خده على خده ففتح عينه ، فرأى الحسين (ع) فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه .ص30
المصدر: تسلية المجالس

ثم جاء آخر فقال : أين الحسين ؟.. فقال : ها أنا ذا ، قال : أبشر بالنار ، قال : أبشر برب رحيم ، وشفيع مطاع ، من أنت ؟..
قال : أناشمر بن ذي الجوشن ، قال : الحسين (ع) : الله أكبر !..
قال رسول الله (ص) : رأيت كأن كلبا أبقع يلغ في دماء أهل بيتي ، وقال الحسين (ع) : : رأيت كأن كلابا تنهشني ، وكأن فيها كلبا أبقع كان أشدهم عليّ ، وهو أنت ، وكان أبرص .
ونقلت من الترمذي : قيل للصادق (ع) كم تتأخر الرؤيا ؟.. فذكر منام رسول الله (ص) فكان التأويل بعد ستين سنة .ص31
المصدر: مثير الأحزان

ولما قُتل أصحاب الحسين ولم يبق إلا أهل بيته ، وهم ولد علي ، وولد جعفر ، وولد عقيل ، وولد الحسن ، وولده عليهم السلام اجتمعوا يودع بعضهم بعضا ، وعزموا على الحرب فأول من برز من أهل بيته عبد الله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب….ص32
المصدر: تسلية المجالس

ثم خرج من بعده عبدالله بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) – وفي أكثر الروايات أنه القاسم بن الحسن (ع) وهوغلام صغيرلم يبلغ الحلم – فلما نظر الحسين إليه قد برز ، اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غُشي عليهما ، ثم استأذن الحسين (ع) في المبارزة ، فأبى الحسين أن يأذن له ، فلم يزل الغلام يقبّل يديه ورجليه حتى أذن له ، فخرج ودموعه تسيل على خديه وهو يقول :
إن تكروني فأنا ابن الحسن***سبط النبي المصطفى والمؤتمن
هذا حسين كالأسير المرتهن***بين اناس لا سقوا صوب المزن
وكان وجهه كفلقة القمر ، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل على صغره خمسة وثلاثين رجلا .
قال حميد :كنت في عسكر ابن سعد فكنت أنظر إلى هذا الغلام عليه قميص وإزار ونعلان ، قد انقطع شسع أحدهما ، ما أنسى أنه كان اليسرى .
فقال : عمرو بن سعد الأزدي : والله لأشدن عليه ، فقلت :سبحان الله وماتريد بذلك ؟.. والله لوضربني مابسطتُ إليه يدي ، يكفيه هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه .. قال : والله لأفعلن !..
فشد عليه ، فما ولّى حتى ضرب رأسه بالسيف ، ووقع الغلام لوجهه ، ونادى : يا عماه !.
فجاء الحسين كالصقر المنقضّ ، فتخلّل الصفوف ، وشدّ شدّة الليث الحرِب فضرب عمرا قاتله بالسيف ، فاتقاه بيده فأطنّها من المرفق .
فصاح ثم تنحّى عنه ، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمرا من الحسين فاستقبلتْه بصدورها ، وجرحته بحوافرها ، ووطئتْه حتى مات الغلام ، فانجلت الغبرة فإذا بالحسين (ع) قائم على رأس الغلام ، وهو يفحص برجله .
فقال الحسين : يعزّ والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك فلا يعينك ، أو يعينك فلا يغني عنك ، بُعداً لقوم ٍقتلوك !..
ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض ، وقد وضع صدره على صدره ، فقلت في نفسي : ما يصنع ؟.. فجاء حتى ألقاه بين القتلى من أهل بيته ثم قال : اللهم !.. أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تغادر منهم أحدا ، ولا تغفر لهم أبدا صبرا يا بني عمومتي ، صبرا يا أهل بيتي!.. لا رأيتم هوانا بعد هذا اليوم أبدا .ص36
المصدر: مقاتل الطالبيين ، تسلية المجالس

قال العباس بن علي لأخيه من أبيه وأمه عبد الله بن علي : تقدّم بين يديّ حتى أراك وأحتسبك فإنه لا ولد لك ، فتقدّم بين يديه وشدّ عليه هانئ بن ثبيت الحضرمي فقتله ، وبهذا الإسناد أن العباس بن علي قدّم أخاه جعفرا بين يديه ، فشدّ عليه هانئ بن ثبيت الذي قتل أخاه فقتله.ص38
المصدر: مقاتل الطالبيين ص59

وكان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهّم ورجلاه يخطان في الأرض ، وكان يقال له قمر بني هاشم ، وكان لواء الحسين (ع) معه .ص39
المصدر: مقاتل الطالبيين ص59

قال الباقر (ع) : إن زيد بن رقاد وحكيم بن الطفيل الطائي قتلا العباس بن علي (ع) ، وكانت أم البنين أم هؤلاء الأربعة الاخوة القتلى ، تخرج إلى البقيع فتندب بنيها أشجى ندبة وأحرقها ، فيجتمع الناس إليها يسمعون منها ، فكان مروان يجيئ فيمن يجيئ لذلك ، فلا يزال يسمع ندبتها ويبكي .ص40
المصدر: مقاتل الطالبيين ص59

وكان العباس السقاء ” قمر بني هاشم ” صاحب لواء الحسين (ع) ، وهو أكبر الاخوان ، مضى يطلب الماء فحملوا عليه وحمل عليهم وجعل يقول :
لا أرهب الموت إذا الموت رقا***حتى أُواري في المصاليت لقى
نفسي لنفس المصطفى الطهر وِقا*** إني أنا العباس أغدو بالسقا
ولا أخاف الشر يوم الملتقى
ففرّقهم فكمن له زيد بن ورقاء من وراء نخلة ، وعاونه حكيم بن الطفيل السنبسي ، فضربه على يمينه فأخذ السيف بشماله ، وحمل وهويرتجز :
والله إن قطعتم يميني***إني أحامي أبدا عن ديني
وعن إمام صادق اليقين*** نجل النبي الطاهر الأمين
فقاتل حتى ضَعُف ، فكمن له الحكم بن الطفيل الطائي من وراء نخلة ، فضربه على شماله فقال :
يا نفس لا تخشي من الكفار***وأبشري برحمة الجبار
مع النبي السيد المختار*** قد قطعوا ببغيهم يساري
فأصلهم يا رب حرّ النار
فضربه ملعونٌ بعمود من حديد فقتله ، فلما رآه الحسين (ع) صريعا على شاطئ الفرات بكى…. ص40
المصدر: بحار الانوارج45/ص40
إن العباس لما رأى وحدته (ع) أتى أخاه وقال : يا أخيّ هل من رخصة ؟.. فبكى الحسين (ع) بكاء شديداً ثم قال :
ياأخي أنت صاحب لوائي ، وإذا مضيت تفرّق عسكري !..
فقال العباس : قدضاق صدري وسئمت من الحياة ، وأريد أن أطلب ثأري من هؤلاء المنافقين .
فقال الحسين (ع) : فاطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء ، فذهب العباس ووعظهم وحذّرهم فلم ينفعهم ، فرجع إلى أخيه فأخبره ، فسمع الأطفال ينادون : العطش العطش !..
فركب فرسه وأخذ رمحه والقربة ، وقصد نحو الفرات فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات ، ورموه بالنبال فكشفهم ، وقتل منهم على ما رُوي ثمانين رجلا ، حتى دخل الماء .
فلما أراد أن يشرب غُرفة من الماء ، ذكر عطش الحسين وأهل بيته ، فرمى الماء وملأ القربة وحملها على كتفه الأيمن ، وتوجّه نحو الخيمة ، فقطعوا عليه الطريق وأحاطوا به من كل جانب ، فحاربهم حتى ضربه نوفل الأزرق على يده اليمنى فقطعها ، فحمل القربة على كتفه الأيسر ، فضربه نوفل فقطع يده اليسرى من الزند ، فحمل القربة بأسنانه فجاءه سهم فأصاب القربة وأُريق ماؤها ، ثم جاءه سهم آخر فأصاب صدره .. فانقلب عن فرسه وصاح إلى أخيه الحسين : أدركني !..
فلما أتاه رآه صريعا فبكى وحمله إلى الخيمة ثم قالوا : ولمّا قُتل العباس قال الحسين (ع) : الآن انكسر ظهري ، وقلّت حيلتي .ص42
المصدر: بحار الانوارج45/ص42

ثم تقدم علي بن الحسين (ع) ، وأمه ليلى بنت أبي مرة بن عروة بن مسعود الثقفي ، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة ، ويقال : ابن خمس وعشرين سنة . ص42
المصدر: المناقب 4/109

قالوا : ورفع الحسين سبابته نحو السماء وقال :اللهم !..اشهد على هؤلاء القوم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الناس خَلقا وخُلقا ومنطقا برسولك ، كناّ إذا اشتقنا إلى نبيّك نظرنا إلى وجهه .
اللهم !.. امنعهم بركات الأرض ، وفرّقهم تفريقا ، ومزّقهم تمزيقا ، واجعلهم طرائق قددا ، ولا تُرضِ الولاة عنهم أبدا ، فإنهم دعونا لينصرونا ، ثم عدوا علينا يقاتلوننا .
ثم صاح الحسين بعمر بن سعد : ما لكَ ؟.. قطع الله رحمك !.. ولا بارك الله لك في أمرك ، وسلّط عليك من يذبحك بعدي على فراشك ، كما قطعت رحمي ولم تحفظ قرابتي من رسول الله (ص) .
ثم رفع الحسين (ع) صوته وتلا : {إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم } ثم حَمل علي بن الحسين على القوم ، وهويقول :
أنا علي بن الحسين بن عليّ***من عصبة جد أبيهم النبيّ
والله لا يحكم فينا ابن الدعيّ***أطعنكم بالرمح حتى ينثني
أضربكم بالسيف أحمي عن أبي*** ضرب غلام هاشمي علويّ
فلم يزل يقاتل حتى ضج الناس من كثرة من قُتل منهم ، ورُوي أنه قتل على عطشه مائة وعشرين رجلاً ، ثم رجع إلى أبيه وقد أصابته جراحات كثيرة ، فقال : يا أبه !.. العطش قد قتلني ، وثقْل الحديد أجهدني ، فهل إلى شربةٍ من ماء سبيل أتقوى بها على الاعداء ؟.. فبكى الحسين (ع) وقال :
يا بني !.. يعزّ على محمد وعلى علي بن أبي طالب وعليّ أن تدعوهم فلا يجيبوك ، وتستغيث بهم فلا يغيثوك .
يا بني !.. هات لسانك ، فأخذ بلسانه فمصّه ، ودفع إليه خاتمه وقال :
أمسكه في فيْك وارجع إلى قتال عدوك ، فإني أرجو أنك لا تمُسي حتى يسقيك جدك بكأسه الأوفى شربة لا تظمأ بعدها أبدا ، فرجع إلى القتال وهويقول :
الحرب قد بانت لها الحقائق***وظهرت من بعدها مصادق
والله رب العرش لا نفارق***جموعكم أو تُغمد البوارق
فلم يزل يقاتل حتى قتل تمام المائتين .
ثم ضربه منقذ بن مرة العبدي على مفرق رأسه ضربةً صرعته ، وضربه الناس بأسيافهم ، ثم اعتنق فرسه فاحتمله الفرس إلى عسكر الأعداء فقطّعوه بسيوفهم إربا إربا ، فلما بلغت الروح التراقي قال رافعا صوته :
يا أبتاه !.. هذا جدي رسول الله (ص) قدسقاني بكأسه الاوفى شربة لا أظمأ بعدها أبدا ، وهو يقول : العجل العجل !.. فإن لك كأسا مذخورة حتى تشربها الساعة .
فصاح الحسين (ع) وقال : قتل الله قوما قتلوك ، ما أجرأهم على الرحمن وعلى رسوله ، وعلى انتهاك حرمة الرسول .. على الدنيا بعدك العفا ..
قال حميد بن مسلم : فكأني أنظر إلى امرأة خرجت مسرعة كأنها الشمس الطالعة تنادي بالويل والثبور ، وتقول :
يا حبيباه ، يا ثمرة فؤاداه ، يا نور عيناه !..
فسألتُ عنها ، فقيل : هي زينب بنت علي (ع) .
وجاءت وانكبّتْ عليه ، فجاء الحسين (ع) فأخذ بيدها فردها إلى الفسطاط ، وأقبل (ع) بفتيانه وقال : احملوا أخاكم !.. فحملوه من مصرعه ، فجاؤا به حتى وضعوه عند الفسطاط الذي كانوا يقاتلون أمامه.ص44
المصدر: بحار الانوارج45/44

لما برز علي بن الحسين إليهم ، أرخى الحسين (ع) عينيه فبكى ، ثم قال : اللهم !.. فكن أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم غلام أشبه الخلق برسول الله (ص) ، فجعل يشدّ عليهم ثم يرجع إلى أبيه فيقول : ياأبه ، العطش !.. فيقول له الحسين (ع) :
إصبر حبيبي !.. فإنك لا تمُسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه.
وجعل يكر ّكرّة بعد كرّة ، حتى رُمي بسهم فوقع في حلقه فخرقه ، وأقبل يتقلب في دمه ثم نادى : يا أبتاه ، عليك السلام !.. هذا جدي رسول الله يقرئك السلام ويقول عجّل القدوم علينا ، وشهق شهقة فارق الدنيا.ص45
المصدر: مقاتل الطالبيين ص85

وخرج غلام – وبيده عمود – من تلك الأبنية ، وفي أذنيه درّتان وهو مذعور، فجعل يلتفت يمينا وشمالا ، وقرطاه يتذبذبان ، فحمل عليه هانئ بن ثبيت فقتله ، فصارت شهربانو تنظر إليه ولاتتكلم كالمدهوشة .
ثم التفت الحسين عن يمينه فلم ير أحداً من الرجال ، والتفت عن يساره فلم ير أحدا ، فخرج علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام وكان مريضا لايقدر أن يقلّ سيفه ، وأم كلثوم تنادي خلفه : يا بني !.. ارجع ..
فقال : يا عمتاه !.. ذريني أقاتل بين يدي ابن رسول الله .
فقال الحسين (ع) : يا أم كلثوم !.. خذيه لئلا تبقى الأرض خالية من نسل آل محمد (ص).
ولما فُجع الحسين بأهل بيته وولده ، ولم يبق غيره وغير النساء والذراري ، نادى : هل من ذابّ يذب ّعن حرم رسول الله ؟.. هل من موحّد يخاف الله فينا ؟.. هل من مغيث يرجوالله في إغاثتنا ؟..
وارتفعت أصوات النساء بالعويل ، فتقدم (ع) إلى باب الخيمة فقال :
ناولوني عليّا ابني الطفل حتى اودّعه ، فناولوه الصبيّ .ص46
المصدر: الملهوف ص69 باختلاف
وقال المفيد : دعا ابنه عبدالله ، فجعل يقبله وهويقول :
ويلٌ لهؤلاء القوم إذا كان جدك محمد المصطفى خصمهم !.. والصبيّ في حجره ، إذ رماه حرملة بن كاهل الاسدي بسهم فذبحه في حجر الحسين (ع) ، فتلقى الحسين (ع) دمه حتى امتلأت كفّه ، ثم رمى به إلى السماء .ص46
المصدر: الإرشاد

ثم قال : هوّن علي ما نزل بي أنه بعين الله .. قال الباقر (ع) : فلم يسقط من ذلك الدم قطرة إلى الأرض ثم قال : لا يكونُ أهون عليك من فصيل ، اللهم!.. إن كنت حبستَ عنا النصر ، فاجعل ذلك لما هوخير لنا . ص47
المصدر: الملهوف ص103

إن الحسين (ع) لما نظر إلى اثنين وسبعين رجلا من أهل بيته صرعى ، التفت إلى الخيمة ونادى :
يا سكينة !.. يا فاطمة !.. يا زينب !.. يا أم كلثوم !.. عليكن ّمني السلام . فنادته سكينة : يا أبه استسلمت للموت ؟.. فقال : كيف لا يستسلم من لا ناصر له ولا معين ؟..
فقالت : يا أبه !.. ردّنا إلى حرم جدنا ، فقال : هيهات !.. لوتُرك القطا لنام ، فتصارخن النساء فسكتهن الحسين ، وحمل على القوم .
وقال أبوالفرج : وعبدالله بن الحسين وأمه الرباب بنت امرئ القيس ، وهي التي يقول فيها أبوعبدالله الحسين (ع) :
لعمرك إنني لأحبّ داراً***تكون بها سكينة والرباب
أحبهما وأبذل جلّ مالي***وليس لعاتب عندي عتاب
وسكينة التي ذكرها ابنته من الرّباب ، واسم سكينة أمينة ، وإنما غلب عليها سكينة ، وليس باسمها.ص47
المصدر:
ثم وقف (ع) قبالة القوم وسيفه مصلت في يده آيسا من الحياة ، عازما على الموت وهويقول :
أنا ابن علي الطّهر من آل هاشم ***كفاني بهذا مفْخرا حين أفخر
وجدي رسول الله أكرم من مضى***ونحن سراج الله في الخلق نزهر
وفاطمُ أمي من سلالة أحمد***وعمي يُدعى ذا الجناحين جعفر
وفينا كتاب الله أُنزل صادقاً***وفينا الهدى والوحي بالخير يُذكر
ونحن أمان الله للناس كلهم***نسر بهذا في الأنام و نجهز
ونحن ولاة الحوض نسقي ولاتنا***بكأس رسول الله ما ليس ينكر
وشيعتنا في الناس أكرم شيعة***ومبغضنا يوم القيامة يخسر
ص49
المصدر: الاحتجاج 2/26
ثم إنه دعا الناس إلى البراز ، فلم يزل يقتل كل من دنا منه من عيون الرجال ، حتى قتل منهم مقتلة عظيمة ، ثم حمل (ع) على الميمنة ، وقال : الموت خير من ركوب العار، ثم على الميسرة وهويقول :
انا الحسين بن علي***آليت ان لا انثني
أحمي عيالات أبي***أمضي على دين النبي
المصدر: تسلية المجالس
واشتد العطش بالحسين (ع) فركب المسناة يريد الفرات ، والعباس أخوه بين يديه ، فاعترضه خيل ابن سعد فرمى رجل من بني دارم الحسين (ع) بسهم فأثبته في حنكه الشريف ، فانتزع (ع) السهم وبسط يده تحت حنكه ، حتى امتلات راحتاه من الدم ثم رمى به ، وقال : اللهم !.. إني أشكو إليك ما يُفعل بابن بنت نبيّك .
ثم اقتطعوا العباس عنه ، وأحاطوا به من كل جانب حتى قتلوه وكان المتولي لقتله زيد بن ورقاء الحنفي وحكيم بن الطفيل السنبسي ، فبكى الحسين (ع) لقتله بكاء شديدا ً.ص50
المصدر: الملهوف ص103 ، الإرشاد ص224
قال بعض الرواة : فو الله ما رأيت مكثورا قط قد قُتل ولده وأهل بيته وصحبه أربط جأشا منه !.. وإن كانت الرجال لتشدّ عليه فيشدّ عليها بسيفه ، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شدّ فيها الذئب .. ولقد كان يحمل فيهم وقد تكمّلوا ألفا فينهزمون بين يديه ، كأنهم الجراد المنتشر ، ثم يرجع إلى مركزه وهويقول :
” لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ” .ص50
المصدر: الملهوف ص105
فصاح بهم الحسين (ع) : ويحكم ياشيعة آل أبي سفيان !.. إن لم يكن لكم دين ، وكنتم لا تخافون المعاد ، فكونوا أحرارا في دنياكم ، وارجعوا إلى أحسابكم إذكنتم أعرابا .. فناداه شمر فقال : ما تقول يا بن فاطمة ؟..
قال : أقول : أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني ، والنساء ليس عليهن جناح ٌ، فامنعوا عتاتكم عن التعرض لحرمي مادمت حياّ .
فقال شمر : لك هذا ، ثم صاح شمر : إليكم عن حرم الرجل ، فاقصدوه في نفسه ، فلعمري لهوكفوٌ كريم .
فقصده القوم وهوفي ذلك يطلب شربة من ماء ، فكلما حمل بفرسه على الفرات حملوا عليه بأجمعهم ، حتى أحلوه عنه ص51
المصدر: الملهوف ص106
ثم رماه رجل من القوم يُكنى أبا الحتوف الجعفي بسهم فوقع السهم في جبهته ، فنزعه من جبهته ، فسالت الدماء على وجهه ولحيته ، فقال (ع) : اللهم !.. إنك ترى ما أنا فيه من عبادك هؤلاء العصاة ، اللهم أحصهم عددا ، واقتلهم بددا ، ولا تذر على وجه الأرض منهم أحداً ، ولا تغفر لهم أبدا ..
ثم حمل عليهم كالليث المغضب ، فجعل لا يلحق منهم أحدا إلا نفحه بسيفه فقتله ، والسهام تأخذه من كل ناحية وهو يتقيها بنحره وصدره ، ويقول :
يا أمة السوء !.. بئسما خلفتم محمدا في عترته ، أما إنكم لن تقتلوا بعدي عبدا من عباد الله فتهابوا قتله ، بل يهون عليكم عند قتلكم إياي .
وأيم الله !.. إني لأرجوأن يكرمني ربي بالشهادة بهوانكم ، ثم ينتقم لي منكم من حيث لاتشعرون .. فصاح به الحصين بن مالك السكوني فقال :
يا بن فاطمة !.. وبماذا ينتقم لك منا ؟.. قال :
يلقى بأسكم بينكم ويسفك دماءكم ، ثم يصّب عليكم العذاب الأليم ، ثم لم يزل يقاتل حتى أصابته جراحات عظيمة . ص52
المصدر: بحار الانوارج45/ص52
وكانت السهام في درعه كالشوك في جلد القنفذ ، ورُوي أنها كانت كلها في مقدمه .ص52
المصدر: المناقب 4/110 ، الملهوف ص106
فوقف (ع) يستريح ساعة وقد ضعف عن القتال ، فبينما هوواقف ، إذ أتاه حجرٌ فوقع في جبهته ، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه ، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب ، فوقع السهم في صدره – وفي بعض الروايات على قلبه – فقال الحسين (ع) :
” بسم الله وبالله ، وعلى ملة رسول الله ” .. ورفع رأسه إلى السماء وقال :
إلهي!.. إنك تعلم أنهم يقتلون رجلا ليس على وجه الأرض ابن نبي غيره ، ثم أخذ السهم فأخرجه من قفاه ، فانبعث الدم كالميزاب ، فوضع يده على الجرح فلما امتلأت رمى به إلى السماء ، فما رجع من ذلك الدم قطرة ، وما عُرفت الحمرة في السماء حتى رمى الحسين (ع) بدمه إلى السماء ، ثم وضع يده ثانيا فلمّا امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته ، وقال :
هكذا أكون حتى ألقى جدي رسول الله وأنا مخضوب بدمي وأقول :
يا رسول الله !.. قتلني فلان وفلان .
ثم ضعُف عن القتال فوقف ، فكلما أتاه رجل وانتهى إليه انصرف عنه ، حتى جاءه رجل من كندة يقال له : مالك بن اليسر ، فشتم الحسين (ع) وضربه بالسيف على رأسه وعليه برنس ، فامتلأ دما ًفقال له الحسين (ع) :
لا أكلت بها ولا شربت ، وحشرك الله مع الظالمين !..
ثم ألقى البرنس ولبس قلنسوة و اعتم عليها – وقد أعيا – وجاء الكندي وأخذ البرنس – وكان من خز – فلماقدم بعد الوقعة على امرأته ، فجعل يغسل الدم عنه فقالت له امرأته : أتدخل بيتي بسلَبِ ابن رسول الله ؟..
اخرج عني حشا الله قبرك نارا ً، فلم يزل بعد ذلك فقيرا بأسوء حال ، ويبست يداه وكانتا في الشتاء ينضحان دما ، وفي الصيف تصيران يابستين كأنهما عودان.ص53
المصدر: بحار الانوارج45/ص53
قال المفيد والسيد : فلبثوا هُنيئة ثم عادوا إليه وأحاطوا به ، فخرج عبدالله بن الحسن بن علي عليهم السلام – وهوغلام لم يراهق من عند النساء يشتد – حتى وقف إلى جنب الحسين (ع) فلحقته زينب بنت علي (ع) لتحبسه ، فقال الحسين (ع) :
احبسيه يا أختي !..
فأبى وامتنع امتناعا شديدا ، وقال : لا والله لا أفارق عمي !..
وأهوى أبجر بن كعب – وقيل حرملة بن كاهل – إلى الحسين (ع) بالسيف ، فقال له الغلام : ويلك يا بن الخبيثة أتقتل عمّي ؟.. فضربه بالسيف ، فاتقاه الغلام بيده فأطنّها ( أي قطعها ) إلى الجلد، فإذا هي معلقة ، فنادى الغلام :
يا أمّاه !.. فأخذه الحسين (ع) فضمه إليه وقال :
يا بن أخي!.. اصبر على مانزل بك ، واحتسب في ذلك الخير ، فإن الله يُلحقك بآبائك الصالحين.ص54
المصدر: الإرشاد ص225 ، الملهوف ص107
فرماه حرملة بن كاهل بسهم فذبحه ، وهوفي حجر عمه الحسين (ع).. ثم إن شمربن ذي الجوشن حمل على فسطاط الحسين (ع) فطعنه بالرمح .. ثم قال : عليّ بالنار أحرقه على من فيه ، فقال له الحسين (ع) : يا بن ذي الجوشن أنت الداعي بالنار لتحرق على أهلي ، أحرقك الله بالنار!.. وجاء شبث فوبخه ، فاستحيى وانصرف. ص54
المصدر: الملهوف ص108
خرجت زينب من الفسطاط وهي تنادي :
وا أخاه !.. وا سيداه !.. وا أهل بيتاه !.. ليت السماء أطبقت على الأرض ، وليت الجبال تدكدكت على السهل .. وصاح الشمر : ما تنتظرون بالرجل ؟..
فحملوا عليه من كل جانب فضربه زرعة بن شريك على كتفه ، وضرب الحسين زرعة فصرعه ، وضربه آخر على عاتقه المقدس بالسيف ضربة كبا (ع) بها لوجهه ، وكان قدأعيا ، وجعل (ع) ينوء ويكبُو ، فطعنه سنان بن أنس النخعي في ترقوته ، ثم انتزع الرمح فطعنه في بواني صدره ، ثم رماه سنان أيضا بسهم فوقع السهم في نحره .
فسقط (ع) وجلس قاعدا ، فنزع السهم من نحره وقرن كفيّه جميعا ، وكلما امتلأتا من دمائه خضّب بهما رأسه ولحيته ، وهويقول :
هكذا حتى ألقى الله مخضبا بدمي ، مغصوبا على حقي ..
فقال عمر بن سعد لرجلٍ عن يمينه : إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه !..
فبدر إليه خولي بن يزيد الأصبحي ليجتز رأسه فأُرعد، فنزل إليه سنان بن أنس النخعي فضربه بالسيف في حلقه الشريف ، وهويقول :
والله !.. إني لأجتزّ رأسك وأعلم أنك ابن رسول الله ، وخير الناس أبّا وأمّا !..
ثم اجتز رأسه المقدّس المعظم ، صلى الله عليه وسلم وكرّم . ص55
المصدر: الملهوف ص108

وخرجت زينب بنت علي (ع) وقرطاها يجولان بين أذنيها وهي تقول : ليت السماء انطبقت على الأرض ، يا عمر بن سعد !.. أيُقتل أبوعبد الله وأنت تنظر إليه ؟.. ودموع عمرتسيل على خديه ولحيته ، وهويصرف وجهه عنها ، والحسين (ع) جالس ، وعليه جبّة خز ، وقدتحاماه الناس .
فنادى شمر : ويلكم ماتنتظرون به ؟.. اقتلوه ثكلتكم أمهاتكم ، فضربه زرعة بن شريك ، فأبان كفه اليسرى ثم ضربه على عاتقه ثم انصرفوا عنه ، وهو يكبو مرة ويقوم أخرى .
فحمل عليه سنان في تلك الحال فطعنه بالرمح فصرعه ، وقال لخولي بن يزيد : اجتزّ رأسه !.. فضعف وارتعدت يده .
فقال له سنان : فت الله عضدك ، وأبان يدك !.. فنزل إليه شمر- لعنه الله – وكان اللعين أبرص ، فضربه برجله فألقاه على قفاه ، ثم أخذ بلحيته ، فقال الحسين (ع) : أنت الأبقع الذي رأيتك في منامي ؟.. فقال :
أتشبّهني بالكلاب ؟.. ثم جعل يضرب بسيفه مذبح الحسين (ع).ص56
المصدر: بحار الانوارج45/ص56
جاء إليه شمر وسنان بن أنس ، والحسين (ع) بآخر رمق يلوك لسانه من العطش ، ويطلب الماء ، فرفسه شمر – لعنه الله – برجله ، وقال :
يا بن أبي تراب !.. ألست تزعم أن أباك على حوض النبي يسقي من أحبّه ، فاصبر حتى تأخذ الماء من يده ، ثم قال لسنان : اجتز رأسه قفاء ً!..
فقال سنان : والله لا أفعل ، فيكون جده محمد (ص) خصمي .
فغضب شمر- لعنه الله – وجلس على صدرالحسين ، وقبض على لحيته وهمّ بقتله ، فضحك الحسين (ع) فقال له : أتقتلني ولاتعلم من أنا ؟..
فقال : أعرفك حق المعرفة : أمّك فاطمة الزهراء ، وأبوك علي المرتضى ، وجدك محمد المصطفى ، وخصمك العلي الأعلى ، أقتلك ولا أبالي ..
فضربه بسيفه إثنتا عشرة ضربة ، ثم جزّ رأسه صلوات الله وسلامه عليه ، ولعن الله قاتله ومقاتله ، والسائرين إليه بجموعهم . ص56
المصدر: بحار الانوارج45/56

وقال السيد رضي الله عنه : فلما قُتل صلوات الله عليه ، ارتفعت في السماء في ذلك الوقت غبرة شديدة سوداء مظلمة ، فيها ريح حمراء ، لا ترى فيها عين ولا أثر ، حتى ظن القوم أن العذاب قدجاءهم .. فلبثوا كذلك ساعة ثم انجلت عنهم .ص57
المصدر: الملهوف ص112

روى هلال بن نافع قال : إني لواقف مع أصحاب عمر بن سعد إذ صرخ صارخ :
أبشر أيها الأمير !.. فهذا شمر قد قتل الحسين .. قال : فخرجت بين الصفين فوقفت عليه ، وإنه ليجود بنفسه ، فوالله مارأيت قط قتيلا مضمخا بدمه ، أحسن منه ولا أنور وجها ، ولقد شغلني نور وجهه وجمال هيبته عن الفكرة في قتله .. فاستسقى في تلك الحالة ماء ، فسمعت رجلا يقول : لا تذوق الماء حتى ترد الحامية ، فتشرب من حميمها !..
فسمعته يقول : أنا أرد الحامية فأشرب من حميمها ؟.. بل أرد على جدي رسول الله (ص) وأسكن معه في داره ، في مقعد صدق عندمليك مقتدر ، وأشرب من ماء غير آسن ، وأشكو إليه ماركبتم مني وفعلتم بي.
قال : فغضبوا بأجمعهم ، حتى كأن الله لم يجعل في قلب أحد منهم من الرحمة شيئا ، فاجتزوا رأسه وإنه ليكلمهم ، فتعجبت من قلة رحمتهم ، وقلت : والله لا أجامعكم على أمرٍ أبدا !.. ص57
المصدر: الملهوف ص112
وأخذ خاتمه بجدل بن سليم الكلبي فقطع أصبغه (ع) مع الخاتم .ص58
المصدر: الملهوف ص112
وجاءت جارية من ناحية خيم الحسين (ع) فقال لها رجل : يا أمة الله!.. إن سيدك قتل ، قالت الجارية :
فأسرعت إلى سيدتي وأنا أصيح ، فقمن في وجهي وصحن .. وتسابق القوم على نهب بيوت آل الرسول ، وقرة عين الزهراء البتول ، حتى جعلوا ينزعون ملحفة المرأة عن ظهرها .
وخرجن بنات الرسول وحرمه يتساعدن على البكاء ، ويندبن لفراق الحماة والأحباء . ص58
المصدر: الملهوف ص112
ثم أخرجوا النساء من الخيمة ، وأشعلوا فيها النار ، فخرجن حواسرَ مسلبات حافيات ٍباكياتٍ ، يمشين سبايا في أسر الذلة ، وقلن بحق الله إلا مامررتم بنا على مصرع الحسين .
فلما نظرت النسوة إلى القتلى ، صحن وضربن وجوههن ، قال :
فوالله !.. لا أنسى زينب بنت علي (ع) وهي تندب الحسين وتنادي بصوت حزين وقلب كئيب :
وا محمداه !.. صلى عليك مليك السماء ، هذا حسين مرمل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، وبناتك سبايا ، إلى الله المشتكى ، وإلى محمد المصطفى ، وإلى علي المرتضى ، وإلى حمزة سيد الشهداء .
وا محمداه !.. هذا حسين ٌبالعراء ، يسفي عليه الصبا ، قتيل أولاد البغايا ، ياحزناه ياكرباه !.. اليوم مات جدي رسول الله ، يا أصحاب محمداه !.. هؤلاء ذرية المصطفى يُساقون سوق السبايا .
وفي بعض الروايات : يا محمداه !.. بناتك سبايا ، وذريتك مقتّلة ، تسفي عليهم ريح الصبا ، وهذا حسين مجزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء .. بأبي من عسكره في يوم الاثنين نهبا .. بأبي من فسطاطه مقطّع العرى .. بأبي من لاهو غائب فيُرتجى ، ولاجريح فيُداوى .. بأبي من نفسي له الفداء .. بأبي المهموم حتى قضى .. بأبي العطشان حتى مضى.. بأبي من شيبته تقطر بالدماء .. بأبي من جدّه رسولُ إله السماء .. بأبي من هو سبط نبي الهدى .. بأبي محمد المصطفى .. بأبي خديجة الكبرى .. بأبي علي المرتضى .. بأبي فاطمة الزهراء سيدة النساء .. بأبي من رُدّت عليه الشمس حتى صلى .. فأبكت والله كل عدوّ وصديق .ص59
المصدر: الملهوف ص112

ثم إن سكينة اعتنقت جسد الحسين (ع) ، فاجتمع عدة من الاعراب حتى جرّوها عنه .. ثم نادى عمر بن سعد في أصحابه : من ينتدب للحسين فيوطئ الخيلَ ظهرَه .
فانتدب منهم عشرة وهم : إسحاق بن حوية الذي سلب الحسين (ع) قميصه ، وأخنس بن مرثد ، وحكيم بن الطفيل السنبسي ، وعمرو بن صبيح الصيداي ، ورجاء بن منقذ العبدي ، وسالم بن خيثمة الجعفي ، وواحظ بن ناعم ، وصالح بن وهب الجعفي ، وهانئ بن ثبيت الحضرمي ، واسيد بن مالك ، فداسوا الحسين (ع) بحوافر خيلهم حتى رضوا ظهره وصدره .. وجاء هؤلاء العشرة حتى وقفوا على ابن زياد فقال أسيد بن مالك أحد العشرة :

فقال ابن زياد : من أنتم ؟.. فقالوا : نحن الذين وطئنا بخيولنا ظهر الحسين حتى طحنا جناجن صدره ، فأمر لهم بجائزة يسيرة .
قال أبوعمرو الزاهد : فنظرنا في هؤلاء العشرة ، فوجدناهم جميعا أولاد زناء وهؤلاء أخذهم المختار ، فشدّ أيديهم وأرجلهم بسكك الحديد ، وأوطأ الخيل ظهورهم حتى هلكوا .
أقول : المعتمد عندي ماسيأتي في رواية الكافي أنه لم يتيسر لهم ذلك .ص60
المصدر: الملهوف ص121
وأقبل فرس الحسين (ع) وقد عدا من بين أيديهم أن لايؤخذ ، فوضع ناصيته في دم الحسين (ع) ثم أقبل يركض نحو خيمة النساء ، وهو يصهل ويضرب برأسه الأرض عند الخيمة حتى مات .
فلما نظر أخوات الحسين وبناته وأهله إلى الفرس ليس عليه أحد ، رفعن أصواتهن بالبكاء والعويل ، ووضعت أم كلثوم يدها على أم رأسها ونادت :
وا محمداه !.. وا جداه !.. وا نبياه !.. وا أبا القاسماه !.. وا علياه !.. وا جعفراه !.. وا حمزتاه !.. وا حسناه !.. هذا حسين ٌبالعراء ، صريع بكربلا ، مجزوز الرأس من القفا ، مسلوب العمامة والرداء ، ثم غُشي عليها .
فأقبل أعداء الله لعنهم الله حتى أحدقوا بالخيمة ، ومعهم شمر ، فقال : ادخلوا فاسلبوا بزتهن ، فدخل القوم لعنهم الله ، فأخذوا ماكان في الخيمة حتى أفضوا إلى قرط كان في أذن أم كلثوم أخت الحسين (ع) فأخذوه وخرموا أذنها ، حتى كانت المرأة لتنازع ثوبها على ظهرها حتى تغلب عليه .
وأخذ قيس بن الأشعث – لعنه الله – قطيفة الحسين (ع) فكان يسمى قيس القطيفة وأخذ نعليه رجل من بني أود يقال له الأسود ، ثم مال الناس على الورس والحلي والحلل والإبل فانتهبوها .ص60
المصدر: المناقب ، تسلية المجالس

رأيت في بعض الكتب : أن فاطمة الصغرى قالت : كنت واقفة بباب الخيمة ، وأنا أنظر إلى أبي وأصحابي ، مجزّرين كالأضاحي على الرمال ، والخيول على أجسادهم تجول ، وأنا أفكرفيما يقع علينا بعد أبي من بني أمية ، أيقتلوننا أو يأسروننا ؟.. فإذا برجل على ظهر جواده ، يسوق النساء بكعب رمحه وهن يلُذْنَ بعضهن ببعض ، وقد أُخذ ما عليهن من أخمرة وأسورة ، وهن يصحن : وا جداه !.. وا أبتاه واعلياه !.. وا قلة ناصراه !.. وا حسناه !.. أما من مجير يجيرنا ؟.. أما من ذائد يذود عنا ؟..
قالت : فطار فؤادي وارتعدت فرائصي ، فجعلت أُجيل بطرفي يمينا وشمالا على عمتي أم كلثوم خشية منه أن يأتيني ، فبينا أنا على هذه الحالة وإذا به قد قصدني ففررت منهزمة ، وأنا أظن أني أسلم منه ، وإذا به قد تبعني ، فذُهلت خشية منه ، وإذا بكعب الرمح بين كتفي ، فسقطت على وجهي ، فخَرَم أذني وأخذ قرطي ومقنعتي ، وترك الدماء تسيل على خدي ، ورأسي تصهره الشمس ، وولّى راجعا إلى الخيم ، وأنا مغشيً عليَّ ، وإذا أنا بعمّتي عندي تبكي وهي تقول :
قومي نمضي !.. ما أعلم ماجرى على البنات وأخيك العليل ؟.. ص61
المصدر: بحار الانوارج45/61

وأقام ابن سعد يومه ذلك وغده إلى الزوال ، فجمع قتلاه فصلى عليهم ودفنهم ، وترك الحسين وأصحابه منبوذين بالعراء ، فلما ارتحلوا إلى الكوفة عمد أهل الغاضرية من بني أسد ، فصلّوا عليهم ودفنوهم .. وقال ابن شهر آشوب : وكانوا يجدون لأكثرهم قبورا ، ويرون طيوراً بيضا.ص62
المصدر: المناقب 4/112

قالت الرواة : كنا إذا ذكرنا عند محمد بن علي الباقر (ع) قتْل الحسين (ع) قال : قتلوا سبعة عشر إنسانا ، كلهم ارتكض في بطن فاطمة : يعني بنت أسد أم عليّ عليهم السلام.ص63
المصدر: مثير الأحزان

دخلت على سيدي أبي عبدالله جعفر بن محمد عليهما السلام في يوم عاشورا ، فألفيته كاسف اللون ، ظاهر الحزن ، ودموعه تنحدر من عينيه ، كاللؤلؤالمتساقط ، فقلتُ :
يا بن رسول الله مم بكاؤك ، لا أبكى الله عينيك ؟..
فقال لي : أوَ في غفلة ٍأنت ؟.. أما علمتَ أن الحسين بن علي عليهما السلام أُصيب في مثل هذا اليوم ؟.. قلت : ياسيدي فما قولك في صومه ؟..
فقال لي : صمْه من غير تبييتٍ ، وأفطره من غير تشميت ، ولا تجعله يوم صوم كمَلا ، وليكن إفطارك بعد صلاة العصر بساعة على شربةٍ من ماء ، فإنه في مثل ذلك الوقت من ذلك اليوم ، تجلّت الهيجاء عن آل رسول الله (ص) وانكشفت الملحمة عنهم ، وفي الأرض منهم ثلاثون صريعا في مواليهم ، يعزّ على رسول الله مصرعهم ، ولو كان في الدنيا يومئذ حيّاً لكان صلوات الله عليه وآله هو المعزّى بهم .ص63
المصدر: مصباح المتهجد ص547

عن عبدالله بن الحسن عن أمّه فاطمة بنت الحسين (ع) قال : دخلت الغانمة علينا الفسطاط ، وأنا جارية صغيرة ، وفي رجلي خلخالان من ذهب ، فجعل رجل يفض الخلخالين من رجلي وهو يبكي ، فقلت : ما يبكيك يا عدو الله ؟.. فقال :
كيف لاأبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله؟.. فقلتُ : لا تسلبني!.. قال : أخاف أن يجيئ غيري فيأخذه ، قالت : وانتهبوا ما في الأبنية ، حتى كانوا ينزعون الملاحف عن ظهورنا.ص82
المصدر: أمالي الصدوق مجلس 31 رقم 2

قال الصادق (ع) : لقي المنهالُ بن عمرو عليَّ بن الحسين بن علي عليهم السلام فقال له : كيف أصبحتَ يا بن رسول الله ؟..
قال : ويحك !.. أما آن لك أن تعلم كيف أصبحتُ ؟.. أصبحنا في قومنا مثْل بني إسرائيل في آل فرعون : يذبّحون أبناءنا ويستحيون نساءنا ، وأصبح خير البرية بعد محمد يُلعن على المنابر ، وأصبح عدونا يُعطى المال والشرف ، وأصبح من يحبنا محقورا منقوصا حقه ، وكذلك لم يزل المؤمنون ، وأصبحت العجم تعرف للعرب حقها بأن محمدا كان منها ، وأصبحت العرب تعرف لقريش حقّها بأنّ محمدا كان منها ، وأصبحت قريش تفتخر على العرب بأن محمدا كان منها ، وأصبحت العرب تفتخر على العجم بأن محمدا كان منها ، وأصبحنا أهل بيت محمد لا يُعرف لنا حقٌ ؟.. فهكذا أصبحنا .ص84
المصدر: تفسير القمي

سمعتُ الحسين بن علي عليهما السلام وخلا به عبدالله بن الزبير ، فناجاه طويلا ، ثم أقبل الحسين (ع) بوجهه إليهم ، وقال : إن هذا يقول لي : كن حماما من حمام الحرم ، ولئن أُقتل وبيني وبين الحرم باع أحب إليّ من أن اقتل وبيني وبينه شبر ، ولئن أُقتل بالطف أحب إلي ّمن أن أُقتل بالحرم.ص85
المصدر: كامل الزيارات باب 23

قال الباقر (ع) : إن الحسين (ع) خرج من مكة قبل التروية بيوم ، فشيّعه عبدالله بن الزبير فقال : يا باعبدالله !..قد حضر الحج وتَدَعه وتأتي العراق ؟.. فقال : يا بن الزبير !.. لئن أُدفن بشاطئ الفرات أحب إليّ من أن أُدفن بفناء الكعبة.ص86
المصدر: كامل الزيارات
من معجزاته صلوات الله عليه أنه لما أراد العراق ، قالت له أم سلمة : لا تخرج إلى العراق !.. فقدسمعتُ رسول الله يقول : يُقتل ابني الحسين بأرض العراق ، وعندي تربة دفعها إليّ في قارورة .
فقال (ع) : إني والله مقتول كذلك ، وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا ، وإن أحببتِ أن أراكِ مضجعي ومصرع أصحابي !.. ثم مسح بيده على وجهها ففسح الله عن بصرها ، حتى رأيا ذلك كله ، وأخذ تربة ًفأعطاها من تلك التربة أيضا في قارورة أخرى وقال (ع) :
إذافاضت دما فاعلمي أني قُتلت .. فقالت ام سلمة : فلما كان يوم عاشورا ، نظرت إلى القارورتين بعد الظهر، فإذا هما قد فاضتا دما ، فصاحتْ .
ولم يُقلب في ذلك اليوم حجر ولا مدر ، إلا وُجد تحته دم عبيط.ص89
المصدر: الخرائج

قال علي بن الحسين عليهما السلام : سمعته يقول ذلك قبل مقتله بساعة ، فلما قضى نحبه وُجد ريحها في مصرعه ، فالتمست فلم يُر لها أثر ، فبقي ريحها بعد الحسين (ع) ولقد زرت قبره فوجدت ريحها يفوح من قبره ، فمن أراد ذلك من شيعتنا الزائرين للقبر ، فليلتمس ذلك في أوقات السحر، فإنه يجده إذا كان مخلصا.ص92
المصدر: المناقب 3/391

مرّ ميثم التمار على فرس له ، فاستقبل حبيب بن مظاهر الأسدي عند مجلس بني أسد ، فتحدثا حتى اختلفت أعناق فرسيهما .
ثم قال حبيب : لكأني بشيخ أصلع ضخم البطن ، يبيع البطيخ عند دار الرزق ، قد صُلب في حب أهل بيت نبيه (ع) يُبقر بطنه على الخشبة ..
فقال ميثم : وإني لأعرف رجلا أحمر له ضفيرتان ، يخرج لنصرة ابن بنت نبيه ، ويُقتل ويُجال برأسه بالكوفة ، ثم افترقا فقال أهل المجلس :
ما رأينأ أحدا أكذب من هذين .. فلم يفترق أهل المجلس حتى أقبل رشيد الهجري ، فطلبهما فسأل أهل المجلس عنهما فقالوا :
افترقا وسمعناهما يقولان كذا وكذا فقال : رشيد رحم الله ميثما نسي :
” ويُزاد في عطاء الذي يجيئ بالرأس ، مائة درهم “..
ثم أدبر فقال القوم : هذا والله أكذبهم !.. فقال القوم : والله !.. ماذهبت الأيام والليالي ، حتى رأيناه مصلوبا على باب دار عمرو بن حريث ، وجيئ برأس حبيب بن مظاهر وقد قتل مع الحسين ، ورأينا كل ماقالوا .ص93
المصدر: الكشي ص73
بيــان: قد مضى في كتاب الإمامة وكتاب الفتن ، أخبار كثيرة دالة على أن كلا منهم عليهم السلام ، كان مأمورا بأمور خاصة مكتوبة في الصحف السماوية النازلة على الرسول (ص) فهم كانوا يعملون بها .. ولا ينبغي قياس الأحكام المتعلقة بهم على أحكامنا ، وبعد الاطلاع على أحوال الانبياء عليهم السلام ، وأنّ كثيرا منهم كانوا يبعثون فرادى على ألوف من الكفرة ، ويسبّون آلهتهم ، ويدعونهم إلى دينهم ، ولا يبالون بما ينالهم من المكاره والضرب والحبس والقتل ، والإلقاء في النار وغير ذلك لا ينبغي الاعتراض على أئمة الدين في أمثال ذلك .
مع أنه بعد ثبوت عصمتهم بالبراهين والنصوص المتواترة ، لا مجال للاعتراض عليهم ، بل يجب التسليم لهم في كل ما يصدر عنهم .
على أنك لو تأملت حق التأمل ، علمت أنه (ع) فدى نفسه المقدسة دين جده ، ولم يتزلزل أركان دول بني أمية إلا بعد شهادته ، ولم يظهر للناس كفرهم وضلالتهم إلا عند فوزه بسعادته ، ولوكان (ع) يسالمهم ويوادعهم كان يقوى سلطانهم ، ويشتبه على الناس أمرهم ، فيعود بعد حين أعلامُ الدين طامسة ، وآثار الهداية مندرسة .
مع أنه قدظهر لك من الأخبار السابقة أنه (ع) هرب من المدينة خوفا من القتل إلى مكة ، وكذا خرج من مكة بعد ما غلب على ظنه أنهم يريدون غيلته وقتله ، حتى لم يتيسر له – فداه نفسي وأبي وامي وولدي – أن يُتمّ حجّه ، فتحلّّّل وخرج منها خائفا يترقب ، وقدكانوا لعنهم الله ضيّقوا عليه جميع الأقطار ، ولم يتركوا له موضعا للفرار .
ولقد رأيتُ في بعض الكتب المعتبرة أن يزيد أنفذ عمرو بن سعيد بن العاص في عسكر عظيم وولاه أمر الموسم ، وأمّره على الحاج كلهم ، وكان قدأوصاه بقبض الحسين (ع) سرا وإن لم يتمكن منه بقتله غيلة ، ثم إنه دس مع الحاج في تلك السنة ثلاثين رجلا من شياطين بني أمية ، وأمرهم بقتل الحسين (ع) على أي حال اتفق .
فلما علم الحسين (ع) بذلك ، حلّ من إحرام الحج ، وجعلها عمرة مفردة.. وقدرُوي بأسانيد أنه لما منعه (ع) محمد ُبن الحنفية عن الخروج إلى الكوفة قال : ” والله يا أخي !.. لوكنت في جحر هامة من هوام الأرض ، لاستخرجوني منه حتى يقتلوني ” .. بل الظاهر أنه صلوات الله عليه لوكان يسالمهم ويبايعهم لا يتركونه لشدة عداوتهم ، وكثرة وقاحتهم ، بل كانوا يغتالونه بكل حيلة ، ويدفعونه بكل وسيلة ، وإنما كانوا يعرضون البيعة عليه أولا لعلمهم بأنه لا يوافقهم في ذلك ، ألا ترى إلى مروان لعنه الله كيف كان يشير على والي المدينة بقتله قبل عرض البيعة عليه .
وكان عبيدالله بن زياد عليه لعائن الله إلى يوم التناد يقول : ” اعرضوا عليه فلينزل على أمرنا ، ثم نرى فيه رأينا ” .
ألا ترى كيف أمنوا مسلما ثم قتلوه ، فأما معاوية لعنه الله فإنه مع شدة عداوته وبغضه لأهل البيت عليهم السلام كان ذا دهاء ونُكراء وحزم ، وكان يعلم أن قتلهم علانية يوجب رجوع الناس عنه ، وذهاب ملكه وخروج الناس عليه.
فكان يداريهم ظاهرا على أي حال ، ولذا صالحه الحسن (ع) ولم يتعرض له الحسين ، ولذلك كان يوصي ولده اللعين بعدم التعرض للحسين (ع) لأنه كان يعلم أن ذلك يصير سببا لذهاب دولته .
اللهم العن كل من ظلم أهل بيت نبيّك ، وقَتَلهم وأعان عليهم ورضي بماجرى عليهم من الظلم والجور لعنا وبيلا ، وعذّبهم عذابا أليما ، واجعلنا من خيار شيعة آل محمد وأنصارهم ، والطالبين بثأرهم مع قائمهم صلوات الله عليهم أجمعين.ص100

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى