الجزء الثالث والاربعون كتاب تاريخ الامام الحسن (ع)

باب مكارم أخلاقه وعلمه وفضله (ع)

قال الصادق (ع) : حدثني أبي عن أبيه (ع) أن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهما السلام كان أعبد الناس في زمانه وأزهدهم وأفضلهم .
وكان إذا حج حج ماشيا ، وربما مشى حافيا .
وكان إذا ذكر الموت بكى وإذا ذكر القبر بكى ، وإذا ذكر البعث والنشور بكى ، وإذا ذكر الممر على الصراط بكى ، وإذا ذكر العرض على الله – تعالى ذكره – شهق شهقة يُغشى عليه منها .
وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي ربه عز وجل .
وكان إذا ذكر الجنة والنار اضطرب اضطراب السليم ، وسأل الله الجنة وتعوذ به من النار .
وكان (ع) لا يقرأ من كتاب الله عز وجل : { يا أيها الذين آمنوا } إلا قال : لبيك اللهم لبيك !..
ولم يُر في شيء من أحواله إلا ذاكراً لله سبحانه ، وكان أصدق الناس لهجة ، وأفصحهم منطقا …. الخبر .ص331
المصدر: أمالي الصدوق

لما حضرت الحسن بن علي بن أبي طالب الوفاة بكى ، فقيل له : يا بن رسول الله !.. أتبكي ومكانك من رسول الله (ص) الذي أنت به ؟.. وقد قال فيك رسول الله (ص) ما قال ؟..
وقد حججتَ عشرين حجة ماشيا ؟.. وقد قاسمت ربك مالك ثلاث مرات ، حتى النعل والنعل ؟.. فقال (ع) : إنما أبكي لخصلتين :
لهول المطّلع ، وفراق الأحبة.ص332
المصدر: أمالي الصدوق

قلت للصادق(ع) : بلغَنا أن الحسن بن علي عليهما السلام حجّ عشرين حجة ماشيا ؟.. قال :
إن الحسن بن علي عليهما السلام حجّ ويساق معه المحامل والرحال .ص332
المصدر: قرب الإسناد

ما بلغ أحد من الشرف بعد رسول الله (ص) ما بلغ الحسن ، كان يُبسطَ له على باب داره ، فإذا خرج وجلس انقطع الطريق ، فما مرّ أحد من خلق الله إجلالا له ، فإذا علم قام ودخل بيته فمر الناس.
ولقد رأيته في طريق مكة ماشيا فما مِن خلق الله أحد رآه إلا نزل ومشى حتى رأيت سعد بن أبي وقاص يمشي . ص338
المصدر: المناقب

إن الحسن بن علي (ع)كان يحضر مجلس رسول الله (ص) وهو ابن سبع سنين ، فيسمع الوحي فيحفظه فيأتي أمّه فيُلقي إليها ما حفظه ، كلما دخل علي (ع) وجد عندها علما بالتنزيل ، فيسألها عن ذلك فقالت : من ولدك الحسن.
فتخفّى يوما في الدار ، وقد دخل الحسن وقد سمع الوحي ، فأراد أن يلقيه إليها فارتُجّ ( أي أطبق عليه ) عليه ، فعجبت أمّه من ذلك، فقال :
لا تعجبين يا أماه !.. فإن كبيراً يسمعني ، فاستماعه قد أوقفني .
فخرج علي (ع) فقبّله ، وفي رواية : يا أماه !.. قلّ بياني ، وكلّ لساني .. لعل سيدا يرعاني .ص338
المصدر: المناقب

قيل للحسن بن علي (ع): إن فيك عظمة !!..قال : بل فيّ عزة ، قال الله تعالى :
{ ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } .. وقال واصل بن عطاء :
كان الحسن بن علي (ع) عليه سيماء الأنبياء ، وبهاء الملوك .ص338
المصدر: المناقب

كان (ع) إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول :
إلهي!.. ضيفك ببابك ، يا محسن !.. قد أتاك المسيئ ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك ، يا كريم !..ص339
المصدر: المناقب

كان الحسن (ع) إذا فرغ من الفجر ، لم يتكلم حتى تطلع الشمس ، وإن زحزح.
المصدر: المناقب

بيــان: أي وإن أريد تنحيّه من ذلك باستنطاق ما يهمّ .ص339
قال الصادق (ع) : إن الحسن بن علي عليهما السلام حج خمسة وعشرين حجة ماشيا ، وقاسم الله تعالى ماله مرتين ، وفي خبر : قاسم ربه ثلاث مرات وحج عشرين حجة على قدميه .ص339
المصدر: المناقب

وروي أنه دخلت عليه امرأة جميلة وهو في صلاته فأوجز في صلاته ، ثم قال لها : ألكِ حاجة ؟.. قالت : نعم ، قال : وما هي ؟.. قالت : قم!.. فأصب مني ، فإني وفدتُ ولا بعل لي .. قال : إليكِ عني !.. لا تحرقيني بالنار ونفسك .. فجعلت تراوده عن نفسه وهو يبكي ويقول : ويحك إليكِ عني!.. واشتد بكاؤه .
فلما رأت ذلك بكت لبكائه ، فدخل الحسين (ع) ورآهما يبكيان ، فجلس يبكي وجعل أصحابه يأتون ويجلسون ويبكون حتى كثر البكاء ، وعلت الأصوات .. فخرجت الأعرابية ، و قام القوم وترحّلوا ، ولبث الحسين (ع) بعد ذلك دهرا لا يسأل أخاه عن ذلك إجلالا له .
فبينما الحسن ذات ليلة نائما إذا استيقظ وهو يبكي ، فقال له الحسين (ع) :
ما شأنك ؟.. قال : رؤيا رأيتها الليلة ، قال : وما هي؟.. قال : لا تخبر أحدا ما دمتُ حيا !.. قال : نعم ، قال :
رأيت يوسف فجئت أنظر إليه فيمن نظر، فلما رأيت حسنَه بكيت ، فنظر إليّ في الناس فقال : ما يُبكيك يا أخي ؟.. بأبي أنت و أمي !.. فقلت :
ذكرتُ يوسف و امرأة العزيز ، وما ابتليتَ به من أمرها ، وما لقيتَ من السجن وحرقة الشيخ يعقوب ، فبكيت من ذلك وكنت أتعجب منه .. فقال يوسف : فهلا تعجبت مما فيه المرأة البدوية بالأبواء!..ص340
المصدر: المناقب

جاءه بعض الأعراب فقال : أعطوه ما في الخزانة ، فوجد فيها عشرون ألف دينار ، فدفعها إلى الاعرابي .. فقال الأعرابي : يا مولاي !.. ألا تركتني أبوح بحاجتي وأنشر مدحتي ، فأنشأ الحسن (ع) :

ص341
المصدر: المناقب

سمع (ع) رجلا إلى جنبه في المسجد الحرام يسأل الله أن يرزقه عشرة آلاف درهم ، فانصرف إلى بيته وبعث إليه بعشرة آلاف درهم .ص342
المصدر: المناقب

ومن حلمه ما روى المبرد وابن عائشة : أن شاميا رآه راكبا فجعل يلعنه والحسن لا يردّ ، فلما فرغ أقبل الحسن (ع) فسلّم عليه وضحك .. فقال :
أيها الشيخ !.. أظنك غريبا ، ولعلك شبّهت ، فلو استعتبتنا أعتبناك ، ولو سألتنا أعطيناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك ، ولو استحملتنا أحملناك ، وإن كنت جائعا أشبعناك ، وإن كنت عريانا كسوناك ، وإن كنت محتاجا أغنياك ، وإن كنت طريدا آويناك ، وإن كان لك حاجة قضيناها لك ، فلو حركت رحلك إلينا ، وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك ، لأن لنا موضعا رحبا وجاها عريضا ومالا كثيرا .
فلما سمع الرجل كلامه ، بكى ثم قال : أشهد أنك خليفة الله في أرضه ، الله أعلم حيث يجعل رسالته .. وكنت أنت وأبوك أبغض خلق الله إليّ ، والآن أنت أحبّ خلق الله إليّ وحوّل إليه ، وكان ضيفه إلى أن ارتحل ، وصار معتقدا لمحبتهم .ص344
المصدر: المناقب

روي أن الحسن (ع) لم يُسمع قط منه كلمة فيها مكروه إلا مرة واحدة .. فإنه كان بينه وبين عمرو بن عثمان خصومة في أرض ، فقال له الحسن (ع) : ليس لعمرو عندنا إلا ما يُرغم أنفه .ص345
المصدر: المناقب

طاف الحسن بن علي (ع) بالبيت ، فسمع رجلا يقول : هذا ابن فاطمة الزهراء !.. فالتفت إليه ، فقال : قل : علي بن أبي طالب ، فأبي خير من أمي .. ونادى عبد الله بن عمر الحسن بن علي (ع) في أيام صفين وقال : إن لي نصيحة ، فلما برز إليه قال :
إن أباك بُغضة لُعنة ، وقد خاض في دم عثمان فهل لك أن تخلعه نبايعك ؟.. فأسمعه الحسن (ع) ما كرهه ، فقال معاوية : إنه ابن أبيه .ص345
المصدر: المناقب

دخلت مسجد المدينة ، فإذا أنا برجل يحدّث عن رسول الله (ص) والناس حوله ، فقلت له : أخبرني عن { شاهد ومشهود } فقال : نعم ، أما الشاهد فيوم الجمعة ، وأما المشهود فيوم عرفة ، فجزته إلى آخر يحدّث ، فقلت : أخبرني عن {شاهد ومشهود } فقال : نعم أما الشاهد فيوم الجمعة وأما المشهود فيوم النحر فجزتهما إلى غلام كأن وجهه الدينار ، وهو يحدث عن رسول الله (ص) .
فقلت : أخبرني عن { شاهد ومشهود } ، فقال : نعم !.. أما الشاهد فمحمد (ص) ، وأمّا المشهود فيوم القيامة ، أما سمعته يقول :
{ يا أيها الرسول إنّا أرسلناك شاهداً } وقال تعالى : { ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود }.ص346
المصدر: كشف الغمة

نقل أنه (ع) اغتسل وخرج من داره في حلّة فاخرة ، وبزة طاهرة ، و محاسن سافرة ، وقسمات ظاهرة ، ونفخات ناشرة ، ووجهه يشرق حسنا ً…. فعرض له في طريقه من محاويج اليهود …. فاستوقف الحسن (ع) وقال : يا بن رسول الله : أنصفني !.. فقال (ع) : في أي شيء ؟.. فقال : جدك يقول :
” الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ” وأنت مؤمن وأنا كافر ، فما أرى الدنيا إلا جنة تتنعم بها ، وتستلذ بها ، وما أراها إلا سجنا لي قد أهلكني ضرها ، وأتلفني فقرها .
فلما سمع الحسن (ع) كلامه أشرق عليه نور التأييد ، واستخرج الجواب بفهمه من خزانة علمه ، وأوضح لليهودي خطأ ظنه وخطل زعمه ، وقال :
ياشيخ !.. لو نظرت إلى ما أعد الله لي وللمؤمنين في الدار الآخرة مما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، لعلمت أني قبل انتقالي إليه في هذه الدنيا في سجن ضنك ، ولو نظرت إلى ما أعد الله لك ولكل كافر في الدار الآخرة من سعير نار الجحيم ، ونكال العذاب المقيم ، لرأيت أنك قبل مصيرك إليه الآن في جنة واسعة ، ونعمة جامعة .ص347
المصدر: كشف الغمة
أتاه رجل فقال : إن فلانا يقع فيك!.. فقال : ألقيتني في تعب ، أُريد الآن أن أستغفر الله لي وله .ص350
المصدر: كشف الغمة

وقف رجل على الحسن بن علي عليهما السلام فقال :
يا بن أمير المؤمنين !.. بالذي أنعم عليك بهذه النعمة التي ما تليها منه بشفيع منك إليه ، بل إنعاما منه عليك ، إلا ما أنصفتني من خصمي ، فإنه غشوم ظلوم ، لا يوقّر الشيخ الكبير ، ولا يرحم الطفل الصغير ، وكان متكئا فاستوى جالسا ، وقال له : من خصمك حتى أنتصف لك منه ؟.. فقال له : الفقر .
فأطرق (ع) ساعة ثم رفع رأسه إلى خادمه وقال له : أحضرْ ما عندك من موجود !.. فأحضر خمسة آلاف درهم ، فقال : ادفعها إليه ، ثم قال له :
بحق هذه الأقسام التي أقسمت بها علي !.. متى أتاك خصمك جائرا إلا ما أتيتني منه متظلّما .ص350
المصدر: العدد

قال علي بن أبي طالب (ع) للحسن : يا بني !.. قم فاخطب حتى أسمع كلامك ، قال :
يا أبتاه !..كيف أخطب وأنا أنظر إلى وجهك ، أستحيي منك!.. فجمع علي بن أبي طالب (ع) أمهات أولاده ثم توارى عنه ، حيث يسمع كلامه .
فقام الحسن (ع) فقال : الحمد لله الواحد بغير تشبيه ، الدائم بغير تكوين القائم بغير كلفة ، الخالق بغير منصبة ، الموصوف بغير غاية ، المعروف بغير محدودية ، العزيز لم يزل قديما في القدم ، ردعت القلوب لهيبته ، وذهلت العقول لعزته ، وخضعت الرقاب لقدرته ، فليس يخطر على قلب بشر مبلغ جبروته ، ولا يبلغ الناس كنه جلاله ، ولا يفصح الواصفون منهم لِكُنه عظمته ، ولا تبلغه العلماء بألبابها ، ولا أهل التفكر بتدبير أمورها ..
أعلم خلقه به الذي بالحد لا يصفه ، يدرك الأبصار ولايدركه الابصار ، وهو اللطيف الخبير أما بعد ، فإن عليّا باب ٌمن دخله كان مؤمنا ، ومن خرج منه كان كافرا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم .
فقام علي بن أبي طالب (ع) وقبّل بين عينيه ثم قال : { ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم }.ص351
المصدر: تفسير الفرات

لقي الحسن بن علي عليهما السلام عبدالله بن جعفر فقال :
يا عبدالله كيف يكون المؤمن مؤمنا وهو يسخط قسمه ، ويحقّر منزلته والحاكم عليه الله ، وأنا الضامن لمن لم يهجس في قلبه إلا الرضا أن يدعو الله فيُستجاب له .ص351
المصدر: الكافي

رأيت الحسن بن علي عليهما السلام يأكل وبين يديه كلب ، كلما أكل لقمة طرح للكلب مثلها ، فقلت له :
يا بن رسول الله !.. ألا أرجم هذا الكلب عن طعامك ؟.. قال : دعه !.. إني لأستحيي من الله عز وجل أن يكون ذو روح ينظر في وجهي ، وأنا آكل ثم لا أطعمه .ص352
المصدر: بحار الانوارج43/ص352
ذكر أن مروان بن الحكم عليه اللعنة شتم الحسن بن علي عليهما السلام ، فلما فرغ قال الحسن :
إني والله لا أمحو عنك شيئا ، ولكن مهّدك الله ، فلئن كنت صادقا فجزاك الله بصدقك ، ولئن كنت كاذبا فجزاك الله بكذبك .. والله أشد نقمة مني .ص352
المصدر: بحار الانوارج43/ص352

قال له معاوية : أما إنك يا حسن!.. قد كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك ، فقال الحسن (ع) :
أما الخليفة فمن سار بسيرة رسول الله (ص) وعمل بطاعة الله عز وجل .. ليس الخليفة من سار بالجور وعطّل السنن واتخذ الدنيا أمّا وأبا ، ولكن ذلك ملِك أصاب مُلكا ، فتمتعَ منه قليلا وكان قد انقطع عنه ، فاتخّم لذته ، وبقيت عليه تبعته ، وكان كما قال الله تبارك وتعالى :
{ وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين }.ص354
المصدر: الاحتجاج

وسأل شامي الحسن بن علي (ع) فقال :
كم بين الحق والباطل ؟.. فقال : أربع أصابع : فما رأيت بعينك فهو الحق ، وقد تسمع بأذنيك باطلا كثيرا .
وقال : كم بين الإيمان واليقين ؟.. فقال : أربع أصابع : الإيمان ما سمعناه واليقين ما رأيناه .
قال : وكم بين السماء والأرض ؟.. قال : دعوة المظلوم ، ومد البصر .
قال : كم بين المشرق والمغرب ؟.. قال : مسيرة يوم للشمس.ص357
المصدر: المناقب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى