الجزء الواحد والاربعون كتاب تاريخ الأمام علي (ع)

باب معجزات كلامه من إخباره بالغائبات ، وعلمه باللغات ، وبلاغته وفصاحته (ع)

قال علي (ع) : كأني بالقصور قد شِيدتْ حول قبر الحسين ، وكأني بالمحامل تخرج من الكوفة إلى قبر الحسين ، ولا تذهب الليالي والأيام حتى يُسار إليه من الآفاق ، وذلك عند انقطاع ملك بني مروان . ص287
المصدر: العيون ص212

مرَّ عليّ عليه السلام بكربلاء ، فقال – لما مر به أصحابه – وقد اغرورقت عيناه يبكي ويقول : هذا مناخ ركابهم ، وهذا ملقى رحالهم ، ههنا مُراق دمائهم ، طوبى لكِ من تربةٍ عليها تُراق دماء الأحبة .ص295
المصدر: الخرائج

روى أنه كان لعلي عليه السلام صديقا ، وكان علي عليه السلام يحبّه ، ونظر يوما إليه وهو يسير فناداه : يا جويرية إلحق بي ، فإني إذا رأيتك هويتك.
قال إسماعيل بن أبان : فحدثني الصباح عن مسلم عن حبة العرني قال :
سرنا مع علي عليه السلام يوماً ، فالتفت فإذا جويرية خلفه بعيدا ، فناداه :
يا جويرية!.. الحق بي لا أبا لك ، ألا تعلم أني أهواك وأُحبك ؟.. قال : فركض نحوه ، فقال له : إني محدثك بأمورٍ فاحفظها ، ثم اشتركا في الحديث سراً ، فقال له جويرية : يا أمير المؤمنين !.. إني رجل نسىّ .
فقال : أنا أُعيد عليك الحديث لتحفظه ، ثم قال له في آخر ما حدّثه إياه :
يا جويرية!.. أحببْ حبيبنا ما أحبّنا ، فإذا أبغضنا فأبغضْه ، وابغض بغيضنا ما أبغضنا ، فإذا أحبنا فأحبه ، فكان ناس ممن يشك في أمر علي عليه السلام يقولون : أتراه جعل جويرية وصيّه ، كما يدعي هو من وصية رسول الله صلى الله عليه وآله ؟..
قال : يقولون ذلك لشدة اختصاصه له ، حتى دخل على عليّ عليه السلام يوماً – وهو مضطجع وعنده قوم من أصحابه – فناداه جويرية : أيها النائم استيقظ !.. فلتُضربن على رأسك ضربة تخضب منها لحيتك .
فتبسم أمير المؤمنين عليه السلام ثم قال : وأُحدثك يا جويرية بأمرك!..أما والذي نفسي بيده لتعتلنّ إلى العتلّ الزنيم ، فليقطعنّ يدك ورجلك ، وليصلبنّك تحت جذع كافر ، قال : فوالله ما مضت الأيام على ذلك حتى أخذ زياد جويرية ، فقطع يده ورجله وصَلَبه إلى جانبه جذع ابن معكبر ، وكان جذعا طويلا ، فصلبه على جذع قصير إلى جانبه . ص 343
المصدر: شرح النهج 1/254

من خطبة له عليه السلام : أما بعد أيها الناس!.. فأنا فقأت عين الفتنة ، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري ، بعد أن ماج غيهبها واشتد كَلَبها ، فاسألوني قبل أن تفقدوني ….
إن الفتن إذا أقبلت شبّهت ، وإذا أدبرت نبّهت ، يُنكَرن مقبلاتٍ ، ويُعرفن مدبرات ، يحمن حوم الرياح ، يُصبْن بلداً ويُخطئْن بلداً ، ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية ، فإنها فتنة عمياء مظلمة ، عمّت خطتُها وخصّت بليتها ، وأصاب البلاء من أبصر فيها ، وأخطأ البلاء من عُمِيَ عنها .
وايم الله!.. لتجدنّ بني أمية لكم أرباب سوءٍ بعدي ، كالناب الضروس تعذم بفيها ، وتخبط بيدها ، وتزبن برجلها ، وتمنع درّها ، لا يزالون بكم ، حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضائر.الخبر .ص348
المصدر: النهج 1/199
بيــان:
فقأ العين “: شقّها ، وعدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم .
و” الغيهب “: الظلمة ، وتموّجه كناية عن عمومه وشموله للاماكن .
و” اشتد كَلَبها “: أي شرها وأذاها ، يقال للقحط الشديد : الكَلَب ، وكذلك للقر الشديد .
قوله (ع) : ” إذا أقبلت شبّهت “: أي في ابتدائها تلتبس الأمور ، ولا يُعلم الحق من الباطل إلى أن تنقضي ، فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها .
و” حام الطائر حول الماء ” يحوم حوما وحومانا أي دار ، شبّه عليه السلام الفتن في دورانها ووقوعها من دعاة الضلال في بلدٍ دون بلدٍ بالرياح .
” الخطة “: الحال والأمر ، وعمومها لأنها كانت ولاية عامة ، وخصت بليتها بالصالحين والأئمة من أهل البيت عليهم السلام وشيعتهم ، فالمبصر العارف للحق يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه وفي غيره ، وأما الجاهل المنقاد لهم فهو في راحة .
و” الناب “: الناقة المسنة .. و” الضروس “: السيئة الخلق .. و” العذم “: العض والأكل بجفاء .. و” الزبن ” : الدفع .. و” الدّر ” : في الأصل اللبن ، ثم اطلق على كل خير ، وهو كناية عن منع حقوق المسلمين والاستبداد بأموالهم .ص 350

قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة :
ولقد امتحنا أخباره فوجدناه موافقا ، فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة ، كإخباره عن الضربة التي يُضرب في رأسه فتخضب لحيته .
وإخباره عن قتل الحسين عليه السلام ابنه ، وما قاله في كربلاء حيث مرّ بها .
وإخباره بملك معاوية الأمر من بعده .
وإخباره عن الحجاج وعن يوسف بن عمر ، وما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان ، وما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يُقتل منهم وصلب من يُصلب .
وإخباره بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين .
وإخباره بعدّة الجيش الوارد إليه من الكوفة ، لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها .
وإخباره عن عبدالله بن الزبير وقوله عليه السلام فيه : خبٌّ (أي خدّاع ) صبٌّ ، يروم أمراً ولا يُدركه ، يَنصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا ، وهو بعدُ مصلوب قريش .
وكإخباره عن هلاك البصرة بالغَرَق ، وهلاكها تارة أخرى بالزنج ، وهو الذي صحّفه قوم فقالوا : بالريح .
وكإخباره عن الائمة الذين ظهروا من وُلده بطبرستان ، كالناصر والداعي وغيرهما في قوله عليه السلام : ” وإن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيُظهره الله إذا شاء ، دعاةُ حقٍ تقوم بإذن الله فتدعو إلى دين الله “.
وكإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة وقوله : ” إنه يقتل عند أحجار الزيت ” .
وكقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا : ” يُقتل بعد أن يَظهر ، ويُقهر بعد أن يَقهر ” وقوله عليه السلام فيه أيضا : ” يأتيه سهمٌ غرب ، يكون فيه منيّته ، فيا بؤس الرامي !.. شلت يده ووهن عضده “.
وكإخباره عن قتلى فخ وقوله عليه السلام : ” هم خير أهل الارض ، أو من خير أهل الارض “….
وكإخباره عن بني بويه ، وقوله فيهم : ” ويخرج من ديلمان بنو الصياد ” إشارة إليهم ، وكان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوّت هو وعياله بثمنه ، فأخرج الله تعالى من وُلده لصلبه ملوكا ثلاثة ، ونشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم..
وكقوله عليه السلام فيهم : ” ثم يستقوي أمرهم حتى يملكوا الزوراء ، ويخلعوا الخلفاء ” فقال له قائل : فكم مدتهم يا أمير المؤمنين ؟.. فقال : مائة أو تزيد قليلا….
وكإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس – رحمه الله – عن انتقال الأمر إلى أولاده ، فإن علي بن عبدالله لما وُلد ، أخرجه أبوه عبدالله إلى علي عليه السلام فأخذه ، وتفل في فيه ، وحنّكه بتمرة قد لاكَها ودفعه إليه وقال :
” خذ إليك أبا الأملاك “.
وكم له من الأخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى ، مما لو أردنا استقصاءه لكرسنا كراريس كثيرة ، وكُتُب السير تشتمل عليها مشروحة ….
ومنها : فانظروا أهل بيت نبيكم فإن لَبَدوا فالبدوا ، وإن استنصروكم فانصروهم ، فليفرجنّ الله الفتنة برجلٍ منّا أهل البيت بأبي ابن خيرة الإماء لا يعطيهم إلاّ السيف هرجاً هرجاً ، موضوعاً على عاتقه ثمانية أشهر حتى تقول قريش :
” لو كان هذا من ولد فاطمة لرحمنا ” يغريه الله ببني أمية حتى يجعلهم حطاماً ورفاتاً ، ملعونين أينما ثُقفوا أُخذوا وقُتّلوا تقتيلاً ، سُنّة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجدَ لِسُنّة الله تبديلاً.ص355
المصدر: شرح النهج 2/277

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى