الجزء العشرون كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة أحد وغزوة حمراء الأسد

لما كان من المشركين يوم أحد من كسْر رباعية الرسول (ص) وشجّه حتى جرت الدماء على وجهه ، فقال : ” كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم ” وهو مع ذلك حريصٌ على دعائهم إلى ربهم ؟.. فأعلمه الله سبحانه أنه ليس إليه فلاحهم ، وأنه ليس إليه إلا أن يبلّغ الرسالة ، ويجاهد حتى يظهر الدين ، وإنما ذلك إلى الله .
وكان الذي كسر رباعيته وشجّه في وجهه عتبة بن أبي وقاص ، فدعا عليه بأن لا يحُول عليه الحول حتى يموت كافراً ، فمات كافراً قبل حول الحول ، وأدمى وجهه رجلٌ من هذيل يقال له عبد الله بن قميئة ، فدعا عليه فكان حتفه أن سلّط الله عليه تيساً فنطحه حتى قتله ، وروي أنه (ص) كان يمسح الدم عن وجهه ويقول : ” اللهم !.. اهد قومي فإنهم لا يعلمون ”
وقال أنس بن مالك : أتُي رسول الله (ص) بعلي (ع) يومئذ وعليه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية ، فجعل رسول الله (ص) يمسحها وهي تلتئم بإذن الله تعالى كأن لم تكن .ص23
المصدر: مجمع البيان 2/498
وعن ابن عباس قال : لما كان يوم أحد صعد أبو سفيان الجبل ، فقال رسول الله (ص) :
” اللهم !.. إنه ليس لهم أن يعلونا ” فمكث أبو سفيان ساعة ، وقال : يوماً بيوم ، إنّ الأيام دولٌ ، وإنّ الحرب سجالٌ ، فقال (ص) : أجيبوه ، فقالوا : لا سواء ، قتلانا في الجنة ، وقتلاكم في النار.
فقال : لنا عزّى ولا عزّى لكم .
فقال النبي (ص) : الله مولانا ولا مولى لكم .
فقال أبو سفيان : أُعل هبل .
فقال رسول (ص) : الله أعلى وأجلّ . ص23
المصدر: مجمع البيان 2/498
{ وتلك الأيام نداولها بين الناس } أي نصرفها مرّة لفرقة ومرّة عليها ، وإنما يصّرف الله سبحانه الأيام بين المسلمين والكفار ، بتخفيف المحنة على المسلمين أحياناً ، وتشديدها عليهم أحياناً ، لا بنصرة الكفار عليهم ، لأنّ النصرة تدلّ على المحبة ، والله لا يحبّ الكافرين ، وإنما جعل الله الدنيا متقلبة لكيلا يطمئن المسلم إليها ، ولتقلّ رغبته فيها ، إذ تفنى لذّاتها ، ويظعن مقيمها ، ويسعى للآخرة التي يدوم نعيمها .
وإنما جعل الدولة مرة للمؤمنين ومرة عليهم ، ليدخل الناس في الإيمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه لذلك ، وهو قيام الحجّة ، فإنه لو كانت الدولة دائماً للمؤمنين ، لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليُمن والفأل ، على أنّ كل موضع حضره النبي (ص) لم يخل من ظفر ، إما في ابتداء الأمر ، وإما في انتهائه ، وإنما لم يستمر ذلك لما بيّناه ….
ثم حمل النبي (ص) وأصحابه على المشركين فهزموهم ، وقتل علي بن أبي طالب (ع) أصحاب اللواء ، وأنزل الله نصرته على المسلمين.. قال الزبير : فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال ، نادية خدّامهن ما دون أخذهن شيء ، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ، ورأوا النبي (ص) وأصحابه ينتهبون الغنيمة ، أقبلوا يريدون النهب واختلفوا ، فقال بعضهم : لا نترك أمر رسول الله (ص) ، وقال بعضهم : ما بقي من الأمر شيءٌ ، ثم انطلقوا عامتهم وألحقوا بالعسكر .
فلما رأى خالد بن الوليد قلّة الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة ، ورأى ظهورهم خاليةً ، صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب النبي (ص) من خلفهم فهزموهم وقتلوهم ، ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله (ص) بحجر فكسر أنفه ورباعيته ، وشجّه في وجهه فأثقله ، وتفرّق عنه أصحابه ، وأقبل يريد قتله ، فذبّ مصعب بن عمير – وهو صاحب راية رسول الله (ص) يوم بدر ويوم أحد وكان اسم رايته العقاب – عن رسول الله (ص) حتى قُتل مصعب بن عمير ، قتله ابن قميئة فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله (ص) ، وقال : إني قتلت محمدا ، وصاح صائحٌ ، ألا أنّ محمداً قد قُتل ، ويُقال :
إنّ الصائح كان إبليس لعنه الله ، فانكفأ الناس وجعل رسول الله (ص) يدعو الناس ويقول : ” إليّ عباد الله !.. إليّ عباد الله !.. ” .
فاجتمع إليه ثلاثون رجلاً فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ، ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية ( ما عطف من طرفيها ) قوسه ، و أصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست ، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ حتى وقعت على وجنته ، فردّها رسول الله (ص) مكانها فعادت كأحسن ما كانت .
فلما انصرف رسول الله (ص) أدركه أُبي بن خلف الجمحي وهو يقول : لا نجوت إن نجوت ، فقال القوم : يا رسول الله !.. ألا يعطف عليه رجل منا ؟.. فقال : دعوه حتى إذا دنا منه ، وكان أُبي قبل ذلك يلقى رسول الله (ص) فيقول : عندي رمكة اعلفها كل يوم فرق ذرّة أقتلك عليها ، فقال رسول الله (ص) : بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى .
فلما كان يوم أُحد ودنا منه تناول رسول الله (ص) الحربة من الحرث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه ، فخدش خدشةً فتدهدأ عن فرسه ، وهو يخور خوار الثور وهو يقول : قتلني محمد !.. فاحتمله أصحابه وقالوا : ليس عليك بأسٌ ، فقال : بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقلتهم أليس قال لي : أقتلك ؟.. فلو بزق عليّ بعد تلك المقالة لقتلني ، فلم يلبث إلا يوماً حتى مات .
وفشا في الناس أنّ رسول الله (ص) قد قُتل ، فقال بعض المسلمين : ليت لنا رسولاً إلى عبد الله بن أُبي ، فيأخذ لنا أماناً من أبي سفيان ، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم ، وقال أناسٌ من أهل النفاق : فالحقوا بدينكم الأول ، وقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك :
يا قوم !.. إن كان محمد قد قُتل فإنّ رب محمد لم يُقتل ، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله (ص) ؟.. فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله ، وموتوا على ما مات عليه ، ثم قال : اللهم !.. إني أعتذر إليك مما يقوله هؤلاء ، يعني المنافقين ، وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء – يعني المنافقين – ثم شدّ بسيفه فقاتل حتى قُتل .
ثم إنّ رسول الله (ص) انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ، فأول مَن عرف رسول الله (ص) كعب بن مالك قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معاشر المسلمين !.. هذا رسول الله ، فأشار إليّ : أن اسكت ، فانحازت إليه طائفةٌ من أصحابه ، فلامهم النبي (ص) على الفرار فقالوا : يا رسول الله !.. فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا الخبر أنك قُتلت فرعبت قلوبنا فولّينا مدبرين ، فأنزل الله تعالى هذه الآية :
{ وما محمد إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل } يعني أنه بشرٌ اختاره الله لرسالته ، وقد مضت قبله رسلٌ بُعثوا فأدّوا الرسالة ومضوا وماتوا ، وقُتل بعضهم ، وإنه يموت كما ماتت الرسل ، فليس الموت بمستحيلٍ عليه ولا القتل . ص28
المصدر: مجمع البيان 2/498
خرج رسول الله (ص) يوم أُحد وكُسرت رباعيته ، وهشمت البيضة على رأسه ، وكانت فاطمة بنته (ع) تغسل عنه الدم ، وعلي بن أبي طالب (ع) يسكب عليها بالمجنّ ، فلما رأت فاطمة (ع) أنّ الماء لا يزيد الدم إلا كثرة ، أخذتْ قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رماداً ألزمته الجرح ، فاستمسك الدم.ص31
المصدر: تفسير البيضاوي 1/237
{ إنّ الذين تولّوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلّهم الشيطان ببعض ما كسبوا } يعني أنّ الذين انهزموا يوم أُحد إنما كان السبب في انهزامهم أنّ الشيطان طلب منهم الزلل فأطاعوه ، واقترفوا ذنوباً بترك المركز ، والحرص على الغنيمة أو الحياة ، فمُنعوا التأييد وقوة القلب لمخالفة النبي (ص) ، وقيل : استزلال الشيطان تولّيهم ، وذلك بسبب ذنوب تقدّمت لهم ، فإنّ المعاصي يجرّ بعضها بعضاً كالطاعة ، وقيل : استزلّهم بذكر ذنوب سلفت منهم وكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة والخروج من المظلمة . ص33
المصدر: تفسير البيضاوي 1/239
روي أنّ رجلاً من أصحاب النبي (ص) من بني عبد الأشهل كان شهد أُحداً ، قال :
شهدتُ أُحداً أنا وأخ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذّن مؤذّن رسول الله (ص) بالخروج في طلب العدو قلنا : لا تفوتنا غزوةٌ مع رسول الله (ص) والله ما لنا دابةٌ نركبها ، وما منّا إلا جريحٌ ثقيلٌ ، فخرجنا مع رسول الله (ص) وكنت أيسر جرحا من أخي …. .ص40
المصدر: مجمع البيان 2/535
قال رسول الله (ص) لعبد الله بن جبير وأصحابه : إن رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة ، فلا تبرحوا من هذا المكان ، وإن رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا وألزموا مراكزكم. ص49
المصدر: تفسير القمي ص100
كلما حملت طائفةٌ على رسول الله (ص) استقبلهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيدفعهم عن رسول الله ، ويقتلهم حتى انقطع سيفه ، وبقيتْ مع رسول الله (ص) نسيبة بنت كعب المازنية ، وكانت تخرج مع رسول الله (ص) في غزواته تداوي الجرحى ، وكان ابنها معها ، فأراد أن ينهزم ويتراجع فحملتْ عليه ، فقالت :
يا بُني إلى أين تفرّ ؟!.. عن الله وعن رسوله ؟.. فردّته فحمل عليه رجلٌ فقتله ، فأخذتْ سيف ابنها ، فحملت على الرجل فضربته على فخذه فقتلته ، فقال رسول الله (ص) : ” بارك الله عليك يا نسيبة ” .. وكانت تقي رسول الله (ص) بصدرها وثدييها حتى أصابتها جراحاتٌ كثيرة ، وحمل ابن قميئة على رسول الله (ص) ، فقال : أروني محمداً ، لا نجوت إن نجا ، فضربه على حبل عاتقه ونادى : قتلت محمداً واللاّت والعزّى .
ونظر رسول الله (ص) إلى رجل من المهاجرين قد ألقى ترسه خلف ظهره وهو في الهزيمة ، فناداه : ” يا صاحب الترس !.. ألق ترسك ومرّ إلى النار ” فرمى بترسه ، فقال رسول الله (ص) : يا نسيبة !.. خذي الترس ، فأخذت الترس ، وكانت تقاتل المشركين ، فقال رسول الله (ص) : ” لمقام نسيبة أفضل من مقام فلان وفلان وفلان ” ..
فلما انقطع سيف أمير المؤمنين (ع) جاء إلى رسول الله (ص) فقال : يا رسول الله !.. إنّ الرجل يقاتل بالسلاح ، وقد انقطع سيفي ، فدفع إليه رسول الله (ص) سيفه ذا الفقار ، فقال : قاتل بهذا ، ولم يكن يحمل على رسول الله (ص) أحدٌ إلا استقبله أمير المؤمنين (ع) ، فإذا رأوه رجعوا ، فانحاز رسول الله (ص) إلى ناحية أُحد فوقف ، وكان القتال من وجه واحد ، وقد انهزم أصحابه فلم يزل أمير المؤمنين (ع) يقاتلهم حتى أصابه في وجهه ورأسه وصدره وبطنه ويديه ورجليه تسعون جراحة فتحاموه ، وسمعوا مناديا من السماء :
لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا علي .. فنزل جبرائيل على رسول الله (ص) فقال : يا محمد !.. هذه والله المواساة ، فقال رسول (ص) : لأني منه وهو مني ، فقال جبرائيل : وأنا منكما .. وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر فكلما انهزم رجلٌ من قريش دفعت إليه ميلاً ومكحلةً ، وقالت : إنما أنت امرأة فاكتحل بهذا ..
وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم ، فإذا رأوه انهزموا ولم يثبت له أحدٌ ، وكانت هند بنت عتبة – عليها اللعنة – قد أعطت وحشيا عهداً : لئن قتلت محمداً أو علياً أو حمزة لأعطينّك رضاك ، وكان وحشي عبداً لجبير بن مطعم حبشيا ، فقال وحشي : أما محمد فلا أقدر عليه ، وأما عليّ فرأيتُه رجلاً حذراً كثير الالتفات فلم أطمع فيه .
فكمنتُ لحمزة فرأيته يهدّ الناس هدّاً ، فمرّ بي فوطأ على جرف نهر فسقط ، فأخذت حربتي فهززتها ورميته فوقعت في خاصرته وخرجت من مثانته فسقط فأتيته فشققت بطنه فأخذت كبده وجئت بها إلى هند فقلت لها : هذه كبد حمزة ، فأخذتْها في فمها فلاكتها فجعلها الله في فيها مثل الداغصة فلفظتْها ورمتْ بها ، فبعث الله ملَكاً فحمله وردّه إلى موضعه .. فقال الصادق (ع) : أبى الله أن يدخل شيئاً من بدن حمزة النار . ص55
المصدر: تفسير القمي ص100
كان عمرو بن قيس قد تأخّر إسلامه ، فلما بلغه أنّ رسول الله (ص) في الحرب أخذ سيفه وترسه وأقبل كالليث العادي يقول : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، ثم خالط القوم فاستشهد ، فمرّ به رجلٌ من الأنصار فرآه صريعاً بين القتلى ، فقال :
يا عمرو !.. وأنت على دينك الأول ؟.. قال :
لا والله ، إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأنّ محمداً رسول الله ، ثم مات ، فقال رجلٌ من أصحاب رسول الله (ص) :
يا رسول الله !.. إنّ عمرو بن قيس قد أسلم وقُتل فهو شهيد ؟.. قال :
إي والله شهيد ، ما رجلٌ لم يصلِّ لله ركعةً دخل الجنة غيرُه . ص56
المصدر: تفسير القمي ص100
كان حنظلة بن أبي عامر رجلٌ من الخزرج ، تزوّج في تلك الليلة التي كانت صبيحتها حرب أُحد ببنت عبد الله بن أُبي بن سلول ، ودخل بها في تلك الليلة ، وأستأذن رسول الله (ص) أن يقيم عندها ، فأنزل الله :
{ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إنّ الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم } ، فأذن له رسول الله (ص) ….
فدخل حنظلة بأهله ووقع عليها ، فأصبح وخرج وهو جنبٌ ، فحضر القتال ، فبعثت امرأته إلى أربعة نفر من الأنصار لما أراد حنظلة أن يخرج من عندها ، وأشهدتْ عليه أنه قد واقعها ، فقيل لها : لِمَ فعلت ذلك ؟.. قالت :
رأيت في هذه الليلة في نومي كأنّ السماء قد انفرجت فوقع فيها حنظلة ثم انضمّت ، فعلمت أنها الشهادة ، فكرهت أن لا أشهد عليه فحملتُ منه .
فلما حضر القتال نظر إلى أبي سفيان على فرس يجول بين العسكر ، فحمل عليه فضرب عرقوب فرسه فاكتسعت الفرس ، وسقط أبو سفيان إلى الأرض وصاح : يا معشر قريش !.. أنا أبو سفيان وهذا حنظلة يريد قتلي ، وعدا أبو سفيان ومرّ حنظلة في طلبه ، فعرض له رجلٌ من المشركين فطعنه فمشى إلى المشرك في طعنه فضربه فقتله ، وسقط حنظلة إلى الأرض بين حمزة وعمرو بن الجموح وعبد الله بن حزام وجماعة من الأنصار ..
فقال رسول الله (ص) : ” رأيت الملائكة تغسّل حنظلة بين السماء والأرض بماء المزن في صحائف من ذهب ” فكان يُسمّى غسيل الملائكة . ص58
المصدر: تفسير القمي ص100
ثم قال رسول الله (ص) : من له علم بعمي حمزة ؟.. فقال له الحارث بن الصمة : أنا أعرف موضعه ، فجاء حتى وقف على حمزة ، فكره أن يرجع إلى رسول الله (ص) فيخبره ، فقال رسول الله (ص) لأمير المؤمنين (ع) : يا علي !.. اطلب عمّك ، فجاء علي (ع) فوقف على حمزة ، فكره أن يرجع إلى رسول الله (ص) ، فجاء رسول الله (ص) حتى وقف عليه ، فلما رأى ما فعل به بكى ، ثم قال :
والله ما وقفت موقفاً قطّ أغيظ عليّ من هذا المكان …. وأمر رسول الله (ص) بالقتلى فجُمعوا فصلّى عليهم ، ودفنهم في مضاجعهم ، وكبّر على حمزة سبعين تكبيرة .. وصاح إبليس بالمدينة : قُتل محمد ، فلم يبقَ أحدٌ من نساء المهاجرين والأنصار إلا وخرج ، وخرجت فاطمة بنت رسول الله (ص) تعدو على قدميها حتى وافت رسول الله (ص) وقعدت بين يديه ، وكان إذا بكى رسول الله (ص) بكت ، وإذا انتحب انتحبت ..
ونادى أبو سفيان : موعدنا وموعدكم في عام قابل فنقتتل ، فقال رسول الله (ص) لأمير المؤمنين (ع) : قل : نعم ، وارتحل رسول الله (ص) ودخل المدينة واستقبلته النساء يولولن ويبكين ، فاستقبلته زينب بنت جحش فقال لها رسول الله (ص) : احتسبي ، فقالت : مَن يا رسول الله ؟!.. قال : أخاك ، قالت : { إنا لله وإنا إليه راجعون } هنيئاً له الشهادة ، ثم قال لها : احتسبي ، قالت : مَن يا رسول الله ؟!.. قال : حمزة بن عبد المطلب ، قالت : { إنا لله وإنا إليه راجعون } هنيئاً له الشهادة ، ثم قال لها : احتسبي ، قالت : مَن يا رسول الله ؟!.. قال : زوجك مصعب بن عمير ، قالت : واحزناه ، فقال رسول الله (ص) : إن للزوج عند المرأة لحدّاً ما لا حدّ مثله ، فقيل لها : لِمَ قلت ذلك في زوجكِ ؟.. قالت : ذكرت يُتم ولده . ص64
المصدر: تفسير القمي ص100
وتآمرت قريش على أن يرجعوا ويغيروا على المدينة ، فقال رسول الله (ص) : أي رجل يأتينا بخبر القوم ؟.. فلم يجبه أحدٌ ، فقال أمير المؤمنين (ع) : أنا آتيكم بخبرهم ، قال : اذهب فإن كانوا ركبوا الخيل ، وجنّبوا الإبل فهم يريدون المدينة ، والله لئن أرادوا المدينة لأنازلّن الله فيهم ( أي أسأله مرة بعد مرة ) ، وإن كانوا ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل فإنهم يريدون مكة .
فمضى أمير المؤمنين (ع) على ما به من الألم والجراحات ، حتى كان قريباً من القوم فرآهم قد ركبوا الإبل وجنّبوا الخيل ، فرجع أمير المؤمنين (ع) إلى رسول الله (ص) فأخبره ، فقال رسول الله (ص) : أرادوا مكة . ص64
المصدر: تفسير القمي ص100
قال الله عزّ وجلّ : { إن يمسسكم قرح } ، فخرجوا على ما بهم من الألم والجراح ، فلما بلغ رسول الله (ص) حمراء الأسد وقريش قد نزلت الروحاء ، قال عكرمة بن أبي جهل والحارث بن هشام وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد : نرجع فنغير على المدينة ، فقد قتلنا سراتهم وكبشهم يعنون حمزة ، فوافاهم رجل خرج من المدينة فسألوه الخبر ، فقال : تركتُ محمداً وأصحابه بحمراء الأسد يطلبونكم أحدّ الطلب .
فقال أبو سفيان : هذا النكد والبغي قد ظفرنا بالقوم وبغينا ، والله ما أفلح قومٌ قطّ بغوا ، فوافاهم نعيم بن مسعود الأشجعي فقال أبو سفيان : أين تريد ؟.. قال : المدينة لأمتار لأهلي طعاماً ، قال : هل لك أن تمرّ بحمراء الأسد ، وتلقى أصحاب محمد ، وتُعلمهم أن حلفاءنا وموالينا قد وافونا من الأحابيش حتى يرجعوا عنا ، ولك عندي عشرة قلائص أملأها تمراً وزبيبا ؟.. قال : نعم ، فوافى من غد ذلك اليوم حمراء الأسد ، فقال لأصحاب رسول الله (ص) : أين تريدون ؟.. قالوا : قريشاً ، قال : ارجعوا فإنّ قريشاً قد اجتمعت إليهم حلفاؤهم ومَن كان تخلّف عنهم ، وما أظن إلا وأوائل خيلهم يطلعون عليكم الساعة ، فقالوا : حسبنا الله ونعم الوكيل ، ما نبالي ..
ونزل جبرائيل على رسول الله (ص) فقال : ارجع يا محمد !.. فإنّ الله قد أرعب قريشاً ومرّوا لا يلوون على شيء ، فرجع رسول الله (ص) إلى المدينة وأنزل الله : { الذين استجابوا لله وللرسول } …. فلما دخلوا المدينة قال أصحاب رسول الله (ص) : ما هذا الذي أصابنا وقد كنت تعدنا النصر ؟.. فأنزل الله تعالى : { أو لما أصابتكم مصيبة } ، وذلك أنّ يوم بدر قُتل من قريش سبعون ، وأُسر منهم سبعون ، وكان الحكم في الأسارى القتل ، فقامت الأنصار إلى رسول الله (ص) فقالوا : يا رسول الله !.. هبهم لنا ولا تقتلهم حتى نفاديهم .
فنزل جبرائيل (ع) فقال : إنّ الله قد أباح لهم الفداء أن يأخذوا من هؤلاء ويطلقوهم على أن يستشهد منهم في عام قابل بقدر ما يأخذون منه الفداء ، فأخبرهم رسول الله (ص) بهذا الشرط ، فقالوا : قد رضينا به ، نأخذ العام الفداء من هؤلاء ونتقوّى به ، ويُقتل منا في عام قابل بعدد مَن نأخذ منهم الفداء ، وندخل الجنة ، فأخذوا منهم الفداء وأطلقوهم ، فلما كان في هذا اليوم وهو يوم أحد قُتل من أصحاب رسول الله (ص) سبعون ، فقالوا :
يا رسول الله !.. ما هذا الذي أصابنا وقد كنتُ تعدنا النصر ؟.. فأنزل الله :
{ أو لما أصابتكم } إلى قوله : { هو من عند أنفسكم } بما اشترطتم يوم بدر . ص66
المصدر: تفسير القمي ص100
لما كان يوم أُحد شُجّ النبي (ص) في وجهه ، وكُسرت رباعيته فقام (ص) رافعاً يديه يقول : إن الله اشتدّ غضبه على اليهود أن قالوا : العزير ابن الله ، واشتدّ غضبه على النصارى أن قالوا : المسيح ابن الله ، وإنّ الله اشتدّ غضبه على مَن أراق دمي ، وآذاني في عترتي . ص71
المصدر: أمالي الطوسي ص88
لما رجع علي بن أبي طالب (ع) من أُحد ، ناول فاطمة سيفه وقال :
أفاطم هاك السيف غير ذميم *** فلست برعديدٍ ولا بلئيمٍ
لعمري لقد أعذرت في نصر أحمد***ومرضاة ربّ بالعباد رحيمٍ
وسُمع يوم أحد وقد هاجت ريح عاصف كلام هاتف يهتف وهو يقول :
لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا عليّ ، فإذا ندبتم هالكاً فابكوا الوفيّ أخا الوفيّ.
المصدر: أمالي الطوسي ص88
بيــان: والمراد بالوفيّ حمزة وهو أخو الوفيّ أبي طالب عليهما السلام . ص72
قال زرارة : ذهبتُ أنا وبكير مع رجل من ولد علي (ع) إلى المشاهد حتى انتهينا إلى أُحد فأرانا قبور الشهداء ، ثم دخل بنا الشعب فمضينا معه ساعة حتى مضينا إلى مسجد هناك ، فقال : إنّ رسول الله (ص) صلّى فيه فصلّينا فيه ، ثم أرانا مكاناً في رأس جبل فقال : إنّ النبي (ص) صعد إليه فكان يكون فيه ماء المطر .
قال زرارة : فوقع في نفسي أنّ رسول الله (ص) لم يصعد إلى ما ثمّ ، فقلت : أما أنا فإني لا أجيء معكم ، أنا نائمٌ ههنا حتى تجيؤا ، فذهب هو وبكير ، ثم انصرفوا وجاؤا إليّ ، فانصرفنا جميعاً حتى إذا كان الغد أتينا أبا جعفر (ع) ، فقال لنا : أين كنتم أمس فإني لم أراكم ؟..
فأخبرناه ووصفنا له المسجد والموضع الذي زعم أنّ النبي (ص) صعد إليه فغسل وجهه فيه ، فقال أبو جعفر (ع) : ما أتى رسول الله (ص) ذلك المكان قط ، فقلت له : يُروى لنا أنه كسرت رباعيته فقال : لا ، قبضه الله سليماً ، ولكنه شُجّ في وجهه ، فبعث علياً فأتاه بماء في حجفة ، فعافه (أي كرهه) رسول الله (ص) أن يشرب منه وغسل وجهه . ص74
المصدر: معاني الأخبارص115
ومن معجزاته (ص) : أنّ رسول الله (ص) انتهى إلى رجل قد فوّق سهماً ليرمي بعض المشركين ، فوضع (ص) يده فوق السهم وقال : ارمه ، فرمى ذلك المشرك به فهرب المشرك من السهم ، وجعل يروغ من السهم يمنةً ويسرةً ، والسهم يتبعه حيثما راغ حتى سقط السهم في رأسه ، فسقط المشرك ميتاً ، فأنزل الله { فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } . ص79
المصدر: الخرائج
كان أبو غّرة الشاعر حضر مع قريش يوم بدر ويحرّض قريشاً بشعره على القتال ، فأُسر في السبعين الذين أُسروا ، فلما وقع الفداء على القوم قال أبو غرة : يا أبا القاسم !.. تعلم أني رجلٌ فقيرٌ فامنن على بناتي ، فقال : إن اطلقك بغير فداء ألا تكثر علينا بعدها ؟.. قال : لا والله ، فعاهده على أن لا يعود .
فلما كان حرب أُحد دعته قريش إلى الخروج معها ليحرّض الناس بشعره على القتال ، فقال إني عاهدت محمداً أن لا أكثر عليه بعد ما منّ عليّ ، قالوا : ليس هذا من ذلك ، إنّ محمدا لا يسلم منا في هذه الدفعة ، فغلبوه على رأيه ، فلم يُؤسر يوم أُحد من قريش غيره .
فقال رسول الله (ص) : ألم تعاهدني ؟.. قال : إنهم غلبوني على رأيي فامنن على بناتي ، قال : ” لا ، تمشي بمكة وتحرك كتفيك وتقول : سخرت من محمد مرتين ” فقال رسول الله (ص) : ” المؤمن لا يلسع من جحر مرتين “) يا علي !.. اضرب عنقه.ص79
المصدر: الخرائج
وجعل أصحاب النبي (ص) يقاتلون عنه ، حتى قُتل منهم سبعون رجلاً ، وثبت أمير المؤمنين (ع) وأبو دجانة وسهل بن حنيف للقوم ، يدفعون عن النبي (ص) فكثر عليهم المشركون ، ففتح رسول الله (ص) عينيه ونظر إلى أمير المؤمنين (ع) وقد كان أغمي عليه مما ناله ، فقال : يا عليّ !.. ما فعل الناس ؟.. فقال : نقضوا العهد ، وولّوا الدبر ، فقال له : فاكفني هؤلاء الذين قد قصدوا قصدي ، فحمل عليهم أمير المؤمنين (ع) فكشفهم . ص83
المصدر: الإرشاد ص39
سمعت عليا (ع) يقول : لما انهزم الناس يوم أُحد عن رسول الله (ص) لحقني من الجزع عليه ما لم يلحقني قطّ ولم أملك نفسي ، وكنت أمامه أضرب بسيفي بين يديه ، فرجعت أطلبه فلم أره فقلت :
ما كان رسول الله (ص) ليفرّ ، وما رأيته في القتلى ، وأظنه رُفع من بيننا إلى السماء ، فكسرت جفن سيفي ، وقلت في نفسي : لأقاتلن به عنه حتى أُقتل ، وحملت على القوم فأفرجوا عني وإذا أنا برسول الله (ص) قد وقع على الأرض مغشياًعليه فقمت على رأسه ، فنظر إليّ فقال : ما صنع الناس يا عليّ ؟!..
فقلت : كفروا يا رسول الله !.. وولّوا الدبر من العدو وأسلموك ، فنظر النبي (ص) إلى كتيبة قد أقبلت إليه فقال لي : ردّ عني يا عليّ هذه الكتيبة ، فحملت عليها أضربها بسيفي يميناً وشمالاً حتى ولّوا الأدبار ، فقال النبي (ص) : أما تسمع يا علي مديحك في السماء ؟!.. إنّ ملكاً يقال له رضوان ينادي : لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا علي ، فبكيت سروراً ، وحمدت الله سبحانه وتعالى على نعمته . ص86
المصدر: الإرشاد ص39
لما انتهت فاطمة (ع) وصفية إلى رسول الله (ص) ، ونظرتا إليه قال لعلي (ع) : أما عمّتي فاحبسها عني ، وأما فاطمة فدعها ، فلما دنت فاطمة (ع) من رسول الله (ص) ورأته قد شُجّ في وجهه ، وأُدمي فوهُ إدماءً ، صاحت وجعلت تمسح الدم ، وتقول : اشتدّ غضب الله على مَن أدمى وجه رسول الله ، وكان يتناول في يده – رسول الله (ص) – ما يسيل من الدم ، فيرميه في الهواء فلا يتراجع منه شيءٌ . ص96
المصدر: إعلام الورى ص52
وكانت امرأة من بني النجار قُتل أبوها وزوجها وأخوها مع رسول الله (ص) فدنت من رسول الله (ص) والمسلمون قيام على رأسه ، فقال لرجل : أحي رسول الله ؟.. قال : نعم ، قالت : استطيع أن أنظر إليه ؟.. قال : نعم ، فاوسعوا لها فدنت منه وقالت : كل مصيبة جلل بعدك ، ثم انصرفت .ص98
المصدر: إعلام الورى ص52
وانصرف رسول (ص) إلى المدينة حين دفن القتلى ، فمرّ بدور بني الأشهل وبني ظفر ، فسمع بكاء النوائح على قتلاهنّ ، فترقرقت عينا رسول الله (ص) وبكى ، ثم قال : لكنّ حمزة لا بواكي له اليوم ، فلما سمعها سعد بن معاذ وأسيد بن حضير قالا : لا تبكينّ امرأة حميمها حتى تأتي فاطمة (ع) فتُسعدها .
فلما سمع رسول الله (ص) الواعية على حمزة – وهو عند فاطمة (ع) على باب المسجد – قال : ارجعْن رحمكّن الله ، فقد آسيتنّ بأنفسكن.ص99
المصدر: إعلام الورى ص52
وقام خيثمة أبو سعد بن خيثمة فقال : لقد أخطأتْني وقعة بدر ، وقد كنت عليها حريصاً ، لقد بلغ من حرصي أن ساهمت ابني في الخروج ، فخرج سهمه فرُزق الشهادة ، وقد رأيت ابني البارحة في النوم في أحسن صورة ، يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ، وهو يقول : الحقْ بنا ترافقنا في الجنة ، فقد وجدت ما وعدني ربي حقّاً ..
وقد والله يا رسول الله ، أصبحت مشتاقاً إلى مرافقته في الجنّة ، وقد كبرت سني ورقّ عظمي وأحببت لقاء ربي ، فادع الله أن يرزقني الشهادة ، فدعا له رسول الله (ص) بذلك فقُتل بأُحد شهيداً . ص125
المصدر: شرح النهج 3/358
فلما سوّى رسول الله (ص) الصفوف بأُحد قام فخطب الناس فقال :
أيها الناس !.. إنه قد قُذف في قلبي أن من كان على حرام فرغب عنه ابتغاء ما عند الله غفر له ذنبه ، ومَن صلّى عليَّ صلّى الله عليه وملائكته عشراً ، ومن أحسن من مسلم أو كافر وقع أجره على الله في عاجل دنياه وفي آجل آخرته ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة ( أي يوم الجمعة ) إلا صبيّاً أو امرأةً أو مريضاً أو عبداً مملوكاً ، ومَن استغنى عنها استغنى الله عنه والله غنيٌّ حميد.
ما أعلم من عملٍ يقرّبكم إلى الله إلا وقد أمرتكم به ، ولا أعلم من عملٍ يقرّبكم إلى النار إلا وقد نهيتكم عنه ، وإنه قد نفث الروح الأمين في روعي أنه لن تموت نفسٌ حتى تستوفي أقصى رزقها لا ينقص منه شيءٌ وإن أبطأ عنها ، فاتقوا الله ربكم ، وأجملوا في طلب الرزق ، ولا يحملنّكم استبطاؤه على أن تطلبوه بمعصية ربكم ، فإنه لن يُقدر على ما عنده إلا بطاعته.
قد بيّن لكم الحلال والحرام غير أنّ بينهما شبهاً من الأمر ، لم يعلمها كثيرٌ من الناس إلا مَن عُصم ، فمَن تركها حفظ عرضه ودينه ، ومَن وقع فيها كان كالراعي إلى جنب الحمى أوشك أن يقع فيه ، وما من ملِك إلا وله حمى ، ألا وأنّ حمى الله محارمه ، والمؤمن من المؤمنين كالرأس من الجسد إذا اشتكى تداعى عليه سائر جسده ، والسلام عليكم . ص127
المصدر: شرح النهج 3/358
وكان مخيريق اليهوديّ من أحبار اليهود ، فقال – يوم السبت – ورسول الله (ص) بأُحد : يا معشر اليهود والله إنّكم لتعلمون أنّ محّمداً نبيّ ، وأنّ نصره عليكم حقّ ، فقالوا : ويحك اليوم يوم السبت ، فقال : لا سبت ، ثمَّ أخذ سلاحه وحضر مع النبيّ (ص) فأُصيب ، فقال رسول الله (ص) : “مخيريق خير يهود” ، وكان قد قال حين خرج إلى أُحد : إن أُصبت فأموالي لمحمد يضعها حيث أراه الله ، فهي عامة صدقات النبي (ص) ..
وكان عمرو بن الجموح رجلاً أعرج ، فلما كان يوم أُحد – وكان له بنون أربعة يشهدون مع النبي (ص) المشاهد أمثال الأسد – أراد قومه أن يحبسوه وقالوا : أنت رجلٌ أعرج ولا حرج عليك وقد ذهب بنوك مع النبي (ص) ، قال :
بخ !.. يذهبون إلى الجنّة وأجلس أنا عندكم ؟.. فقالت هند بنت عمرو بن حرام امرأته : كأني أنظر إليه مولّياً قد أخذ درقته وهو يقول :
اللهم !.. لا تردني إلى أهلي .
فخرج ولحقه بعض قومه يكلّمونه في القعود فأبى وجاء إلى رسول الله (ص) ، فقال : يا رسول الله !.. إنّ قومي يريدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك ، والله إني لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه في الجنّة ، فقال له : أمّا أنت فقد عذرك الله ولا جهاد عليك ، فأبى ، فقال النبي (ص) لقومه وبنيه : ” لا عليكم أن لا تمنعوه ، لعلّ الله يرزقه الشهادة ” فخلّوا عنه فقُتل يومئذ شهيداً .
فحملته هند بعد شهادته وابنها خلاّد وأخاها عبد الله على بعير ، فلما بلغت منقطع الحرّة برك البعير ، فكان كلّما توجهُه إلى المدينة برك ، وإذا وجّهته إلى أُحد أسرع ، فرجعت إلى النبي (ص) فأخبرته بذلك ، فقال (ص) :
إنّ الجمل لمأمورٌ ، هل قال عمرو شيئًا ؟.. قالت : نعم ، إنه لما توجّه إلى أُحد استقبل القبلة ثم قال :
اللهم !.. لا تردّني إلى أهلي وارزقني الشهادة ، فقال (ص) :
” فلذلك الجمل لا يمضي ، إنّ منكم يا معشر الأنصار مَن لو أقسّم على الله لأبرّه ، منهم عمرو بن الجموح .. يا هذه !.. ما زالت الملائكة مُظلّةً على أخيك من لدن قُتل إلى الساعة ، فينظرون أين يُدفن ” ثم مكث رسول الله (ص) في قبرهم ، ثم قال : يا هند !.. قد ترافقوا في الجنة جميعاً : بعلك وابنك وأخوك ، فقالت هند : يا رسول الله !.. فادع لي عسى أن يجعلني معهم . ص131
المصدر: شرح النهج 3/374
قال رسول الله (ص) يوم أحد :” ادفنوا عبدالله بن عمرو ، وعمرو بن الجموح في قبر واحد ” ويُقال : أنهما وجِدا وقد مُثّل بهما كل مُثلة ، قُطِّعت إرابهما عضواً عضواً ، فلا يُعرف أبدانهما ، فقال النبي (ص) : ” ادفنوهما في قبر واحد ” ويقال : إنما دفنهما في قبر واحد لما كان بينهما من الصّفا ، فقال: ” ادفنوا هذين المتحابين في الدنيا في قبر واحد ” فدخل السيل عليهما وكان قبرهما مما يلي السيل فحُفر عنهما وعليهما نمرتان ، وعبد الله قد أصابه جرحٌ في وجهه ، فيده على وجهه فأُميطت يده عن جرحه ، فثعب ( أي سال ) الدم فرُدّت إلى مكانها فسكن الدم ..
قال الواقدي : وكان جابر يقول : رأيته في حفرته كأنه نائمٌ ما تغيّر من حاله قليلٌ ولا كثيرٌ ، فقيل : أفرأيتَ أكفانه ؟.. قال : إنما كُفّن في نمرة خُمّر بها وجهه وعلى رجليه الحرمل ، فوجدنا النمرة كما هي ، والحرمل على رجليه كهيئته ، وبين ذلك وبين دفنه ست وأربعون سنة ، فشاورهم جابر في أن يطيّبه بمسك ، فأبى ذلك أصحاب النبي (ص) وقالوا : لا تحُدِثوا فيهم شيئاً ..
ويقال : أنّ معاوية لما أراد أن يُجري العين التي أحدّثها بالمدينة – وهي كظامة – نادى مناديه بالمدينة : مَن كان له قتيلٌ بأُحد فليشهد ، فخرج الناس إلى قتلاهم فوجدوهم رطابا يتثنون ، فأصابت المسحاة رجْل رجُل منهم ، فثعبت دماً فقال أبو سعيد الخدري : لا ينكر بعد هذا منكر أبداً.ص132
المصدر: شرح النهج 3/358

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى