الجزء الرابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع)

باب ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد إلى شهادته

فلما هلك معاوية ، وتولى الأمر بعده يزيد لعنه الله ، بعث عامله على مدينة رسول الله (ص) وهو عمه عتبة بن أبي سفيان ، فقَدِم المدينة وعليها مروان بن الحكم – وكان عامل معاوية – فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه لينفذ فيه أمر يزيد ، فهرب مروان فلم يقدر عليه ، وبعث عتبة إلى الحسين بن علي (ع) ، فقال : إن أمير المؤمنين أمرك أن تبايع له ، فقال الحسين (ع) : يا عتبة !.. قد علمتَ أنا أهل بيت الكرامة ، ومعدن الرسالة ، وأعلام الحق الذين أودعه الله عز وجل قلوبنا ، وأنطق به ألسنتنا ، فنظقتُ بإذن الله عز وجل ، ولقد سمعتُ جدي رسول الله يقول : إن الخلافة محّرمة على ولد أبي سفيان ، وكيف أبايع أهل بيتٍ قد قال فيهم رسول الله هذا ؟..
فلما سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب :
بسم الله الرحمن الرحيم .. إلى عبدالله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبي سفيان .. أما بعد ، فإن الحسين بن علي ليس يرى لك خلافةً ولا بيعةً ، فرأيك في أمره والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد لعنه الله ، كتب الجواب إلى عتبة :
أما بعد ، فإذا أتاك كتابي هذا فعجّل عليّ بجوابه ، وبيّن لي في كتابك كل من في طاعتي ، أو خرج عنها ، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي….
وبلغ عبيدالله بن زياد – لعنه الله – الخبر وأن الحسين (ع) قد نزل الرهيمة فأسرى إليه حّر بن يزيد في ألف فارس ، قال الحر : فلما خرجتُ من منزلي متوجّها نحو الحسين (ع) نُوديث ثلاثا : يا حر أبشر بالجنة !.. فالتفتُ فلم أرَ أحدا ، فقلتُ : ثكلت الحَّر أمُّه ، يخرج إلى قتال ابن رسول الله (ص) ويُبشَّر بالجنة !.. فرهقه عند صلاة الظهر ، فأمر الحسين (ع) ابنه فأذّن وأقام ، وقام الحسين (ع) فصلى بالفريقين .
فلما سلّم وثب الحر بن يزيد ، فقال : السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته ، فقال الحسين : وعليك السلام!.. من أنت يا عبدالله ؟.. فقال :
أنا الحر بن يزيد، فقال : ياحّر !.. أعلينا أم لنا ؟.. فقال الحر :
والله يا بن رسول الله !.. لقد بُعثت لقتالك ، وأعوذ بالله أن أُحشر من قبري وناصيتي مشدودة إليّ ، ويديّ مغلولة إلى عنقي ، وأُكّب على حَرّ وجهي في النار ، يا بن رسول الله !.. أين تذهب ؟.. إرجع إلى حرم جدك فإنك مقتول …. الخبر .ص314
المصدر: أمالي الصدوق ص150

ثم سار الحسين حتى نزل القطقطانة فنظر إلى فسطاط مضروب ، فقال : لمن هذا الفسطاط ؟.. فقيل : لعبدالله بن الحر الحنفي ، فأرسل إليه الحسين (ع) فقال :
أيها الرجل إنك مذنب خاطئ !.. وإن الله عز وجل آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه ، فتنصرني ويكون جدي شفيعك بين يدى الله تبارك وتعالى ، فقال :
يا بن رسول الله !.. والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك ، ولكن هذا فرسي خذه إليك ، فوالله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغتهُ ، ولا أراداني أحد إلا نجوت عليه ، فدونك فخذه !.. فأعرض عنه الحسين (ع) بوجهه ثم قال :
لا حاجة لنا فيك ولا في فرسك ، وما كنت متخذ المضلين عضدا ، ولكن فُرَّ فلا لنا ولا علينا ، فإنه من سمع واعيتنا – أهل البيت – ثم لم يجبْنا ، كبّه الله على وجهه في نار جهنم ….
فبلغ عبيدالله بن زياد أن عمر بن سعد يسامر الحسين (ع) ويحدثه ، ويكره قتاله ، فوجّه إليه شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس ، وكتب إلى عمر بن سعد: إذا أتاك كتابي هذا فلا تمهلنّ الحسين بن علي وخذ بكظمه ، وحُلْ بين الماء وبينه ، كما حيل بين عثمان وبين الماء يوم الدار .
فلما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد – لعنه الله – أمر مناديه فنادى :
إنا قد أجّلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم .. فشق ذلك على الحسين وعلى أصحابه ، فقام الحسين في أصحابه خطيبا .. فقال :
اللهم !.. إني لا أعرف أهل بيت أبرّ ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ، ولا أصحابا هم خير من أصحابي ، وقد نزل بي ما قد ترون ، وأنتم في حلٍّ من بيعتي ، ليست لي في أعناقكم بيعة ، ولا لي عليكم ذمة ، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، وتفرّقوا في سواده ، فإن القوم إنما يطلبوني ، ولو ظفروا بي لذُهلوا عن طلب غيري .. فقام إليه عبدالله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب (ع) ، فقال :
يا بن رسول الله !.. ما ذا يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الأعمام وابن نبينا سيد الأنبياء ؟.. لم نضرب معه بسيف ، ولم نقاتل معه برمح .. لا والله أو نردَ موردك ، ونجعل أنفسنا دون نفسك ، ودماءنا دون دمك ، فإذا نحن فعلنا ذلكَ فقد قضينا ما علينا ، وخرجنا مما لزمنا ، وقام إليه رجل يُقال له زهير بن القين البجلي ، فقال :
يا بن رسول الله !.. وددتُ أني قُتلت ثم نُشرت ، ثم قُتلت ثم نُشرت ، ثم قُتلت ثم نُشرت فيك وفي الذين معك مائة قتلة ، وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت ، فقال له ولأصحابه : جُزيتم خيرا .
ثم إن الحسين (ع) أمر بحفيرة فحُفرت حول عسكره شبه الخندق ، وأمر فحُشيت حطبا وأرسل عليا ابنه (ع) في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، ليستقوا الماء وهم على وجلٍ شديد ، وأنشأ الحسين يقول :
يا دهر أفّ لك من خليل***كم لك في الإشراق والأصيل
من طالبٍ وصاحب قتيل*** والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل***وكلُّ حيّ سالك سبيلي
ثم قال لأصحابه : قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم ، وتوضأوا واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم ، ثم صلى بهم الفجر وعبّأهم تعبية الحرب ، وأمر بحفيرته التي حول عسكره فأُضرمت بالنار ، ليقاتل القوم من وجه واحد ، وأقبل رجل من عسكر عمر بن سعد على فرسٍ له يقال له ابن أبي جويرية المزني ، فلما نظر إلى النار تتّقد صفّق بيده ونادى :
يا حسين وأصحاب حسين !.. أبشروا بالنار فقد تعجلتموها في الدنيا ، فقال الحسين (ع) :
اللهم !.. أذقه عذاب النار في الدنيا ، فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار فاحترق.
ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يُقال له تميم بن حصين الفزاري فنادى :
يا حسين ويا أصحاب حسين !.. أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات ، والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا ، فقال الحسين (ع) :
مَن الرجل فقيل تميم بن حصين ، فقال الحسين (ع):
هذا وأبوه من أهل النار ، اللهم !.. اقتل هذا عطشا في هذا اليوم ، فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه ، فوطأته الخيل بسنابكها فمات….
فبلغ العطش من الحسين (ع) وأصحابه ، فدخل عليه رجل من شيعته يُقال له : يزيد بن الحصين الهمداني ….. فقال :
يا بن رسول الله !.. تأذن لي فأخرج إليهم فأكلّمهم ؟.. فأذن له فخرج إليهم ، فقال :
يامعشر الناس !.. إن الله عز وجل بعث محمد بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها ، وقد حيل بينه وبين ابنه .. فقالوا :
يا يزيد !.. فقد أكثرت الكلام فاكفف ، فوالله ليعطشن الحسين كما عطش من كان قبله ، فقال الحسين (ع) : اقعد يا يزيد ، ثم وثب الحسين (ع) متوكيا على سيفه ، فنادى بأعلا صوته ، فقال :
أنشدكم الله !.. هل تعرفوني ؟.. قالوا : نعم ، أنت ابن بنت رسول الله (ص) وسبطه .. قال :
أنشدكم الله !.. هل تعلمون أن جدي رسول الله (ص) ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
أنشدكم الله !.. هل تعلمون أن أمي فاطمة بنت محمد ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب (ع) ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
أنشدكم الله !.. هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الأمة إسلاما ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
أنشدكم الله !.. هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة عمي ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
فأنشدكم الله !.. هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله وأنا متقلده ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
فأنشدكم الله !.. هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله أنا لابسها ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
فأنشدكم الله !.. هل تعلمون أن عليّا كان أولهم إسلاما ، وأعلمهم علما ، وأعظمهم حلما ، وأنه وليّ كل مؤمن ومؤمنة ؟.. قالوا : اللهم نعم .. قال :
فبِمَ تستحلّون دمي ؟.. وأبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا ، كما يُذاد البعير الصادر عن الماء ، ولواء الحمد في يدي جدي يوم القيامة ، قالوا :
علمنا ذلك كله ونحن غير تاركيك حتى تذوق الموت عطشا .. فأخذ الحسين (ع) بطرف لحيته – وهو يومئذ ابن سبع وخمسين سنة – ثم قال : اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا : عزيز ابن الله ، واشتد غضب الله على النصارى حين قالوا : المسيح ابن الله ، واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار من دون الله ، واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم ، واشتد غضب الله على هذه العصابة الذين يريدون قتل ابن نبيهم.ص319
المصدر: أمالي الصدوق ص150

فضرب الحر بن يزيد فرسه ، وجاز عسكر عمر بن سعد إلى عسكر الحسين (ع) واضعا يده على رأسه وهو يقول : اللهم إليك أنيب فتب علي !.. فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك .
يا بن رسول الله !.. هل لي من توبة ؟.. قال : نعم ، تاب الله عليك ، قال :
يا بن رسول الله !.. ائذن لي فأقاتل عنك ، فأذن له فبرز وهو يقول :
أضرب في اعناقكم بالسيف***عن خير من حل بلاد الخيف
فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قُتل ، فأتاه الحسين (ع) ودمه يشخب .. فقال : بخ بخ !.. يا حرّ أنت حرٌّ كما سُميت في الدنيا والآخرة ، ثم أنشأ الحسين يقول :
لنعم الحر حر بني رياح***ونعم الحر مختلف الرماح
ونعم الحر إذ نادى حسينا***فجاد بنفسه عند الصباح
ص319
المصدر: أمالي الصدوق ص150

ثم برز من بعده زهير بن القين البجلي وهو يقول مخاطبا للحسين (ع) :
اليوم نلقى جدك النبيا***وحسناً والمرتضى عليّا
فقتل منهم تسعة عشر رجلا ثم صُرع وهو يقول :
أنا زهير وأنا ابن القين***أذبّكم بالسيف عن حسين
ص319
المصدر: أمالي الصدوق ص150

ثم برز من بعده حبيب بن مظهر الأسدي وهو يقول :
أنا حبيب وأبي مطهر *** لنحن أزكى منكمُ وأطهر
ننصر خير الناس حين يذكرُ
فقتل منهم أحدا وثلاثين رجلا ، ثم قُتل رضي الله عنه.ص320
المصدر: أمالي الصدوق ص150

وبرز من بعده وهب بن وهب وكان نصرانيا أسلم على يدي الحسين – هو وأمه – فاتبعوه إلى كربلا ، فركب فرسا ، وتناول بيده عود الفسطاط ، فقاتل وقَتل من القوم سبعة أو ثمانية ثم أُستؤسر .
فأُتي به عمر بن سعد فأمر بضرب عنقه ، فضربت عنقه ورمي به إلى عسكر الحسين (ع) ، وأخذت أمّه سيفه وبرزت ، فقال لها الحسين (ع) :
يا أم وهب !.. اجلسي فقد وضع الله الجهاد عن النساء!.. إنكِ وابنكِ مع جدي محمد (ص) في الجنة.ص321
المصدر: أمالي الصدوق ص150

وبرز من بعده علي بن الحسين (ع) فلما برز إليهم دمعت عين الحسين (ع) فقال : اللهم !.. كن أنت الشهيد عليهم ، فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجها وسمتا به ، فجعل يرتجز وهو يقول :
أنا علي بن الحسين بن علي***نحن وبيت الله أولى بالنبي
أما ترون كيف أحمي عن أبي
فقتل منهم عشره ثم رجع إلى أبيه ، قال : يا أبه العطش !.. فقال له الحسين (ع) : صبرا ًيا بُنّي !.. يسقيك جدك بالكأس الأوفى ، فرجع فقاتل حتى قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ثم قُتل صلى الله عليه.ص321
المصدر:

وبرز من بعده القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) وهو يقول :
لا تجزعي نفسي فكلٌّ فإن***اليوم تلقين ذُرى الجنان
فقتل منهم ثلاثة ثم رمي عن فرسه رضي الله عنه.ص321
المصدر: أمالي الصدوق ص150

ونظر الحسين (ع) يمينا وشمالا ولا يرى أحدا فرفع رأسه إلى السماء ، فقال :
اللهم !.. إنك ترى ما يُصنع بولد نبيّك .. وحال بنو كلاب بينه وبين الماء ، ورُمي بسهمٍ فوقع في نحره وخرّ عن فرسه ، فأخذ السهم فرمى به ، فجعل يتلقى الدم بكفه ، فلما امتلأت لطّخ بها رأسه ولحيته ويقول :
ألقى الله عز وجل وأنا مظلوم متلطخ بدمي ، ثم خرّ على خده الأيسر صريعا ، وأقبل عدو الله سنان الإيادي ، وشمر بن ذي الجوشن العامري – لعنهما الله – في رجالٍ من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين (ع) ، فقال بعضهم لبعض : ما تنتظرون ؟.. أريحوا الرجل ، فنزل سنان بن الأنس الإيادي ، وأخذ بلحية الحسين وجعل يضرب بالسيف في حلقه وهو يقول : والله !.. إني لأجتزّ رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أباً وأمّاً ، وأقبل فرس الحسين حتى لطّخ عرفه وناصيته بدم الحسين ، وجعل يركض ويصهل ، فسمعتْ بنات النبي صهيله ، فخرجنَ فإذا الفرس بلا راكب ، فعرفن أن حسينا قد قُتل ، وخرجت أم كلثوم بنت الحسين واضعا يدها على رأسها تندب وتقول :
وا محمداه ، هذا الحسين بالعراء ، قد سُلب العمامة والرداء.ص322
المصدر: أمالي الصدوق ص150

وأقبل سنان حتى أدخل رأس الحسين بن علي (ع) على عبيد الله بن زياد وهو يقول :
إملأ ركابي فضة وذهبا***أنا قتلت الملك المحجّبا
قتلت خير الناس أما وأباً***وخيرهم إذ يُنسبون نسبا
فقال له عبيد الله بن زياد : ويحك !.. فإن علمت أنه خير الناس أبا وأمّا ، لِمَ قتلته إذا ؟.. فأمر به فضربت عنقه وعجل الله بروحه إلى النار.
وأرسل ابن زياد قاصدا إلى ام كلثوم بنت الحسين (ع) ، فقال لها :
الحمد لله الذي قتل رجالكم ، فكيف ترون ما فعل بكم ؟.. فقالت :
يا بن زياد!.. لئن قرّت عينُك بقتل الحسين ، فطالما قرت عين جده (ص) به وكان يقبّله ويلثم شفتيه ، ويضعه على عاتقه .
يا بن زياد !.. أعد لجدّه جوابا ، فإنه خصمك غدا.ص322
المصدر: أمالي الصدوق ص150

كتب يزيد إلى الوليد يأمره باخذ البيعة على أهلها ، وخاصة على الحسين (ع) ويقول :
إن أبى عليك فاضرب عنقه ، وابعث إليّ برأسه .. فأحضر الوليد مروان واستشاره في أمر الحسين ، فقال :
إنه لا يقبل ، ولو كنت مكانك ضربت عنقه ، فقال الوليد:
ليتني لم أك شيئا مذكورا.
ثم بعث إلى الحسين (ع) فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه – وساق الكلام إلى أن قال – :
فغضب الحسين (ع) ثم قال : ويلي عليك يا بن الزرقاء !.. أنت تأمر بضرب عنقي ؟.. كذبت والله وأثمت ، ثم أقبل على الوليد ، فقال :
أيها الأمير !.. إنا أهل بيت النبوة ، ومعدن الرسالة ، ومختلف الملائكة ، وبنا فتح الله ، وبنا ختم الله ، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر ، قاتل النفس المحرّمة ، معلنٌ بالفسق ، ومثلي لا يبايع مثله ، ولكن تصبح وتصبحون ، وننظر وتنظرون ، أيّنا أحق بالبيعة والخلافة ، ثم خرج (ع).ص325
المصدر: كتاب الملهوف ص17

خرج الحسين (ع) من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده (ص) ، فقال :
السلام عليك يا رسول الله !.. أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك وسبطك الذي خلّفتني في أمّتك ، فاشهد عليهم يا نبي الله أنهم قد خذلوني ، وضيّعوني ، ولم يحفظوني ، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك ، ثم قام فصفّ قدميه فلم يزل راكعا ساجدا …. ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح ، وضع رأسه على القبر فأُغفي ، فإذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله وبين يديه ، حتى ضم الحسين إلى صدره وقبّل بين عينيه وقال :
حبيبي يا حسين !.. كأني أراك عن قريبٍ مرمّلا بدمائك ، مذبوحا بأرض كربٍ وبلاء من عصابةٍ من أمتي ، وأنت مع ذلك عطشان لا تُسقى ، وظمآن لا تُروى ، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي ، لا أنالهم الله شفاعتي يوم القيامة.
حبيبي يا حسين !.. إن أباك وأمك وأخاك قدموا عليّ وهم مشتاقون إليك ، وإن لك في الجنان لدرجات لن تنالَها إلا بالشهادة.
فجعل الحسين (ع) في منامه ينظر إلى جده ، ويقول : يا جداه !.. لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا ، فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك ، فقال له رسول الله (ص) :
لا بدّ لك من الرجوع إلى الدنيا حتى تُرزق الشهادة ، وما قد كتب الله لك فيها من الثواب العظيم ، فإنّك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك ، تُحشرون يوم القيامة في زمرة واحدة ، حتى تدخلوا الجنة.
فانتبه الحسين (ع) من نومه فزعاً مرعوبا ، فقصّ رؤياه على أهل بيته وبني عبدالمطلب ، فلم يكن في ذلك اليوم في مشرقٍ ولا مغربٍ قوم أشد غمّا من أهل بيت رسول الله ، ولا أكثر باكٍ ولا باكية منهم.
وتهيّأ الحسين (ع) للخروج من المدينة ، ومضى في جوف الليل إلى قبر أمّه فودّعها ، ثم مضى إلى قبر أخيه الحسن ففعل كذلك …. ثم دعا الحسين (ع) بدواةٍ وبياضٍ وكتب هذه الوصية لأخيه محمد :
بسم الله الرحمن الرحيم .. هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد المعروف بابن الحنفية ، أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، جاء بالحق من عند الحق ، وأن الجنة والنار حق ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها ، وأن الله يبعث من في القبور .
وأني لم أخرج أشِراً ولا بَطرا ، ولا مفسدا ولا ظالما ، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (ص) ، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب (ع) ، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ، ومن ردّ عليَّ هذا أصبرُ حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين ، وهذه وصيتي يا أخي إليك ، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أُنيب .
ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه ، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه وخرج في جوف الليل .ص330
المصدر: بحار الانوارج44/ص330

قال الصادق (ع) : لما سار أبوعبدالله من المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسوّمة في أيديهم الحراب على نُجُب من نُجُب الجنة ، فسلّموا عليه وقالوا :
يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه !.. إن الله سبحانه أمدّ جدّك بنا في مواطن كثيرة ، وإن الله أمدّك بنا .. فقال لهم : الموعد حفرتي وبقعتي التي أُستشهد فيها وهي كربلا ، فإذا وردتُها فأتوني .. فقالوا :
يا حجة الله !.. مُرنا نسمع ونطع ، فهل تخشى من عدوٍّ يلقاك فنكون معك ؟.. فقال :
لا سبيل لهم عليّ ، ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.. وأتته أفواجُ مسلمي الجن ، فقالوا :
يا سيدنا !.. نحن شيعتك وأنصارك ، فمُرنا بأمرك وما تشاء ، فلو أمرتنا بقتل كلّ عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك .. فجزاهم الحسين خيرا ، وقال لهم :
أو ما قرأتم كتاب الله المنزل على جدي رسول الله : { أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة } وقال سبحانه : { لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم }.
وإذا أقمت بمكاني فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس ؟.. وبما ذا يُختبرون ؟.. ومن ذا يكون ساكن حفرتي بكربلاء ؟.. وقد اختارها الله يوم دحا الأرض ، وجعلها معقلا لشيعتنا ، ويكون لهم أمانا في الدنيا والآخرة ، ولكن تحضرون يوم السبت ، وهو يوم عاشورا الذي في آخره أُقتل ، ولا يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي ، ويُسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.
فقالت الجن : نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه !.. لولا أن أمرك طاعةٌ ، وأنه لا يجوز لنا مخالفتك ، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك .. فقال صلوات الله عليه لهم :
نحن والله أقدر عليهم منكم ، ولكن ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيا من حيّ عن بينة.ص331
المصدر: الرسائل

وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس ، ثم كتب مع هانئ بن هانئ ، وسعيد بن عبدالله ، وكانا آخر الرسل :
بسم الله الرحمن الرحيم .. من الحسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين .. أما بعد ، فإن هانئاً وسعيداً قَدِمَا عليّ بكتبكم ، وكانا آخر من قدم عليّ من رسلكم ، وقد فهمتُ كل الذي اقتصصتم وذكرتم ، ومقالة جُلّكم أنه ليس علينا إمام ، فأقبلْ لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والهدى .. وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل ، فإن كتب إلي بأنه قد اجتمع رأي ملئكم ، وذوي الحِجى والفضل منكم على مثل ما قدمتْ به رسلُكم وقرأت في كتبكم ، فإني أُقدم إليكم وشيكا إن شاء الله .. فلعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب ، القائم بالقسط ، الدائن بدين الحق ، الحابس نفسه على ذلك لله ، والسلام.ص335
المصدر: الإرشاد 2/39

ثم أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة – وهي التي تدعى اليوم دار مسلم بن المسيّب – وأقبلت الشيعة تختلف إليه ، فكلما اجتمع إليه منهم جماعة ، قرأ عليهم كتاب الحسين (ع) وهم يبكون ، وبايعه الناس حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألفا ، فكتب مسلم إلى الحسين (ع) يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا ويأمره بالقدوم ، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل – رحمه الله – حتى علم بمكانه.
فبلغ النعمان بشير ذلك ، وكان واليا على الكوفة من قِبَل معاوية فأقره يزيد عليها ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله !.. ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة ، فإن فيها تهلك الرجال ، وتسفك الدماء ، وتُغصب الأموال .. إني لا أقاتل من لا يقاتلني ، ولا آتي على من لم يأت عليّ ، ولا أنبّه نائمكم ولا أتحرّش بكم ، ولا آخذ بالقرف ، ولا الظنة ولا التهمة ، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم لي ، ونكثتم بيعتكم ، وخالفتم إمامكم ، فو الله الذي لا إله غيره ، لأضربنكم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن لي منكم ناصر ، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق منكم أكثر ممن يرديه الباطل.
فقام إليه عبدالله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني أمية ، فقال له : إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم ، وهذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك رأي المستضعفين .. فقال له النعمان : أن أكون من المستضعفين في طاعة الله ، أحبّ إلي من أن أكون من الأعزين في معصية الله ، ثم نزل.ص336
المصدر: الإرشاد 2/41

وخرج عبدالله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا :
أما بعد ، فإن مسلم بن عقيل قد قدم الكوفة ، وبايعه الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب ، فإن يكن لك في الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويّا ينفذ أمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعّف.. ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو من كتابه ، ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص مثل ذلك .
فلما وصلت الكتب إلى يزيد ، دعا سرحون مولى معاوية ..فقال :
ما رأيك ؟.. إن الحسين قد نفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له ، وقد بلغني عن النعمان ضعفٌ وقول سيئ ، فمن ترى أن أستعمل على الكوفة ؟.. وكان يزيد عاتبا على عبيد الله بن زياد ، فقال له سرحون :
أرأيت لو نُشر لك معاوية حيا ما كنتَ آخذا ًبرأيه ؟.. قال : بلى ، فأخرج سرحون عهد عبيد الله على الكوفة ، وقال : هذا رأي معاوية مات ، وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين إلى عبيد الله ، فقال له يزيد : أفعلُ .. ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه.
ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه :
أما بعد ، فإنه كتب إليّ شيعتي من أهل الكوفة ، ويخبرونني أن ابن عقيل فيها يجمّع الجموع ليشقّ عصا المسلمين ، فسرْ حين تقرأ كتابي هذا حتى تأتي الكوفة ، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام .ص337
المصدر: روضة الواعظين ص173

أقبل ابن زياد إلى الكوفة ، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي ، وشريك بن الأعور الحارثي ، وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة ، وعليه عمامة سوداء وهو متلثم والناس قد بلغهم إقبال الحسين (ع) إليهم ، فهم ينتظرون قدومه فظنوا حين رأوا عبيد الله أنه الحسين (ع) ، فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلّّّموا عليه ، وقالوا : مرحبا بك يا بن رسول الله !.. قدمتَ خير مقدم ، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه .. فقال مسلم بن عمرو لما أكثروا : تأخروا !.. هذا الأمير عبيد الله بن زياد.
وسار حتى وافى القصر بالليل ومعه جماعة قد التفوا به ، لا يشكون أنه الحسين (ع) فأغلق النعمان بن بشير عليه وعلى خاصته ، فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب ، فاطلع عليه النعمان وهو يظنه الحسين .. فقال :
أنشدك الله إلا تنحيت ، والله ما أنا بمسلمٍ إليك أمانتي ، وما لي في قتالك من إرب ، فجعل لا يكلمه .. ثم إنه دنا وتدلى النعمان من شرف القصر فجعل يكلمه .. فقال : افتح لا فتحت !.. فقد طال ليلك ، وسمعها إنسان خلفه ، فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من أهل الكوفة على أنه الحسين (ع) ،فقال :
يا قوم !.. ابن مرجانة والذي لا إله غيره ، ففتح له النعمان فدخل وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضّوا.
وأصبح فنادى في الناس : الصلاة جامعة !.. فاجتمع الناس ، فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما بعد ، فإن أمير المؤمنين يزيد ولاّني مصركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد البر ، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي ، فليتق امرؤ على نفسه ، الصدق ينبيء عنك لا الوعيد ثم نزل.ص341
المصدر: الإرشاد ص188

ولما سمع مسلم بن عقيل رحمه الله مجئ عبيد الله إلى الكوفة ، ومقالته التي قالها ، وما أخذ به العرفاء والناس ، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ بن عروة فدخلها .
فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستّر واستخفاء من عبيد الله ، وتواصوا بالكتمان ، فدعا ابن زياد مولى له يقال له معقل ، فقال : خذ ثلاثة آلاف درهم ، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه ، فإذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم ، وقل لهم :
استعينوا بها على حرب عدوكم ، وأعلمْهم أنك منهم فانك لو قد أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك ووثقوا بك ، ولم يكتموك شيئا من أمورهم وأخبارهم ، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل ، وتدخل عليه.
ففعل ذلك ، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم ، وهو يصلي فسمع قوما يقولون : هذا يبايع للحسين ، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم قال :
يا عبدالله !.. إني امرؤ من أهل الشام ، أنعم الله عليّ بحب أهل البيت وحبّ من أحبّهم وتباكى له ، وقال : معي ثلاثة آلاف درهم ، أردت بها لقاء رجل منهم ، بلغني أنه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول الله (ص) فكنت أريد لقاءه ، فلم أجد أحدا يدلني عليه ولا أعرف مكانه ، فإني لجالس في المسجد الآن إذ سمعتُ نفرا من المؤمنين يقولون :
هذا رجل له علم بأهل هذا البيت ، وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال ، وتُدخلني على صاحبك ، فإني أخ من إخوانك ، وثقة عليك ، وإن شئتَ أخذت بيعتي له قبل لقائه .. فقال له ابن عوسجة :
احمد الله على لقائك إياي ، فقد سرني ذلك ، لتنال الذي تحب ، ولينصرن الله بك أهل بيت نبيه عليه وعليهم السلام ، ولقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يَتمّ ، مخافة هذه الطاغية وسطوته فقال له معقل : لا يكون إلا خيرا ، خذ البيعة عليّ !..
فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن ، فأعطاه من ذلك ما رضي به ، ثم قال له : اختلفْ إلي أيّاما في منزلي ، فإني طالب لك الإذن على صاحبك .
وأخذ يختلف مع الناس ، فطلب له الاذن فأذن له ، وأخذ مسلم بن عقيل بيعته ، وأمر أبا ثمامة الصائدي بقبض المال منه وهو الذي كان يقبض أموالهم ، وما يعين به بعضهم بعضا ، ويشتري لهم به السلاح ، وكان بصيرا وفارسا من فرسان العرب ، ووجوه الشيعة ، وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو أول داخل وآخر خارج ، حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم ، فكان يخبره به وقتا فوقتا .ص343
المصدر: الإرشاد ص188

وكان شريك بن الأعور الهمداني جاء من البصرة مع عبيد الله بن زياد ، فمرض فنزل دار هانئ أياما ثم قال لمسلم :
إن عبيد الله يعودني وإني مطاوله الحديث ، فاخرج إليه بسيفك فاقتله ، وعلامتك أن أقول : اسقوني ماء !.. ونهاه هانئ عن ذلك .
فلما دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه ، وطال سؤاله ورأى أن أحدا لا يخرج ، فخشي أن يفوته فأخذ يقول :

فتوهم ابن زياد وخرج ، فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب أخذه من يدَي عبدالله بن يقطر فإذا فيه :
للحسين بن علي (ع) أما بعد ، فإني أخبرك أنه قد بايعك من أهل الكوفة كذا ، فإذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل !.. فإن الناس كلهم معك ، وليس لهم في يزيد رأيٌ ولا هوىً ، فأمر ابن زياد بقتله.ص343
المصدر: المناقب 4/92

فلما خرج ابن زياد دخل مسلم ، والسيف في كفّه ، قال له شريك : ما منعك من الأمر ؟.. قال مسلم : هممتُ بالخروج فتعلّقت بي امرأة وقالت : نشدتك الله إن قتلت ابن زياد في دارنا ، وبكت في وجهي ، فرميت السيف وجلست ، قال هانئ :
يا ويلها !.. قتلتني وقتلت نفسها ، والذي فررت منه وقعت فيه .
وقال أبوالفرج في المقاتل : قال هانئ لمسلم : إني لا أحب أن يقتل في داري ، فلما خرج مسلم قال له شريك : ما منعك من قتله ؟.. قال :
خصلتان : أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره ، وأما الأخرى فحديث حدثنيه الناس عن النبي (ص) أن الإيمان قيد الفتك ، فلا يفتك مؤمن ، فقال له هانئ :
أما والله لو قتلتَه لقتلتَ فاسقا فاجرا كافرا.ص344
المصدر: المقاتل ص71

فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون ، وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها فتقول : انصرف !.. الناس يكفونك ، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول : غدا تأتيك أهل الشام ، فما تصنع بالحرب والشر ؟.. انصرف !.. فيذهب به فينصرف ، فما زالوا يتفرقون حتى أمسى ابن عقيل ، وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد .
فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا أولئك النفر ، وخرج متوجها إلى أبواب كندة فلم يبلغ الأبواب إلا ومعه منهم عشرة ، ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان يدلّه ، فالتفت فإذا هو لا يحس أحدا يدلّه على الطريق ، ولا يدلّه على منزله ، ولا يواسيه بنفسه إن عرض له عدو ، فمضى على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين يذهب ؟..
حتى خرج إلى دور بني جبلة من كندة ، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها طوعة ام ولد كانت للأشعث بن قيس ، وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا ، وكان بلال قد خرج مع الناس ، وأمه قائمة تنتظره .. فسلّم عليها ابن عقيل فردّت عليه السلام ، فقال لها : يا أمة الله !.. اسقيني ماء ، فسقته وجلس ودخلت ثم خرجت ، فقالت : يا عبدالله ألم تشرب ؟.. قال : بلى ، قالت : فاذهب إلى أهلك ، فسكت ، ثم أعادت مثل ذلك فسكت ، ثم قالت في الثالثة : سبحان الله يا عبدالله !.. قم عافاك الله إلى أهلك ، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أحلّه لك ، فقام وقال :
يا أمة الله !.. ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة ، فهل لك في أجر ومعروف ، ولعلي مكافيك بعد هذا اليوم ، قالت : يا عبدالله وما ذاك ؟.. قال :
أنا مسلم بن عقيل ، كذّبني هؤلاء القوم ، وغرّوني وأخرجوني ، قالت : أنت مسلم ؟!.. قال : نعم ، قالت : ادخل.
فدخل إلى بيت دارها غير البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعشَّ ، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في البيت والخروج منه .. فقال لها : والله إنه ليريبني كثرة دخولِك إلى هذا البيت وخروجك منه منذ الليلة ، إن لك لشأنا قالت له : يا بني أُله عن هذا !.. قال : والله لتخبريني ، قالت له : أقبلْ على شأنك ، ولا تسألني عن شيء ، فألحّ عليها ، فقالت : يا بني !.. لا تخبرنّ أحدا من الناس بشيء مما أخبرك به ، قال : نعم ، فأخذت عليه الأيمان فحلف لها ، فأخبرته فاضطجع وسكت….
وأصبح ابن تلك العجوز ، فغدا إلى عبدالرحمن بن محمد بن الأشعث ، فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند أمّه ….
فبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس ، حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل رحمه الله ، فلما سمع وقْع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنه قد أُتي ، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار ، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم من الدار ، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك ، فاختلف هو وبكر بن حمران الأحمري ضربتين فضرب بكر فم مسلم ، فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه ، وضرب مسلم في رأسه ضربة منكرة ، وثنّاه بأخرى على حبل العاتق ، كادت تطلع إلى جوفه.
فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت ، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت ، فلما رأى ذلك خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة .. فقال محمد بن الأشعث :
لك الأمان ، لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم …. فأُتى ببغلة فحُمل عليها ، واجتمعوا حوله ونزعوا سيفه ، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه فدمعت عيناه ، ثم قال : هذا أول الغدر .. فقال له محمد بن الأشعث : أرجو أن لا يكون عليك بأس ، قال : وما هو إلا الرجاء ؟.. أين أمانكم ؟.. إنا لله وإنا إليه راجعون ، وبكى.. فقال له عبيد الله بن العباس :
إن من يطلب مثل الذي طلبتَ إذا ينزل به مثلُ ما نزل بك لم يبكِ ، قال :
والله !.. إني ما لنفسي بكيت ، ولا لها من القتل أرثي ، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفاً ، ولكني أبكي لأهلي المقبلين ، إني أبكي للحسين وآل الحسين (ع)…. ص353
المصدر: الإرشاد ص190

ثم قال ابن زياد : اصعدوا به فوق القصر ، فاضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده .. فقال مسلم رحمه الله :
والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني .. فقال ابن زياد :
أين هذا الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف ، فدعا بكر بن حمران الأحمري ، فقال له : اصعد فليكن أنت الذي تضرب عنقه ، فصعد به ، وهو يكبّر ويستغفر الله ويصلي على رسول الله (ص) ويقول :
اللهم !..احكم بيننا وبين قوم غرّونا وكذّبونا وخذلونا ..
وأشرفوا به على موضع الحذّائين اليوم ، فضُرب عنقه وأتبع رأسه جثته.ص357
المصدر: الإرشاد ص197

لقينا الحسين بن علي (ع) قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام ، فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة ، وأن قلوبهم معه ، وسيوفهم عليه ، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى.. فقال (ع) : لولا تقارب الأشياء ، وحبوط الأجر لقاتلتُهم بهؤلاء ، ولكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي ومصرع أصحابي ، ولا ينجو منهم إلا ولدي عليّ.ص364
المصدر: كتاب الملهوف ص53

جاء محمد ابن الحنفية إلى الحسين (ع) في الليلة التي أراد الحسين الخروج في صبيحتها عن مكة ، فقال له :
يا أخي !.. إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك ، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى ، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعزّ من بالحرم وأمنعه .. فقال :
يا أخي !.. قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم ، فأكون الذي يُستباح به حرمة هذا البيت ، فقال له ابن الحنفية : فإن خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي البرّ فإنك أمنع الناس به ، ولا يقدر عليك أحد ، فقال : انظرُ فيما قلت.
فلما كان السحر ، ارتحل الحسين (ع) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته – وقد ركبها – فقال : يا أخي ألم تعدْني النظر فيما سألتك ؟..
قال : بلى ، قال : فما حداك على الخروج عاجلا ؟.. قال :
أتاني رسول الله (ص) بعد ما فارقتك ، فقال : يا حسين !.. اخرج فإن الله قد شاء أن يراك قتيلا .. فقال محمد ابن الحنفية :
إنا لله وإنا إليه راجعون ، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت تخرج على مثل هذا الحال ؟.. قال : فقال لي (ص) :
إن الله قد شاء أن يراهن سبايا ، فسلّم عليه ومضى.ص364
المصدر: كتاب الملهوف ص53

رُوي عن الفرزدق أنه قال : حججت بامي في سنة ستين ، فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم ، إذ لقيتُ الحسين (ع) خارجا من مكة معه أسيافه وتراسه .. فقلت : لمن هذا القطار ؟.. فقيل : للحسين بن علي (ع) فأتيته وسلّمت عليه ، وقلت له :
أعطاك الله سؤلك وأمّلك فيما تحب ، بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله !.. ما أعجلك عن الحج ؟.. قال : لو لم أعجّل لأُخذت ثم قال لي : من أنت ؟.. قلت : رجل من العرب .. ولا والله ما فتشني عن أكثر من ذلك ، ثم قال لي : أخبرني عن الناس خلفك ؟.. فقلت :
الخبيرَ سألتَ ، قلوب الناس معك وأسيافهم عليك ، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء .. قال :
صدقتَ ، لله الأمر من قبلُ ومن بعدُ ، وكل يوم ربنا هو في شأن ، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء ، فلم يبعد من كان الحق نيته ، والتقوى سيرته .. فقلت له : أجل !.. بلّغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر ، وسألته عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها ، وحرّك راحلته وقال : السلام عليك ، ثم افترقنا.ص365
المصدر: الإرشاد ص201

رُوي أنه صلوات الله عليه لما عزم على الخروج إلى العراق ، قام خطيبا ، فقال :
الحمد لله ، وما شاء الله ، ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وصلى الله على رسوله وسلّم .. خُطّ الموت على وُلْد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة ، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف ، وخُيّر لي مصرع أنا لاقيه ، كأني بأوصالي يتقطعها عسلان الفلوات ، بين النواويس وكربلا ، فيملأن مني أكراشا جوفا ، وأجربة سغبا ، لا محيص عن يوم خُطّ بالقلم .
رضا الله رضانا أهل البيت ، نصبر على بلائه ، ويوفينا أجور الصابرين ، لن تشذ عن رسول الله لحُمته ، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقر بهم عينُه ، وتنجز لهم وعده.. من كان فينا باذلاً مهجتَه ، موطّنا على لقاء الله نفسه ، فليرحل معنا فإني راحلٌ مصبحا إن شاء الله.ص367
المصدر: كتاب الملهوف ص52

فلما قارب دخول الكوفة ، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه ، فأخرج قيس الكتاب ومزقه ، فحمله الحصين إلى ابن زياد ، فلما مَثُل بين يديه قال له :
من أنت ؟.. قال : أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه (ع) قال : فلماذا خرقت الكتاب ؟.. قال : لئلا تَعلم ما فيه ، قال :
وممن الكتاب وإلى من ؟.. قال : من الحسين بن علي إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم ، فغضب ابن زياد ، فقال :
والله لا تفارقني حتى تخبرني بأسماء هؤلاء القوم ، أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك إربا إربا .. فقال قيس :
أما القوم فلا أخبرك بأسمائهم ، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فأفعل ، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على عليّ وولده صلوات الله عليهم ، ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم ، ثم قال : أنا رسول الحسين إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه.ص370
المصدر: الملهوف ص66

فأمر به عبيد الله بن زياد أن يُرمى من فوق القصر ، فرُمي به فتقطع ، وروي أنه وقع إلى الأرض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق ، فأتاه رجل يقال له عبدالملك بن عمر اللخمي فذبحه ، فقيل له في ذلك ، وعيب عليه فقال : أردت أن أُريحه.ص370
المصدر: الملهوف ص62

حدث جماعة من فزارة ومن بجيلة قالوا : كنا مع زهير بن القين البجلي حين أقبلنا من مكة ، وكنا نسائر الحسين (ع) فلم يكن شيء أبغض علينا من أن ننازله في منزل ، وإذا سار الحسين (ع) فنزل في منزل لم نجد بدّا من أن ننازله فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب ، فبينا نحن جلوسٌ نتغذّى من طعامٍ لنا إذ أقبل رسول الحسين (ع) حتى سلم ، ثم دخل ، فقال :
يا زهير بن القين!.. إن أبا عبدالله الحسين بعثني إليك لتأتيه ، فطرح كل إنسان منا ما في يده ، حتى كأنما على رؤوسنا الطير ، فقالت له امرأته :
سبحان الله !.. أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه ؟.. لو أتيته فسمعت كلامه ثم انصرفت.
فأتاه زهير بن القين ، فما لبث أن جاء مستبشرا قد أشرق وجهه ، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه ، فقُوّض وحُمل إلى الحسين (ع) ، ثم قال لامرأته : أنت طالق !.. الحقي بأهلك فإني لا أحّب أن يصيبك بسببي إلا خير .. وقد عزمتُ على صحبة الحسين (ع) لأفديه بروحي ، وأقيه بنفسي ، ثم أعطاها مالها وسلّمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها ، فقامت إليه وبكت وودعته ، وقالت :
خار الله لك !.. أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين (ع).ص372
المصدر: الملهوف ص62

أتاه خبر مسلم في زبالة ثم إنه سار ، فلقيه الفرزدق فسلَم عليه ثم قال :
يا بن رسول الله !.. كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم بن عقيل وشيعته ؟.. فاستعبر الحسين (ع) باكيا ثم قال :
رحم الله مسلما ، فلقد صار إلى روح الله وريحانه ، وتحيته ورضوانه ، أما إنه قد قضى ما عليه ، وبقي ما علينا ثم أنشأ يقول :
فإن تكن الدنيا تُعدُّ نفيسة***فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الأبدان للموت أُنشئت***فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الأرزاق قسما مقدّرا***فقلة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن تكن الأموال للترك جمعها***متروك به الحرّ يبخل
ص374
المصدر: الملهوف ص64

فأخَرَج للناس كتابا فقرأ عليهم فإذا فيه :
بسم الله الرحمن الرحيم ..أما بعد ، فإنه قد أتانا خبر فظيع : قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ، وعبدالله بن يقطر ، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف في غير حرج ، ليس عليه ذمام .
فتفرّق الناس عنه ، وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاؤا معه من المدينة ، ونفر يسير ممن انضمّوا إليه ، وإنما فعل ذلك لأنه (ع) علم أن الأعراب الذين اتّبعوه إنما اتّبعوه وهم يظنّون أنه يأتي بلدا ًقد استقامت له طاعة أهلها ، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون….
ثم قال (ع) : والله لا يَدَعونني حتى يستخرجوا هذه العُلقة من جوفي ، فإذا فعلوا سلّط الله عليهم من يُذلّهم حتى يكونوا أذلّ فرق الأمم ..
ثم سار (ع) من بطن العقبة حتى نزل شراف (موضع) ، فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثم سار حتى انتصف النهار ، فبينما هو يسير إذ كبّر رجل من أصحابه ، فقال له الحسين (ع) : الله أكبر ، لما كبرت ؟..
فقال : رأيت النخل!.. قال جماعة ممن صحبه : والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط .. فقال الحسين (ع) : فما ترونه ؟.. قالوا : والله نراه أسنة الرماح وآذان الخيل ، قال : وأنا والله أرى ذلك …. فقال الحسين (ع) لفتيانه :
اسقوا القوم وارووهم من الماء ، ورشّفوا الخيل ترشيفا ، ففعلوا وأقبلوا يملؤون القصاع والطساس من الماء ، ثم يُدنونها من الفرس ، فإذا عبَّ فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه وسقي آخر ، حتى سقوها عن آخرها.
فقال علي بن الطعان المحاربي : كنت مع الحر يومئذ ، فجئت في آخر من جاء من أصحابه ، فلما رأى الحسين (ع) ما بي وبفرسي من العطش قال :
أنخ الراوية !.. والرواية عندي السقا ، ثم قال : يا بن الأخ !.. أنخ الجمل !.. فأنخته ، فقال : اشرب ، فجعلت كلما شربتُ سال الماء من السّقاء ..
فقال الحسين : اخنث السقاء – أي اعطفه – فلم أدر كيف أفعل ؟.. فقام فخنثه ، فشربتُ وسقيتُ فرسي….
فلما حضرت الإقامة ، خرج الحسين (ع) في إزار ورداء ونعلين ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أيها الناس !.. إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ، وقدمت عليّ رسلكم أن : أقدم علينا ، فليس لنا إمام لعل الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى والحق .. فإن كنتم على ذلك فقد جئتكم ، فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا ، وكنتم لمقدمي كارهين ، انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.. فسكتوا عنه ولم يتكلموا كلمة ، فقال للمؤذن : أقم ، فأقام الصلاة ، فقال للحرّ : أتريد أن تصلي بأصحابك؟.. فقال الحرّ : لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك .
فصلى بهم الحسين (ع) ثم دخل فاجتمع عليه أصحابه ، وانصرف الحرّ إلى مكانه الذي كان فيه ، فدخل خيمة قد ضُربت له ، فاجتمع إليه خمسمائة من أصحابه وعاد الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه ، ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه وجلس في ظلها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين (ع) أن يتهيأوا للرحيل ففعلوا ، ثم أمر مناديه فنادى بالعصر ، وأقام فاستقدم الحسين ، وقام فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه ، فحمد الله وأثنى عليه وقال :
أما بعد ، أيها الناس !.. فإنكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لأهله ، يكن أرضى لله عنكم .. ونحن أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الأمر عليكم من هؤلاء المدّعين ما ليس لهم ، والسائرين فيكم بالجور والعدوان ، فإن أبيتم إلا الكراهة لنا ، والجهل بحقنا ، وكان رأيكم الآن غير ما أتتني به كتبكم وقدمت عليّ به رسلكم انصرفت عنكم .. فقال له الحرّ :
أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر ؟.. فقال الحسين (ع) لبعض أصحابه : يا عقبة بن سمعان !.. أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إليّ ، فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنُثرت بين يديه ، فقال له الحرّ :
لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك ، وقد أُمرنا أنا إذا لقيناك لا نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد .. فقال الحسين (ع) :
الموت أدنى إليك من ذلك ، ثم قال لأصحابه : فقوموا فاركبوا ، فركبوا وانتظر حتى ركبت نساؤه ، فقال لأصحابه : انصرفوا فلما ذهبوا لينصرفوا حال القوم بينهم وبين الإنصراف .. فقال الحسين (ع) للحر : ثكلتك أمك ما تريد ؟.. فقال له الحرّ : أما لو غيرك من العرب يقولها لي ، وهو على مثل الحال التي أنت عليها ، ما تركت ذكر أمه بالثكل كائنا من كان ، ولكن والله ما لي من ذكر أمك من سبيل إلا بأحسن ما نقدر عليه .
فقال له الحسين (ع) : فما تريد ؟.. قال : أريد أن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد ، فقال : إذا والله لا أتّبعك ، فقال : إذا والله لا أدعك ، فترادّا القول ثلاث مرات.
فلما كثر الكلام بينهما قال له الحر : إني لم أُومر بقتالك ، إنما أُمرت أن لا أفارقك حتى أُقدمك الكوفة ، فإذ أبيت فخذ طريقا لا يُدخلك الكوفة ، ولا يردّك إلى المدينة ، يكون بيني وبينك نَصَفا حتى أكتب إلى الأمير عبيد الله بن زياد ، فلعل الله أن يرزقني العافية من أن أُبتلى بشيء من أمرك فخذ ههنا.ص378
المصدر:
الإرشاد ص207

فسرنا معه ساعة ، فخفق (ع) وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون والحمد لله رب العالمين .
ففعل ذلك مرتين أو ثلاثا ، فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال : ممَ حمدت الله واسترجعت ؟.. قال :
يا بني !.. إني خفقت خفقة فعنّ لي فارس على فرس وهو يقول : القوم يسيرون ، والمنايا تسير إليهم ، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا ، فقال له :
يا أبت لا أراك الله سوءا ، ألسنا على الحق ؟.. قال :
بلى ، والله الذي مرجع العباد إليه ، فقال : فإننا إذاً لا نبالي أن نموت محقّين ، فقال له الحسين (ع) : جزاك الله من ولد خير ما جزى ولدا عن والده.ص380
المصدر: الإرشاد ص209

فقام الحسين (ع) خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
إنه قد نزل من الأمر ما قد ترون ، وإن الدنيا تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء ، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل .. ألا ترون إلى الحق لا يعُمل به ، وإلى الباطل لا يُتناهى عنه ، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا حقا ، فإني لا أرى الموت إلا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير بن القين فقال : قد سمعنا – هداك الله يا بن رسول الله – مقالتك ولو كانت الدنيا لنا باقية ، وكنا فيها مخلدين ، لآثرنا النهوض معك على الإقامة فيها.
ووثب هلال بن نافع البجلي فقال : والله ما كرهنا لقاء ربنا ، وإنا على نيّاتنا وبصائرنا ، نوالي من والاك ، ونعادي من عاداك .
وقام برير بن خضير .. فقال : والله يا ابن رسول الله !.. لقد منّ الله بك علينا أن نقاتل بين يديك ، فيُقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
ثم إن الحسين (ع) ركب وسار ، كلما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه أخرى ، حتى بلغ كربلا وكان ذلك في اليوم الثامن من المحرم .ص381
المصدر: الملهوف ص69

فقال له زهير : فسر بنا حتى ننزل بكربلاء فإنها على شاطئ الفرات ، فنكون هنالك ، فإن قاتلونا قاتلناهم ، واستعنّا الله عليهم .. فدمعت علينا الحسين (ع) ثم قال : اللهم !.. إني أعوذ بك من الكرب والبلاء.ص381
المصدر: المناقب

فوثب إلى الحسين (ع) رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي فقال : يا بن رسول الله !.. أنت تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يُشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما أحب ، وقد كان منهم منافقون يَعدُونه بالنصر ، ويضمرون له الغدر ، يلقونه بأحلى من العسل ويخلفونه بأمرّ من الحنظل ، حتى قبضه الله إليه .
وإن أباك عليّا – رحمة الله عليه – قد كان في مثل ذلك ، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين والمارقين ، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه ، وأنت اليوم عندنا في مثل تلك الحالة ، فمن نكث عهده ، وخلع بيعته فلن يضر إلا نفسه ، والله مغن عنه .. فسر بنا راشدا معافا مشرّقاً إن شئت ، وإن شئت مغرّبا ، فو الله ما أشفقنا من قدر الله ، ولا كرهنا لقاء ربنا وإنا على نياتنا وبصائرنا ، نوالي من والاك ، ونعادي من عاداك.ص383
المصدر: بحار الانوارج44/ص383

فجمع الحسين (ع) ولده وإخوته وأهل بيته ، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال : اللهم !.. إنا عترة نبيك محمد ، وقد أُخرجنا وطُردنا وأُزعجنا عن حرم جدّنا وتعدت بنو أمية علينا .. اللهم فخذ لنا بحقنا ، وانصرنا على القوم الظالمين.
ثم أقبل على أصحابه ، فقال : الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم ، يحوّطونه ما درّت معايشهم ، فإذا مُحّصوا بالبلاء قلّ الدّيانون .. ثم قال : أهذه كربلاء ؟.. فقالوا : نعم يا بن رسول الله !.. فقال : هذا موضع كرب وبلاء ، ههنا مناخ ركابنا ، ومحط رحالنا ، ومقتل رجالنا ، ومسفك دمائنا.ص383
المصدر: بحار الانوارج44/ص383

ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات ، فحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ، وأضر العطش بالحسين وأصحابه ، فأخذ الحسين (ع) فأسا وجاء إلى وراء خيمة النساء ، فخطا في الأرض تسع عشرة خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك ، فنبعت له عين من الماء العذب ، فشرب الحسين (ع) وشرب الناس بأجمعهم ، وملأوا أسقيتهم ، ثم غارت العين ، فلم يُر لها أثر .
وبلغ ذلك ابن زياد فأرسل إلى عمر بن سعد : بلغني أن الحسين يحفر الآبار ، ويصيب الماء ، فيشرب هو وأصحابه ، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيّق عليهم ، ولا تدعهم يذوقوا الماء ، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان ، فعندها ضيّق عمر بن سعد عليهم غاية التضييق.
فلما اشتد العطش بالحسين ، دعا بأخيه العباس ، فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين راكبا ، وبعث معه عشرين قربة ، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو بن الحجاج : من أنتم ؟.. فقال رجل من أصحاب الحسين (ع) ، يقال له هلال بن نافع البجلي :
ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء ، فقال عمرو : اشرب هنيئا ، فقال هلال : ويحك !.. تأمرني أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا ؟.. فقال عمرو : صدقت ولكن أُمرنا بأمر لا بد أن ننتهي إليه .
فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات ، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا قتالا شديدا فكان قومٌ يقاتلون ، وقومٌ يملأون حتى ملأوها ، ولم يُقتل من أصحاب الحسين أحد .. ثم رجع القوم إلى معسكرهم ، فشرب الحسين ومن كان معه ، ولذلك سُميّ العباس (ع) السقاء.
ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله : أني أريد أن أُكلّمك فالقني الليلة بين عسكري وعسكرك ، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك ، فلما التقيا أمر الحسين (ع) أصحابه فتنحّوا عنه ، وبقي معه أخوه العباس ، وابنه علي الأكبر ، وأمر عمر بن سعد أصحابه فتنحّوا عنه ، وبقي معه ابنه حفص وغلام له ، فقال له الحسين (ع) :
ويلك يا بن سعد !.. أما تتقي الله الذي إليه معادك ، أتقاتلني وأنا ابن من علمت ؟.. ذرْ هؤلاء القوم وكن معي ، فإنه أقرب لك إلى الله تعالى ، فقال عمر بن سعد :
أخاف أن يُهدم داري ، فقال الحسين (ع) : أنا أبنيها لك ، فقال :
أخاف أن تؤخذ ضيعتي ، فقال الحسين (ع) : أنا أخلف عليك خيرا منها من ما لي بالحجاز ، فقال :
لي عيال وأخاف عليهم ، ثم سكت ولم يجبه إلى شيء.
فانصرف عنه الحسين (ع) ، وهو يقول : ما لك !.. ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك ، فو الله إني لأرجو أن لا تأكل من بُرّ العراق إلا يسيرا .. فقال ابن سعد : في الشعير كفاية عن البُرّ مستهزئا بذلك القول.ص389
المصدر: بحار الانوارج44/ص389

ونادى عبدالله بن حصين الأزدي ، وكان عداده في بجيلة قال بأعلى صوته : يا حسين !.. ألا تنظرون إلى الماء كأنه كبد السماء ، والله لا تذوقون منه قطرة واحدة حتى تموتوا عطشا ، فقال الحسين (ع) :
اللهم !..اقتله عطشا ولا تغفر له أبدا .
قال حميد بن مسلم : والله لعدته في مرضه بعد ذلك ، فو الله الذي لا إله غيره لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر (أي يشرب ولا يرتوي) ثم يقيئه ، ويصيح العطش العطش !.. ثم يعود ويشرب حتى يبغر ثم يقيئه ويتلظى عطشا ، فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه.ص389
المصدر: الإرشاد

وكتب ابن زياد إلى عمر بن سعد :
لم أبعثك إلى الحسين لتكفّ عنه ، ولا لتطاوله ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتعتذر عنه ، ولا لتكون له عندي شفيعا ، انظر فإن نزل حسين وأصحابه على حكمي واستسلموا ، فابعث بهم إلي سلْما ، وإن أبوا فازحف إليهم حتى تقتلهم وتمثّل بهم ، فإنهم لذلك مستحقون ، فإن قتلتَ حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره فإنه عاتٍ ظلوم ، ولست أرى أن هذا يضرّ بعد الموت شيئا ، ولكن عليّ قول قد قلتُه ، لو قد قتلتُه لفعلتُه هذا به ، فإن أنت مضيت لأمرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع ، وإن أبيت فاعتزل عملنا وجندنا ، وخلّ بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فانا قد أمرناه بأمرنا والسلام .
فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد ، فلما قدم عليه وقرأه ، قال له عمر : ما لك ويلك !.. لا قرّب الله دارك ، وقبّح الله ما قدمت به عليّ ، والله إني لأظنّك نهيته عما كتبت به إليه ، وأفسدت علينا أمراً قد كنا رجونا أن يصلح ، لا يستسلم والله حسينٌ ، إن نفس أبيه لبين جنبيه .. فقال له شمر : أخبرني ما أنت صانع ؟.. أتمضي لأمر أميرك وتقاتل عدوه ، وإلا فخل بيني وبين الجند والعسكر ، قال : لا ، ولا كرامة لك ، ولكن أنا أتولى ذلك فدونك فكن أنت على الرجّالة.
ونهض عمر بن سعد إلى الحسين (ع) عشية الخميس لتسع مضين من المحرم ، وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين ، وقال : أين بنو أختنا ؟..
فخرج إليه جعفر والعباس وعبدالله وعثمان بنو علي (ع) ، فقالوا :
ما تريد ؟.. فقال : أنتم يا بني أختي آمنون ، فقال له الفئة : لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له !..
ثم نادى عمر : يا خيل الله اركبي ، وبالجنة أبشري !.. فركب الناس ثم زحف نحوهم بعد العصر والحسين (ع) جالس أمام بيته محتبئ بسيفه ، إذ خفق برأسه على ركبتيه ، وسمعت أخته الصيحة ، فدنت من أخيها وقالت :
يا أخي !.. أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت ؟.. فرفع الحسين (ع) رأسه فقال : إني رأيت رسول الله الساعة في المنام ، وهو يقول لي :
إنك تروح إلينا ، فلطمت أخته وجهها ، ونادت بالويل فقال لها الحسين : ليس لكِ الويل يا أخته ، اسكتي رحمك الله !..
وفي رواية السيد قال : يا أختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي عليا وأمي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون : يا حسين !.. إنك رائح إلينا عن قريب ، وفي بعض الروايات : غدا .. فلطمت زينب عليها السلام على وجهها ، وصاحت فقال لها الحسين (ع) : مهلا لا تُشمتي القوم بنا.ص391
المصدر: الإرشاد

فقال له العباس بن علي (ع) : يا أخي أتاك القوم ، فنهض ثم قال : اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم :
ما لكم ؟.. وما بدا لكم ؟.. وتسألهم عما جاء بهم ، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب بن مظاهر ، فقال لهم العباس : ما بدا لكم وما تريدون ؟.. قالوا :
قد جاء أمر الأمير أن يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم ، قال : فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبدالله فأعرضَ عليه ما ذكرتم .. فوقفوا ، فقالوا : القه وأعلمْه ثم القِنا بما يقول لك ، فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين (ع) يخبره الخبر ، ووقف أصحابه يخاطبون القوم ، ويعظونهم ويكفّونهم عن قتال الحسين .
فجاء العباس إلى الحسين (ع) وأخبره بما قال القوم ، فقال : ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غد ، وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره ، فهو يعلم أني قد كنت أحب الصلاة له ، وتلاوة كتابه ، وكثرة الدعاء والاستغفار.ص392
المصدر: الإرشاد ص213

وجمع الحسين (ع) أصحابه عند قرب المساء ، قال علي بن الحسين زين العابدين (ع) : فدنوت منه لأسمع ما يقول لهم ، وأنا إذ ذاك مريض ، فسمعت أبي يقول لأصحابه :
أثني على الله أحسن الثناء ، واحمده على السراء والضراء .
اللهم !.. إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة ، وعلّمتنا القرآن ، وفقّهتنا في الدين ، وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة ، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد، فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ، ولا أهل بيت أبرّ وأوصل من أهل بيتي ، فجزاكم الله عني خيرا ، ألا وإني لأظن يوما لنا من هؤلاء ، ألا وإني قد أذنت لكم ، فانطلقوا جميعا في حلّ ليس عليكم حرج مني ولا ذمام ، هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ، فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبدالله بن جعفر :
لِمَ نفعل ذلك لنبقى بعدك ؟!.. لا أرانا الله ذلك أبدا ، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعته الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه ، فقال الحسين (ع) : يا بني عقيل !.. حسبكم من القتل بمسلم بن عقيل ، فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم ، فقالوا : سبحان الله ما يقول الناس ؟.. نقول :
إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الأعمام ، ولم نرم معهم بسهم ، ولم نطعن معهم برمح ، ولم نضرب معهم بسيف ، ولا ندري ما صنعوا ، لا والله ما نفعل ذلك ولكن نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا ، ونقاتل معك حتى نرد موردك ، فقبّح الله العيش بعدك.
وقام إليه مسلم بن عوسجة ، فقال : أنحن نخلي عنك ، وبما نعتذر إلى الله في أداء حقك ؟.. لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي ، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي ، ولو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة ، والله لا نخلّيك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك.
أما والله لو علمت أني أُقتل ثم أُحيا ثم أُحرق ثم أُحيا ثم أُذرى ، يُفعل ذلك بي سبعين مرة ، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك ، فكيف لا أفعل ذلك وإنما هي قتلة واحدة ، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
وقام زهير بن القين فقال : والله لوددت أني قُتلت ثم نُشرت ثم قُتلت حتى أُقتل هكذا ألف مرة ، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك ، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل بيتك.ص393
المصدر: الإرشاد ص213

قيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال : قد أُسر ابنك بثغر الري ، فقال : عند الله احتسبه ونفسي ، ما احب أن يُؤسر وأنا أبقى بعده ، فسمع الحسين (ع) قوله ، فقال :
رحمك الله !.. أنت في حل من بيعتي ، فاعمل في فكاك ابنك ، فقال : أكلتني السباع حيا إن فارقتك ، قال : فأعط ابنك هذه الأثواب البرود ، يستعين بها في فداء أخيه ، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار .
وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة ، ولهم دويّ كدويّ النحل ، ما بين راكع وساجد ، وقائم وقاعد ، فعَبَر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون رجلا.ص394
المصدر: الملهوف ص118

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى