الجزء الحادي والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب حجة الوداع وما جرى فيها إلى الرجوع إلى المدينة وعدد حجه وعمرته (ص) وسائر الوقائع إلى وفاته (ص)

قال أبو الحسن (ع) : دخل النبي (ص) الكعبة ، فصلّى في زواياها الأربع ، صلّى في كلّ زاوية ركعتين . ص 380
المصدر: فروع الكافي 1/309

قال الصادق (ع) : لم يدخل الكعبة رسول الله (ص) إلا يوم فتح مكة.ص380
المصدر: فروع الكافي 1/309

ولما قضى رسول الله (ص) نُسُكه ، أشرك عليّا (ع) في هْديه ، وقفل إلى المدينة وهو معه والمسلمون ، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بغدير خم ، وليس بموضع إذ ذاك يصلح للمنزل لعدم الماء فيه والمرعى ، فنزل (ع) في الموضع ونزل المسلمون معه ، وكان سبب نزوله في هذا المكان ، نزول القرآن عليه بنصبه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) خليفة في الأمة من بعده ، وقد كان تقدّم الوحي إليه في ذلك من غير توقيت له ، فأخّره لحضور وقتٍ يأمن فيه الاختلاف منهم عليه .
وعلم الله عزّ وجلّ أنه إن تجاوز غدير خم انفصل عنه كثير من الناس إلى بلدانهم وأماكنهم وبواديهم ، فأراد الله أن يجمعهم لسماع النص على أمير المؤمنين (ع) وتأكيد الحجة عليهم فيه ، فأنزل الله تعالى :
{ يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك } ، يعني في استخلاف عليّ (ع) والنص بالإمامة عليه.
{ وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } فأكّد الفرض عليه بذلك وخوفه من تأخير الأمر فيه ، وضَمِن له العصمة ومنع الناس منه ، فنزل رسول الله (ص) المكان الذي ذكرناه ، لما وصفناه من الأمر له بذلك وشرحناه ، ونزل المسلمون حوله ، وكان يوماً قايظاً شديد الحرّ .
فأمر (ع) بدوحات فقُمّ ما تحتها وأمر بجْمع الرحال في ذلك المكان ، ووضع بعضها فوق بعض ، ثم أمر مناديه فنادى في الناس : ” الصلاة جامعة ” فاجتمعوا من رحالهم إليه وإن أكثرهم ليلف رداءه على قدميه من شدة الرمضاء ، فلما اجتمعوا صعد على تلك الرحال حتى صار في ذروتها ، ودعا أمير المؤمنين (ع) فرقى معه حتى قام عن يمينه ، ثم خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ، ووعظ فأبلغ في الموعظة ، ونعى إلى الأمة نفسه .
وقال : ” قد دُعيت ويوشك أن أجيب ، وقد حان مني خفوق من بين أظهركم وإني مخلف فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا من بعدي : كتاب الله ، وعترتي أهل بيتي ، فإنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض ” ، ثم نادى بأعلى صوته : ” ألست أولى بكم منكم بأنفسكم ؟.. ” قالوا : اللهم !.. بلى ، فقال لهم على النسق من غير فصل ، وقد أخذ بضبعي أمير المؤمنين (ع) فرفعها حتى بان بياض إبطيهما :
” فمن كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ، اللهم !.. وال من والاه ، وعادِ من عاداه ، وانصر من نصره ، واخذل من خذله ” ، ثم نزل (ص) وكان وقت الظهيرة فصلّى ركعتين ثم زالت الشمس ، فأذن مؤذنه لصلاة الظهر ، فصلّى بهم الظهر وجلس (ع) في خيمته وأمرعليّا (ع) أن يجلس في خيمة له بإزائه ، ثم أمر المسلمين أن يدخلوا عليه فوجاً فوجاً ، فيهنؤه بالمقام ، ويسلّموا عليه بإمرة المؤمنين ، ففعل الناس ذلك كلهم ، ثم أمر أزواجه وسائر نساء المؤمنين معه أن يدخلن عليه ويسلمن عليه بإمرة المؤمنين ففعلن ، وكان فيمن أطنب في تهنيته بالمقام عمر بن الخطاب ، وأظهر له من المسرّة به ، وقال فيما قال : بخ بخ لك يا عليّ ، أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة . ص288
المصدر: إعلام الورى ص80 ، الإرشاد ص89

وجاء حسان بن ثابت إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله !.. أتأذن لي أن أقول في هذا المقام ما يرضاه الله ؟.. فقال له : قل يا حسان على اسم الله فوقف على نَشَز (أي مرتفع) من الأرض ، وتطاوَلَ المسلمون لسماع كلامه فأنشأ يقول :
يناديهمُ يوم الغدير نبيهم***بخمّ وأسمع بالرسول مناديا
وقال فمن مولاكم ووليكم***فقالوا ولم يبدوا هناك التعاديا
إلهك مولانا وأنت ولينا *** ولن تجدنْ منا لك اليوم عاصيا
فقال له : قم يا عليّ فإنني*** رضيتك من بعدي إمام وهاديا
فمن كنت مولاه فهذا وليه *** فكونوا له أتباع صدقٍ مواليا
هناك دعا اللهم وال وليه***وكن للذي عادى عليّا معاديا
فقال له رسول الله (ص) :
” لا تزال يا حسان مُؤيداً بروح القدس ما نصرتنا بلسانك ” ، وإنما اشترط رسول الله (ص) في الدعاء له لعلمه (ع) بعاقبة أمره في الخلاف ، ولو علم سلامته في مستقبل الأحوال لدعا له على الإطلاق ، ومثل ذلك ما اشترط الله تعالى في مدح أزواج النبي (ص) ، ولم يمدحهن بغير اشتراطٍ ، لعلمه أنّ منهن من تتغير بعد الحال عن الصلاح الذي تستحق عليه المدح والإكرام ، فقال :
{ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن } ولم يجعلهن في ذلك حسب ما جعل أهل بيت النبي (ص) في محل الإكرام والمدحة ، حيث بذلوا قوتهم لليتيم والمسكين والأسير ، فأنزل الله سبحانه في عليّ وفاطمة والحسن والحسين (ع) وقد آثروا على أنفسهم مع الخصاصة التي كانت بهم فقال تعالى :
{ ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا ، إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا ، فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا ، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا } ، فقطع لهم بالجزاء ، ولم يشترطْ لهم كما اشترط لغيرهم ، لعلمه باختلاف الأحوال على ما بيناه . ص389
المصدر: إعلام الورى ص80 ، الإرشاد ص89

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى