الجزء الحادي والعشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة حنين والطائف وأوطاس وسائر الحوادث إلى غزوة تبوك

سار (ص) حتى نزل مكة ، فقدم عليه نفر منهم بإسلام قومهم ، ولم يبخع القوم له بالصلاة ولا الزكاة ، فقال (ص) :
” إنه لا خير في دين لا ركوع فيه ولا سجود ، أما والذي نفسي بيده ليقيمن الصلاة ، و ليؤتن الزكاة ، أو لأبعثن إليهم رجلاً هو مني كنفسي ، فليضرب أعناق مقاتليهم وليسبين ذراريهم ، هو هذا ” وأخذ بيد عليّ (ع) فأشالها .
فلما صار القوم إلى قومهم بالطائف أخبروهم بما سمعوا من رسول الله (ص) فأقرّوا له بالصلاة ، وأقرّوا له بما شرط عليّهم ، فقال (ص) : ” ما استعصى عليّ أهل مملكة ولا أمة إلا رميتهم بسهم الله عزّ وجلّ ” قالوا :
يا رسول الله !.. وما سهم الله ؟.. قال : عليّ بن أبي طالب ، ما بعثته في سريّة إلا رأيت جبرائيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، وملكاً أمامه ، وسحابةً تظلّه ، حتى يعطي الله عزّ وجلّ حبيبي النصر والظفر .ص153
المصدر: أمالي الطوسي ص321

ثم كانت غزاة حنين حين استظهر رسول الله فيها بكثرة الجمع ، فخرج (ص) متوجّهاً إلى القوم في عشرة آلاف من المسلمين ، فظنّ أكثرهم أنهم لم يُغلبوا ، لما شاهدوه من جمعهم وكثرة عُدّتهم وسلاحهم ، وأعجب أبا بكر الكثرة يومئذ فقال : لن نغلب اليوم من قلّة ، وكان الأمر في ذلك بخلاف ما ظنّوا وعانهم أبو بكر بعُجْبه بهم .
فلما التقوا مع المشركين لم يلبثوا حتى انهزموا بأجمعهم ، ولم يبق منهم مع النبي (ص) إلا عشرة أنفس : تسعة من بني هاشم خاصة ، وعاشرهم أيمن بن أم أيمن ، فقُتل أيمن رحمة الله عليه ، وثبتت التسعة الهاشميون حتى ثاب إلى رسول الله (ص) من كان انهزم ، فرجعوا أولاً فأولاً حتى تلاحقوا ، وكانت لهم الكرّة على المشركين .
وفي ذلك أنزل الله تعالى وفي إعجاب أبي بكر بالكثرة : { ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين ، ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } يعني أمير المؤمنين عليّا (ع) ومن ثبت معه من بني هاشم ، وهم يومئذ ثمانية ، أمير المؤمنين (ع) تاسعهم. ص156
المصدر: الإرشاد ص71

روى عكرمة عن شيبة قال : لما رأيت رسول الله (ص) يوم حنين قد عري ( أي بقي بلا أعوان ) ذكرت أبي وعمي وقتْلَ عليّ وحمزة إياهما ، فقلت : أدرك ثأري اليوم من محمد ، فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا أنا بالعباس بن عبد المطلب قائماً عليه درعٌ بيضاء كأنها فضةٌ يكشف عنها العجاج ، فقلت : عمّه ولن يخذله ، ثم جئته عن يساره فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ، فقلت : ابن عمه ولن يخذله .
ثم جئته من خلفه فلم يبقَ إلا أن أسوره ( أي أثب عليه ) سورةً بالسيف إذ رُفع لي شواظ من نار بيني وبينه كأنه برق ، فخفت أن يمحشني (أي يحرقني ) فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى ، والتفت رسول الله (ص) وقال :
يا شيب ، يا شيب !.. ادن مني .. اللهم !.. أذهب عنه الشيطان..
قال : فرفعت إليه بصري ولهو أحبّ إليّ من سمعي وبصري ، وقال :
يا شيب !.. قاتل الكفار . ص167
المصدر: إعلام الورى ص70

وغضب قوم من الأنصار لذلك ، وظهر منهم كلامٌ قبيحٌ حتى قال قائلهم : لقي الرجل أهله وبني عمه ، ونحن أصحاب كلّ كريهة ، فلما رأى رسول الله (ص) ما دخل على الأنصار من ذلك ، أمرهم أن يقعدوا ولا يقعد معهم غيرهم ، ثم أتاهم شبه المغضب يتبعه عليّ (ع) حتى جلس وسطهم ، فقال :
” ألم آتكم وأنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم الله منها بي ؟.. ” قالوا : بلى ، ولله ولرسوله المن والطول والفضل علينا ، قال :
” ألم آتكم و أنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي ؟.. ” قالوا : أجل ، ثم قال :
” ألم آتكم وأنتم قليل فكثّركم الله بي ؟.. ” وقال ما شاء الله أن يقول ، ثم سكت ، ثم قال : ” ألا تجيبوني ؟.. ” قالوا :
بمَ نجيبك يا رسول الله فداك أبونا وأمنا ؟!.. لك المن والفضل والطول ، قال :
” بل لو شئتم قلتم : جئتنا طريداً مكذَّباً فآويناك وصدّقناك ، وجئتنا خائفاً فآمناك ” فارتفعت أصواتهم وقام إليه شيوخهم ، فقبّلوا يديه ورجليه وركبتيه ، ثم قالوا : رضينا عن الله وعن رسوله ، وهذه أموالنا أيضاً بين يديك فاقسمها بين قومك إن شئت ، فقال :
” يا معشر الأنصار !.. أوجدتم في أنفسكم إذ قسّمت مالاً أتألّف به قوماً ، ووكلتم إلى إيمانكم ؟.. أما ترضون أن يرجع غيركم بالشاء والنعم ، ورجعتم أنتم ورسول الله في سهمكم ؟.. ” ثم قال (ص) :
” الأنصار كرشي وعيبتي ، لو سلك الناس وادياً وسلك الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار .. اللهم !.. اغفر للأنصار ، ولأبناء الأنصار ، ولأبناء أبناء الأنصار “.ص172
المصدر: إعلام الورى ص70

بينا نحن عند رسول الله وهو يقسّم ، إذ أتاه ذو الخويصرة – رجل من بني تميم – فقال : يا رسول الله !.. اعدل ، فقال رسول الله (ص) : ” ويلك !.. من يعدل إن أنا لم أعدل ؟.. وقد خبتَ أو خسرتَ إن أنا لم أعدل ” .. فقال عمر بن الخطاب :
يا رسول الله !.. ائذن لي فيه أضرب عنقه ، فقال رسول الله (ص) :
دعه !.. فإنّ له أصحاباً يحقّر أحدكم صلاته مع صلاته ، وصيامه مع صيامه ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية…. آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة ، أو مثل البضعة تدردر (أي تجيء وتذهب) ، يخرجون على خير فرقة من الناس .
قال أبو سعيد الخدري : فأشهدُ أني سمعت هذا من رسول الله (ص) ، وأشهدُ أنّ عليّ بن أبي طالب (ع) قاتلهم وأنا معه ، وأمر بذلك الرجل فالتُمس فوُجد فأُتي به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله الذي نعت .. رواه البخاري في الصحيح. ص174
المصدر: إعلام الورى ص70

وفيها (أي في السنّة الثامنة) ولد إبراهيم ابن رسول الله (ص) من مارية في ذي الحجة ، وكانت قابلتُها مولاة رسول الله (ص) فخرجت إلى زوجها أبي رافع ، فأخبرته بأنها قد ولدت غلاماً ، فجاء أبو رافع إلى رسول الله (ص) فبشّره بأنها قد ولدت غلاماً ، فوهب له عبداً وسمّاه إبراهيم ، وعقّ عنه يوم سابعه ، وحلق رأسه ، فتصدّق بزنة شعره فضة على المساكين ، وأمر بشعره فدفنت في الأرض .
وتنافست فيه نساء الأنصار أيهن ترضعه ، فدفعه رسول الله (ص) إلى أم بردة بنت المنذر بن زيد ، وزوجها البراء بن أوس ، وكان (ص) يأتي أم بردة فيقيل عندها ، ويُؤتى بإبراهيم ، وغارت نساء رسول الله (ص) واشتدّ عليّهن حين رُزق منها الولد ، وروي عن أنس قال :
لما ولدتْ إبراهيم جاء جبرائيل إلى رسول الله (ص) فقال : السلام عليك يا أبا إبراهيم !.. وروي عنه أيضا قال رسول الله (ص) : وُلد الليلة لي غلامٌ فسميتُه باسم أبي إبراهيم.ص 183
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى – الباب 8

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى