الجزء الرابع والاربعون كتاب تاريخ الأمام الحسين (ع)

باب احتجاجه صلوات الله عليه على معاوية

لقد قيل لمعاوية إن الناس قد رموا أبصارهم إلى الحسين ، فلو قد أمرته يصعد المنبر فيخطب ، فإن فيه حصرا وفي لسانه كلالة ، فقال لهم معاوية :
قد ظننا ذلك بالحسن ، فلم يزل حتى عَظُم في أعين الناس وفَضَحنا .. فلم يزالوا به حتى قال للحسين (ع) :
يا أبا عبدالله !.. لو صعدتَ المنبر ، فخطبتَ .. فصعد الحسين (ع) المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم صلى على النبي (ص) فسمع رجلا يقول :
من هذا الذي يخطب ؟.. فقال الحسين (ع) :
نحن حزب الله الغالبون ، وعترة رسول الله الأقربون ، وأهل بيته الطيّبون ، وأحد الثقلين الذين جعلنا رسول الله ثاني كتاب الله تبارك وتعالى ، الذي فيه تفصيل كل شيء ، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، والمعوَّل علينا في تفسيره ، ولا يبطئنا تأويله ، بل نتّبع حقائقه .
فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة ، إذ كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة ، قال الله عز وجل : { أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول } وقال :
{ ولو ردّوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا }.
وأحذّركم الإصغاء إلى هتوف الشيطان بكم ، فإنه لكم عدو مبين فتكونوا كأوليائه الذين قال لهم : { لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني برئ منكم }.
فتلقون للسيوف ضَرَبا (أي مضروباً) ، وللرماح وَرَدا (أي ما ترد عليه الرماح) وللعُمَد حطما ، وللسهام غرضا ، ثم لا يقبل من نفس إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ، قال معاوية :
حسبك يا أبا عبدالله !.. فقد أبلغت . ص206
المصدر: المناقب 4/67 ، الاحتجاج ص153

دعا معاوية مروان بن الحكم ، فقال له : أشر عليّ في الحسين ، فقال : أرى أن تُخرجه معك إلى الشام ، وتقطَعه عن أهل العراق ، وتقطعهم عنه ، فقال :
أردتَ والله أن تستريح منه ، وتبتليني به ، فإن صبرتُ عليه صبرتُ على ما أكره ، وإن أسأتُ إليه قطعتُ رحمه ، فأقامه وبعث إلى سعيد بن العاص فقال له : يا أبا عثمان أشر عليّ في الحسين ، فقال :
إنك والله ما تخاف الحسين إلا على من بعدك ، وإنك لتخلف له قرنا إن صارعه ليصرعنّه ، وإن سابقه ليسبقنّه ، فذر الحسين بمنبت النخلة ، يشرب الماء ويصعد في الهواء ، ولا يبلغ إلى السماء .
المصدر: المناقب 4/81
بيــان:
قوله : يشرب الماء ، الظاهر أنه صفة النخلة ، أي كما أن النخلة في تلك البلاد تشرب الماء وتصعد في الهواء ، وكلما صعدت لا تبلغ السماء ، فكذلك هو كلما تمنى و طلب الرفعة ، لا يصل إلى شيء ، ويحتمل أن يكون الضمائر راجعة إليه صلوات الله عليه . ص210

كتب معاوية إلى الحسين بن علي (ع) : أما بعد فقد انتهت إليّ أمور عنك إن كانت حقا فقد أظنك تركتها رغبة فدعها ، ولعمر الله إن من أعطى الله عهده وميثاقه لجديرٌ بالوفاء ، فإن كان الذي بلغني باطلا فإنك أنت أعزل الناس لذلك ، وعظ نفسك فاذكر ، وبعهد الله أوف .
فإنك متى ما تنكرني انكرْك ، ومتى ما تكدني أكْدك ، فاتق شق عصا هذه الأمة ، وأن يردّهم الله على يديك في فتنة ، فقد عرفتَ الناس وبلوتهَم ، فانظر لنفسك ولدينك ولأمّة محمد ، ولا يستخفنك السفهاء والذين لا يعلمون.
فلما وصل الكتاب إلى الحسين (ع) كتب إليه :
أما بعد ، فقد بلغني كتابك تذكر أنه قد بلغك عني أمور أنت لي عنها راغب ، وأنا بغيرها عندك جدير ، فإن الحسنات لا يهدي لها ، ولا يسدد إليها إلا الله.
وأما ما ذكرت أنه انتهى إليك عنّي ، فإنه إنما رقاه إليك الملاّقون المشّاؤن بالنميم وما أريد لك حربا ولا عليك خلافا ، وأيم الله إني لخائف لله في ترك ذلك ، وما أظن الله راضيا بترك ذلك ، ولا عاذراً بدون الاعذار فيه إليك ، وفي أولئك القاسطين الملحدين حزب الظلمة ، وأولياء الشياطين.
ألست القاتل حجرا أخا كندة ، والمصلّين العابدين الذين كانوا ينكرون الظلم ويستعظمون البدع ، ولا يخافون في الله لومة لائم ؟..ثم قتلتَهم ظلما وعدوانا من بعد ما كنت أعطيتهم الأيمان المغلّظة ، والمواثيق المؤكّدة ، ولا تأخذهم بحدث كان بينك وبينهم ، ولا بإحنة تجدها في نفسك.
أولست قاتل عمرو بن الحمق ، صاحب رسول الله (ص) العبد الصالح الذي أبلته العبادة ، فنحُل جسمه ، وصفرت لونه ، بعد ما أمّنته وأعطيته من عهود الله ومواثيقه ما لو أعطيته طائرا لنزل إليك من رأس الجبل ؟.. ثم قتلته جرأة على ربك واستخفافا بذلك العهد.
أو لست المدّعي زياد بن سمية المولود على فراش عُبيد ثقيف ؟.. فزعمت أنه ابن أبيك ، وقد قال رسول الله (ص) : الولد للفراش وللعاهر الحجر .. فتركت سنة رسول الله تعمّداًً ، وتبعت هواك بغير هدى من الله ، ثم سلّطته على العراقين : يقطع أيدي المسلمين وأرجلهم ، ويسمل أعينهم ، ويصلبهم على جذوع النخل ، كأنك لست من هذه الامة ، وليسوا منك.
أو لست صاحب الحضرميين الذين كتب فيهم ابن سمية ، أنهم كانوا على دين عليّ صلوات الله عليه؟.. فكتبت إليه أن : اقتل كل من كان على دين عليّ ، فقتلهم ومثّل بهم بأمرك .
ودين عليّ (ع) والله الذي كان يضرب عليه أباك ويضربك ، به جلست مجلسك الذي جلست ، ولولا ذلك لكان شرفك وشرف أبيك الرحلتين.
وقلت فيما قلت : انظر لنفسك ولدينك ولأمة محمد ، واتق شق عصا هذه الأمة وأن تردهم إلى فتنة .
وإني لا أعلم فتنة أعظم على هذه الأمة من ولايتك عليها ، ولا أعلم نظرا لنفسي ولديني ولأمة محمد (ص) علينا أفضل من أن أجاهدك .. فإن فعلتُ فإنه قربة إلى الله ، وإن تركتُه فإنّي أستغفر الله لذنبي ، وأسأله توفيقه لإرشاد أمري.
وقلت فيما قلت : إنى إن أنكرتك تنكرني ، وإن أكدك تكدني .. فكدني ما بدا لك ، فإني أرجو أن لا يضرني كيدك فيّ ، وأن لا يكون على أحد أضرّ منه على نفسك ، لأنك قد ركبت جهلك ، وتحرّصت على نقض عهدك ، ولعمري ما وفيتَ بشرط ، ولقد نقضت عهدك بقتلك هؤلاء النفر الذين قتلتهم بعد الصلح والأيمان والعهود والمواثيق ، فقتلتهم من غير أن يكونوا قاتلوا ، وقُتلوا ولم تفعل ذلك بهم إلا لذكرهم فضلنا ، وتعظيمهم حقنا ، فقتلتهم مخافة أمرٍ لعلك لو لم تقتلْهم متّ قبل أن يفعلوا أو ماتوا قبل أن يُدركوا.
فأبشر يا معاوية بالقصاص ، واستيقن بالحساب !.. واعلم أن لله تعالى كتابا لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، وليس الله بناس لأخذك بالظّنة ، وقتلك أولياءه على التهم ، ونفيك أولياءه من دورهم إلى دار الغربة ، وأخذك الناس ببيعة ابنك غلامٍ حدثٍ : يشرب الخمر ، ويلعب بالكلاب .
لا أعلمك إلا وقد خسرت نفسك ، وبترت دينك ، وغششت رعيتك ، وأخزيت أمانتك ، وسمعت مقالة السفيه الجاهل ، وأخفت الورع التقي لأجلهم والسلام.ص214
المصدر: الكشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى