الجزء السادس والعشرون كتاب الإمامة

باب أنهم (ع) يعلمون جميع الألسن واللغات ويتكلّمون بها

كان الرضا (ع) يكلّم الناس بلغاتهم ، وكان والله أفصح الناس وأعلمهم بكل لسان ولغة ، فقلت له يوما : يا بن رسول الله !.. إني لأعجب من معرفتك بهذه اللغات على اختلافها ؟..
فقال : يا أبا الصلت أنا حجّة الله على خلقه ، وما كان ليتخذ حجّةً على قوم وهو لا يعرف لغاتهم ، أوَ ما بلغك قول أمير المؤمنين (ع) : أُوتينا فصل الخطاب ؟.. فهل فصل الخطاب إلا معرفة اللغات.ص190
المصدر: العيون ص343

كنت عند أبي الحسن (ع) إذ دخل عليه ثلاثون مملوكاً من الحبش وقد اشتروهم له ، فكلّم غلاماً منهم وكان من الحبش جميل ، فكلّمه بكلامه ساعة حتى أتى على جميع ما يريد ، وأعطاه درهما ، فقال :
أعط أصحابك هؤلاء كلّ غلام منهم كلّ هلال ثلاثين درهما ثم خرجوا ، فقلت : جعلت فداك !.. لقد رأيتك تكلّم هذا الغلام بالحبشية فماذا أمرته ؟.. قال :
أمرته أن يستوصي بأصحابه خيراً ، ويعطيهم في كل هلال ثلاثين درهما ، وذلك أني لما نظرت إليه علمت أنه غلامٌ عاقلٌ من أبناء ملكهم ، فأوصيته بجميع ما احتاج إليه ، فقبل وصيتي ومع هذا غلام صدق ، ثم قال :
لعلك عجبت َمن كلامي إياه بالحبشية ، لا تعجب فما خفي عليك من أمر الإمام أعجب وأكثر ، وما هذا من الإمام في علمه إلا كطير أخذ بمنقاره من البحر قطرةً من ماء ، أفترى الذي أخذ بمنقاره نقص من البحر شيئا ؟.. قال :
فإنّ الإمام بمنزلة البحر ، لا ينفد ما عنده وعجائبُه أكثر من ذلك ، والطير حين أخذ من البحر قطرةً بمنقاره لم ينقص من البحر شيئاً ، كذلك العالم لا ينقصه علمه شيئاً ، ولا تنفد عجائبه . ص191
المصدر: قرب الإسناد ص144
بيــان:
أما كونهم عالمين باللغات فالأخبار فيه قريبة من حدّ التواتر ، وبانضمام الأخبار العامة لا يبقى فيه مجال شكّ ، وأما علمهم بالصناعات فعمومات الأخبار المستفيضة دالة عليه ، حيث ورد فيها أنّ الحجة لا يكون جاهلاً في شيء يقول لا أدري ، مع ما ورد أنّ عندهم علم ما كان وما يكون ، وأنّ علوم جميع الأنبياء وصل إليهم ، مع أنّ أكثر الصناعات منسوبة إلى الأنبياء (ع) ، وقد فسّر تعليم الأسماء لآدم (ع) بما يشمل جميع الصناعات .
وبالجملة لا ينبغي للمتتبع الشكّ في ذلك أيضا ، وأما حكم العقل بلزوم الأمرين ففيه توقف ، وإن كان القول به غير مستبعد . ص193

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى