الجزء العشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة الأحزاب وبني قريظة

فألبسه ( أي عليّا ) رسول الله (ص) درعه ذات الفضول ، وأعطاه سيفه ذا الفقار ، وعمّمه عمامة السحاب على رأسه تسعة أكوار ، ثم قال له : تقدّم ! فقال لما ولّى : ” اللهم !.. احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوق رأسه ومن تحت قدميه ” .
قال ابن إسحاق : فمشى إليه وهو يقول :
لا تعجلنّ فقد أتاك***مجيب صوتك غير عاجز
ذو نيّة وبصيرة***والصدق منجي كل فائز
إني لأرجو أن أقيم***عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء يبقى***ذكرها عند الهزاهز
قال له عمرو : مَن أنت ؟.. قال : أنا عليّ ، قال : ابن عبد مناف ؟.. فقال : أنا عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف ، فقال :
غيرك يا بن أخي !.. من أعمامك مَن هو أسنّ منك ، فإني أكره أن أهريق دمك ، فقال : لكني والله ما أكره أن أهريق دمك ، فغضب ونزل وسلّ سيفه كأنه شعلة نار ، ثم أقبل نحو علي مغضباً ، فاستقبله عليّ بدرقته فضربه عمرو في الدرقة فقّدها وأثبت فيها السيف ، وأصاب رأسه فشجّه ، وضربه عليّ على حبل العاتق فسقط .
وفي رواية حذيفة : وتسيّف على رجليه بالسيف من أسفل فوقع على قفاه ، وثارت بينهما عجاجة ، فسمع عليّ يكبّر ، فقال رسول الله (ص) :
قتله والذي نفسي بيده …. فقال النبي (ص) :
أبشر يا علي !.. فلو وُزِن اليوم عملُك بعمل أمة محمد لرجح عملك بعملهم ، وذلك أنه لم يبقَ بيتٌ من بيوت المشركين إلا وقد دخله وهنٌ بقتل عمرو ، ولم يبقَ بيتٌ من بيوت المسلمين إلا وقد دخله عزٌّ بقتل عمرو .ص205
المصدر: مجمع البيان ص340

قال رسول الله (ص) يوم الأحزاب : اللهم !.. إنك أخذت مني عبيدة بن الحارث يوم بدر ، وحمزة بن عبد المطلب يوم أُحد ، وهذا أخي علي بن أبي طالب ، ربّ !.. لا تذرّني فرداً وأنت خير الوارثين . ص215
المصدر: كنز الكراجكي ص136

قال النبي (ص) ثلاث مرات : ” أيكم يبرز إلى عمرو وأضمن له على الله الجنة ؟.. ” وفي كلّ مرة كان يقوم علي (ع) ، والقوم ناكسوا رؤوسهم ، فاستدناه وعممه بيده ، فلما برز قال (ص) : ” برز الإيمان كلّه إلى الشرك كله ” وكان عمرو يقول :
ولقد بححت من النداء*** بجمعهم هل من مبارز
إلى قوله :
إنّ الشجاعة في الفتى والجود*** من كرم الغرائز
فما كان أسرع أن صرعه أمير المؤمنين (ع) وجلس على صدره ، فلما همّ أن يذبحه وهو يكبّر الله ويمجدّه قال له عمرو :
يا عليّ!.. قد جلست مني مجلساً عظيماً ، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلّتي ، فقال (ع) : هي أهون عليّ من ذلك ، وذبحه وأتى برأسه وهو يخطر في مشيته ، فقال عمر :
ألا ترى يا رسول الله إلى عليّ كيف يمشي ؟!.. فقال رسول الله (ص) :
إنها لمشيةٌ لا يمقتها الله في هذا المقام. ص216
المصدر: كنز الكراجكي ص137

لما طال على أصحاب رسول الله (ص) الأمر ، واشتدّ عليهم الحصار ، وكانوا في وقت برد شديد ، وأصابتهم مجاعة ، وخافوا من اليهود خوفاً شديداً ، وتكلّم المنافقون بما حكى الله عنهم ، ولم يبق أحدٌ من أصحاب رسول الله (ص) إلا نافق إلا القليل ، وقد كان رسول الله (ص) أخبر أصحابه أنّ العرب تتحزّب عليّ ، ويجيؤنا من فوق ، تغدر اليهود ونخافهم من أسفل ، وإنه يصيبهم جهدٌ شديدٌ ، ولكن تكون العاقبة لي عليهم .
فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون : ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا : يا رسول الله !.. تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا ، فإنها في أطراف المدينة وهي عورةٌ ، ونخاف اليهود أن يغيروا عليها ، وقال قومٌ : هلمّوا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالأعراب ، فإنّ الذي كان يعدنا محمد كان باطلاً كلّه .
وكان رسول الله (ص) أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل ، وكان أمير المؤمنين (ع) على العسكر كلّه بالليل يحرسهم ، فإن تحرّك أحدٌ من قريش نابذهم ، وكان أمير المؤمنين (ع) يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم ، فلا يزال الليل كلّه قائماً وحده يصلّي ، فإذا أصبح رجع إلى مركزه ، ومسجد أمير المؤمنين (ع) هناك معروفٌ يأتيه من يعرفه فيصلّي فيه ، وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب .
فلما رأى رسول (ص) من أصحابه الجزع لطول الحصار ، صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم ، فدعا الله وناجاه فيما وعده وقال :
” يا صريخ المكروبين !.. ويا مجيب المضطرين !.. ويا كاشف الكرب العظيم !.. أنت مولاي ووليي وولي آبائي الأولين ، اكشف عنّا غمّنا وهمّنا وكربنا ، واكشف عنا كرب هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك ” .
فنزل جبرائيل (ع) فقال : يا محمد !.. إنّ الله قد سمع مقالتك ، وأجاب دعوتك ، وأمر الدبور ( أي الريح ) مع الملائكة أن تهزم قريشاً والأحزاب ، وبعث الله على قريش الدبور فانهزموا ، وقلعت أخبيتهم ، ونزل جبرائيل فأخبره بذلك.ص230
المصدر: تفسير القمي ص516

إنّ بني قريظة لما حُوصروا بعثوا إلى رسول الله (ص) أن ابعث إلينا أبا لبابة عبد المنذر أخا بني عمرو بن عوف – وكانوا حلفاء الأوس – نستشيره في أمورنا ، فأرسله (ص) إليهم فلما رأوه قام إليه الرجال وجهش إليه الصبيان والنساء يبكون في وجهه ، فرقّ لهم ، فقالوا : يا أبا لبابة !.. أترى أن ننزل على حكم محمد ؟.. قال : نعم ، وأشار بيده إلى حلقه إنه الذبح .
قال أبو لبابة : فو الله ما زالت قدماي حتى عرفت أني قد خنت الله ورسوله ، ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله (ص) حتى ارتبط في المسجد إلى عمود من عمده ، قال : لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليّ مما صنعت ، وعاهد الله لا يطأ بني قريظة أبداً ، ولا يراني الله في بلد خنتُ الله ورسوله فيه أبداً .
فلما بلغ رسول الله (ص) خبره وأبطأ عليه ، قال : أما إنه لو جاءني لاستغفرتُ له ، فأما إذا فعل ما فعل ما أنا بالذي أطلقُه عن مكانه حتى يتوب الله عليه ، ثم إن الله أنزل توبة أبي لبابة على رسول الله (ص) وهو في بيت أم سلمة ، قالت أم سلمة : فسمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله يضحك ، فقلت :
ممّ تضحك يا رسول الله ، أضحك الله سنّك ، قال : تيب على أبي لبابة ، فقلت : ألا أبشّره بذلك يا رسول الله ؟!..
قال : بلى إن شئت ، فقامت على باب حجرتها وذلك قبل أن يضرب عليهنّ الحجاب ، فقالت :
يا أبا لبابة !.. أبشر فقد تاب الله عليك ، فثار الناس عليه ليُطلقوه ، قال :
لا والله حتى يكون رسول الله (ص) هو الذي يُطلقني بيده ، فلما مرّ عليه رسول الله (ص) خارجاً إلى الصبح أطلقه . ص275
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى – الباب5

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى