الجزء الخامس والثلاثون كتاب تاريخ الأمام علي(ع)

باب نزول سورة براءة وقراءة أمير المؤمنين (ع)على أهل مكة ، ورد أبي بكر ، وأنّ عليا هو الاذان يوم الحج الأكبر

فانطلق علي (ع) حتى قدم مكة ، ثم وافى عرفات ، ثم رجع إلى جمع ، ثم إلى منى ، ثم ذبح وحلق ، وصعد على الجبل المشرف المعروف بالشعب فأذّن ثلاث مرات : ألا تسمعون يا أيها الناس !.. إني رسول رسول الله إليكم ؟.. ثم قال :
{براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين فسيحوا في الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزي الله وأنّ الله مخزي الكافرين وأذان من الله ورسوله } ….
ثم لمع ( أي أشار ) بسيفه فأسمع الناس وكررها ، فقال الناس : مَن هذا الذي ينادي في الناس ؟.. فقالوا : علي بن أبي طالب ، وقال من عرفه من الناس : هذا ابن عمّ محمد ، وما كان ليجترئ على هذا غير عشيرة محمد .
فأقام أيام التشريق ثلاثة ينادي بذلك ، ويقرأ على الناس غدوة وعشية ، فناداه الناس من المشركين : أبلغ ابن عمك أن ليس له عندنا إلا ضرباً بالسيف وطعناً بالرماح .
ثم انصرف علي ّ(ع) إلى النبي (ع) يقصد في السير ، وأُبطئ الوحي عن رسول الله (ص) في أمر عليّ (ع) وما كان منه ، فاغتمّ النبي (ص) لذلك غمّاً شديداً حتى رُئي ذلك في وجهه ، وكفّ عن النساء من الهمّ والغمّ ، فقال بعضهم لبعض :
لعلّه قد نُعيت إليه نفسه أو عرض له مرض .. فقالوا لأبي ذر :
قد نعلم منزلتك من رسول الله ، وقد ترى ما به ، فنحن نحبّ أن تعلم لنا أمره ، فسأل أبو ذر النبي (ص) عن ذلك .. فقال النبي (ص) :
ما نُعيت إليّ نفسي ، وإني لميت ، وما وجدت في أمتي إلا خيراً ، وما بي من مرض ، ولكن من شدة وجدي بعليّ بن أبي طالب (ع) وإبطاء الوحي عني في أمره ، فإنّ الله عزّ وجلّ قد أعطاني في عليّ (ع) تسع خصال :
ثلاثة لدنياي ، واثنتان لآخرتي ، واثنتان أنا منهما آمنٌ ، واثنتان أنا منهما خائفٌ .
وقد كان رسول الله (ص) إذا صلّى الغداة ، استقبل القبلة بوجهه إلى طلوع الشمس يذكر الله عزّ وجلّ ، ويتقدّم عليّ بن أبي طالب (ع) خلف النبي (ص) ويستقبل الناس بوجهه ، فيستأذنون في حوائجهم ، وبذلك أمرهم رسول الله (ص) .
فلما توجّه علي (ع) إلى ذلك الوجه ، لم يجعل رسول الله (ص) مكان علي لأحد ، وكان رسول الله (ص) إذا صلّى وسلّم استقبل الناس بوجهه ، فأذن للناس ، فقام أبو ذر فقال : يا رسول الله !.. لي حاجة ، قال :
انطلق في حاجتك .. فخرج أبو ذر من المدينة يستقبل علي بن أبي طالب (ع) ، فلما كان ببعض الطريق إذا هو براكب مقبل على ناقته ، فإذا هو علي (ع) ، فاستقبله والتزمه وقبّله وقال :
بأبي أنت وأمي !.. اقصد في مسيرك حتى أكون أنا الذي أُبشّر رسول الله (ص) ، فإنّ رسول الله من أمرك في غمّ شديد وهمّ.. فقال له علي (ع) :
نعم ، فانطلق أبو ذر مسرعاً حتى أتى النبي (ص) فقال : البشرى ، قال :
وما بشراك يا أبا ذر ؟!.. قال : قدم علي بن أبي طالب (ع) ، فقال له :
لك بذلك الجنة .
ثم ركب النبي (ص) وركب معه الناس فلما رآه أناخ ناقته ، ونزل رسول الله (ص) فتلقّاه والتزمه وعانقه ، ووضع خده على منكب علي ، وبكى النبي (ص) فرحاً بقدومه وبكى علي (ع) معه .. ثم قال له رسول الله (ص) :
ما صنعت بأبي أنت وأمي ؟.. فإنّ الوحي أُبطئ عليّ في أمرك ، فأخبره بما صنع ، فقال رسول الله (ص) :
كان الله عزّ وجلّ أعلم بك مني حين أمرني بإرسالك . ص289
المصدر: إقبال الأعمال ص318

عن علي (ع) : أنّ النبي (ص) حين بعثه ببراءة قال : يا نبي الله !.. إني لست بلسنٍ ولا بخطيب ٍ، قال : إما أن أذهب بها أو تذهب بها أنت ، قال : فإن كان لا بدّ فسأذهب أنا ، قال : فانطلقْ فإنّ الله يثبّت لسانك ويهدي قلبك .
ثم وضع يده على فمه وقال : انطلقْ فاقرأها على الناس ، وقال :
الناس سيتقاضون إليك ، فإذا أتاك الخصمان فلا تقضِ لواحد حتى تسمع الآخر ، فإنه أجدر أن تعلم الحقّ . ص296
المصدر: تفسير العياشي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى