الجزء الرابع والاربعون كتاب تاريخ الامام الحسن (ع)

باب العلة التي من أجلها صالح الحسن (ع) معاوية

قال الباقر (ع): يا سدير !.. اذكر لنا أمرك الذي أنت عليه ، فإن كان فيه إغراق كففناك عنه ، وإن كان مقصرا أرشدناك ..فذهبتُ أن أتكلم .. فقال الباقر (ع) :
أمسك حتى أكفيك ، إن العلم الذي وضع رسول الله (ص) عند علي (ع) من عرفه كان مؤمنا ومن جحده كان كافرا ، ثم كان من بعده الحسن (ع) .. قلت : كيف يكون بتلك المنزلة ، وقد كان منه ما كان دفْعها إلى معاوية ؟.. فقال : اسكت !.. فإنه أعلم بما صنع ، لولا ما صنع لكان أمر عظيم.ص1
المصدر: العلل 1/200

قلت للحسن (ع) : يا بن رسول الله !.. لم داهنتَ معاوية وصالحتَه ، وقد علمت أن الحق لك دونه وأن معاوية ضال باغ ؟.. فقال : يا با سعيد !.. ألستُ حجة الله تعالى ذكره على خلقه ، وإماماً عليهم بعد أبي (ع) ؟.. قلت : بلى !.. قال :
ألستُ الذي قال رسول الله (ص) لي ولأخي : الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ؟.. قلت : بلى !.. قال :
فأنا إذن إمام لو قمتُ ، وأنا إمام إذا قعدتُ ، يا با سعيد !.. علّة مصالحتي لمعاوية علّة مصالحة رسول الله (ص) لبني ضُمرة وبني أشجع ، ولأهل مكة حين انصرف من الحديبية .. اولئك كفارٌ بالتنزيل ، ومعاوية وأصحابه كفار بالتأويل .
يا با سعيد !.. إذا كنت ُإماما من قِبَل الله تعالى ذكره ، لم يجب أن يسفّه رأيي فيما أتيتُه من مهادنةٍ أو محاربةٍ ، وإن كان وجه الحكمة فيما أتيته ملتبسا .. ألا ترى الخضر (ع) لما خرق السفينة ، وقتل الغلام ، وأقام الجدار سخط موسى (ع) فعلَه ، لاشتباه وجه الحكمة عليه حتى أخبره فرضي ، هكذا أنا ، سخطتم عليّ بجهلكم بوجه الحكمة فيه ، ولولا ما أتيتُ لما تُرك من شيعتنا على وجه الأرض أحدٌ إلا قُتل.ص2
المصدر: العلل 1/200

عن زيد بن وهب الجهني قال : لما طُعن الحسن بن علي (ع) بالمدائن أتيته وهو متوجّع .. فقلت : ما ترى يا بن رسول الله !.. فإن الناس متحيرون ؟.. فقال : أرى والله معاوية خيرا لي من هؤلاء ، يزعمون أنهم لي شيعة ابتغوا قتلي وانتهبوا ثقلي ، وأخذوا مالي ، والله لئن آخذ من معاوية عهدا أحقن به دمي وآمن به في أهلي ، خيرٌ من أن يقتلوني فتضيع أهل بيتي وأهلي .
والله !.. لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوني إليه سلما .. فو الله لئن أُسالمه وأنا عزيزٌ ، خير من أن يقتلني وأنا أسيره ، أو يمنّ عليّ فتكون سبّةً (أي عاراً) على بني هاشم إلى آخر الدهر ، ومعاوية لا يزال يمنّ بها وعقبه على الحي منا والميت . . قلت : تترك يا بن رسول الله شيعتك كالغنم ليس لهم راع ؟.. قال : وما أصنع يا أخا جهينة !..
إني والله أعلم بأمرٍ قد أُدِّي به إليّ عن ثقاته : إن أمير المؤمنين (ع) قال لي ذات يوم وقد رآني فرحا : يا حسن أتفرح ؟.. كيف بك إذا رأيت أباك قتيلا ؟..
أم كيف بك إذا ولي هذا الأمر ، بنو أمية وأميرها الرحب (أي الواسع) البلعوم الواسع الأعفاج (أي المصارين) ؟.. يأكل ولا يشبع ، يموت وليس له في السماء ناصر ولا في الأرض عاذر ، ثم يستولي على غربها وشرقها ، تدين له العباد ويطول ملكه ، يستنّ بسنن البدع والضلال ويمُيت الحق وسُنّة رسول الله (ص).
يقسم المال في أهل ولايته ، ويمنعه من هو أحق به ، ويذلّ في ملكه المؤمن ، ويقوى في سلطانه الفاسق ، ويجعل المال بين أنصاره دُولا ، ويتخذ عباد الله خِوَلا ويدرس في سلطانه الحق ، ويظهر الباطل ، ويلعن الصالحون ، ويقتل من ناواه على الحق ، ويدين من والاه على الباطل.
فكذلك حتى يبعث الله رجلا في آخر الزمان وكَلَبٍ ( أي شدّةٍ ) من الدهر ، وجهل من الناس ، يؤيده الله بملائكته ، ويعصم أنصاره ، وينصره بآياته ، ويُظهره على الأرض ، حتى يدينوا طوعا وكرها ، يملأ الأرض عدلا وقسطا ونورا وبرهانا ، يدين له عرض البلاد وطولها ، حتى لا يبقى كافر إلا آمن ، ولا طالح إلا صلح ، وتصطلح في مُلكه السباع ، وتُخرج الأرض نبتها ، وتُنزل السماء بركتها ، وتُظهر له الكنوز يملك ما بين الخافقين أربعين عاما ، فطوبى لمن أدرك أيامه وسمع كلامه.ص21
المصدر: الاحتجاج ص148

خطب الحسن (ع) بعد وفاة أبيه (ع) فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
أما والله !.. ما ثنّانا عن قتال أهل الشام ذلّة ولا قّلة ، ولكن كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر ، فشِيب السلامة بالعداوة ، والصبر بالجزع ، وكنتم تتوجهون معنا ودينكم أمام دنياكم ، وقد أصبحتم الآن ودنياكم أمام دينكم ، وكنّا لكم وكنتم لنا ، وقد صرتم اليوم علينا .
ثم أصبحتم تصدّون قتيلين : قتيلا بصفين تبكون عليهم ، وقتيلا بالنهروان تطلبون بثأرهم ، فأما الباكي فخاذل ، وأما الطالب فثائر .
وإن معاوية قد دعا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة ، فإن أردتم الحياة قبلناه منه وأغضضنا على القذى ، وإن أردتم الموت بذلناه في ذات الله ، وحاكمناه إلى الله فنادى القوم بأجمعهم : بل البقية والحياة.ص22
المصدر: اعلام الدين

قام الحسن (ع) على المنبر حين اجتمع مع معاوية ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس !.. إن معاوية زعم أني رأيته للخلافة أهلا ، ولم أر نفسي لها أهلا ، وكذب معاوية .. أنا أولى الناس بالناس : في كتاب الله ، وعلى لسان نبي الله .
فأقسم بالله لو أن الناس بايعوني وأطاعوني ونصروني لأعطتهم السماء قطرها ، والأرض بركتها ، ولما طمعتَ فيها يا معاوية قد قال رسول الله (ص) :
ما ولّت أمة أمرها رجلا قط – وفيهم من هو أعلم منه – إلا لم يزل أمرهم يذهب سفالا ، حتى يرجعوا إلى ملّة عبدة العجل .. وقد ترك بنو إسرائيل هارون ، واعتكفوا على العجل ، وهم يعلمون أن هارون خليفة موسى .
وقد تركت الامة عليا (ع) وقد سمعوا رسول الله (ص) يقول لعلي (ع) :
أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير النبوة فلا نبي بعدي ..
وقد هرب رسول الله (ص) من قومه ، وهو يدعوهم إلى الله ،حتى فرّ إلى الغار ، ولو وجد عليهم أعوانا ما هرب منهم ، ولو وجدتُ أنا أعوانا ما بايعتك يا معاوية ، وقد جعل الله هارون في سعةٍ حين استضعفوه وكادوا يقتلونه ، ولم يجد عليهم أعوانا ، وقد جعل الله النبي (ص) في سعة حين فرّ من قومه ، لمّا لم يجد أعوانا عليهم ، وكذلك أنا وأبي في سعة من الله ، حين تركتْنا الأمة وبايعت غيرنا ، ولم نجد أعوانا .. وإنما هي السنن والأمثال يتبع بعضها بعضا .
أيها الناس !.. إنكم لو التمستم فيما بين المشرق والمغرب ، لم تجدوا رجلا من ولد نبي غيري وغير أخي.ص23
المصدر: الاحتجاج ، العدد

قال الباقر (ع): جاء رجل من أصحاب الحسن (ع) يقال له سفيان بن ليلى وهو على راحلة له ، فدخل على الحسن (ع) وهو محتب (أي جامع بين ظهره وساقيه ) في فناء داره .. فقال له :
السلام عليك يا مذل المؤمنين !.. فقال له الحسن : انزل ولا تعجل ، فنزل فعقل راحلته في الدار ، وأقبل يمشي حتى انتهى إليه.. فقال له الحسن : ما قلت ؟.. قال : قلت : السلام عليك يا مذلّ المؤمنين ، قال : وما علمك بذلك ؟.. قال : عمدتَ إلى أمر الأمة فخلعته من عنقك ، وقلدته هذا الطاغية ، يحكم بغير ما أنزل الله ، فقال له الحسن (ع) : سأخبرك لِمَ فعلتُ ذلك .. قال : سمعت أبي (ع) يقول : قال رسول الله (ص) :
لن تذهب الأيام والليالي حتى يلي أمر هذه الأمة رجل واسع البلعوم ، رحب الصدر ، يأكل ولا يشبع وهو معاوية ، فلذلك فعلتُ .. ما جاء بك ؟.. قال : حبّك ، قال : الله ؟.. قال : الله .. فقال الحسن (ع) :
والله لا يحبّنا عبد أبدا – ولو كان أسيرا في الديلم – إلا نفعه حبّنا ، وإن حبّنا ليساقط الذنوب من بني آدم ، كما يساقط الريح الورق من الشجر.ص24
المصدر: الكشي

بيــان: قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء : فإن قال قائل : ما العذر له (ع) في خلع نفسه من الإمامة ، وتسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره وبُعده عن أسباب الإمامة ، وتعرّيه من صفات مستحقها ، ثم في بيعته وأخذ عطائه وصلاته وإظهار موالاته والقول بإمامته ، هذا مع توفر أنصاره واجتماع أصحابه ومبايعة من كان يبذل عنه دمه وماله ، حتى سموه مذلّ المؤمنين وعابوه في وجهه (ع)؟..
الجواب : قلنا : قد ثبت أنه (ع) الإمام المعصوم المؤيّد الموفق بالحجج الظاهرة ، والأدلة القاهرة ، فلا بد من التسليم لجميع أفعاله ، وحملها على الصحة وإن كان فيها ما لا يُعرف وجهه على التفصيل ، أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه ، وقد مضى تلخيص هذه الجملة وتقريرها في مواضع من كتابنا هذا.
وبعد فإن الذي جرى منه (ع) كان السبب فيه ظاهرا ، والحامل عليه بيّنا جليّا ، لأن المجتمعين له من الأصحاب وإن كانوا كثيري العدد ، فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية ، وقد كانوا صَبَوا إلى دنيا معاوية ، من غير مراقبة ولا مساترة ، فأظهروا له (ع) النصرة ، وحملوه على المحاربة والاستعداد لها طمعا في أن يورّطوه ويسلّموه ، فأحس بهذا منهم قبل التولّج والتلبّس ، فتخلّى من الأمر ، وتحرّز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت.
وقد صرّح بهذه الجملة ، وبكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة ، وبألفاظ مختلفة ، وقال (ع) :
إنما هادنتُ حقناً للدماء ، وضنّا بها ، وإشفاقا على نفسي وأهلي ، والمخلصين من أصحابي .. فكيف لا يخاف أصحابه ويتهمهم على نفسه وأهله ، وهو (ع) لما كتب إلى معاوية ، يُعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه (ع) ويدعوه إلى طاعته ، فأجابه معاوية بالجواب المعروف ، المتضمن للمغالطة منه والموارية وقال له فيه :
لو كنت أعلم أنك أقوم بالامر ، وأضبط للناس ، وأكيد للعدوّ ، وأقوى على جميع الأمور مني لبايعتك ، لأنني أراك لكل خير أهلا.. وقال في كتابه : إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وفاة رسول الله (ص) .
فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضّهم على الجهاد ويعرّفهم فضله وما في الصبر عليه من الأجر ، وأمرَهم أن يخرجوا إلى معسكرهم ، فما أجابه أحد.. فقال لهم عدي بن حاتم :
سبحان الله ألا تجيبون إمامكم !..أين خطباء المصر ؟.. فقام قيس بن سعد وفلان وفلان ، فبذلوا الجهاد وأحسنوا القول ، ونحن نعلم أن من يضنّ بكلامه أولى أن يضنّ بفعاله.. أو ليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط ، وطعنه بمغول كان معه أصاب فخذه ، وشقه حتى وصل إلى العظم ، وانتزع من يده ، وحُمل (ع) إلى المدائن ، وعليها سعد بن مسعود عمّ المختار ، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه ولاّه إياها فأُدخل منزله ، فأشار المختار على عمّه أن يوثقه ويسير به إلى معاوية ، على أن يُطعمه خراج جوحى سنةً ، فأبى عليه ، وقال للمختار :
قبّح الله رأيك ، أنا عامل أبيه ، وقد ائتمنني وشرّفني ، وهبني بلاء أبيه !.. أأنسى رسول الله (ص) ولا أحفظه في ابن ابنته وحبيبته.
ثم إن سعد بن مسعود أتاه (ع) بطبيب ، وقام عليه حتى برأ وحوّله إلى بيض المدائن ، فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم ، فضلا على النصرة والمعونة ؟.. وقد أجاب (ع) حجر بن عدي الكندي لما قال له : سوّدت وجوه المؤمنين !.. فقال (ع) : ما كل أحد يحب ما تحّب ولا رأيه كرأيك ، وإنما فعلتُ ما فعلتُ إبقاءً عليكم.
وروى عباس بن هشام ، عن أبيه ، عن أبي مخنف ، عن أبي الكنود عبد الرحمن بن عبيد قال : لما بايع الحسن (ع) معاوية ، أقبلت الشيعة تتلاقى بإظهار الأسف والحسرة على تْرك القتال ، فخرجوا إليه بعد سنتين من يوم بايع معاوية .. فقال له سليمان بن صرد الخزاعي :
ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة ، كلهم يأخذ العطاء ، وهم على أبواب منازلهم ، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم ، سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز ، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العقد ، ولا حظّاًً من العطية !..
فلو كنتَ إذ فعلت ما فعلت ، أشهدتَ على معاوية وجوه أهل المشرق والمغرب ، وكتبت عليه كتابا بأن الأمر لك بعده ، كان الامر علينا أيسر ، ولكنه أعطاك شيئا بينك وبينه لم يف به ، ثم لم يلبث أن قال على رؤوس الأشهاد :
إني كنت شرطتُ شروطا ، ووعدتُ عداةً إرادةً لاطفاء نار الحرب ، ومداراة لقطع الفتنة ، فلما أن جمع الله لنا الكلم والألفة ، فان ذلك تحت قدميّ .
والله !.. ما عنى بذلك غيرك ، وما أراد إلا ما كان بينك وبينه ، وقد نقض .. فإذا شئت فأعد الحرب خدعة ، وائذن لي في تقدّمك إلى الكوفة ، فأُُخرجُ عنها عامله وأُظهر خلعه ، وتنبذ إليه على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، وتكلم الباقون بمثل كلام سليمان.
فقال الحسن (ع) : أنتم شيعتنا وأهل مودتنا !.. فلو كنت بالحزم في أمر الدنيا أعمل ولسلطانها أركض وأنصب ، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا ، ولا أشد شكيمة ، ولا أمضى عزيمة ، ولكني أرى غير ما رأيتم ، وما أردت بما فعلت إلا حقن الدماء فارضوا بقضاء الله ، وسلموا لأمره ، والزموا بيوتكم وأمسكوا .
أو قال : كفوا أيديكم حتى يستريح بَرٌّ أو يُستراح من فاجر .
وهذا كلام منه (ع) يشفي الصدور ، ويذهب بكل شبهة في هذا الباب.
وقد رُوي أنه (ع) لما طالبه معاوية بأن يتكلم على الناس ، ويُعلمهم ما عنده في هذا الباب ، قام فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، ثم قال :
إن أكيس الكيّس التّقى ، وأحمق الحمق الفجور ، أيها الناس !.. إنكم لو طلبتم بين جابلق وجابرس رجلا جده رسول الله (ص) ما وجدتموه غيري وغير أخي الحسين ، وإن الله قد هداكم بأولياء محمد (ص) .. وإن معاوية نازعني حقا هو لي ، فتركته لصلاح الأمة وحقن دمائها ، وقد بايعتموني على أن تسالمِوا من سالمت ، فقد رأيت أن أسالمه ، ورأيت أن ما حقَنَ الدماء خير مما سَفَكها ، وأردت صلاحكم ، وأن يكون ما صنعت حجة على من كان يتمنّى هذا الأمر ، وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين .
وكلامه (ع) في هذا الباب الذي يصرّح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم ، ودافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين والمسلمين ، أشهر من الشمس وأجلى من الصبح.
فأما قول السائل : إنه خلع نفسه من الإمامة .. فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا يخرج عنه بقوله ، وعند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أنّ خْلعَ الإمام نفسه لا يؤثّر في خروجه من الإمامة ، وإنما ينخلع من الإمامة عندهم بالاحداث والكبائر ، ولو كان خلعُه في نفسه مؤثّرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا ، فأما مع الإلجاء والإكراه فلا تأثير له ….
فأما البيعة : فإن أُريد بها الصفقة وإظهار الرضا والكفّ عن المنازعة فقد كان ذلك ، لكنا قد بيّنا جهة وقوعه ، والأسباب المحوجة إليه ولا حجة في ذلك عليه صلوات الله عليه ، كما لم يكن في مثله حجة على أبيه صلوات الله عليهما لمّا بايع المتقدمين عليه ، وكفّ عن نزاعهم ، وأمسك عن غلابهم .
وإن أُريد بالبيعة الرضا وطيب النفس ، فالحال شاهد بخلاف ذلك ، وكلامه المشهور كله يدل على أنه أُحوج وأُحرج ، وأن الأمر له وهو أحق الناس به ، وإنما كف عن المنازعة فيه للغلبة والقهر والخوف على الدين والمسلمين.
فأما أخْذ العطاء ، فقد بيّنا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين صلوات الله عليه من ذلك ، أن أخذَه من يد الجابر الظالم المتغلّب جائز ، وأنه لا لوم فيه على الأخذ ولا حرج .
وأما أخذ الصلات فسائغ بل واجب ، لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلّب على أمر الأمة ، يجب على الإمام وعلى جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن – بالطوع أو الإكراه – ووضعه في مواضعه .
فإذا لم يتمكن (ع) من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى ، وأخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة ، فواجب عليه أن يتناوله من يده ، ويأخذ منه حقّه ويقسّمه على مستحقه ، لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له (ع)…. وقد كان عليه وآله السلام يتصدّق بكثير من أمواله ويواسي الفقراء ، ويصل المحتاجين ، ولعل في جملة ذلك هذه الحقوق.
فأما إظهار موالاته ، فما أظهر (ع) من ذلك شيئا كما لم يبطنه ، وكلامه (ع) فيه بمشهد معاوية ومغيبه معروف ظاهر ، ولو فعل ذلك خوفا واستصلاحا وتلافيا للشر العظيم ، لكان واجبا ، فقد فعل أبوه صلوات الله عليه وآله مثله مع المتقدّمين عليه .
وأعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته ، ومعلوم ضرورة منه (ع) خلاف ذلك ، فإنه كان يعتقد ويصرّح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام وأتباعه ، فضلاً عن الإمامة نفسها ، وليس يظن مثل هذه الأمور إلا عاميّ حشويّ قد قعد به التقليد ، وما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل وسماع الأخبار المأثورة في هذا الباب ، فهو لا يسمع إلا ما يوافقه ، وإذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه والله المستعان ..انتهى كلامه رفع الله مقامه . ص32
وأقول : بعد ما أسسناه في كتاب الإمامة بالدلائل العقلية والنقلية أنهم عليهم السلام لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى ، وبعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله (ع) ، لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.ص32

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى