الجزء الثالث والاربعون كتاب تاريخ الصديقة الزهراء (ع)

باب ما وقع عليها (ع) من الظلم

وأما فاطمة فبكت على رسول الله (ص) حتى تأذى به أهل المدينة .. فقالوا لها : قد آذيتينا بكثرة بكائك ، فكانت تخرج إلى المقابر – مقابر الشهداء – فتبكي حتى تقضي حاجتها ، ثم تنصرف .ص155
المصدر: الخصال

عن عبد الله بن العباس قال : لما حضرت رسول الله (ص) الوفاة بكى حتى بلت دموعُه لحيته ، فقيل له : يا رسول الله ما يبكيك ؟.. فقال : أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار أمتي من بعدي ، كأني بفاطمة بنتي وقد ظُلمت بعدي وهي تنادي : يا أبتاه !.. فلا يعينها أحد من أمتي ، فسمعتْ ذلك فاطمة (ع) فبكت ، فقال رسول الله (ص) :
لا تبكين يا بنية !.. فقالت : لست أبكي لما يُصنع بي من بعدك ، ولكني أبكي لفراقك يا رسول الله ، فقال لها : أبشري يا بنت محمد بسرعة اللحاق بي ، فإنك أول من يلحق بي من أهل بيتي .ص156
المصدر: أمالي الطوسي

دخلت أم سلمة على فاطمة (ع) فقالت لها : كيف أصبحتِ عن ليلتك يا بنت رسول الله (ص) ؟.. قالت :
أصبحت بين كمد وكرب : فقد النبي ، وظلم الوصي ، هُتك والله حجابه ، من أصبحت إمامته مقبضة على غير ما شرع الله في التنزيل ، وسنها النبي (ص) في التأويل …. الخبر.ص157
المصدر: لمناقب 2/203

قال علي (ع) : غسّلت النبي (ص) في قميصه ، فكانت فاطمة تقول : أرني القميص !.. فإذا شمّته غُشي عليها ، فلما رأيتُ ذلك غيبتُه .ص157
المصدر: بحار الانوار ج43/ص157

لما قُبض النبي (ص) امتنع بلال من الأذان ، قال لا أؤذّن لأحدٍ بعد رسول الله (ص) ، وإن فاطمة (ع) قالت ذات يوم : إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذّن أبي (ص) بالأذان ، فبلغ ذلك بلالا .. فأخذ في الأذان ، فلما قال :
الله أكبر الله أكبر ، ذكرت أباها وأيامه ، فلم تتمالك من البكاء ..
فلما بلغ إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله .. شهقت فاطمة (ع) وسقطت لوجهها وغشي عليها ، فقال الناس لبلال :
أمسك يا بلال !.. فقد فارقت ابنة رسول (ص) الدنيا ، وظنوا أنها قد ماتت ، فقطع أذانه ولم يتمه ، فأفاقت فاطمة (ع) وسألته أن يتم الأذان ، فلم يفعل ، وقال لها : يا سيدة النسوان!.. إني أخشى عليكِ مما تُنزلينه بنفسكِ إذا سمعتِ صوتي بالأذان ، فأعفته عن ذلك .ص157
المصدر: الفقيه

قال سويد بن غفلة : لما مرضت فاطمة (ع) المرضة التي توفيت فيها ، اجتمع إليها نساء المهاجرين والأنصار يعدْنها ، فقلن لها : كيف أصبحتِ من علتّك يا ابنة رسول الله ؟.. فحمدت الله وصلّت على أبيها (ص) ثم قالت :
أصبحتُ والله عائفة (أي كارهة ) لدنياكن ، قالية (أي مبغضة ) لرجالكن ، لفظتهم (أي طرحتهم ) بعد أن عجمتهم ، وشنأتهم (أي بغضتهم ) بعد أن سبرتهم ، فقبحا لفلول الحد ( أي الثلمة في حدّ السيف ) واللعب بعد الجد ، وقرع الصفاة ( أي الحجر الأملس ) ، وصدع القناة ، وخطل الآراء ، وزلل الأهواء ، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم !.. أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون ، لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها ( أي حبلها ) ، وحمّلتهم أوقتها ( أي ثقلها ) وشنّت عليهم غارها ، فجدعا وعقرا ( أي قطعاً وجرحاً ) وبعدا للقوم الظالمين .
ويحهم !.. أنّى زحزحوها عن رواسي الرسالة ، وقواعد النبوة والدلالة ، ومهبط الروح الأمين ، والطبين ( أي الحاذق ) بأمور الدنيا والدين ، ألا ذلك هو الخسران المبين .
وما الذي نقموا من أبي الحسن ؟.. نقموا منه والله نكير سيفه ، وقلة مبالاته بحتفه ، وشدة وطأته ، ونكال وقعته ، وتنّمره (أي غضبه ) في ذات الله ( أي في الله وبالله ) .
وتا لله لو مالوا عن المحجة اللائحة ، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردّهم إليها ، وحملهم عليها ، ولسار بهم سيرا سُجُحا ( أي ليّناً ) لايكلُم (أي يُجرح ) خشاشه ( أي ما يُجعل في أنف البعير ) ، ولايكلّ سائره ، ولا يملّ راكبه ، ولأوردهم منهلا نميرا (أي عذباً ) صافيا رويّا ، تطفح ضفّتاه ( أي جانباه ) ولا يترنّق ( أي يتكدّر ) جانباه ، ولأصدرهم بطانا ( أي شباعاً ) ، ونصح لهم سرا وإعلانا ، ولم يكن يحلي ( أي يصيب ) من الغني بطائل ، ولا يحظي من الدنيا بنائل (أي فائدة ) ، غير ريّ الناهل ( أي العطشان ) ، وشبعة الكافل ( أي العائل ) ، ولبان لهم الزاهد من الراغب ، والصادق من الكاذب ، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون ، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين .
ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا !.. وإن تعجب فعجبٌ قولهم ، ليت شعري إلى أي سناد استندوا ؟.. وعلى أي عماد اعتمدوا ؟.. وبأية عروة تمسكوا ؟.. وعلى أيه ذرية أقدموا واحتنكوا ( أي استولوا ) ؟.. لبئس المولى ولبئس العشير ، وبئس للظالمين بدلا !..
استبدلوا والله الذنابى ( أي ذنب الطائر ) بالقوادم ( أي مقدّم الجناح ) ، والعجز (أي المؤخّرة ) بالكاهل ( أي بين الكتفين ) .. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون .
ويحهم !.. أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ، أمن لايهدي إلا أن يهدى ، فما لكم كيف تحكمون .. أما لعمري لقد لقِحَت ( أي حملت ) ، فنظرة ريثما تُنتج ، ثم احتلبوا ملء القعب ( أي القدح ) دماً عبيطا ، وذعافا ( أي سمّاً ) مبيدا ( أي مهلكاً ) .. هنالك يخسر المبطلون ، ويعرف التالون ، غبّ ( أي عاقبة ) ما أسس الأولون ، ثم طيبوا عن دنياكم أنفسا ، واطمئنوا للفتنة جأشا ( أي قلوباً ) و أبشروا بسيفٍ صارم ، وسطوة معتدٍ غاشم ( أي ظالم )، وبهرج ( أي فتنة ) شامل ، واستبداد من الظالمين ، يدع فيئكم زهيدا ، وجمعكم حصيدا .. فيا حسرة لكم ، وأنّى بكم ، وقد عميت عليكم .. أنلزمكموها وأنتم لها كاركون .
قال سويد بن غفلة : فأعادت النساء قولها (ع) على رجالهن ، فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والأنصار معتذرين ، وقالوا : يا سيدة النساء !.. لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر من قبل أن نبرم العهد ، ونحكم العقد ، لما عدلنا عنه إلى غيره .. فقالت (ع) : إليكم عني!.. فلا عذر بعد تعذيركم ، ولا أمر بعد تقصيركم .ص161
المصدر: الاحتجاج

قال الصادق (ع) : قُبضت فاطمة (ع) في جمادى الآخرة يوم الثلاثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة ، وكان سبب وفاتها أن قنفذا مولى عمر ، لكزها بنعل السيف بأمره ، فأسقطت محسنا ، ومرضت من ذلك مرضا شديدا ، ولم تدع أحدا ممن آذاها يدخل عليها .. وكان الرجلان من أصحاب النبي (ص) سألا أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يشفع لهما إليها ، فسألها أمير المؤمنين (ع) ، فلما دخلا عليها قالا لها :
كيف أنت يا بنت رسول الله ؟.. قالت : بخير بحمد الله ، ثم قالت لهما :
ما سمعتما النبي يقول : فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ؟.. قالا : بلى ، قالت : فوالله لقد آذيتماني ، فخرجا من عندها (ع) وهي ساخطة عليهما .ص171
المصدر: دلائل الإمامة

وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادى الآخرة ، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثمانية عشر سنة وخمسا وثمانين يوما بعد وفاة أبيها ، فغسّلها أمير المؤمنين (ع) ، ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وأم كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس ، وأخرجها إلى البقيع في الليل ، ومعه الحسن والحسين وصلى عليها ، ولم يُعلم بها ، ولا حضر وفاتها ، ولاصلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم ، ودفنها بالروضة وعُمي موضع قبرها .. وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جددا ، وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع ، فوجدوا فيه أربعين قبرا ، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور ، فضج ّالناس ولام بعضهم بعضا وقالوا : لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة ، تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها ، ولا تعرفوا قبرها .
ثم قال ولاة الأمر منهم : هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها ، فنصلي عليها ونزور قبرها .. فبلغ ذلك أمير المؤمنين صلوات الله عليه فخرج مغضبا قد احمرت عيناه ، ودرّت أوداجه ، وعليه قباه الاصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة ، وهو متوكا على سيفه ذي الفقار ، حتى ورد البقيع ، فسار إلى الناس النذير ، وقالوا : هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه ، يقسم بالله لئن حُوّل من هذه القبور حجر ، ليضعن السيف على غابر الآخر.ص171
المصدر: دلائل الإمامة

عن سلمى امرأة أبي رافع قالت : مرضت فاطمة ، فلما كان اليوم الذي ماتت فيه قالت : هيئي لي ماء ، فصببت لها ، فاغتسلت كأحسن ما كانت تغتسل ، ثم قالت : ائتيني بثياب جدد فلبستْها ، ثم أتت البيت الذي كانت فيه فقالت : افرشي لي في وسطه ، ثم اضطجعت واستقبلت القبلة ، ووضعت يدها تحت خدها وقالت : إني مقبوضة الآن ، فلا أُكشفن فإني قد اغتسلت ، قالت : وماتت فلما جاء علي أخبرتُه ، فقال :
لا تُكشف ، فحملها يغسلها (ع) .ص172
المصدر: أمالي الطوسي

قال النبي (ص): وأما ابنتي فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين ، من الأولين والآخرين وهي بضعة مني ، وهي نور عيني ، وهي ثمرة فؤداي ، وهي روحي التي بين جنبيّ ، وهي الحوراء الإنسية ، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله ، زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لأهل الأرض ، ويقول الله عز وجل لملائكته :
يا ملائكتي انظروا إلى أَمتي فاطمة سيدة إمائي ، قائمة بين يديّ ، ترتعد فرائصها من خيفتي ، وقد أقبلتْ بقلبها على عبادتي ، أُشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار .
وإني لما رأيتُها ذكرت ما يُصنع بها بعدي ، كأني بها وقد دخل الذل بيتها ، وانتهكت حرمتها ، وغُصبت حقها ، ومُنعت إرثها ، وكُسر جنبها ، وأسقطت جنينها ، وهي تنادي : يا محمداه !.. فلا تجُاب ، وتستغيث فلا تُغاث ، فلا تزال بعدي محزونة ، مكروبة ، باكية ، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة ، وتتذكر فراقي أخرى ، وتستوحش إذا جنّها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن ، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة .
فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة ، فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول : يا فاطمة !.. {إن الله اصطفيك وطهرك و اصطفيك على نساء العالمين } ، يا فاطمة !.. { اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } .
ثم يبتدي بها الوجع فتمرض ، فيبعث الله عز وجل إليها مريم بنت عمران تمرّضها وتؤنسها في علتها ، فتقول عند ذلك :
يارب !.. إني قد سئمت الحياة ، وتبرمت بأهل الدنيا ، فألحقني بأبي ، فيلحقها الله عز وجل بي ، فتكون أول من يلحقني من أهل بيتي ، فتقدم عليَّ محزونة ، مكروبة ، مغمومة ، مغصوبة ، مقتولة .. فأقول عند ذلك :
اللهم !.. العن من ظلمها ، وعاقب من غصبها ، وذلّل من أذلّها ، وخلّد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها ، فتقول الملائكة عند ذلك : آمين.ص173
المصدر: أمالي الصدوق

عن الصادق ، عن أبيه عليهما السلام قال : قال جابر بن عبد الله : سمعت رسول الله (ص) يقول لعلي بن أبي طالب (ع) قبل موته بثلاث : سلام عليك يا أبا الريحانتين ، أوصيك بريحانتيّ من الدنيا ، فعن قليل ينهدّ ركناك ، والله خليفتي عليك .
فلما قُبض رسول الله (ص) ، قال علي (ع) : هذا أحد ركنيّ الذي قال لي رسول الله (ص) .. فلما ماتت فاطمة (ع) قال علي (ع) : هذا الركن الثاني الذي قال رسول الله (ص) .ص173
المصدر: أمالي الصدوق

روى ورقة بن عبد الله الأزدي قال : خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام راجيا لثواب الله رب العالمين ، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء ، ومليحة الوجه عذبة الكلام ، وهي تنادي بفصاحة منطقها ، وهي تقول :
اللهم رب الكعبة الحرام ، والحفظة الكرام ، وزمزم والمقام ، والمشاعر العظام ورب محمد خير الأنام ، صلى الله عليه وآله البررة الكرام ، أسألك أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين ، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين .
ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين ، أن مواليّ خيرة الأخيار ، وصفوة الأبرار ، والذين علا قدرهم على الأقدار ، وارتفع ذكرهم في سائر الأمصار ، المرتدين بالفخار .
قال ورقة بن عبد الله : فقلت : يا جارية !.. إني لأظنك من موالي أهل البيت عليهم السلام .. فقالت : أجل ، قلت لها : ومن أنتِ من مواليهم ؟.. قالت : أنا فضة أمَة فاطمة الزهراء بنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
فقلتُ لها : مرحبا بك وأهلا وسهلا ، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فأريد منك الساعة أن تجيبني من مسألة أسألك ، فإذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابة مأجورة ، فافترقنا .
فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي ، جعلت طريقي على سوق الطعام ، وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس ، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة ، ثم قلت لها : يا فضة!.. أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء (ع) ، وما الذي رأيتِ منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد (ص)؟..
قال ورقة : فلما سمعتْ كلامي ، تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت : يا ورقة بن عبد الله !.. هيّجت عليّ حزنا ساكنا ، وأشجانا في فؤادي كانت كامنة ، فاسمع الآن ما شاهدت منها (ع) :
اعلم أنه لما قُبض رسول الله (ص) افتجع له الصغير والكبير ، وكثر عليه البكاء ، وقلّ العزاء ، وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب ، ولم تلق إلا كل باك وباكية ، ونادب ونادبة ، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب ، والأقرباء والأحباب ، أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء (ع) ، وكان حزنها يتجدد ويزيد ، وبكاؤها يشتد . فجلستْ سبعة أيام لا يهدأ لها أنين ، ولا يسكن منها الحنين ، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول .
فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن ، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت ، فكأنها من فم رسول الله (ص) تنطق ، فتبادرت النسوان ، وخرجت الولائد والولدان ، وضج الناس بالبكاء والنحيب ، وجاء الناس من كل مكان ، وأُطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء ، وخُيّل إلى النسوان أن رسول الله (ص) قد قام من قبره ، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم ، وهي (ع) تنادي وتندب أباها :
وا أبتاه ، وا صفياه ، وا محمداه ، وا أبا القاسماه ، وا ربيع الأرامل واليتامى ، من للقبلة والمصلى ، ومن لابنتك الوالهة الثكلى !..
ثم أقبلت تعثر في أذيالها ، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها ، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد (ص) فلما نظرت إلى الحجرة ، وقع طرفها على المأذنة فقصّرت خطاها ، ودام نحيبها وبكاها ، إلى أن أُغمى عليها ، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت ، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول :
رُفعت قوّتي ، وخانني جلدي ، وشمت بي عدوي ، والكمد قاتلي .
يا أبتاه !.. بقيت والهة وحيدة ، وحيرانة فريدة ، فقد انخمد صوتى ، وانقطع ظهري ، وتنغص عيشي ، وتكدر دهري ، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي ، ولا رادا لدمعتي ، ولا معينا لضعفي ، فقد فني بعدك محكم التنزيل ، ومهبط جبرائيل ، ومحل ميكائيل .
انقلبتْ بعدك يا أبتاه الأسباب ، وتغلّقت دوني الأبواب ، فأنا للدنيا بعدك قاليةٌ ، وعليك ما تردّدت أنفاسي باكيةٌ ، لا ينفذ شوقي إليك ، ولا حزني عليك .. ثم نادت : يا أبتاه ، والبّاه !.. ثم قالت :
إنّ حزني عليك حزنٌ جديد***وفؤادي والله صبٌّ عنيدُ
كلّ يومٍ يزيد فيه شجوني***واكتيابي عليك ليس يبيدُ
جلّ خطبي فبان عني عزائي***فبكائي كلّ وقتٍ جديدُ
إنّ قلباً عليك يألف صبرا***أو عزاء فإنه لجليدُ
ثم نادت :
يا أبتاه !.. انقطعت بك الدنيا بأنوارها ، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة ، فقد اسوّد نهارها ، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها .
يا أبتاه !.. لا زلتُ آسفة عليك إلى التلاق .
يا أبتاه !.. زال غمضي منذ حقّ الفراق .
يا أبتاه !.. مَن للأرامل والمساكين ؟.. ومَن للأمة إلى يوم الدين ؟.
يا أبتاه !.. أمسينا بعدك من المستضعفين .
يا أبتاه !.. أصبحت الناس عنّا معرضين ، ولقد كنا بك معظّمين ، في الناس غير مستضعفين ، فأيّ دمعةٍ لفراقك لا تنهمل ؟.. وأيّ حزنٍ بعدك عليك لا يتصل ؟.. وأيّ جفنٍ بعدك بالنوم يكتحل ؟.. وأنت ربيع الدين ، ونور النبيين ، فكيف للجبال لا تمور ؟.. وللبحار بعدك لا تغور ؟.. والأرض كيف لم تتزلزل ؟.. رُميتُ يا أبتاه بالخطب الجليل ، ولم تكن الرزيةُ بالقليل ، وطُرقت يا أبتاه بالمُصاب العظيم ، وبالفادح المهول .
بكتك يا أبتاه !.. الأملاك ، ووقفت الأفلاك ، فمنبرك بعدك مستوحشٌ ، ومحرابك خالٍ من مناجاتك ، وقبرك فرح بمواراتك ، والجنة مشتاقةٌ إليك وإلى دعائك وصلاتك .
ويا أبتاه ، ما أعظم ظلمة مجالسك !.. فوا أسفاه !.. عليك إلى أن أقدم عاجلاً عليك ، وأُثكل أبو الحسن المؤتمن ، أبو ولديك الحسن والحسين ، وأخوك ووليك وحبيبك ، ومن ربّيته صغيراً وآخيته كبيراً ، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك ، من كان منهم سابقاً ومهاجراً وناصراً ، والثكل شاملنا ، والبكاء قاتلنا ، والأسى لازمنا .. ثم زفرتْ زفرةٌ ، وأنّت أنّةٌ كادت روحها أن تخرج ، ثم قالت :
قلّ صبري وبان عني عزائي***بعد فقدي لخاتم الأنبياء
عين يا عين اسكبي الدمع سحا***ويك لا تبخلي بفيض الدماء
يا رسول الإله يا خيرة الله***وكهف الأيتام والضعفاء
قد بكتك الجبال والوحش جمعا***والطير والأرض بعد بكْي السماء
ثم رجعت إلى منزلها ، وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها ، وهي لا ترقأ دمعتها ، ولا تهدأ زفرتها .ص177
المصدر: بحار الانوار ج43/ص177
اجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أمير المؤمنين علي (ع) فقالوا له : يا أبا الحسن !.. إن فاطمة (ع) تبكي الليل والنهار ، فلا أحد منا يتهنأ بالنوم في الليل على فرشنا ، ولا بالنهار لنا قرار على أشغالنا ، وطلب معايشنا ، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا ، فقال (ع) : حبا وكرامة!..
فأقبل أمير المؤمنين (ع) حتى دخل على فاطمة (ع) وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء ، فلما رأته سكنت هنيئة له ، فقال لها : يا بنت رسول الله !.. إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألكِ إما أن تبكين أباك ليلا وإما نهارا. فقالت :
يا أبا الحسن !.. ما أقل مكثي بينهم ، وما أقرب مغيبي من بين أظهرهم .. فوالله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول الله (ص) .
فقال لها علي (ع) : افعلي يا بنت رسول الله مابدا لك !.. . ثم إنه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الأحزان ، وكانت إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسين عليهما السلام أمامها ، وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية ، فإذا جاء الليل أقبل أميرالمؤمنين (ع) إليها وساقها بين يديه إلى منزلها .
ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوما ، واعتلت العلة التي توفيت فيها ، فبقيت إلى يوم الأربعين ، وقد صلى أميرالمؤمنين (ع) صلاة الظهر ، وأقبل يريد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات ، فقال لهن : ما الخبر وما لي أراكن متغيرات الوجوه والصور ؟.. فقلن : يا أمير المؤمنين !.. أدرك ابنة عمك الزهراء (ع) ومانظنك تدركها .
فأقبل أمير المؤمنين (ع) مسرعا حتى دخل عليها ، وإذا بها ملقاة على فراشها وهو من قباطي مصر ، وهي تقبض يمينا وتمد شمالا ، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه ، وحل أزراره ، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره ، وناداها : يا زهراء ! .. فلم تكلمه ، فناداها : يا بنت محمد المصطفى !.. فلم تكلمه ، فناداها : يا بنت من حمل الزكاة في طرف ردائه ، وبذلها على الفقراء !.. فلم تكلمه ، فناداها : يا ابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثنى !.. فلم تكلمه ، فناداها : يا فاطمة !.. كلميني فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب.
قال : ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى ، وقال : ما الذي تجدينه ؟.. فأنا ابن عمك علي بن أبي طالب .. فقالت :
يا بن العم !.. إني أجد الموت الذي لا بد منه ولا محيص عنه ، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج ، فان أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة ، واجعل لأولادي يوما وليلة .
يا أبا الحسن !.. ولا تصح في وجوههما ، فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين ، فإنهما بالأمس فقدا جدّهما واليوم يفقدان أمهما ، فالويل لأمة تقتلهما وتبغضهما .ص178
المصدر: بحار الانوار ج43/ص178

فقال لها علي (ع) : من أين لك ِيا بنت رسول الله هذا الخبر ، والوحي قد انقطع عنا ؟.. فقالت : يا أبا الحسن !.. رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله (ص) في قصر من الدر الأبيض ، فلما رآني قال : هلمّي إليّ يا بنية !.. فاني إليك مشتاق ، فقلت : والله إني لأشد شوقا منك إلى لقائك ، فقال : أنتِ الليلة عندي ، وهو الصادق لما وعد ، والموفي لما عاهد.
فإذا أنتَ قرأت {يس } ، فاعلم أني قد قضيت نحبي ، فغسّلني ولا تكشف عنّي ، فاني طاهرة مطهرة وليصلّ عليّ معك من أهلي ، الأدني فالأدنى ، ومن رُزق أجري ، وادفني ليلا في قبري ، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله (ص) .
فقال عليّ : والله لقد أخذت في أمرها ، وغسّلتها في قميصها ، ولم أكشفه عنها .. والله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ، ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله (ص) ، وكفّنتها وأدرجتها في أكفانها ، فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت : يا أم كلثوم !.. يازينب !.. يا سكينة !.. يافضة !.. يا حسن !.. يا حسين !.. هلموا تزودوا من أمكم ، فهذا الفراق واللقاء في الجنة .
فأقبل الحسن والحسين عليهما السلام وهما يناديان : واحسرتا !.. لا تنطفئ أبدا ، من فقْد جدنا محمد المصطفى ، و أمّنا فاطمة الزهراء .
يا أم الحسن يا أم الحسين !.. إذا لقيتِ جدنا محمد المصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له : إناّ قد بقينا بعدك يتيمين في دار الدنيا .. فقال أمير المؤمنين علي (ع) : إني اشهد الله أنها قد حنّت وأنّت ومدّت يديها وضمتهما إلى صدرها مليا ، وإذا بهاتف من السماء ينادي :
يا أبا الحسن ارفعهما عنها ، فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات ، فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب .. ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى : السلام عليك يارسول الله !.. السلام عليك يا حبيب الله !.. السلام عليك يا نور الله !.. السلام عليك يا صفوة الله !.. مني السلام عليك والتحية ، واصلة مني إليك ولديك ، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك .
وإن الوديعة قد استُردت ، والرهينة قد أخذت ، فوا حزناه على الرسول ، ثم من بعده على البتول ، ولقد اسودت عليّ الغبراء ، وبعدت عني الخضراء ، فواحزناه ثم وأسفاه .
ثم عدل بها على الروضة ، فصلى عليها في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والأنصار .ص180
المصدر: بحار الانوار ج43/ص180

روي أنها ما زالت بعد أبيها معصّبة الرأس ، ناحلة الجسم ، منهدة الركن باكية العين ، محترقة القلب ، يُغشى عليها ساعة بعد ساعة ، وتقول لولديها : أين أبوكما الذي كان يُكرمكما ، ويحملكما مرة بعد مرة ؟.. أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما ، فلا يدعكما تمشيان على الأرض ؟.. ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ولا يحملكما على عاتقه ، كما لم يزل يفعل بكما.ص181
المصدر: المناقب

في تاريخ الطبري : إن فاطمة دُفنت ليلا ولم يحضرها إلا : العباس وعلي والمقداد والزبير .. وفي رواياتنا : أنه صلى عليها أمير المؤمنين والحسن والحسين وعقيل وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار وبريدة ، وفي رواية : والعباس وابنه الفضل ، وفي رواية : وحذيفة وابن مسعود .ص183
المصدر: المناقب

روي أنه سوى قبرها مع الأرض مستويا .. وقالوا : سوّى حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يُعرف قبرها ، وروي أنه رش أربعين قبرا حتى لا يبين قبرها من غيره من القبور ، فيصلّوا عليها .ص183
المصدر: المناقب

*
المصدر: المناقب

بيــان: قال أبوجعفر الطوسي : الأصوب أنها مدفونة في دارها أو في الروضة. يؤيد قوله قول النبي (ص) : إن بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة .. وفي البخاري : ” بين بيتي ومنبري ” .
وفي الموطأ والحلية والترمذي ومسند أحمد بن حنبل : ” ما بين بيتي ومنبري ” .ص185
قال (ص) : منبري على ترعة من ترع الجنة .. وقالوا : حد الروضة مابين القبر إلى المنبر إلى الاساطين التي تلي صحن المسجد .ص185
المصدر: المناقب

روي أنها بقيت بعد أبيها أربعين صباحا ، ولما حضرتها الوفاة قالت لأسماء :
إن جبرائيل أتى النبي (ص) لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة ، فقسّمه أثلاثا: ثلثا لنفسه ، وثلثا لعلي ، وثلثا لي ، وكان أربعين درهما .. فقالت :
يا أسماء ائتيني ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا ، فضعيه عند رأسي فوضعته ، ثم تسجّت بثوبها ، وقالت :
انتظريني هنيهة وادعيني !.. فإن أجبتك وإلا فاعلمي أني قد قدمت على أبي (ص) .. فانتظرتها هنيهة ثم نادتها فلم تجبها ، فنادت :
يا بنت محمد المصطفى ! .. يا بنت أكرم من حملته النساء !.. يا بنت خير من وطئ الحصا !.. يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى !.. فلم تجبها ، فكشفتْ الثوب عن وجهها ، فإذا بها قد فارقت الدنيا ، فوقعتْ عليها تقبّلها وهي تقول :
فاطمة ! .. إذا قدمت ِعلى أبيكِ رسول الله ، فاقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام .. فبينا هي كذلك ، إذ دخل الحسن والحسين ، فقالا :
يا أسماء !.. ما يُنيم أمّنا في هذه الساعة ؟.. قالت : يا ابني رسول الله!.. ليست أمّكما نائمة ، قد فارقت الدنيا ، فوقع عليها الحسن يقبّلها مرة ويقول : يا أماه !.. كلمّيني قبل أن تفارق روحي بدني ، قالت :
وأقبل الحسين يقبّل رجلها ، ويقول : يا أمّاه أنا ابنك ِالحسين !.. كلميني قبل أن يتصدع قلبي فأموت . . قالت لهما أسماء :
يا ابني رسول الله !.. انطلقا إلى أبيكما عليّ فأخبراه بموت أمكما ، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد ، رفعا أصواتهما بالبكاء ، فابتدرهما جميع الصحابة ، فقالوا :
ما يبكيكما يا ابني رسول الله؟.. لا أبكى الله أعينكما !.. لعلكما نظرتما إلى موقف جدّكما فبكيتما شوقا إليه .. فقالا :
لا ، أو ليس قد ماتت أمنا فاطمة صلوات الله عليها ، قال : فوقع عليّ (ع) على وجهه ، يقول : بمن العزاء يا بنت محمد ؟.. كنت بكِ أتعزّى ، ففيم العزاء من بعدك ؟.. ثم قال :

ص187
المصدر: كشف الغمة
عن أم سلمة : اشتكت فاطمة (ع) شكواها التي قُبضت فيه ، فكنت أمرّضها ، فأصبحتْ يوماً كأمثل ما رأيتها في شكواها ذلك .
وخرج علي ّ(ع) لبعض حاجته فقالت : يا أماه !.. اسكبي لي غسلا ، فسكبتُ لها غسلا ، فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ، ثم قالت :
يا أمّاه !.. أعطيني ثيابي الجدد ، فأعطيتها فلبستْها ، ثم قالت : يا أمّاه !.. قدّمي لي فراشي وسط البيت ففعلتُ ، فاضطجعتْ واستقبلت القبلة ، وجعلت يدها تحت خدها ، ثم قالت : يا أمّاه !.. إني مقبوضة الآن ، وقد تطهّرت ، فلا يكشفنّي أحدٌ ، فقُبضت مكانها .. فجاء علي (ع) فأخبرته.ص188
المصدر: كشف الغمة

عن أسماء بنت عميس : أن فاطمة بنت رسول الله (ص) قالت لأسماء : إني قد استقبحت ما يُصنع بالنساء ، أنه يُطرح على المرأة الثوب ، فيصفها لمن رأى .. فقالت أسماء :
يا بنت رسول الله !.. أنا أريكِ شيئا رأيته بأرض الحبشة .. فدعت بجريدة رطبة فحسنتْها ثم طرحت عليها ثوبا ، فقالت فاطمة (ع) :
ما أحسن هذا وأجمله!.. لا تُعرف به المرأة من الرجل .ص189
المصدر: كشف الغمة

مرضت فاطمة (ع) مرضا شديدا ، ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها ، فلما نعُيت إليها نفسها دعت أم أيمن وأسماء بنت عميس ، ووجّهت خلف عليّ وأحضرته ، فقالت :
يا بن عم !.. إنه قد نُعيت إليّ نفسي ، وإنني لا أرى ما بي ، إلا أنني لاحق بأبي ساعة بعد ساعة ، وأنا أوصيك بأشياء في قلبي .
قال لها علي (ع) : أوصيني بما أحببتِ يا بنت رسول الله !.. فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ، ثم قالت : يا بن عم !.. ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ، ولا خالفتك منذ عاشرتني .. فقال (ع) : معاذ الله !.. أنتِ أعلم بالله ، وأبر وأتقى وأكرم ، وأشد خوفا من الله من أن أوبّخك ِبمخالفتي .
قد عز ّعلي مفارقتك وتفقدك ، إلا أنه أمر لا بد منه ، والله !.. جدّدتِ عليّ مصيبة رسول الله (ص) وقد عظمت وفاتك وفقدك ، فإنا لله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضّها وأحزنها !.. هذه والله مصيبة لا عزاء لها ، ورزية لا خلَف لها …. ثم قالت : أوصيك يا بن عم!.. أن تتخذلي نعشا فقد رأيت الملائكة صوّروا صورته ، فقال لها : صفيه لي !.. فوصفتْه فاتخذه لها ، فأول نعش عُمل على وجه الارض ذاك ، وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد.
ثم قالت : أوصيك أن لا يشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي ، فإنهم عدوي وعدو رسول الله (ص) ولا تترك أن يصلي عليّ أحد منهم ، ولا من أتباعهم ، وادفني في الليل، إذا هدأت العيون ، ونامت الأبصار ، ثم توفيت صلوات الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها .
فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة ، واجتمعت نساء بني هاشم في دارها ، فصرخوا صرخة واحدة ، كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهن ، وهن يقلن : يا سيدتاه ! .. يا بنت رسول الله ! .. وأقبل الناس مثل عُرف الفرس إلى علي (ع) : وهو جالس ، والحسن والحسين عليهما السلام بين يديه يبكيان ، فبكى الناس لبكائهما .. وخرجتْ أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسبّجها وهي تقول : يا أبتاه يا رسول الله !..الآن حقا فقدناك ، فقدا لا لقاء بعده أبدا .
واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها ، وخرج أبو ذر وقال : انصرفوا فإن ابنة رسول الله (ص) قد أُخّر إخراجها في هذه العشية ، فقام الناس وانصرفوا .
فلما أن هدأت العيون ومضى شطرٌ من الليل ، أخرجها عليّ والحسن والحسين عليهم السلام ، وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبو ذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه ، صلّوا عليها ودفنوها في جوف الليل ، وسوّى علي (ع) حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يُعرف قبرها .. وقال بعضهم من الخواص : قبرُها سُوّى مع الأرض مستويا ، فمُسح مسحا سواء مع الأرض حتى لا يُعرف موضعه .ص193
المصدر: روضة الواعظين

قال أمير المؤمنين (ع) : إن أسقاطكم إذا لقوكم يوم القيامة ولم تسمّوهم يقول السقط لأبيه : ألا سمّيتني ، وقد سمى رسول الله صلى الله عليه وآله محسنا قبل أن يُولد .ص195
المصدر: الكافي

قال الصادق (ع) : عاشت فاطمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله خمسة وسبعين يوما لم تُر كاشرة ولا ضاحكة ، تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين : الاثنين والخميس ، فتقول (ع) : ههنا كان رسول الله وههنا كان المشركون !.. وفي رواية أبان ، عمن أخبره ، عن أبي عبد الله (ع):
أنها كانت تصلي هناك و تدعو حتى ماتت (ع) .ص195
المصدر: الكافي

قال الصادق (ع) : جاءت فاطمة (ع) إلى سارية في المسجد وهي تقول وتخاطب النبي (ص) :
المصدر: الكافي

بيــان: قال الجزري : ” الهنبثة “: واحدة الهنابث ، وهي الأمور الشداد المختلفة والهنبثة : الاختلاط في القول .. و “الخطب ” : بالفتح الأمر الذي تقع فيه المخاطبة ، والشأن ، والحال ، و” الوابل “: المطر الشديد .ص196

فيما احتج به الحسن (ع) على معاوية وأصحابه أنه قال لمغيرة بن شعبة :
أنت ضربت َفاطمة بنت رسول الله (ص) حتى أدميتَها ، وألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول الله (ص) ، ومخالفة منك لأمره وانتهاكا لحرمته ، وقد قال رسول الله (ص) : أنت سيدة نساء أهل الجنة .. والله مصيرك إلى النار.ص197
المصدر: الاحتجاج

فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنقه حبلا ، فحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت ، فضربها قنفذ الملعون بالسوط ، فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله ، فألجأها إلى عضادة بيتها ، ودفعها فكسر ضلعها من جنبها ، فألقت جنينا من بطنها ، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت – صلى الله عليها – من ذلك شهيدة . ص198
المصدر: كتاب سليم بن قيس

عن عبد الله بن الحسن ، عن أبيه ، عن جده (ع) : أن فاطمة بنت رسول الله (ص) لما احتضرت نظرت نظرا حادا ثم قالت : السلام على جبرائيل ، السلام على رسول الله .. اللهم !.. مع رسولك ، اللهم !.. في رضوانك وجوارك ، ودارك دار السلام ، ثم قالت : أترون ما أرى ؟.. فقيل لها ما ترى ؟.. قالت :
هذه مواكب أهل السماوات ، وهذا جبرائيل ، وهذا رسول الله ، ويقول :
يا بنية !.. أقدمي فما أمامكِ خير لك .. وعن زيد بن علي (ع) :
أن فاطمة (ع) لما احتضرت ، سلّمت على جبرائيل وعلى النبي (ص) وسلمت على ملك الموت ، وسمعوا حس الملائكة ، ووجدوا رائحة طيبة كأطيب ما يكون من الطيب .ص200
المصدر: مصباح الأنوار

فلما نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن ، فأرسل دموعه على خديه وحوّل وجهه إلى قبر رسول الله (ص) ، فقال :
السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك ، وقرة عينك وزائرتك ، والبائتة في الثرى ببقيعك ، المختار الله لها سرعة اللحاق بك .. قلّ يارسول الله عن صفيّتك صبري ، وضعُف عن سيدة النساء تجلّدي ، إلا أن في التأسي لي بسنّتك ، والحزن الذي حلّ بي لفراقك موضع التعزي .. ولقد وسّدتك في ملحود قبرك ، بعد أن فاضت نفسك على صدري ، وغمّضتك بيديّ ، وتولّيت أمرك بنفسي .
نعم وفي كتاب الله أنعم القبول ، إنا لله وإنا إليه راجعون ، قد استرُجعت الوديعة ، وأُخذت الرهينة ، واختُلست ( سُلبت ) الزهراء ، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله !..
أما حزني فسرمد ، وأما ليلي فمسهّد ، لايبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم ، كمدٌ مقيّح ، وهمّ مهيّج ، سرعان ما فرّق الله بيننا ، وإلى الله أشكو ، وستنبئّك ابنتك بتظاهر أمتك عليَّ ، وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال ، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثّه سبيلا ، وستقول ويحكم الله وهو خير الحاكمين .
سلام عليك يارسول الله سلام مودّع لاسئم ولا قال.. فان أنصرف فلا عن ملالة ، وإن أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعد الله الصابرين .. الصبر أيمن وأجمل ولولا غلبة المستولين علينا ، لجعلتُ المقام عند قبرك لزاما ، والتلبّث عنده معكوفا ، ولأعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية .
فبعين الله تُدفن ابنتك سرا ، ويُهتضم حقّها قهرا ، ويمُنع إرثها جهرا ، ولم يطل العهد ، ولم يخلق منك الذكر ، فإلى الله يا رسول الله المشتكى !.. وفيك أجمل العزاء ، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته .ص212
المصدر: مجالس المفيد ، أمالي الطوسي
وعن ابن عباس قال : رأت فاطمة في منامها النبي (ص) قالت : فشكوت إليه ما نالنا من بعده ، قالت : فقال لي رسول الله (ص) : لكم الآخرة التي أُعدت للمتقين ، وإنك قادمة عليّ عن قريب .ص218
المصدر: مصباح الأنوار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى