الجزء الواحد والاربعون كتاب تاريخ الأمام علي (ع)

باب جوامع مكارم أخلاقه وآدابه وسننه وعدله وحسن سياسته صلوات الله عليه

قال الصادق (ع) عن آبائه (ع) : إنّ أمير المؤمنين (ع) كتب إلى عماله : أدقّوا أقلامكم ، وقاربوا بين سطوركم ، واحذفوا عني فضولكم ، واقصدوا قصد المعاني ، وإياكم والإكثار ، فإنّ أموال المسلمين لا تحتمل الإضرار.ص105
المصدر: الخصال 1/149

قال أبو الحسن (ع) : إنّ عليا (ع) لم يبت بمكة بعد إذ هاجر منها حتى قبضه الله عزّ وجلّ إليه ، قلت له :
ولِمَ ذاك ؟.. قال : كان يكره أن يبيت بأرض قد هاجر منها رسول الله ، وكان يصلي العصر ويخرج منها ويبيت بغيرها.ص107
المصدر: العلل ص155 ، العيون ص37

شهدت علي بن أبي طالب (ع) أُتي بمالٍ عند المساء ، فقال : اقسموا هذا المال ، فقالوا : قد أمسينا يا أمير المؤمنين ، فأخّره إلى غد ، فقال لهم :
تقبلون أن أعيش إلى غد ؟.. فقالوا : ماذا بأيدينا ؟.. قال : فلا تؤخروه حتى تقسّموه ، فأُتي بشمعٍ فقسّموا ذلك المال من تحت ليلتهم . ص107
المصدر: أمالي الطوسي ص257

قال الصادق (ع) : كان أمير المؤمنين (ع) يقول للناس بالكوفة : يا أهل الكوفة !.. أتروني لا أعلم ما يُصلحكم ؟.. بلى ، ولكني أكره أن أصلحكم بفساد نفسي . ص110
المصدر: مجالس المفيد ص120

سمعت مذاكرة : أنه دخل عليه عمرو بن العاص ليلةً وهو في بيت المال ، فطفئ السراج وجلس في ضوء القمر ، ولم يستحلّ أن يجلس في الضوء بغير استحقاق . ص116
المصدر: المناقب 1/312

ومن كلام له فيما ردّه على المسلمين من قطائع عثمان : والله لو وجدته قد تزوّج به النساء ومَلَك به الإماء لرددته ، فإنّ في العدل سعة ، ومن ضاق عليه العدل فالجور عليه أضيق . ص116
المصدر: المناقب 1/312

قال الحسين (ع) : جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين علي (ع) يسعى بقوم ، فأمرني أن دعوت له قنبرا ، فقال له علي (ع) : اخرج إلى هذا الساعي فقل له : قد أسمعتنَا ما كره الله تعالى ، فانصرفْ في غير حفظ الله تعالى . ص119
المصدر: كشف الغمة ص50

رُوي أنّ سودة بن عمارة الهمدانية دخلت على معاوية بعد موت عليّ ، فجعل يؤنّبها على تحريضها عليه أيام صفين ، وآل أمره إلى أن قال :
ما حاجتك ؟.. قالت : إن الله مسائلك عن أمرنا ، وما افترض عليك من حقنا ولا يزال يتقدّم علينا من قِبَلك من يسمو بمكانك ، ويبطش بقوة سلطانك ، فيحصدنا حصيد السنبل ، ويدوسنا دوس الحرمل ، يسومنا الخسف ، ويذيقنا الحتف ، هذا بشر بن أرطاة قدم علينا فقتل رجالنا ، وأخذ أموالنا ، ولولا الطاعة لكان فينا عزٌّ ومنعة ، فإن عزلته عنا شكرناك وإلا كفرناك .
فقال معاوية : إياي تهددين بقومك يا سودة ؟.. لقد هممتُ أن أحملكِ على قتب أشوس ، فأردّك إليه فينفذ فيك حكمه ، فأطرقت سودة ساعة ثم قالت :

فقال معاوية : من هذا يا سودة ؟!.. قالت : هو والله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب !.. والله لقد جئتُه في رجلٍ كان قد ولاّه صدقاتنا فجار علينا ، فصادفته قائماً يصلي ، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل عليّ برحمة ورفق ورأفة وتعطّف ، وقال : ألكِ حاجة ؟.. قلت : نعم ، فأخبرته الخبر ، فبكى ثم قال :
اللهم !.. أنت الشاهد عليّ وعليهم ، وأني لم آمرهم بظلم خلقك ، ثم أخرج قطعة جلد فكتب فيها :
” بسم الله الرحمن الرحيم ، قد جاءتكم بينة من ربكم ، فأوفوا الكيل والميزان ، ولا تبخسوا الناس أشياءهم ، ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين ، فإذا قرأتَ كتابي هذا ، فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك ، والسلام ” .
ثم دفع الرقعة إليّ ، فوالله ما ختمها بطين ولا خزنها ، فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولاً ، فقال معاوية : اكتبوا لها كما تريد ، واصرفوها إلى بلدها غير شاكية . ص120
المصدر: كشف الغمة ص50

دخل ضرار بن ضمرة الليثي على معاوية ، فقال له : صف لي علياً ، فقال : أو لا تعفيني من ذلك ، فقال : لا أعفيك ، فقال : كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ويحكم عدلاً ، يتفجّر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل ووحشته .
كان والله غزير العبرة ، طويل الفكرة ، يقلّب كفيه ، ويخاطب نفسه ، ويناجي ربه ، يُعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما جشب ، كان والله فينا كأحدنا يُدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا إذا سألناه ، وكان مع دنوه منا وقربنا منه لا نكلمّه لهيبته ، ولا نرفع عيننا لعظمته ، فإن تبسّم فمن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظّم أهل الدين ، ويحبّ المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ، ولا ييأس الفقير من عدله .
فأشهدُ بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد أرخى الليل سدوله (أي سترته) ، وغارت نجومه وهو قائمٌ في محرابه قابضٌ على لحيته ، يتململ تململ السليم (أي تقلب الملدوغ) ، ويبكي بكاء الحزين ، فكأني الآن أسمعه وهو يقول :
يا دنيا يا دنيّة !.. أبي تعرّضتِ ؟.. أم إليّ تشوّقتِ ؟.. هيهات هيهات !.. غرّي غيري لا حاجة لي فيك ، قد بتتّك ( أي قطعتك ) ثلاثاً لا رجعة لي فيها ، فعمرك قصيرٌ ، وخطرك يسيرٌ ، وأملك حقيرٌ ، آه آه من قلة الزاد ، وبعد السفر ، ووحشة الطريق ، وعظم المورد .
فوكفت ( أي سالت ) دموع معاوية على لحيته فنشفّها بكمه ، واختنق القوم بالبكاء ، ثم قال : كان والله أبو الحسن كذلك ، فكيف صبرك عنه يا ضرار ؟!.. قال : صبرُ من ذُبح ولدها على صدرها ، فهي لا ترقى عبرتها ولا تسكن حسرتها ، ثم قام وخرج وهو باكٍ .
فقال معاوية : أما إنكم لو فقدتموني لما كان فيكم من يثني عليّ هذا الثناء ، فقال بعض من حضر : الصاحب على قدر صاحبه . ص121
المصدر: إرشاد القلوب 2/13

كان أمير المؤمنين (ع) إذا أراد أن يوبّخ الرجل يقول : والله لأنت أعجز من التارك الغسل يوم الجمعة ، وإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى . ص123
المصدر: فروع الكافي 3/42

في احتجاج أمير المؤمنين (ع) على عاصم بن زياد حين لبس العباء ، وترك الملاء (أي ثوب يلبس على الفخذين) ، وشكاه أخوه الربيع بن زياد إلى أمير المؤمنين (ع) أنه قد غمّ أهله ، وأحزن ولده بذلك .. فقال أمير المؤمنين (ع) : عليّ بعاصم بن زياد ، فجيئ به ، فلما رآه عبس في وجهه ، فقال له :
أما استحييت من أهلك ، أما رحمتَ ولدك ؟.. أترى الله أحلّ لك الطيبات وهو يكره أخذك منها ؟.. أنت أهون على الله من ذلك ، أو ليس الله يقول :
{ والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام } ؟.. أو ليس يقول : { مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان} – إلى قوله – : {يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان } فبالله لابتذالُ نِعَم الله بالفعال أحبّ إليه من ابتذالها بالمقال ، وقد قال الله عزّ وجلّ : { وأما بنعمة ربك فحدث } .. فقال عاصم : يا أمير المؤمنين !.. فعلامَ اقتصرت في مطعمك على الجشوبة ، وفي ملبسك على الخشونة ؟.. فقال :
ويحك !.. إنّ الله تعالى فرض على أئمة العدل أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيغ ( يهيج ) بالفقير فقره ، فألقى عاصم بن زياد العباء ولبس الملاء . ص124
المصدر: أصول الكافي 1/410

قال الصادق (ع) : بعث أمير المؤمنين (ع) مصدِّقاً من الكوفة إلى باديتها ، فقال : يا عبد الله !.. انطلق وعليك بتقوى الله وحده لا شريك له ، ولا تؤثرن دنياك على آخرتك ، وكن حافظاً لما ائتمنتك عليه ، مراعياً لحقّ الله فيه ، حتى تأتي نادي بني فلان .
فإذا قدمت فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ، ثم امض إليهم بسكينة ووقار حتى تقوم بينهم فتسلّم عليهم ، ثم قل لهم : يا عباد الله !.. أرسلني إليكم وليّ الله لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم ، فهل لله في أموالكم من حق فتؤدّوه إلى وليه ؟.. فإن قال لك قائل : لا ، فلا تراجعه ، وإن أنعم لك منهم منعمٌ فانطلق معه من غير أن تخيفه أو تعده إلا خيراً .
فإذا أتيت ماله فلا تُدخله إلا بإذنه فإن أكثره له ، فقل : يا عبد الله !.. أتأذن لي في دخول مالك ؟.. فإن أذن لك فلا تدخله دخول متسلّطٍ عليه فيه ، ولا عَنِفٍٍ به ، فاصدع المال صدعين ، ثم خيّره أي الصدعين شاء ، فأيهما اختار فلا تعرّض له ، ثم اصدع الباقي صدعين ( نصفين ) ، ثم خيّره فأيهما اختار فلا تعرّض له ، ولا تزال كذلك حتى يبقى ما فيه وفاء لحقّ الله تبارك وتعالى في ماله .
فإذا بقي ذلك فاقبض حقّ الله منه ، وإن استقالك فأقله ، ثم اخلطهما واصنع مثل الذي صنعت أولاً حتى تأخذ حقّ الله في ماله ، فإذا قبضتَه فلا تُوكّل به إلا ناصحاً شفيقاً أميناً حفيظاً ، غير معنّف بشيء منها ، ثم احدر كلّ ما اجتمع عندك من كلّ نادٍ إلينا نصيّره حيث أمر الله عزّ وجلّ .
فإذا انحدر فيها رسولك فأوعز إليه أن لا يحول بين ناقة وبين فصيلها ، ولا يفرّق بينهما ، ولا يمصرنّ ( أي الحلب بثلاث أصابع ) لبنها فيضرّ ذلك بفصيلها ، ولا يجهد بها ركوباً ، وليعدل بينهن في ذلك ، وليوردهنّ كلّ ماء يمرّ به ، ولا يعدل بهنّ عن نبت الأرض إلى جواد الطريق في الساعة التي فيها تريح وتغبق ، وليرفق بهن جهده حتى يأتينا بإذن الله سحاحا ( أي سماناً ) سمانا غير متعبات ولا مجهدات ، فنقسمهن بإذن الله على كتاب الله وسنّة نبيه (ص) على أولياء الله ، فإنّ ذلك أعظم لأجرك وأقرب لرشدك ، ينظر الله إليها وإليك وإلى جهدك ونصيحتك لمن بَعثك وبُعثت في حاجته ، فإنّ رسول الله (ص) قال :
ما ينظر الله إلى وليّ له يُجهد نفسه بالطاعة والنصيحة له ولإمامه ، إلا كان معنا في الرفيق الأعلى .
ثم بكى الصادق (ع) ثم قال : يا بريد !.. لا والله ما بقيتْ لله حرمة إلا انتُهكت ، ولا عُمل بكتاب الله ولا سنة نبيه في هذا العالم ، ولا أُقيم في هذا الخلق حدٌّ منذ قبض الله أمير المؤمنين (ع) ، ولا عُمل بشيء من الحقّ إلى يوم الناس هذا ، ثم قال : أما والله لا تذهب الأيام والليالي حتى يُحيي الله الموتى ، ويميت الأحياء ، ويردّ الله الحقّ إلى أهله ، ويُقيم دينه الذي ارتضاه لنفسه ونبيه (ص) فابشروا ثم ابشروا ثم ابشروا ، فوالله ما الحقّ إلا في أيديكم . ص127
المصدر: فروع الكافي 3/536

قال الصادق (ع) : مرّ أمير المؤمنين (ع) على جارية قد اشترت لحماً من قصّاب ، وهي تقول : زدني ، فقال له أمير المؤمنين (ع) : زدها !.. فإنه أعظم للبركة . ص129
المصدر: فروع الكافي 5/152

قال الصادق (ع) : ما أكل رسول الله متكئاً منذ بعثه الله عز وجلّ إلى أن قبضه تواضعاً لله عزّ وجلّ ، وما رأى ركبتيه أمام جليسه في مجلس قطّ ، ولا صافح رسول الله (ص) رجلاً قطّ فنزع يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده ، ولا كافأ رسول الله (ص) بسيئة قط ، قال الله له :
{ ادفع بالتي هي أحسن السيئة } ففعل .
وما منع سائلاً قط ، إن كان عنده أعطى وإلا قال : يأتي الله به ، ولا أعطى على الله عزّ وجلّ شيئاً قطّ إلا أجازه الله .. إن كان ليعطي الجنة فيُجيز الله عزّ وجلّ له ذلك ، قال : وكان أخوه من بعده والذي ذهب بنفسه ما أكل من الدنيا حراماً قط حتى خرج منها .
والله إن كان ليعرض له الأمران كلاهما لله عزّ وجلّ طاعة فيأخذ بأشدهما على بدنه ، والله لقد أعتق ألف مملوك لوجه الله عزّ وجلّ دبُرت ( أي قرحت ) فيهم يداه ، والله ما أطاق عمل رسول الله (ص) من بعده أحدٌ غيره .
والله ما نزلت برسول الله (ص) نازلةٌ قطّ إلا قدّمه فيها ثقة به منه ، وإن كان رسول الله (ص) ليبعثه برايته ، فيقاتل جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره ، ثم ما يرجع حتى يفتح الله عزّ وجلّ له . ص131
المصدر: الكافي

قيل لأمير المؤمنين (ع) : ما شأنك جاورت المقبرة ؟.. فقال : إني أجدهم جيران صدق ، يكفّون السيئة ويذكّرون الآخرة . ص132
المصدر: دعوات الراوندي

قال زين العابدين (ع) : ما أُصيب أمير المؤمنين (ع) بمصيبة إلا صلّى في ذلك اليوم ألف ركعة ، وتصدّق على ستين مسكيناً ، وصام ثلاثة أيام . ص132
المصدر: دعوات الراوندي

روى صالح بياع الأكسية أنّ جدته لقيت علياً (ع) بالكوفة ومعه تمر يحمله فسلّمت عليه وقالت له : أعطني يا أمير المؤمنين أحمل عنك إلى بيتك ، فقال : أبو العيال أحقّ بحمله ، قالت : ثم قال لي : ألا تأكلين منه ؟.. فقلت : لا أريده ، قالت : فانطلق به إلى منزله ثم رجع مرتدئا بتلك الشملة وفيها قشور التمر ، فصلّى بالناس فيها الجمعة . ص138
المصدر: شرح النهج 1/215

وأما فضائله فإنها قد بلغت من العظم والانتشار مبلغاً يسمج ( أي يقبح ) معه التعرّض لذكرها والتصدي لتفصيلها .
وما أقول في رجل أقرّ له أعداؤه وخصومه بالفضل ، ولم يمكنهم جهل مناقبه ولا كتمان فضائله ، فقد علمت أنه استولى بنو أمية على سلطان الإسلام في شرق الأرض وغربها ، واجتهدوا بكل حيلة في إطفاء نوره والتحريف عليه ووضع المعائب والمثالب له ، ولعنوه على جميع المنابر وتوعّدوا مادحيه بل حبسوهم وقتلوهم ، ومنعوا من رواية حديث يتضمن له فضيلة أو يرفع له ذكراً ، حتى حظروا أن يسمى أحد باسمه ، فما زاده ذلك إلا رفعةً وسمواً ، وكان كالمسك كلما سُتر انتشر عرفه ، وكلما كُتم تضوّع نشره ، وكالشمس لا تستر بالراح ، وكضوء النهار إن حجبت عنه عين واحدة أدركته عيون كثيرة أخرى.
وما أقول في رجل تُعزى إليه كل فضيلة ، وتنتهي إليه كل فرقة ، فهو رئيس الفضائل وينبوعها ، وأبو عذرها ، وسابق مضمارها ، ومجلي حلبتها ، كل من برع فيها بعده فمنه أخذ ، وله اقتفى وعلى مثاله احتذى .
وقد عرفت أنّ أشرف العلوم هو العلم الإلهي ، لأنّ شرف العلم بشرف المعلوم ومعلومه أشرف الموجودات ، فكان هو أشرف العلوم ، ومن كلامه (ع) اقتُبس وعنه نقل ، وإليه انتهى ومنه ابتدئ ، فإنّ المعتزلة الذين هم أهل التوحيد والعدل وأرباب النظر ، ومنهم تعلّم الناس هذا الفن تلامذته وأصحابه .
لأنّ كبيرهم واصل بن عطاء تلميذ أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية ، وأبو هاشم تلميذ أبيه ، وأبوه تلميذه (ع) ، وأما الأشعرية فإنهم ينتمون إلى أبي الحسن علي بن أبي بشير الأشعري ، وهو تلميذ أبي علي الجبائي ، وأبو علي أحد مشايخ المعتزلة فالأشعرية ينتهون بالأخرة إلى أستاذ المعتزلة ومعلمهم ، وهو علي بن أبي طالب (ع) ، وأما الإمامية والزيدية فانتماؤهم إليه ظاهر .
ومن العلوم علم الفقه وهو أصله وأساسه ، وكل فقيه في الإسلام فهو عيال عليه ومستفيد من فقهه ، أما أصحاب أبي حنيفة كأبي يوسف ومحمد وغيرهما فأخذوا عن أبي حنيفة ، وأما الشافعي فقرأ على محمد بن الحسن ، فيرجع فقهه أيضا إلى أبي حنيفة ، وأبو حنيفة قرأ على جعفر بن محمد (ع) وجعفر قرأ على أبيه ، وينتهي الأمر إلى علي (ع) وأما مالك بن أنس فقرأ على ربيعة الرأي ، وقرأ ربيعة على عكرمة ، وقرأ عكرمة على عبد الله بن عباس ، وقرأ عبد الله بن عباس على علي بن أبي طالب (ع) ، وإن شئت رددت إلى فقه الشافعي بقراءته على مالك كان لك ذلك .
فهؤلاء الفقهاء الأربعة ، وأما فقه الشيعة فرجوعه إليه ظاهر .. وأيضا فإنّ فقهاء الصحابة كانوا عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ، وكلاهما أخذا عن علي (ع) .
أما ابن عباس فظاهر ، وأما عمر فقد عرف كل أحد رجوعه إليه في كثير من المسائل التي أُشكلت عليه وعلى غيره من الصحابة ، وقوله غير مرة :
” لولا علي لهلك عمر ” .. وقوله : ” لا بقيت لمعضلة ليس لها أبو حسن ” .. وقوله : ” لا يفتين أحدٌ في المسجد وعلي حاضر ” ، فقد عُرف بهذا الوجه أيضا انتهاء الفقه إليه ، وقد روت العامة والخاصة قوله (ص) : ” أقضاكم علي ” والقضاء هو الفقه ، فهو إذن أفقهم !..
ومن العلوم علم تفسير القرآن وعنه أُخذ ومنه فُرع ، وإذا رجعت إلى كتب التفسير علمت صحة ذلك ، لأنّ أكثره عنه وعن عبد الله بن عباس ، وقد علم الناس حال ابن عباس في ملازمته وانقطاعه إليه ، وإنه تلميذه وخريجه ، وقيل له : أين علمك من علم ابن عمك ؟.. فقال : كنسبة قطرة من المطر إلى البحر المحيط .
ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوف ، وقد عرفت أن أرباب هذا الفن في جميع بلاد الإسلام إليه ينتهون وعنده يقفون ، وقد صرّح بذلك الشبلي والجنيد والسري وأبو يزيد البسامي وأبو محفوظ معروف الكرخي ، ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم ، وكونهم يسندونها بإسناد متصل إليه (ع) ..
ومن العلوم علم النحو والعربية ، وقد علم الناس كافة أنه هو الذي ابتدعه وأنشأه وأملى على أبي الأسود الدؤلي جوامعه وأصوله ….
أما الشجاعة فإنه أنسى الناس فيها ذكْرَ من كان قبله ، ومحا اسم من يأتي بعده ، ومقاماته في الحرب مشهورة يُضرب بها الأمثال إلى يوم القيامة ، وهو الشجاع الذي ما فرّ قطّ ، ولا ارتاع من كتيبة ، ولا بارز أحداً إلا قتله ، ولا ضرب ضربةً قطّ فاحتاجت الأولى إلى الثانية ، وفي الحديث : كانت ضرباته وتراً ، ولما دعا معاوية إلى المبارزة ليستريح الناس من الحرب بقتل أحدهما ، قال له عمرو : لقد أنصفك .
فقال معاوية : ما غششتني منذ نصحتني إلا اليوم ، أتأمرني بمبارزة أبي حسن وأنت تعلم أنه الشجاع المطرق ؟.. أراك طمعت في إمارة الشام بعدي ، وكانت العرب تفتخر بوقوفها في الحرب في مقابلته ، فأما قتلاه فافتخار رهطهم بأنه (ع) قتَلَهم أظهر وأكثر .
قالت أخت عمرو بن عبدود ترثيه :

وانتبه معاوية يوماً فرأى عبد الله بن الزبير جالساً تحت رجليه على سريره فقال له عبد الله يداعبه : يا أمير المؤمنين !.. لو شئتُ أن أفتك بك لفعلت ، فقال : لقد شجُعت بعدنا يا أبا بكر ، قال : وما الذي تنكره من شجاعتي وقد وقفت في الصف إزاء علي بن أبي طالب (ع) ، قال : لا جرم إنه قتلك وأباك بيسرى يديه ، وبقيت اليمنى فارغة يطلب من يقتله بها ، وجملة الأمر أن كل شجاع في الدنيا إليه ينتهي ، وباسمه يُنادي في مشارق الأرض ومغاربها .
وأما القوة والأيد فبه يضرب المثل فيهما ، قال ابن قتيبة في المعارف :
ما صارع أحداً قط إلا صرعه ، وهو الذي قلع باب خيبر ، واجتمع عليه عصبة من الناس ليقلبوه فلم يقلبوه ، وهو الذي اقتلع هبل من أعلى الكعبة وكان عظيماً جدا ، فألقاه إلى الأرض ، وهو الذي اقتلع الصخرة العظيمة في أيام خلافته بعد عجز الجيش كله عنها ، فأنبط الماء من تحتها . وأما السخاء والجود فحاله فيه ظاهرة ، كان يصوم ويطوي ويؤثر بزاده …. وقال عدوه ومبغضه – الذي يجتهد في وصمه وعيبه – معاوية بن أبي سفيان لمحفن بن أبي محفن الضبي لما قال : جئتك من عند أبخل الناس : ويحك !.. كيف تقول إنه أبخل الناس ولو ملك بيتاً من تبر ( أي ذهب ) وبيتاً من تبن لأنفد تبره قبل تبنه ؟.. وهو الذي كان يكنس بيوت الأموال ويصلّي فيها ، وهو الذي قال : يا صفراء !.. ويا بيضاء !.. غرّي غيري ، وهو الذي لم يخلّف ميراثاً ، وكانت الدنيا كلها بيده إلا ما كان من الشام .
أما الحلم والصفح فكان أحلم الناس من ذنب ، وأصفحهم عن مسيء ، وقد ظهرت صحة ما قلناه يوم الجمل حيث ظفر بمروان بن الحكم ، وكان أعدى الناس له وأشدّهم بغضاً ، فصفح عنه ، وكان عبد الله بن الزبير يشتمه على رؤوس الأشهاد ، وخطب يوم البصرة فقال :
قد أتاكم الوغب ( أي الرذل ) اللئيم علي بن أبي طالب ، وكان علي (ع) يقول : مازال الزبير رجلاً منا أهل البيت ، حتى شبّ عبد الله فظفر به يوم الجمل فأخذه أسيراً ، فصفح عنه وقال :
اذهب فلا أرينّك ، لم يزده على ذلك ، وظفر بسعيد بن العاص بعد وقعة الجمل بمكة ، وكان له عدوا فأعرض عنه ولم يقل له شيئا .
وقد علمتم ما كان من عائشة في أمره ، فلما ظفر بها أكرمها وبعث معها إلى المدينة عشرين امرأة من نساء عبد القيس ، عمّمهن بالعمائم وقلّدهن بالسيوف ، فلما كانت ببعض الطريق ذكرتْه بما لا يجوز أن يُذكر به وتأنّفتْ ، وقالت : هتك سرّي برجاله وجنده الذين وكلهم بي!.. فلما وصلت المدينة ألقى النساء عمائمهن وقلن لها : إنما نحن نسوة .
وحاربه أهل البصرة وضربوا وجهه ووجوه أولاده بالسيف ، وشتموه ولعنوه فلما ظفر بهم رفع السيف عنهم .
ونادى مناديه في أقطار العسكر : ألا لا يُتبع مولّ ، ولا يُجهز على جريح ، ولا يُقتل مستأثر ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن تحيز إلى عسكر الإمام فهو آمن ، ولم يأخذ أثقالهم ولا سبى ذراريهم ولا غنم شيئا من أموالهم ، ولو شاء أن يفعل كل ذلك لفعل ، ولكنه أبى إلا الصفح والعفو .
وتقبّل سنّة رسول الله (ص) يوم فتح مكة ، فإنه عفا والأحقاد لم تبرد ، والإساءة لم تُنس ، ولما ملك عسكر معاوية عليه الماء وأحاطوا بشريعة الفرات وقالت رؤساء الشام له : اقتلهم بالعطش كما قتلوا عثمان عطشاً سألهم علي (ع) وأصحابه أن يسّوغوا لهم شرب الماء ، فقالوا : لا والله ولا قطرة حتى تموت ظمأً كما مات ابن عفان .
فلما رأى (ع) أنه الموت لا محالة تقدّم بأصحابه وحمل على عساكر معاوية حملات كثيفة ، حتى أزالهم عن مراكزهم بعد قتل ذريع سقطت منه الرؤوس والأيدي ، وملكوا عليهم الماء ، وصار أصحاب معاوية في الفلاة لا ماء لهم ، فقال له أصحابه وشيعته : امنعهم الماء يا أمير المؤمنين كما منعوك ، ولا تسقهم منه قطرة ، واقتلهم بسيوف العطش ، وخذهم قبضاً بالأيدي ، فلا حاجة لك إلى الحرب ، فقال : لا والله لا أكافيهم بمثل فعلهم ، افسحوا لهم عن بعض الشريعة ، ففي حدّ السيف ما يغني عن ذلك .
فهذه إن نسبْتها إلى الحلم والصفح فناهيك بها جمالاً وحسناً ، وإن نسبتها إلى الدين والورع فأخلق بمثلها أن تصدر عن مثله (ع) !..
أما الجهاد في سبيل الله فمعلوم عند صديقه وعدوه أنه سيد المجاهدين ، وهل الجهاد لأحد من الناس إلا له ؟.. وقد عرفت أن أعظم غزاة غزاها رسول الله (ص) وأشدها نكاية ًفي المشركين بدرُ الكبرى ، قُتل فيها سبعون من المشركين ، قتل علي (ع) نصفهم وقتل المسلمون والملائكة النصف الآخر .
وإذا رجعت إلى مغازي محمد بن عمر الواقدي وتاريخ الأشراف ليحيى بن جابر البلاذري وغيرهما علمت صحة ذلك ، ودع من قَتَله في غيرها كأُحد والخندق وغيرهما ، وهذا الفصل لا معنى للإطناب فيه لأنه من المعلومات الضرورية كالعلم بوجود مكة ومصر ونحوهما .
أما الفصاحة فهو (ع) إمام الفصحاء وسيد البلغاء ، وعن كلامه قيل : دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، ومنه تعلّم الناس الخطابة والكتابة وقال عبد الحميد بن يحيى : حفظت سبعين خطبة من خطب الأصلع ففاضت ثم فاضت .
وقال نباتة : حفظت من الخطابة كنزا لا يزيده الإنفاق إلا سعة وكثرة ، حفظت مائة فصل من مواعظ علي بن أبي طالب (ع) .. ولما قال محفن ابن أبي محفن لمعاوية : جئتك من عند أعيى الناس قال له :
ويحك !.. كيف يكون أعيى الناس ؟!.. فوالله ما سنّ الفصاحة لقريش غيره ؟..
ويكفي هذا الكتاب الذي نحن شارحوه دلالة على أنه لا يُجارى في الفصاحة ولا يُبارى في البلاغة ، وحسبك أنه لم يدوّن لأحد من فصحاء الصحابة العشر ولا نصف العشر مما دوّن له ، وكفاك في هذا الباب ما يقوله أبو عثمان الجاحظ في مدحه في كتاب البيان والتبيين وفي غيره من كتبه .
وأما سجاحة الأخلاق وبشْر الوجه وطلاقة المحيّا و التبسّم فهو المضروب به المثَل فيه ، حتى عابه بذلك أعداؤه ، وقال عمرو بن العاص لأهل الشام : إنه ذو دعابة شديدة .
وقال علي (ع) في ذاك : عجباً لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن فيَّ دعابة وأني امرؤ تلعابة ( أي كثير اللعب ) أُعافس (أي أصارع ) وأمارس ، وعمرو بن العاص إنما أخذها عن عمر لقوله لما عزم على استخلافه :
لله أبوك لولا دعابة فيك ، إلا أن عمر اقتصر عليها وعمرو زاد فيها ونسجها ، قال صعصعة بن صوحان وغيره من شيعته وأصحابه : كان فينا كأحدنا : لينْ جانبٍ ، وشدّة تواضعٍ ، وسهولة قيادٍ ، وكنا نهابه مهابة الأسير المربوط للسيّاف الواقف على رأسه .
وقال معاوية لقيس بن سعد : رحم الله أبا حسن فلقد كان هشّاً بشّاً ذا فكاهة قال قيس : نعم ، كان رسول الله (ص) يمزح ويبسم إلى أصحابه ، وأراك تسرّ حسواً في ارتغاء رفعه ، وتعيبه بذلك ، أما والله لقد كان مع تلك الفكاهة والطلاقة أهيب من ذي لبدتين قد مسه الطوى ، تلك هيبة التقوى ، ليس كما يهابك طغام ( أي أوغاد الناس ) أهل الشام ، وقد بقي هذا الخلق متوارثا متناقلا في محبيه وأوليائه إلى الآن ، كما بقي الجفاء والخشونة والوعورة في الجانب الآخر ، ومن له أدنى معرفة بأخلاق الناس وعوائدهم يعرف ذلك .
وأما الزهد في الدنيا فهو سيد الزهاد ، وبدل الأبدال ، وإليه يُشدّ الرحال وعنده تنفض الأحلاس ، ما شبع من طعام قط ، وكان أخشن الناس مأكلاً وملبساً ، قال عبد الله بن أبي رافع : دخلت إليه يوم عيد ، فقدّم جراباً مختوماً ، فوجدنا فيه خبز شعير يابساً مرصوصاً ، فقدّم فأكل ، فقلت : يا أمير المؤمنين فكيف تختمه ؟!.. قال : خفت هذين الولدين أن يلتاه بسمن أو زيت .
وكان ثوبه مرقوعاً بجلد تارة وبليف أخرى ، ونعلاه من ليف ، وكان يلبس الكرابيس الغليظ ، فإذا وجد كمه طويلاً قطعه بشفرة فلم يخطه ، فكان لا يزال متساقطاً على ذراعيه حتى يبقى سدى لا لحمة له ، وكان يأتدم إذا ائتدم بخلّ أو بملح ، فإن ترقّى عن ذلك فببعض نبات الأرض ، فإن ارتفع عن ذلك فبقليل من ألبان الإبل .
ولا يأكل اللحم إلا قليلاً ويقول : لا تجعلوا قلوبكم مقابر الحيوان ، وكان مع ذلك أشدّ الناس قوةً وأعظمهم أيداً ، لم ينقص الجوع قوته ولا يخور الإقلال منّته .
وهو الذي طلّق الدنيا ، وكانت الأموال تجبى إليه من جميع بلاد الإسلام إلا من الشام ، وكان يفرّقها ويمزّقها ثم يقول :

وأما العبادة فكان أعبد الناس وأكثرهم صلاةً وصوماً ، ومنه تعلّم الناس صلاة الليل ، وملازمة الأوراد ، وقيام النافلة ، وما ظنك برجل يبلغ من محافظته على وِرْده أن يبسط له قطع ( أي بساط ) ما بين الصفّين ليلة الهرير ، فيصلي عليه ورده والسهام تقع بين يديه تمرّ على صماخيه يميناً وشمالاً ، فلا يرتاع لذلك ولا يقوم حتى يفرغ من وظيفته ، وما ظنك برجل كانت جبهته كثفنة البعير لطول سجوده ؟!..
وأنت إذا تأملت دعواته ومناجاته ، ووقفت على ما فيها من تعظيم الله سبحانه وإجلاله ، وما يتضمنه من الخضوع لهيبته والخشوع لعزّته والاستخذاء ( أي الانقياد ) له ، عرفتَ ما ينطوي عليه من الإخلاص ، وفهمت من أي قلبٍ خرجت وعلى أي لسان جرتْ ، وقيل لعلي بن الحسين (ع) وكان الغاية في العبادة :
أين عبادتك من عبادة جدك ؟.. قال : عبادتي عند عبادة جدي كعبادة جدي عند عبادة رسول الله (ص) .
وأما قراءة القرآن والاشتغال به فهو المنظور إليه في هذا الباب ، اتفق الكل على أنه كان يحفظ القرآن على عهد رسول الله (ص) ولم يكن غيره يحفظه ، ثم هو أول من جمعه ، نقلوا كلهم أنه تأخّر عن بيعة أبي بكر فأهل الحديث لا يقولون ما تقوله الشيعة من أنه تأخّر مخالفةً للبيعة بل يقولون :
تشاغل بجمع القرآن ، فهذا يدلّ على أنه أول من جمع القرآن لأنه لو كان مجموعاً في حياة رسول الله (ص) لما احتاج إلى أن يتشاغل بجمعه بعد وفاته .
وإذا رجعت إلى كتب القراءة وجدت أئمة القراءة كلهم يرجعون إليه ، كأبي عمرو بن أبي العلاء وعاصم بن أبي النجود وغيرهما ، لأنهم يرجعون إلى عبد الرحمن السلمي الفارسي ، وأبو عبد الرحمن كان تلميذه وعنه أخذ القرآن ، فقد صار هذا الفن من الفنون التي تنتهي إليه أيضا مثل كثير مما سبق .
وأما الرأي والتدبير فكان من أشدّ الناس رأياً وأصحهم تدبيراً ، وهو الذي أشار إلى عمر لما عزم على أن يتوجّه بنفسه إلى حرب الروم والفرس بما أشار ، وهو الذي أشار على عثمان بأمور كان صلاحه فيها ، ولو قَبِلها لم يحدث عليه ما حدث ، وإنما قال أعداؤه : لا رأي له ، لأنه كان متقيداً بالشريعة لا يرى خلافها ، ولا يعمل بما يقتضي الدين تحريمه .
وقد قال (ع) : لولا التُّقى لكنت أدهى العرب ، وغيره من الخلفاء كان يعمل بمقتضى ما يستصلحه ويستوفقه ، سواء كان مطابقاً للشرع أولم يكن ، ولا ريب أنّ من يعمل بما يؤدي إليه اجتهاده ، ولا يقف مع ضوابط وقيود يمتنع لأجلها مما يرى الصلاح فيه ، تكون أحواله الدنيوية إلى الانتظام أقرب ، ومن كان بخلاف ذلك يكون أحواله الدنيوية إلى الانتشار أقرب .
وأما السياسة فإنه كان شديد السياسة ، خشناً في ذات الله ، لم يراقب ابن عمه في عمل كان ولاّه إياه ، ولا راقب أخاه عقيلاً في كلام جبهه به وأحرق قوماً بالنار ، ونقض دار مصقلة بن هبيرة ودار جرير بن عبد الله البجلي ، وقطع جماعة ، وصلب آخرين .
ومن جملة سياسته حروبُه في أيام خلافته بالجمل وصفين والنهروان ، وفي أقل القليل منها مقنع ، فإنّ كل سائس في الدنيا لم يبلغ فتكه وبطشه وانتقامه مبلغ العشر مما فعل (ع) في هذه الحروب بيده وأعوانه ، فهذه هي خصائص البشر ومزاياهم قد أوضحنا أنه فيها الإمام المتّبع فعلُه والرئيس المقتفى أثره .
وما أقول في رجل يحبه أهل الذمة على تكذيبهم بالنبوة ، وتعظّمه الفلاسفة على معاندتهم لأهل الملّة ، وتصوّر ملوك الفرنج والروم صورته في بِيَعها وبيوت عباداتها حاملاً سيفه مشمّراً لحربه ، وتصوّر ملوك الترك والديلم صورته على أسيافها ، كان على سيف عضد الدولة بن بويه وسيف أبيه ركن الدولة ، وكان على سيف الأرسلان وابنه ملكشاه صورته ، كأنهم يتفاءلون به النصر والظفر .
وما أقول في رجل أحب كل أحد أن يتكثّر به ، وودّ كلُّ أحد يتجمّل ويتحسن بالانتساب إليه ، حتى الفتوة التي أحسن ما قيل في حدها :
أن لا تستحسن من نفسك ما تستقبحه من غيرك ، فإن أربابها نسبوا أنفسهم إليه ، وصنّفوا في ذلك كتباً ، وجعلوا لذلك إسناداً أنهوه إليه وقصروه عليه ، وسمّوه سيد الفتيان ، وعضدوا مذاهبهم بالبيت المشهور المروي أنه سمع من السماء يوم أُحد :
” لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي ” .
وما أقول في رجل أبوه أبو طالب سيد البطحاء ، وشيخ قريش ، ورئيس مكة ، قالوا : قلّ أن يسود فقيرٌ ، وساد أبو طالب وهو فقير لا مال له ، وكانت قريش تسمّيه الشيخ ، وفي حديث عفيف الكندي :
لما رأى النبي (ص) يصلي في مبدء الدعوة ومعه غلام وامرأة ، قال : فقلت للعباس : أي شيء هذا ؟.. قال :
هذا ابن أخي يزعم أنه رسول من الله إلى الناس ، ولم يتبعه على قوله إلا هذا الغلام وهو ابن أخي أيضاً ، وهذه الإمرأة وهي زوجته ، قال : فقلت : فما الذي تقولونه أنتم ؟..
قال : ننتظر ما يفعل الشيخ – قال : يعني أبا طالب – وهو الذي كفل الرسول الله (ص) صغيراً ، وحماه وحاطه كبيراً ، ومنعه من مشركي قريش ولقي لأجله عناءً عظيماً ، وقاسى بلاءً شديداً وصبر على نصره والقيام بأمره ، وجاء في الخبر أنه لما توفي أبو طالب أوحي إليه وقيل له : اخرج منها فقد مات ناصرك .
وله مع شرف هذه الأبوة أن ابن عمه محمد (ص) سيد الأولين والآخرين ، وأخاه جعفر ذو الجناحين الذي قال له رسول الله (ص) : أشبهت خَلقي وخُلقي ، وزوجته سيدة نساء العالمين وابنيه سيدا شباب أهل الجنة ، فآباؤه آباء رسول الله ، وأمهاته أمهات رسول الله (ص) ، وهو مسوط ( أي ممزوج ) بلحمه ودمه ، لم يفارقه منذ خلق الله آدم إلى أن مات عبد المطلب ، بين الأخوين عبد الله وأبي طالب وأمهما واحدة ، فكان منهما سيد الناس هذا الأول وهذا الثاني ، وهذا المنذر وهذا الهادي .
وما أقول في رجل سبق الناس إلى الهدى ، وآمن بالله وعبَده ، وكل من في الأرض يعبد الحجر ويجحد الخالق ، لم يسبقه أحدٌ إلى التوحيد إلا السابق إلى كلّ خير محمد رسول الله (ص).
ذهب أكثر أهل الحديث إلى أنه أول الناس اتّباعاً لرسول الله وإيمانا به ، ولم يختلف في ذلك إلا الأقلون .وقد قال هو (ع) :
أنا الصدّيق الأكبر وأنا الفاروق الأول ، أسلمت قبل إسلام الناس ، وصلّيت قبل صلاتهم ، ومن وقف على كتب أصحاب الأحاديث تحقَّق وعَلِمه واضحاً ، وإليه ذهب الواقدي وابن جرير الطبري ، وهو القول الذي رجحه ونصره صاحب كتاب الاستيعاب وبالله التوفيق . ص152
المصدر: شرح النهج 1/7

قال علي (ع) : والله لقد رقّعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها ، ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك ؟.. فقلت :
اعزب عني فعند الصباح يُحمد القوم السرى . ص160
المصدر: النهج 1/315

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى