الجزء الثاني والاربعون كتاب تاريخ الامام علي (ع)

باب أحوال رشيد الهجري وميثم التمار وقنبر رضي الله عنهم

لقيتُ أمة الله بنت راشد الهجري فقلت لها : أخبريني بما سمعتِ من أبيك ، قالت سمعته يقول : قال لي حبيبي أمير المؤمنين (ع) :
يا راشد !.. كيف صبرك إذا أرسل إليك دعيّ بني أمية ، فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟.. فقلت :
يا أمير المؤمنين !.. أيكون آخر ذلك إلى الجنة ؟.. قال : نعم يا راشد، وأنت معي في الدنيا والآخرة .
قالت : فو الله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد فدعاه إلى البراءة منه ، فقال له ابن زياد : فبأي ميتة قال لك صاحبك تموت ؟.. قال : خبّرني خليلي صلوات الله عليه أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرأ ، فتقدمني فتقطع يديّ ورجليّ ولساني ، فقال : والله لأكذّبن صاحبك ، قدّموه واقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثم حملوه إلى منزلنا ، فقلت له : يا أبت جعلت فداك !.. هل تجد لما أصابك ألما ؟.. قال :
لا والله يا بنية إلا كالزحام بين الناس ، ثم دخل عليه جيرانه ومعارفه يتوجّعون له فقال : آتوني بصحيفة ودواة أذكر لكم ما يكون مما أعلمنيه مولاي أمير المؤمنين (ع) ، فأتوه بصحيفة ودواة ، فجعل يذكر ويملي عليهم أخبار الملاحم والكائنات ويسندها إلى أمير المؤمنين (ع) .
فبلغ ذلك ابن زياد ، فأرسل إليه الحجّام حتى قطع لسانه فمات من ليلته تلك ، وكان أمير المؤمنين (ع) يسميه راشد المُبتلى ، وكان قد أُلقى إليه علم البلايا والمنايا ، فكان يلقى الرجل ويقول له : يا فلان بن فلان تموت ميتة كذا ، وأنت يا فلان تُقتل قتلة كذا ، فيكون الأمر كما قاله راشد رحمه الله . ص122
المصدر: أمالي الطوسي ص103

سمعت العبد الصالح أبا الحسن (ع) ينعى إلى رجل نفسه ، فقلت في نفسي : وإنه ليعلم متى يموت الرجل من شيعته ؟.. فقال شبه الغضب :
يا إسحاق !.. قد كان رشيد الهجري يعلم علم المنايا والبلايا ، فالإمام أولى بذلك.ص123
المصدر: بصائر الدرجات ص73

عن قنو ابنة رشيد الهجري قالت : قلت لأبي : ما أشد اجتهادك !.. فقال : يا بنية !.. سيجيء قوم بعدنا بصائرهم في دينهم أفضل من اجتهاد أوليّهم . ص123
المصدر: المحاسن ص251

من معجزات أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنّ ميثم التمار كان عبدا لامرأة من بني أسد فاشتراه أمير المؤمنين (ع) منها فأعتقه ، فقال : ما اسمك ؟.. فقال : سالم ، فقال :
أخبرني رسول الله (ص) أن اسمك الذي سماك به أبوك في العجم ميثم ، قال :
صدق الله ورسوله وصدق أمير المؤمنين والله إنه لاسمي ، قال : فارجع إلى اسمك الذي سماك به رسول الله (ص) ودع سالما ، فرجع إلى ميثم واكتنى بأبي سالم ، فقال علي (ع) ذات يوم :
إنك تُؤخذ بعدي فتُصلب وتُطعن بحربة ، فإذا كان اليوم الثالث ابتدر منخراك وفمك دماً فتخضب لحيتك ، فانتظر ذلك الخضاب ، فتُصلب على باب دار عمرو بن حريث عاشر عشرة ، أنت أقصرهم خشبةً وأقربهم من المطهرة ، وامض حتى أريك النخلة التي تُصلب على جذعها ، فأراه إياها .
وكان ميثم يأتيها فيصلّي عندها ويقول : بوركتِ من نخلة لكِ خلقتُ ولي غذّيتِ ، ولم يزل معاهدها حتى قطعت ، وحتى عرف الموضع الذي يصلب عليها بالكوفة ، قال : وكان يلقى عمرو بن حريث فيقول : إني مجاورك فأحسن جواري فيقول له عمرو :
أتريد أن تشتري دار ابن مسعود أو دار ابن حكيم ؟.. وهو لا يعلم ما يريد ، وحجّ في السنة التي قُتل فيها فدخل على أم سلمة رضي الله عنها ، فقالت : من أنت ؟.. قال : أنا ميثم ، قالت : والله لربما سمعت رسول الله (ص) يذكرك ويوصي بك عليّا في جوف الليل ، فسألها عن الحسين (ع) فقالت : هو في حائط له ، قال : أخبريه أنني قد أحببت السلام عليه ، ونحن ملتقون عند رب العالمين إن شاء الله ، فدعت بطيب وطيبت لحيته ، وقالت : أما إنها ستخضب بدم .
فقدم الكوفة فأخذه عبيد الله بن زياد فأُدخل عليه ، فقيل له : هذا كان من آثر الناس عند علي (ع) قال : ويحكم هذا الأعجمي ؟.. قيل له : نعم ، قال له عبيد الله : أين ربك ؟.. قال : بالمرصاد لكل ظالم وأنت أحد الظلمة .
قال : إنك على عجمتك لتبلغ الذي تريد ، قال : أخبرني ما أخبرك صاحبك أني فاعل بك ، قال : أخبرني أنك تصلبني عاشر عشرة ، أنا أقصرهم خشبةً وأقربهم إلى المطهرة ، قال : لنخالفنّه .
قال : كيف تخالفه ؟.. فوالله ما أخبر إلا عن النبي (ص) عن جبرائيل عن الله تعالى ، فكيف تخالف هؤلاء ؟.. ولقد عرفتُ الموضع الذي أُصلب فيه وأين هو من الكوفة ، وأنا أول خلق الله أُلجم في الإسلام ، فحبسه وحبس معه المختار بن أبي عبيدة .
قال له ميثم : إنك تفلت وتخرج ثائراً بدم الحسين (ع) فتقتل هذا الذي يقتلنا.
فلما دعا عبيد الله بالمختار ليقتله طلع بريد بكتاب يزيد إلى عبيد الله يأمره بتخلية سبيله ، فخلاه وأمر بميثم أن يُصلب ، فأخرج فقال له رجل لقيه :
ما كان أغناك عن هذا ؟ .. فتبسّم وقال وهو يومئ إلى النخلة : لها خُلقتُ ولي غذّيتْ .
فلما رُفع على الخشبة اجتمع الناس حوله على باب عمرو بن حريث ، قال عمرو : قد كان والله يقول : إني مجاورك ، فلما صُلب أمر جاريته بكنس تحت خشبته ورشّه وتجميره ، فجعل ميثم يحدث بفضائل بني هاشم .
فقيل لابن زياد : قد فضحكم هذا العبد ، فقال : أُلجموه وكان أول خلق الله أُلجم في الإسلام ، وكان قتل ميثم رحمه الله قبل قدوم الحسين بن علي (ع) العراق بعشرة أيام ، فلما كان اليوم الثالث من صلبه طُعن ميثم بالحربة فكبّر ، ثم انبعث في آخر النهار فمه وأنفه دماً.ص125
المصدر: الإرشاد ص152

كنت عند زياد إذا أتي برشيد الهجري قال له زياد : ما قال لك صاحبك – يعني عليّا عليه السلام – إنا فاعلون بك ؟.. قال : تقطعون يدي ورجلي وتصلبونني ، فقال زياد : أمَ والله لأكذبنّ حديثه ، خلّوا سبيله ، فلما أراد أن يخرج قال زياد : والله ما نجد شيئاً شراً مما قال له صاحبه ، اقطعوا يديه ورجليه واصلبوه ، فقال رشيد :
هيهات قد بقي لي عندكم شيء أخبرني به أمير المؤمنين (ع) ، فقال زياد : اقطعوا لسانه ، فقال رشيد : الآن والله جاء التصديق لأمير المؤمنين (ع) . ص126
المصدر: الإرشاد ص152

ومن ذلك ما رواه عامة أصحاب السيرة من طرق مختلفة أنّ الحجاج بن يوسف الثقفي قال ذات يوم : أحب أن أصيب رجلاً من أصحاب أبي تراب ، فأتقرّب إلى الله بدمه ! .. فقيل له : ما نعلم أحدا كان أطول صحبة لأبي تراب من قنبر مولاه ، فبعث في طلبه فأُتي به ، فقال له :
أنت قنبر ؟.. قال : نعم ، قال : أبو همدان ؟.. قال : نعم ، قال : مولى علي بن أبي طالب ؟.. قال : الله مولاي وأمير المؤمنين عليّ وليّ نعمتي .
قال : ابرأ من دينه ، قال : فإذا برئت من دينه تدلني على دين غيره أفضل منه ؟.. قال : إني قاتلك !.. فاختر أي قتلة أحبّ إليك ؟.. قال : قد صيرتُ ذلك إليك ، قال : ولِمَ ؟ .. قال : لأنك لا تقتلني قتلة إلا قتلتُك مثلها ، وقد أخبرني أمير المؤمنين (ع) أن ميتتي يكون ذبحا ظلماً بغير حق ، قال : فأمر به فذُبح . ص126
المصدر: الإرشاد ص152

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى