الجزء الحادي والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة تبوك وقصّة العقبة

إنّ النبي (ص) كان أخص الناس بأمير المؤمنين (ع) ، وكان هو أحبّ الناس إليه ، وأسعدهم عنده ، وأفضلهم لديه .. فلما بلغ أمير المؤمنين (ع) إرجاف المنافقين به أراد تكذيبهم وإظهار فضيحتهم ، فلحق بالنبي (ص) فقال : يا رسول الله !.. إنّ المنافقين يزعمون أنك خلّفتني استثقالاً ومقتاً ، فقال له النبي (ص) :
” ارجع يا أخي إلى مكانك ، فإنّ المدينة لا تصلح إلا بي أو بك ، فأنت خليفتي في أهل بيتي ودار هجرتي وقومي ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبّي بعدي ؟.. ” ص 208
المصدر: الإرشاد ص79

أنّ الروم قد اجتمعوا يريدون غزو رسول الله (ص) في عسكر عظيم ، وأنّ هرقل قد سار في جنوده وجلب معهم غسان وجذام وفهرا وعاملة ، وقد قدم عساكره البلقاء ونزل هو حمص ، فأمر رسول الله أصحابه التهيؤ إلى تبوك وهي من بلاد البلقاء ، وبعث إلى القبائل حوله وإلى مكة وإلى من أسلم من خزاعة ومزينة وجهينة ، فحثّهم على الجهاد ، وأمر رسول الله (ص) بعسكره فضرب في ثنية الوداع ، وأمر أهل الجِدَة أن يعينوا مَن لا قوّة به ، ومَن كان عنده شيء أخرجوا وحملوا وقوّوا وحثّوا على ذلك ، وخطب رسول الله (ص) فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليّه :
” أيها الناس !.. إنّ أصدق الحديث كتاب الله ، وأولى القول كلمة التقوى ، وخير الملل ملة إبراهيم ، وخير السنّة سنن محمد ، وأشرف الحديث ذكر الله ، وأحسن القصص هذا القرآن ، وخير الأمور عزائمها ، وشر الأمور محدثاتها ، وأحسن الهدى هدى الأنبياء ، وأشرف القتل قتل الشهداء ، وأعمى العمى الضلالة بعد الهدى ، وخير الأعمال ما نفع ، وخير الهُدى ما أُتّبع ، وشرّ العمى عمى القلب ، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى ، وما قلّ وكفى خيرٌ مما كثُر وألهى .
وشرّ المعذرة حين يحضر الموت ، وشرّ الندامة يوم القيامة ، ومن الناس من لا يأتي الجمعة إلا نزراً ، ومنهم من لا يذكر الله إلا هجراً ، ومن أعظم الخطايا اللسانُ الكَذِب ، وخير الغنى غنى النفس ، وخير الزاد التقوى ، ورأس الحكمة مخافة الله ، وخير ما ألقي في القلب : اليقين ، والارتياب من الكفر ، والتباعد من عمل الجاهلية ، والغلول من جمر جهنم ، والسكر جمر النار ، والشعر من إبليس ، والخمر جماع الإثم ، والنساء حبائل إبليس ، والشباب شعبة من الجنون ، وشرّ المكاسب كسب الربا ، وشرّ المآكل أكل مال اليتيم ، والسعيد من وُعِظ بغيره ، والشقي من شقي في بطن أمه .
وإنما يصير أحدكم إلى موضع أربعة أذرع ، والأمر إلى آخره ، وملاك العمل خواتيمه ، وأربى الربا الكذب ، وكلّ ما هو آت قريب ، وشنآن المؤمن فسقٌ ، وقتال المؤمن كفرٌ ، وأكل لحمه من معصية الله ، وحرمة ماله كحرمة دمه ، ومن توكّل على الله كفاه ، ومن صبر ظفر ، ومن يعفُ يعْف الله عنه ، ومن كظم الغيظ يأجره الله ، ومن يصبر على الرزية يعوّضه الله ، ومن يتبع السمعة يسمع الله به ، ومن يصم يضاعف الله له ، ومن يعص الله يعذبه .
اللهم !.. اغفر لي ولأمتي ، اللهم !.. اغفر لي ولأمتي ، أستغفر الله لي ولكم “.
فرغب الناس في الجهاد لما سمعوا هذا من رسول الله (ص) ، وقدمت القبائل من العرب ممن استنفرهم ، وقعد عنه قوم من المنافقين وغيرهم ، ولقي رسول الله الجد بن قيس فقال له : يا أبا وهب !.. ألا تنفر معنا في هذه القرى لعلك أن تحتفد ( أي تجعلهنّ أعوانا وخدماً ) بنات الأصفر؟.. فقال : يا رسول الله !.. والله إنّ قومي ليعلمون أنه ليس فيهم أحدٌ أشدّ عجباً بالنساء مني ، وأخاف إن خرجت معك أن لا أصبر إذا رأيت بنات الأصفر فلا تفتنّي ، وائذن لي أن أقيم ، وقال لجماعة من قومه : لا تخرجوا في الحرّ ..
فقال ابنه : تردّ على رسول الله (ص) وتقول له ما تقول ، ثم تقول لقومك : لا تنفروا في الحرّ ؟.. والله لينزلنّ الله في هذا قرآناً يقرأه الناس إلى يوم القيامة ، فأنزل الله على رسوله في ذلك : { ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنم لمحيطة بالكافرين } ، ثم قال الجدّ بن قيس : أيطمع محمد أنّ حرب الروم مثل حرب غيرهم ؟.. لا يرجع من هؤلاء أحدٌ أبداً.ص213
المصدر: تفسير القمي ص266

هؤلاء جاؤا إلى رسول الله (ص) يبكون ، فقالوا : يا رسول الله !.. ليس بنا قوةٌ أن نخرج معك ، فأنزل الله فيهم :
{ ليس على الضعفاء ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم } ، قال :
وإنما سألوا هؤلاء البكّاؤن نعلاً يلبسونها ، ثم قال :
{ إنما السبيل على الذين يستأذنوك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف } والمستأذنون ثمانون رجلاً من قبائل شتى ، والخوالف النساء . 214
المصدر: تفسير القمي ص266

وكان أبو ذر – رحمه الله – تخلّف عن رسول الله (ص) ثلاثة أيام ، وذلك أنّ جمله كان أعجف (أي ضعف وذهب سمنه) فلحق بعد ثلاثة أيام ، ووقف عليه جملُه في بعض الطريق فتركه وحمل ثيابه على ظهره ، فلما ارتفع النهار نظر المسلمون إلى شخصٍٍ مقبلٍ ، فقال رسول الله : كن أبا ذر ، فقالوا : هو أبو ذر ، فقال رسول الله (ص) :
أدركوه بالماء فإنه عطشان ، فأدركوه بالماء ، ووافى أبو ذر رسول الله (ص) ومعه إداوة فيها ماءٌ .
فقال رسول الله (ص) : يا أبا ذر !.. معك ماءٌ وعطشت ؟.. فقال : نعم يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي !.. انتهيت إلى صخرة عليها ماء السماء فذقته فإذا هو عذبٌ باردٌ ، فقلت : لا أشربه حتى يشربه حبيبي رسول الله (ص) .
فقال رسول الله (ص) : يا أبا ذر !.. رحمك الله تعيش وحدك ، وتموت وحدك ، وتُبعث وحدك ، وتدخل الجنة وحدك ، يسعد بك قومٌ من أهل العراق ، يتولّون غسلك وتجهيزك والصلاة عليّك ودفنك . ص 216
المصدر: تفسير القمي ص266

قال رسول الله (ص) : يا حذيفة !.. فانهض بنا أنت وسلمان وعمّار وتوكلوا على الله ، فإذا جزنا الثنية الصعبة فأذنوا للناس أن يتّبعونا ، فصعد رسول الله (ص) وهو على ناقته ، وحذيفة وسلمان أحدهما آخذ بخطام ناقته يقودها ، والآخر خلفها يسوقها ، وعمار إلى جانبها ، والقوم على جمالهم ورجّالتهم منبثّون حوالي الثنية على تلك العقبات ، وقد جعل الذين فوق الطريق حجارة في دباب ، فدحرجوها من فوق لينفروا الناقة برسول الله (ص) لتقع في المهوى الذي يهول الناظر النظر إليه من بُعده .
فلما قربت الدِّباب من ناقة رسول الله (ص) أذن الله تعالى لها فارتفعت ارتفاعاً عظيماً ، فجاوزت ناقة رسول الله (ص) ثم سقطت في جانب المهوى ، ولم يبق منها شيءٌ إلا صار كذلك ، وناقة رسول الله (ص) كأنها لا تحسّ بشيء من تلك القعقعات التي كانت للدباب .
ثم قال رسول الله (ص) لعمار : اصعد الجبل فاضرب بعصاك هذه وجوه رواحلهم فارمِ بها ، ففعل ذلك عمار فنفرت بهم وسقط بعضهم ، فانكسر عضده ومنهم من انكسرت رجله ومنهم جنبه ، واشتدت لذلك أوجاعهم ، فلما جبرت واندملت بقيت عليهم آثار الكسر إلى أن ماتوا .
ولذلك قال رسول الله (ص) في حذيفة وأمير المؤمنين (ع) إنهما أعلم الناس بالمنافقين ، لقعوده في أصل الجبل ومشاهدته من مرّ سابقاً لرسول الله (ص) ، وكفى الله رسوله أمر من قَصَد له ، وعاد رسول الله (ص) إلى المدينة ، فكسا الله الذل والعار من كان قعد عنه ، وألبس الخزي من كان دبّر على عليّ (ع) ما دفع الله عنه .ص232
المصدر: تفسير الإمام ص152 ، الاحتجاج ص30

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى