الجزء الرابع والاربعون كتاب تاريخ الامام الحسن (ع)

باب جمل تواريخه وأحواله (ع)

كان الحسن بن علي (ع) أبيض ، مشربا حمرة ، أدعج العينين ، سهل الخدين ، دقيق المسربة ، كثّ اللحية ، ذا وفرة ، وكأن عنقه إبريق فضة ، عظيم الكراديس ، بعيد ما بين المنكبين ، ربعة ليس بالطويل ولا القصير ، مليحا من أحسن الناس وجها ، وكان يخضب بالسواد ، وكان جعد الشعر ، حسن البدن.
المصدر: كشف الغمة 2/94

بيــان: الدعج شدة سواد العين مع سعتها ، قوله : سهل الخدين : أي سائل الخدين غير مرتفع الوجنتين ، والمسربة بضم الراء ما دق من شعر الصدر سائلا إلى الجوف ، وكثّ الشيء أي كثف ، والوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن ، وكلّ عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس . ص137

دخلت أنا ورجل على الحسن بن علي (ع) نعوده .. فقال : يا فلان سلني!.. قال : لا والله لا أسالك حتى يعافيك الله ثم نسألك ، ثم دخل الخلاء ثم خرج إلينا .. فقال :
سلني قبل أن لا تسألني ، قال : بل يعافيك الله ثم لنسألك ، قال :
ألقيت طائفة من كبدي وإني قد سُقيت السم مرارا ، فلم أُسق مثل هذه المرة ..
ثم دخلت عليه من الغد ، وهو يجود بنفسه ، والحسين عند رأسه .. فقال :
يا أخي من تتهم ؟.. قال : لِمَ ، لتقتله ؟.. قال : نعم ، قال :
إن يكن الذي أظن فإنه أشدّ بأساًً وأشدّ تنكيلاً ، وإلا يكن فما أحب أن يُقتل بي بريء ، ثم قضى (ع).ص138
المصدر: كشف الغمة 2/142

لما حضر الحسن بن علي الموت قال : أخرجوني إلى الصحراء لعلي أنظر في ملكوت السماء – يعني الآيات – فلما أُخرج به قال :
اللهم !.. إني أحتسب نفسي عندك ، فإنها أعزّّ الأنفس عليّ ، وكان له مما صنع الله له أنه احتسب نفسه.
المصدر: كشف الغمة 2/142

بيــان: قوله (ع) : اللهم إني أحتسب نفسي عندك : أي أرضى بذهاب نفسي وشهادتي ، ولا أطلب القود طالبا لرضاك ، أو أطلب منك أن تجعلها عندك في محال القدس . ص138

دخلت على الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) في مرضه الذي توفي فيه وبين يديه طست ، يقذف عليه الدم ويخرج كبده قطعة قطعة من السم الذي أسقاه معاوية لعنه الله .. فقلت :
يا مولاي ما لك لا تعالج نفسك ؟.. فقال : يا عبدالله بماذا أعالج الموت ؟.. قلت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم التفت إليَّ ، فقال :
والله لقد عهد إلينا رسول الله (ص) أن هذا الأمر يملكه اثنا عشر إماما من وُلد عليّ وفاطمة ، ما منا إلا مسموم أو مقتول ، ثم رفعت الطست وبكى صلوات الله عليه وآله.. فقلت له : عظني يا بن رسول الله !.. قال :
نعم ، استعدّ لسفرك ، وحصّل زادك قبل حلول أجلك ، واعلم أنك تطلب الدنيا والموت يطلبك ، ولا تحمل همّ يومك الذي لم يأت على يومك الذي أنت فيه ، واعلم أنك لا تكسب من المال شيئا فوق قُوتك إلا كنت فيه خازنا لغيرك .
واعلم أن في حلالها حساب ، وفي حرامها عقاب ، وفي الشبهات عتاب ، فأنزل الدنيا بمنزلة الميتة ، خذ منها ما يكفيك ، فإن كان ذلك حلالا كنت قد زهدت فيها ، وإن كان حراما لم يكن فيه وزر ، فأخذت كما أخذت من الميتة وإن كان العتاب فإن العتاب يسير.
واعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ، وإذا أردت عزا بلا عشيرة ، وهيبة بلا سلطان ، فاخرج من ذل معصية الله إلى عز طاعة الله عز وجل ، وإذا نازعتك إلى صحبة الرجال حاجةٌ ، فاصحب من إذا صحبتُه زانك ، وإذا خدمته صانك ، وإذا أردت منه معونة أعانك ، وإن قلت صدَّق قولك ، وإن صُلتَ شدّ صَولك ( أي سطوتك ) ، وإن مددت يدك بفضل مدّها ، وإن بدت عنك ثلمة سدّها ، وإن رأى منك حسنة عدّها ، وإن سألته أعطاك ، وإن سكت عنه ابتداك ، وإن نزلت إحدى الملمات به ساءك .. من لا تأتيك منه البوائق ، ولا يختلف عليك منه الطرائق ، ولا يخذلك عند الحقائق ، وإن تنازعتما منقسما آثرك.
ثم انقطع نفسُه واصفّر لونه ، حتى خشيت عليه ، ودخل الحسين (ع) والأسود بن أبي الأسود فانكب عليه حتى قبّل رأسه وبين عينيه ، ثم قعد عنده فتسارا جميعا .. فقال أبو الأسود : إنا لله !.. إن الحسن قد نُعيت إليه نفسه.ص140
المصدر: الكفاية

كان مولده بعد مبعث رسول الله (ص) بخمس عشرة سنة وأشهر ، وولدت فاطمة أبا محمد (ع) ولها أحد عشرة سنة كاملة ، وكانت ولادته مثل ولادة جده وأبيه صلى الله عليهم ، وكان طاهرا مطهّرا يسبّح ويهلّل في حال ولادته ، ويقرأ القرآن على ما رواه أصحاب الحديث عن رسول الله (ص) أن جبرئيل ناغاه في مهده .
وقُبض رسول الله (ص) وكان له سبع سنين وشهور ، وكان سبب مفارقة أبي محمد الحسن (ع) دار الدنيا وانتقاله إلى دار الكرامة ، على ما وردت به الأخبار أن معاوية بذل لجعدة بنت محمد بن الأشعث زوجة أبي محمد (ع) عشرة آلاف دينار ، وإقطاعات كثيرة من شعب سُورا ، وسواد الكوفة .
وحمل إليها سمّا فجعلته في طعام فلما وضعته بين يديه ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون !.. والحمد لله على لقاء محمد سيد المرسلين ، وأبي سيد الوصيين ، وأمي سيدة نساء العالمين ، وعمي جعفر الطيار في الجنة ، وحمزة سيد الشهداء صلوات الله عليهم أجمعين.
ودخل عليه أخوه الحسين صلوات الله عليه .. فقال : كيف تجد نفسك ؟.. قال : أنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ، على كره مني لفراقك وفراق إخوتي .. ثم قال :
أستغفر الله على محبة مني للقاء رسول الله (ص) وأمير المؤمنين وفاطمة وجعفر وحمزة عليهم السلام.
ثم أوصى إليه وسلم إليه الاسم الأعظم ، ومواريث الأنبياء عليهم السلام التي كان أمير المؤمنين (ع) سلّمها إليه ، ثم قال :
يا أخي !.. إذا أنا متُّ فغسّلني وحنّطني و كفّني ، واحملني إلى جدي صلى الله عليه وآله ، حتى تلحدني إلى جانبه ، فإن مُنعتَ من ذلك فبحق جدك رسول الله ، وأبيك أمير المؤمنين ، وأمك فاطمة الزهراء عليهم السلام أن لا تخاصم أحدا ، واردد جنازتي من فورك إلى البقيع حتى تدفني مع أمي عليها السلام.
فلما فرغ من شأنه ، وحمله ليدفنه مع رسول الله (ص) ركب مروان بن الحكم طريد رسول الله (ص) بغلة وأتى عائشة ، فقال لها :
يا أم المؤمنين !.. إن الحسين يريد أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله (ص) ، والله إن دفن معه ، ليذهبن فخر أبيك وصاحبه عمر إلى يوم القيامة ، قالت :
فما أصنع يا مروان ؟.. قال : الحقي به وامنعيه من أن يُدفن معه قالت : وكيف الحقه ؟.. قال : اركبي بغلتي هذه ، فنزل عن بغلته وركبتها ، وكانت تؤزُّ الناس وبني أمية على الحسين (ع) ، وتحرّضهم على منعه مما هم به ، فلما قربت من قبر رسول الله (ص) – وكان قد وصلت جنازة الحسن – فرمت بنفسها عن البغلة وقالت :
والله لا يدفن الحسن ههنا أبدا ، أو تُجزّ هذه – وأومت بيدها إلى شعرها – فأراد بنو هاشم المجادلة .. فقال الحسين (ع) :
الله الله !.. لا تضيّعوا وصية أخي ، واعدلوا به إلى البقيع فإنه أقسم عليّ إن أنا مُنعت من دفنه مع جده (ص) أن لا أخاصم فيه أحدا ، وأن أدفنه بالبقيع مع أمّه عليها السلام ، فعدلوا به ودفنوه بالبقيع معها عليها السلام.
فقام ابن عباس رضي الله عنه وقال : يا حميراء !.. ليس يومنا منك بواحد ، يوم على الجمل ، ويوم على البغلة ، أما كفاك أن يقال : يوم الجمل ، حتى يقال : يوم البغل .. يوم على هذا ويوم على هذا ، بارزةً عن حجاب رسول الله (ص) تريدين إطفاء نور الله ، والله متمّ نوره ولو كره المشركون ، إنا لله وإنا إليه راجعون .. فقالت له : إليك عني ، وأفٍّ لك ولقومك . ص141
المصدر: عيون المعجزات
قال الصادق (ع) : إن الأشعث بن قيس شرك في دم أمير المؤمنين ، وابنته جعدة سمّت الحسن ، ومحمد ابنه شرك في دم الحسين عليهم السلام .ص142
المصدر: الكافي 8/167

روي أن الحسن (ع) لما دنت وفاته ونفدت أيامه ، وجرى السم في بدنه ، تغير لونه واخضر .. فقال له الحسين (ع) : ما لي أرى لونك مائلا إلى الخضرة ؟.. فبكى الحسن (ع) وقال : يا أخي !.. لقد صحّ حديث جدي فيَّ وفيك ، ثم اعتنقه طويلا وبكيا كثيرا ، فسُئل (ع) عن ذلك ؟.. فقال : أخبرني جدي قال :
لما دخلتُ ليلة المعراج روضات الجنان ، ومررت على منازل أهل الإيمان ، رأيت قصرين عاليين متجاورين على صفة واحدة ، إلا أن أحدهما من الزبرجد الأخضر ، والآخر من الياقوت الأحمر .. فقلت : يا جبرئيل لمن هذان القصران ؟.. فقال : أحدهما للحسن والآخر للحسين (ع) .. فقلت :
يا جبرئيل ، فلِمَ لم يكونا على لون واحد ؟.. فسكت ولم يردّ جواباً ، فقلت : لِمَ لا تتكلم ؟.. قال : حياء منك ، فقلت له : سألتك بالله إلا ما أخبرتني ، فقال : أما خضرة قصر الحسن فإنه يموت بالسمّ ، ويخضرّ لونه عند موته ، وأما حمرة قصر الحسين ، فإنه يُقتل ويحمرُّ وجهه بالدم .. فعند ذلك بكيا وضجّ الحاضرون بالبكاء والنحيب . ص145
المصدر: مدينة المعاجز 3/332 باختلاف

روي أن معاوية دفع السمّّ إلى امرأة الحسن بن علي (ع) جعدة بنت الأشعث وقال لها : اسقيه ، فإذا مات هو زوّجتك ابني يزيد ، فلما سقته السم ومات صلوات الله عليه ، جاءت الملعونة إلى معاوية الملعون ، فقالت : زوّجني يزيد.. فقال : اذهبي !.. فإن امرأة لا تصلح للحسن بن علي (ع) ، لا تصلح لابني يزيد . ص148
المصدر: الاحتجاج ص149

عن ابن عباس قال : إن رسول الله (ص) كان جالسا ذات يوم ، إذ أقبل الحسن (ع) فلما رآه بكى ثم قال : إليّ إليّ يا بني !.. فما زال يدنيه حتى أجلسه على فخذه اليمنى وساق الحديث إلى أن قال : قال النبي (ص) :
وأما الحسن فإنه ابني ، وولدي ، ومنّي ، وقرة عيني ، وضياء قلبي ، وثمرة فؤادي ، وهو سيد شباب أهل الجنة ، وحجّة الله على الأمة : أمره أمري ، وقوله قولي ، من تبعه فإنه مني ، ومن عصاه فليس مني .. وإني لما نظرت إليه تذكّرت ما يجري عليه من الذلّ بعدي ، فلا يزال الأمر به حتى يُقتل بالسم ظلما وعدوانا ، فعند ذلك تبكي الملائكة والسبع الشداد لموته ، ويبكيه كل شيء حتى الطير في جو السماء ، والحيتان في جوف الماء .
فمن بكاه لم تعمَ عينُه يوم تعمى العيون ، ومن حزن عليه لم يحزن قلبه يوم تحزن القلوب ، ومن زاره في بقيعه ، ثبتت قدمه على الصراط يوم تزلّ فيه الأقدام . ص149
المصدر: أمالي الصدوق المجلس 24 الرقم 2

عن علي بن أبي طالب (ع) قال : بينا أنا وفاطمة والحسن والحسين عند رسول الله (ص) إذا التفت إلينا فبكى .. فقلت : ما يبكيك يا رسول الله؟.. فقال :
أبكي مما يُصنع بكم بعدي ، فقلت : وما ذاك يا رسول الله ؟.. قال :
أبكي من ضربتك على القرن ، ولطم فاطمة خدّها ، وطعنة الحسن في الفخذ ، والسم الذي يُسقى ، وقتل الحسين ، فبكى أهل البيت جميعا .. فقلت :
يا رسول الله ، ما خلقنا ربنا إلا للبلاء ؟.. قال :
أبشر يا علي !.. فإن الله عز وجل قد عهد إليّ أنه لا يحّبك إلا مؤمن ، ولا يبغضك إلا منافق . ص149
المصدر: أمالي الصدوق ص134

قال الباقر (ع) : إن الحسين بن علي (ع) كان يزور قبر الحسن (ع) في كل عشية جمعة . ص150
المصدر: قرب الإسناد

دخل الحسين بن علي (ع) على أخيه الحسن بن علي (ع) في مرضه الذي توفي فيه .. فقال له : كيف تجدك يا أخي ؟.. قال : أجدني في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا ، واعلم أني لا أسبق أجلي ، وأني وارد على أبي وجدي (ع) على كره مني لفراقك ، وفراق إخوتك ، وفراق الأحبة ، وأستغفر الله من مقالتي هذه وأتوب إليه ، بل على محبة مني للقاء رسول الله (ص) وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وأمي فاطمة ، وحمزة ، وجعفر .
وفي الله عز وجل خلف من كل هالك ، وعزاء من كل مصيبة ، ودرك من كل ما فات.
رأيتُ يا أخي كبدي في الطشت ، ولقد عرفت من دها بي ، ومن أين أُتيت فما أنت صانع به يا أخي ؟.. فقال الحسين (ع) : أقتله والله ، قال : فلا أُخبرك به أبداً حتى نلقى رسول الله (ص) ، ولكن اكتب يا أخي :
هذا ما أوصى به الحسن بن علي إلى أخيه الحسين بن علي : أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأنه يعبده حق عبادته ، لا شريك له في الملك ، ولا وليّ له من الذل ، وإنه خلق كل شيء فقدّره تقديرا ، وإنه أولى من عُبد ، وأحق من حُمد .. من أطاعه رشد ، ومن عصاه غوى ، ومن تاب إليه اهتدى.
فإنّي أوصك يا حسين بمن خلفتُ من أهلي وولدي وأهل بيتك ، أن تصفح عن مسيئهم ، وتقبل من محسنهم ، وتكون لهم خلفا ووالدا ، وأن تدفنني مع رسول الله (ص) فإني أحقّ به وببيته ، ممن أُدخل بيته بغير إذنه ، ولا كتاب جاءهم من بعده ، قال الله فيما أنزله على نبيه (ص) في كتابه :
{ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم } فو الله ما أذن لهم في الدخول عليه في حياته بغير إذنه ، ولا جاءهم الإذن في ذلك من بعد وفاته ، ونحن مأذون لنا في التصرّف فيما ورثناه من بعده.
فإن أبت عليك الامرأة فأنشدك الله بالقرابة التي قرّب الله عز وجل منك ، والرحم الماسّة من رسول الله (ص) أن تهريق فيّ محجمة من دم ، حتى نلقى رسول الله (ص) فنختصم إليه ونخبره بما كان من الناس إلينا بعده ، ثم قُبض (ع).
قال ابن عباس : فدعاني الحسين بن علي (ع) وعبدالله بن جعفر وعلي بن عبدالله بن العباس ، فقال : اغسلوا ابن عمكم !.. فغسّلناه وحنّطناه وألبسناه أكفانه ، ثم خرجنا به حتى صلّينا عليه في المسجد ، وإن الحسين أمر أن يفتح البيت ، فحال دون ذلك مروان بن الحكم وآل أبي سفيان ، ومن حضر هناك من ولد عثمان بن عفان وقالوا :
يدفن أمير المؤمنين الشهيد القتيل ظلما بالبقيع بشر مكان ، ويدفن الحسن مع رسول الله ؟.. لا يكون ذلك أبدا حتى تكسر السيوف بيننا ، وتنقصف الرماح ، وينفد النبل ، فقال الحسين (ع) :
أما والله الذي حرّم مكة ، للحسن بن علي وابن فاطمة أحق برسول الله (ص) وببيته ممن أُدخل بيته بغير إذنه ، وهو والله أحق به من حمّال الخطايا مسيّر أبي ذر رحمه الله ، الفاعل بعمار ما فعل ، وبعبد الله ما صنع ، الحامي الحمى ، المؤوي لطريد رسول الله (ص) ، لكنكم صرتم بعده الأمراء ، وتابعكم على ذلك الأعداء ، وأبناء الأعداء .. فحملناه فأتينا به قبر أُمّه فاطمة عليها السلام فدفناه إلى جنبها رضي الله عنه وأرضاه.
قال ابن عباس : وكنت أول من انصرف ، فسمعت اللغط ، وخفت أن يعجّل الحسين على من قد أقبل ، ورأيت شخصا علمت الشرّ فيه ، فأقبلتُ مبادرا فإذا أنا بعائشة في أربعين راكبا على بغل مرحَّل ، تقدمهم وتأمرهم بالقتال ، فلما رأتني قالت : إليّ إليّ يا بن عباس !.. لقد اجترأتم عليّ في الدنيا ، تؤذونني مرة بعد أخرى ، تريدون أن تُدخلوا بيتي من لا أهوى ولا أحب ، فقلت ُ:
واسوأتاه !.. يوم على بغل ، ويوم على جمل ، تريدين أن تُطفئي نور الله ، وتقاتلي أولياء الله ، وتحولي بين رسول الله وبين حبيبه أن يدفن معه ، ارجعي!.. فقد كفى الله عز وجل المؤنة ، ودفن الحسن (ع) إلى جنب أمه ، فلم يزدد من الله تعالى إلا قربا ، وما ازددتم منه والله إلا بعدا ، يا سوأتاه !.. انصرفي فقد رأيتِ ما سركِ ، فقطّبتْ في وجهي ، ونادت بأعلى صوتها :
أَوَ ما نسيتم الجمل ؟.. يا بن عباس !.. إنكم لذوو أحقاد ، فقلت :
أم والله ما نسيته أهل السماء ، فكيف تنساه أهل الأرض ، فانصرفت وهي تقول :
فألقت عصاها واستقرّ بها النوى***كما قرّ عينا بالإياب المسافر
ص153
المصدر: أمالي الطوسي

حُكي أن الحسن (ع) لما أشرف على الموت ، قال له الحسين : أريد أن أعلم حالك يا أخي ، فقال له الحسن (ع) :
سمعت النبي (ص) يقول :
لا يفارق العقل منا أهل البيت مادام الروح فينا ، فضع يدك في يدي حتى إذا عاينتُ ملك الموت أغمزُ يدك ، فوضع يده في يده فلما كان بعد ساعة غمز يده غمزاً خفيفا فقّرب الحسين أذنه إلى فمه ، فقال : قال لي ملك الموت :
أبشر فإن الله عنك راض ، وجدك شافع .
وقال الحسين (ع) لما وضع الحسن في لحده:
أأدهن رأسي أم تطيب مجالسي***ورأسك معفور وأنت سليب
أو استمتع الدنيا لشيء أحبه*** ألا كل ما أدنا إليك حبيب
فلا زلت أبكي ما تغنّت حمامة***عليك وما هبّت صبا وجنوب
وما هملت عيني من الدمع قطرة***وما اخضرّ في دوح الحجاز قضيب
بكائي طويل والدموع غزيرة***وأنت بعيد والمزار قريب
غريب وأطراف البيوت تحوطه*** ألاكل من تحت التراب غريب
و لا يفرح الباقي خلاف الذي مضى***وكل فتى للموت فيه نصيب
فليس حريبٌ من أُصيب بماله***ولكن من وارى أخاه حريب
نسيبك من أمسى يناجيك طيفه*** وليس لمن تحت التراب نسيب
ص160
المصدر: المناقب 4/44

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى