الجزء التاسع عشر كتاب تاريخ النبي محمد (ص)

باب غزوة بدر الكبرى

{ وينزّل عليكم من السماء ماء } أي مطرا { ليطهّركم به } ، وذلك لأنّ المسلمين قد سبقهم الكفار إلى الماء ، فنزلوا على كثيب رمل ، وأصبحوا محدِثين مجنبين ، وأصابهم الظمأ ، ووسوس إليهم الشيطان ، وقال : إنّ عدوكم قد سبقكم إلى الماء وأنتم تصلّون مع الجنابة والحدث ، وتسوخ أقدامكم في الرمل !..
فمطرهم الله حتى اغتسلوا به من الجنابة ، وتطهّروا به من الحدث ، وتلبّدت به أرضهم ، وأوحلت أرض عدوهم ، { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي وسوسته بما مضى ذكره ، أو الجنابة التي أصابتكم بالاحتلام ، { وليربط على قلوبكم } أي وليشدّ على قلوبكم أي يشجعها ، { ويثّبت به الأقدام } بتلبيد الأرض ، وقيل : بالصبر وقوة القلب.ص223
المصدر: مجمع البيان 4/520
فلما نظرت قريش إلى قلّة أصحاب رسول الله (ص) قال أبو جهل : ما هم إلا أكلة رأس ، لو بعثنا إليهم عبيدنا لأخذوهم أخذاً باليد ، وقال عتبة بن ربيعة : أترى لهم كميناً أو مدداً ؟.. فبعثوا عمر بن وهب الجمحي وكان فارساً شجاعاً ، فجال بفرسه حتى طاف على عسكر رسول الله (ص) ، ثم رجع فقال : ما لهم كمين ولا مدد ، ولكن نواضح يثرب قد حملت الموت الناقع ، أما ترونهم خرسا لا يتكلّمون ، يتلّمظون تلّمظ الأفاعي ، ما لهم ملجأ إلا سيوفهم وما أراهم يولّون حتى يُقتلوا ، ولا يُقتلون حتى يقَتلوا بعددهم ، فارتؤا رأيكم ، فقال له أبو جهل : كذبتَ وجبنتَ .
فأنزل الله سبحانه { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها } ، فبعث إليهم رسول الله (ص) فقال : يا معاشر قريش !.. إني أكره أن أبدأكم ، فخلّوني والعرب وارجعوا .. فقال عتبة : ما ردّ هذا قوم قطّ فأفلحوا ، ثم ركب جملاً له أحمر ، فنظر إليه رسول الله (ص) وهو يجول بين العسكرين وينهى عن القتال ، فقال (ص) : إن يكُ عند أحد خيرٌ فعند صاحب الجمل الأحمر ، وإن يطيعوه يُرشدوا ..
وخطب عتبة فقال في خطبته : يا معاشر قريش !.. أطيعوني اليوم ، واعصوني الدهر ، إنّ محمدا له إلٌّ ( أي عهد ) وذمةٌ ، وهو ابن عمكم فخلّوه والعرب ، فإن يكُ صادقاً فأنتم أعلى عيناً به ، وإن يكُ كاذباً كفتكم ذؤبان العرب أمره ، فغاظ أبا جهل قوله وقال له : جبنتَ وانتفخ سحرك . الخبر .ص224
المصدر: مجمع البيان 4/520
برز حمزة لعتبة ، وبرز عبيدة لشيبة ، وبرز علّي للوليد ، فقتل حمزة عتبة ، وقتل عبيدة شيبة ، وقتل علّي الوليد ، وضرب شيبة رِجلَ عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلّي ، وحمل عبيدةَ حمزةُ وعلّيٌ حتى أتيا به رسول الله (ص) فاستعبر ، فقال : يا رسول الله ألستُ شهيدا ؟!.. قال : بلى أنت أول شهيد من أهل بيتي ، وقال أبو جهل لقريش : لا تعجلوا ولا تبطروا كما بطر ابنا ربيعة ، عليكم بأهل يثرب فاجزروهم جزراً ، وعليكم بقريش فخذوهم أخذاً حتى ندخلهم مكة ، فنعّرفهم ضلالتهم التي هم عليها .
وجاء إبليس في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، فقال لهم : أنا جارٌ لكم ، ادفعوا إليّ رايتكم ، فدفعوا إليهم راية الميسرة وكانت الراية مع بني عبد الدار ، فنظر إليه رسول الله (ص) فقال لأصحابه : غضّوا أبصاركم ، وعضّوا على النواجد ، ورفع يده فقال : يا رب !.. إن تَهلك هذه العصابة لا تُعبد ، ثم أصابه الغشي فسُري عنه ، وهو يسلت (أي يمسح) العرق عن وجهه فقال : هذا جبرائيل قد أتاكم في ألف من الملائكة مردفين .ص226
المصدر: مجمع البيان 4/520
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف ، عن أبيه قال : لقد رأينا يوم بدر وإنّ أحدنا يشير بسيفه إلى المشرك ، فيقع رأسه من جسده قبل أن يصل إليه السيف.ص226
المصدر: مجمع البيان 4/520
قال ابن عباس : حدّثني رجلٌ من بني غفار قال : أقبلتُ أنا وابن عم لي ، حتى صعدنا في جبل يُشرف بنا على بدر ، ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة ( أي الهزيمة ) ، فبينا نحن هناك إذ دنت منا سحابةٌ فسمعنا فيها حمحمة الخيل ، فسمعنا قائلاً يقول : أقدم حيزوم !.. وقال : فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه فمات مكانه ، وأما أنا فكدت أهلك ، ثم تماسكت.ص226
المصدر: مجمع البيان 4/520
قال أبو رافع مولى رسول الله (ص) : كنت غلاماً للعباس بن عبد المطلب وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت ، وأسلمتْ أم الفضل وأسلمتُ ، وكان العباس يهاب قومه ويكره أن يخالفهم وكان يكتم إسلامه ، وكان ذا مال كثير متفرق في قومه ، وكان أبو لهب عدو الله قد تخلّف عن بدر ، وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة ، وكذلك صنعوا لم يتخلّف رجلٌ إلا بعث مكانه رجلاً .
فلما جاء الخبر عن مصاب أصحاب بدر من قريش ، كبته الله وأخزاه ووجدنا في أنفسنا قوةً وعزّاً ، قال : وكنت رجلاً ضعيفاً ، وكنت أعمل القداح أنحتها في حجرة زمزم ، فوالله إني لجالسٌ فيها أنحت القدح وعندي أم الفضل جالسة ، وقد سرّنا ما جاءنا من الخبر إذ أقبل الفاسق أبو لهب يجرّ رجليه حتى جلس على طنب الحجرة ، وكان ظهره إلى ظهري ، فبينا هو جالسٌ إذ قال الناس : هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد قدم .
فقال أبو لهب : هلمّ إليّ يا بن أخي !.. فعندك الخبر ، فجلس إليه والناس قيامٌ عليه ، فقال :
يا بن أخي !.. أخبرني كيف كان أمر الناس ؟.. قال : لا شيء ، والله إن كان إلا أن لقيناهم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا ويأسرونا كيف شاؤا ، وأيم الله مع ذلك ما لمت الناس ، لقينا رجالاً بيضاً على خيل بلقٍ بين السماء والأرض ما تليق شيئاً ولا يقوم لها شيءٌ .
قال أبو رافع : فرفعت طرف الحجرة بيدي ثم قلت : تلك الملائكة ، فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربةً شديدةً فثاورته فاحتملني وضرب بي الأرض ، ثم برك عليّ يضربني وكنت رجلاً ضعيفاً ، فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة ، فأخذته فضربته ضربةً فلقت رأسه شجة منكرة ، وقالت : تستضعفه إن غاب عنه سيده ، فقام مولّياً ذليلاً .
فوالله ما عاش إلا سبع ليالٍ حتى رماه الله بالعدسة ( مرض من جنس الطاعون ) فقتله ، ولقد تركه ابناه ليلتين أو ثلاثة ما يدفنانه حتى أنتن في بيته ، وكانت قريش تتقي العدسة كما يتقي الناس الطاعون ، حتى قال لهما رجلٌ من قريش : ألا تستحيان أنّ أباكما قد أنتن في بيته لا تغيّبانه ؟.. فقالا : إنا نخشى هذه القرحة ، قال : فانطلقا فأنا معكما ، فما غسّلوه إلا قذفا بالماء عليه من بعيد ما يمسّونه ، ثم احتملوه فدفنوه بأعلى مكة إلى جدار ، وقذفوا عليه الحجارة حتى واروه . ص228
المصدر: مجمع البيان 4/520
كان الذي أسر العباس أبا اليسر كعب بن عمرو أخا بني سلمة ، وكان أبو اليسر رجلاً مجموعاً ، وكان العباس رجلاً جسيماً ، فقال رسول الله (ص) لأبي اليسر : كيف أسرت العباس يا أبا اليسر ؟!.. فقال : يا رسول الله (ص) !.. لقد أعانني عليه رجلٌ ما رأيته قبل ذلك ولا بعده ، هيئته كذا وكذا ، فقال : لقد أعانك عليه مَلَكٌ كريم . ص228
المصدر: مجمع البيان 4/520
{وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم } أي حسّنها في نفوسهم ، وذلك أنّ إبليس حسّن لقريش مسيرهم إلى بدر لقتال النبي (ص) ، وقال : { لا غالب لكم اليوم من الناس } أي لا يغلبكم أحدٌ من الناس لكثرة عددكم وقوتكم ، { وإني } مع ذلك { جار لكم } أي ناصرٌ لكم ، ودافعٌ عنكم السوء ، وقيل : معناه وإني عاقدٌ لكم عقد الأمان من عدوكم { فلما تراءت الفئتان } أي التقت الفرقتان { نكص على عقبيه } أي رجع القهقرى منهزماً وراءه .
{ وقال إني برئ منكم إني أرى ما لا ترون } أي رجعت عما كنت ضمنت لكم من الأمان والسلامة ، لأني أرى من الملائكة الذين جاءوا لنصر المسلمين ما لا ترون ، وكان إبليس يعرف الملائكة وهم كانوا لا يعرفونه.ص236
المصدر: مجمع البيان 4/544
بيــان: ورأيت في كلام الشيخ المفيد – رض – أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجنّ ومَن جرى مجراهم على أن يتجمعوا ويعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض حتى يتمكّن الناس من رؤيتهم ، ويتشبّهوا بغيرهم من أنواع الحيوان ، لأنّ أجسامهم من الرّقة على ما يمكن ذلك فيها .
وقد وجدنا الإنسان يجمع الهواء ويفرّقه ، ويغيّر صور الأجسام الرخوة ضروباً من التغيير ، وأعيانها لم تزد ولم تنقص ، وقد استفاض الخبر بأنّ إبليس تراءى لأهل دار الندوة في صورة شيخ من أهل نجد ، وحضر يوم بدر في سورة سراقة ، وأنّ جبرائيل (ع) ظهر لأصحاب رسول الله (ص) في صورة دحية الكلبي ، قال : وغير محال أيضا أن يغيّر الله صورهم ويكشفها في بعض الأحوال فيراهم الناس لضرب من الامتحان. ص238
لما أمسى رسول الله (ص) يوم بدر والناس محبوسون بالوثاق ، بات ساهراً أول الليل ، فقال له أصحابه : ما لك لا تنام ؟.. فقال (ص) : سمعت أنين عمي العباس في وثاقه ، فأطلقوه فسكت فنام رسول الله (ص).ص240
المصدر: مجمع البيان 4/558
ثم أخذ رسول الله (ص) كفّاً من حصى ، فرمى به في وجوه قريش ، وقال : ” شاهت الوجوه ” ، فبعث الله رياحاً تضرب وجوه قريش فكانت الهزيمة ، فقال رسول الله (ص) : اللهم لا يفلتنّ فرعون هذه الأمة أبو جهل بن هشام !.. فقُتل منهم سبعون ، وأُسر منهم سبعون ، والتقى عمرو بن الجموع مع أبي جهل ، فضرب عمرو أبا جهل على فخذه ، وضرب أبو جهل عمروا على يده فأبانها من العضد فعلقت بجلده ، فاتّكا عمرو على يده برجله ثم رمى في السماء فانقطعت الجلدة ، ورمى بيده ، وقال عبد الله بن مسعود : انتهيت إلى أبي جهل وهو يتشحّط في دمه فقلت : الحمد لله الذي أخزاك ، فرفع رأسه فقال : إنما أخزى الله عبد ابن أم عبد ، لمن الدِّين ويلك ؟.. قلت : لله ولرسوله وإني قاتلك ، ووضعت رجلي على عنقه ، فقال : لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا رويعي الغنم أما إنه ليس شيءٌ أشدّ من قتلك إياي في هذا اليوم ، ألا تولّى قتلي رجلٌ من المطلّبيين ، أو رجلٌ من الأحلاف ، فاقتلعت بيضةً كانت على رأسه فقتلته وأخذت رأسه ، وجئت به إلى رسول الله (ص).. فقلت : يا رسول الله !.. البشرى ، هذا رأس أبي جهل بن هشام ، فسجد لله شكراً.ص258
المصدر: تفسير القمي ص236
وأسر أبو بشر الأنصاري العباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب ، وجاء بهما إلى رسول الله (ص) ، فقال له : أعانك عليهما أحدٌ ؟.. قال : نعم ، رجلٌ عليه ثياب بيض ، فقال رسول الله (ص) : ذاك من الملائكة ، ثم قال رسول الله (ص) للعباس : افد نفسك وابن أخيك ، فقال يا رسول الله!.. قد كنت أسلمت ، ولكن القوم استكرهوني ، فقال رسول الله (ص) : الله أعلم بإسلامك ، إن يكن ما تذكر حقاً فإنّ الله يجزيك عليه ، فأما ظاهر أمرك فقد كنت علينا ، ثم قال : يا عباس !.. إنكم خاصمتم الله فخصمكم…. الخبر.ص258
المصدر: تفسير القمي ص236
بعث رسول الله (ص) علياً في غزوة بدر أن يأتيه بالماء حين سكت أصحابه عن إيراده ، فلما أتى القليب وملأ القربة فأخرجها ، جاءت ريحٌ فأهرقته ، ثم عاد إلى القليب وملأ القربة فجاءت ريح فأهرقته ، وهكذا في الثالثة ، فلما كانت الرابعة ملأها فأتى به النبي (ص) وأخبره بخبره ، فقال رسول الله (ص) : أما الريح الأولى: فجبرائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ، والريح الثانية : ميكائيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك ، والريح الثالثة إسرافيل في ألف من الملائكة سلّموا عليك. ص286
المصدر: المناقب 2/79
نهى رسول الله (ص) عن قتل أبي البختري ، وكان قد لبس السلاح بمكة يوماً قبل الهجرة في بعض ما كان ينال النبي (ص) من الأذى ، وقال : لا يعرض اليوم أحدٌ لمحمد بأذى إلا وضعت فيه السلاح ، فشكر ذلك له النبي (ص) .
وقال أبو داود المازني : فلحقته يوم بدر ، فقلت له : إنّ رسول الله (ص) نهى عن قتلك إن أعطيتَ بيدك ، قال : وما تريد إليّ ؟.. إن كان قد نهى عن قتلي فقد كنت أبليته ذلك ، فأما أن أُعطى بيدي فو اللاّت والعزّى لقد علمتْ نسوة بمكة أني لا أُعطى بيدي ، وقد عرفت أنك لا تدعني فافعل الذي تريد ، فرماه أبو داود بسهم ، وقال : اللهم سهمك وأبو البختري عبدك ، فضعه في مقتله !.. وأبو البختري دارع ، ففتق السهم الدرع فقتله.ص303
المصدر: شرح النهج 3/335
قال الباقر (ع) : كان إبليس يوم بدر يقلّل المؤمنين في أعين الكفار ، ويكثّر الكفار في أعين الناس ، فشدّ عليه جبرائيل (ع) بالسيف فهرب منه وهو يقول : يا جبرائيل !.. إني مؤجّل حتى وقع في البحر ، قال زرارة : فقلت لأبي جعفر (ع) : لأي شيء كان يخاف وهو مؤجّل ؟.. قال : يقطع بعض أطرافه . ص305
المصدر: روضة الكافي ص277
قال الصادق (ع) : كأني أنظر إلى القائم (ع) على ظهر النجف ، ركب فرساً أدهم أبلق ما بين عينيه شمراخ ( أي غرّة الفرس إذا دقت وسالت ) ، ثم ينتفض به فرسه ، فلا يبقى أهل بلدة إلا وهم يظنون أنه معهم في بلادهم .
فإذا نشر راية رسول الله (ص) انحطّ عليه ثلاثة عشر ألف ملَك ، وثلاثة عشرَ ملكاً كلهم ينظرون القائم (ع) ، وهم الذين كانوا مع نوح (ع) في السفينة ، والذين كانوا مع إبراهيم (ع) حيث أُلقي في النار ، وكانوا مع عيسى (ع) حين رُفع ، وأربعة آلاف مسوّمين ومردفين ، وثلاثمائة وثلاثة عشر ملَكا ملائكة يوم بدر ، وأربعة آلاف ملك الذين هبطوا يريدون القتال مع الحسين (ع) فلم يُؤذن لهم . ص305
المصدر: إكمال الدين ص377
قال الباقر (ع) في قوله { ولقد كنتم تمنون الموت } : إنّ المؤمنين لما أخبرهم الله عزّ وجل بمنازل شهدائهم يوم بدر من الجنة رغبوا في ذلك ، وقالوا : اللهم!.. أرنا قتالاً نستشهد فيه ، فأراهم الله إياه يوم أُحد ، فلم يثبتوا إلا مَن شاء الله منهم . ص307
المصدر: تفسير القمي ص108
قال علي (ع) : رأيت الخضر (ع) في المنام قبل بدر بليلة ، فقلت له : علّمني شيئاً أُنصر به على الأعداء ، فقال : قل :
” يا هو!.. يا من لا هو إلا هو ” فلما أصبحت قصصتها على رسول الله (ص) فقال لي : يا علّي !.. عُلّمت الاسم الأعظم ، وكان على لساني يوم بدر . ص310
المصدر: التوحيد ص74
كان النبي (ص) ليلة بدر قائماً يصلّي ويبكي ويستعبر ويخشع ويخضع كاستطعام المسكين ، ويقول :
” اللهم!.. أنجز لي ما وعدتني ” ويخرّ ساجداً ويخشع في سجوده ويُكثر التضرّع ، فأوحى الله إليه :
قد أنجزنا وعدك ، وأيدناك بابن عمك عليّ ، ومصارعهم على يديه ، وكفيناك المستهزئين به ، فعلينا فتوكّل ، وعليه فاعتمد ، فأنا خير من تُوكِّل عليه ، وهو أفضل من اعتُمد عليه . ص318
المصدر: كنز الكراجكي ص136
جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية بعد مصاب أهل بدر وهو في الحجْر ، وكان عمير شيطاناً من شياطين قريش ، وكان يؤذي رسول الله (ص) وأصحابه بمكة ، وكان ابنه وهيب بن عمير في أسارى بدر ، فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله ليس في العيش خيرٌ بعدهم ، فقال له عمير : صدقت والله ، أما والله لولا دَينٌ علي ليس له عندي قضاءٌ ، وعِيالٌ أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإنّ لي قِبلهم علّة ، ابني أسير في أيديهم .
فقال صفوان : فعليّ دَينُك أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي ، أُواسيهم أُسوتهم ما بقوا ، قال عمير : فاكتْم عليّ شأني وشأنك ، قال : أفعل ، ثم إنّ عميرا أمر بسيفه فشُحذ له وسُم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فلما دخل على النبي (ص) فقال : أنعموا صباحا .
فقال رسول الله (ص) : قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير !.. بالسلام تحية أهل الجنة ، ما جاء بك يا عمير ؟!.. قال : جئتُ لهذا الأسير الذي في أيديكم فأحسنوا فيه ، قال : فما بال السيف في عنقك ؟..
قال : قبّحها الله من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟.. قال : اصدقني بالذي جئت له ، قال : ما جئت إلا لذلك ، فقال النبي (ص) : بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجْر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دَينٌ عليّ وعليّ عيالي لخرجت حتى أقتل محمدا ، فتحمّل لك صفوان بديَنك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائلٌ بيني وبينك .
فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا نكذّبك ، وهذا أمرٌ لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق ، ثم تشهّد شهادة الحقّ ، فقال رسول الله (ص) : فقّهوا أخاكم في دينه ، وعلّموه القرآن ، وأطلقوا له أسيره ، ففعلوا ، ثم قال : يا رسول الله !.. إني كنت جاهداً في إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وإني أحبّ أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ، لعلّ الله أن يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم.
فأذن له ، فلحق بمكة ، وكان صفوان حين خرج عمير يقول لقريش : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام تُنسيكم وقعة بدر ، وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه ، فحلف أن لا يكلّمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبداً ، فلما قدم مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه ، فأسلم على يديه ناسٌ كثيرة. ص327
المصدر: المنتقى في مولد المصطفى ص113
فلما أصبحوا عدّل رسول الله (ص) الصفوف ، وخطب المسلمين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ” أما بعد : فإني أحثّكم على ما حثّكم الله عليه ، وأنهاكم عمّا نهاكم الله عنه ، فإنّ الله عظيم شأنه يأمر بالحق ، ويحبّ الصدق ، ويعطي على الخير أهله على منازلهم عنده ، به يذكرون ، وبه يتفاضلون ، وإنكم قد أصبحتم بمنزل من منازل الحقّ ، لا يقبل الله فيه من أحد إلا ما ابتغى به وجهه ، وإنّ الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهمّ وينجّي به من الغمّ ، تدركون به النجاة في الآخرة ، فيكم نبي الله يحذّركم ويأمركم ، فاستحيوا اليوم أن يطّلع الله على شيء من أمركم يمقتكم عليه ، فإنه تعالى يقول :
{ لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم } ، انظروا إلى الذي أمَرَكم به من كتابه وأراكم من آياته ، وما أعزّكم به بعد الذلّة ، فاستمسكوا به له يرضَ ربكم عنكم ، وأبلوا ربكم في هذه المواطن أمراً تستوجبوا به الذي وعدكم من رحمته ومغفرته ، فإنّ وعده حقٌّ ، وقوله صدقٌ ، وعقابه شديدٌ ، وإنما أنا وأنتم بالله الحي القيوم ، إليه ألجأنا ظهورنا ، وبه اعتصمنا وعليه توكّلنا ، وإليه المصير ، ويغفر الله لي وللمسلمين”.ص334
المصدر: شرح النهج 3/318
خرج النبي (ص) من العريش إلى الناس فينظر القتال ، فحرّض المسلمين وقال : ” كل امرئ بما أصاب ” وقال :
” والذي نفسي بيده !.. لا يقاتلهم اليوم في حملة ، فيُقتل صابراً محتسباً ، مقبلاً غير مدبر ، إلا أدخله الله الجنة ” فقال عمر بن حمام الجويني وفي يديه تمرات يأكلهن : بخ بخ ، أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء ؟.. ثم قذف التمرات من يده ، وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل . ص 339
المصدر: شرح النهج 3/334
قال عوف لرسول الله (ص) يوم بدر : يا رسول الله !.. ما يُضحك الرب من عبده ؟.. قال : غمسُه يده في العدو حاسرا ، فنزع عوف درعاً كانت عليه ، وقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قُتل . ص339
المصدر: شرح النهج 3/334
بيــان: وضحك الرب تعالى : كناية عن غاية رضاه ، وغمس اليد في العدو : كنايةً عن دخوله بينهم ، وجهده في مقاتلتهم . ص366
وأخذ رسول الله (ص) كفّاً من البطحاء فرماهم بها ، وقال : ” شاهت الوجوه ، اللهم!.. أرعب قلوبهم ، وزلزلْ أقدامهم ” فانهزم المشركون لا يلوون على شيء ، والمسلمون يتبّعونهم يقتلون ويأسرون . ص340
المصدر: شرح النهج 3/334
وأصاب حارثة بن سراقة وهو يكرع في الحوض سهمٌ من المشركين ، فوقع في نحره فمات ، فلقد شرب القوم آخر النهار من دمه ، وبلغ أمه وأخته وهما بالمدينة مقتله ، فقالت أمه : والله لا أبكي عليه حتى يقدم رسول الله (ص) ، فأسأله فإن كان في الجنة لم أبكِ عليه ، وإن كان في النار بكيته لعمر الله فأعولتُه .
فلما قدم رسول الله (ص) من بدر جاءت أمه إليه فقالت : يا رسول الله (ص) قد عرفتَ موضع حارثة من قلبي فأردت أن أبكي عليه ، ثم قلت : لا أفعل حتى أسأل رسول الله (ص) عنه ، فإن كان في الجنة لم أبكه ، وإن كان في النار بكيته فأعولته .
فقال النبي (ص) : هبلتِ ( أي فقدت عقلك ) ، أجنّةٌ واحدةٌ ؟.. إنها جنانٌ كثيرةٌ ، والذي نفسي بيده إنه لفي الفردوس الأعلى ، قالت : لا أبكي عليه أبدا ، ودعا رسول الله (ص) حينئذ بماء في إناء فغمس يده فيه ومضمض فاه ، ثم ناول أم حارثة بن سراقة فشربت ، ثم ناولت ابنتها فشربت ، ثم أمرهما فنضحتا في جيوبهما ثم رجعتا من عند النبي (ص) ، وما بالمدينة امرأتان أقرّ عيناً منهما ولا أسرّ . ص341
المصدر: شرح النهج 3/334
فلما رجعت قريش إلى مكة ، قام فيهم أبو سفيان بن حرب فقال : يا معشر قريش !.. لا تبكوا على قتلاكم ، ولا تنُحْ عليهم نائحةٌ ، ولا يندبهم شاعرٌ ، وأظهِروا الجلد والعزاء ، فإنكم إذا نحتم عليهم نائحة ، وبكيتموهم بالشعر ، أذهب ذلك غيظكم ، فأكلّكم عن عداوة محمد وأصحابه ، مع أنّ محمدا وأصحابه إن بلغهم ذلك شمتوا بكم فتكون أعظم المصيبتين ، ولعلكم تدركون ثأركم ، فالدهن والنساء عليّ حرامٌ حتى أغزو محمدا ، فمكث قريش شهرا لا يبكيهم شاعرٌ ، ولا تنوح عليهم نائحةٌ ، ومشت نساء من قريش إلى هند بنت عتبة فقلن : ألا تبكين على أبيك وأخيك وعمك وأهل بيتك ؟..
فقالت : حلافي أن أبكيهم ، فيبلغ محمدا وأصحابه فيشمتوا بنا ونساء بني الخزرج ، لا والله حتى أثأر محمدا وأصحابه ، والدهن عليّ حرام إن دخل رأسي حتى نغزو محمدا ، والله لو أعلم أنّ الحزن يذهب من قلبي لبكيت ، ولكن لا يذهبه إلا أن أرى ثأري بعيني من قتلة الأحبة ، فمكثت على حالها لا تقرب الدهن ولا قربت فراش أبي سفيان من يوم حلفت حتى كانت وقعة أحد . ص342
المصدر: شرح النهج 3/334
إن كنا لنسمع لإبليس يومئذ خواراً ودعاءً بالثبور والويل ، والتصوّر في صورة سراقة بن جعشم حتى هرب فاقتحم البحر ، ورفع يديه مادّاً لهما يقول : يا رب !.. ما وعدتني ، ولقد كانت قريش بعد ذلك تعيّر سراقة بما صنع يومئذ ، فيقول : والله ما صنعت شيئاً .
فروي عن عمارة الليثي قال : حدثني شيخٌ صياد من الحي كان يومئذ على ساحل البحر قال : سمعت صياحا : يا ويلاه !.. يا ويلاه !.. قد ملأ الوادي ، يا حرباه !.. يا حرباه !.. فنظرت فإذا سراقة بن جعشم فدنوت منه فقلت : ما لك فداك أبي وأمي .. فلم يرجع إليّ شيئاً ، ثم أراه اقتحم البحر ورفع يديه مادّاً يقول : يا رب !.. ما وعدتني ، فقلت في نفسي : جُنّ وبيت الله سراقة ، وذلك حين زاغت الشمس ، وذاك عند انهزامهم يوم بدر . ص343
المصدر: شرح النهج 3/334
قال نوفل بن معاوية : انهزمنا يوم بدر ونحن نسمع كوقع الحصا في الطساس بين أيدينا ومن خلفنا ، فكان ذلك أشدّ الرعب علينا . ص344
المصدر: شرح النهج 3/334
وأمر رسول (ص) يوم بدر بالقليب أن تعوّر ، ثم أمر بالقتلى فطرحوا فيها كلهم إلا أمية بن خلف ، فإنه كان مسمنا انتفخ من يومه ، فلما أرادوا أن يلقوه تزايل لحمه ، فقال النبي (ص) : اتركوه ، فأقرّوه وألقوا عليه من التراب والحجارة ما غيّبه .
ثم وقف على أهل القليب فناداهم رجلاً رجلاً : هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ؟.. فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقاً ، بئس القوم كنتم لنبيكم ، كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني الناس .. فقالوا : يا رسول الله (ص) !.. أتنادي قوماً قد ماتوا ؟.. فقال : لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق .
وفي رواية أخرى : فقال (ص) : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني . ص346
المصدر: شرح النهج 3/334
وروي أنه (ص) صلّ العصر بالأُثيّل ، فلما صلّى ركعةً تبسّم ، فلما سلّم سُئل عن تبسّمه ، فقال : مرّ بي ميكائيل وعلى جناحه النقع فتبسّم إليّ ، وقال : إني كنت في طلب القوم ، وأتاني جبرائيل على فرس أنثى معقود الناصية ، قد عصم ثنيّته الغبار ( أي لزق به ) ، فقال :
يا محمد !.. إنّ ربي بعثني إليك وأمرني أن لا أفارقك حتى ترضى ، فهل رضيت ؟ .. فقلت : نعم.ص347
المصدر: شرح النهج 3/334
هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة ، وبقيت زينب بمكة مع أبي العاص ، فلما سارت قريش إلى بدر سار أبو العاص معهم فأُصيب في الأسرى يوم بدر ، فأُتى به النبي (ص) فكان عنده مع الأسارى .
فلما بعث أهل مكة في فداء أُساراهم بعثت زينب في فداء أبي العاص بعلها بمال ، وكان فيما بعثت به قلادة كانت خديجة أمها أدخلتها بها على أبي العاص ليلة زفافها عليه ، فلما رآها رسول الله (ص) رقّ لها شديدة ، وقال للمسلمين :
إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردّوا عليها ما بعَثَتْ به من الفداء فافعلوا ، فقالوا : نعم يا رسول الله !.. نفديك بأنفسنا وأموالنا ، فردّوا عليها ما بعثت به ، وأطلقوا لها أبا العاص بغير فداء . ص349
المصدر: شرح النهج 3/334
بيــان: قال ابن أبي الحديد : قرأت على النقيب أبي جعفر يحيى بن أبي زيد البصري العلوي هذا الخبر ، فقال : أترى أبا بكر وعمر لم يشهدا هذا المشهد ؟.. أما كان يقتضي التكرم والإحسان أن يُطيّب قلب فاطمة (ع) ويُستوهب لها من المسلمين ؟..
أتقصر منزلتها عند رسول الله (ص) من منزلة زينب أختها وهي سيدة نساء العالمين ؟.. هذا إذا لم يثبت لها حقٌّ لا بالنحلة ولا بالإرث ، فقلت له : فدكَ – بموجب الخبر الذي رواه أبو بكر – قد صار حقّاً من حقوق المسلمين ، فلم يجز له أن يأخذه منهم ، فقال : وفداء أبي العاص قد صار حقّاً من حقوق المسلمين ، وقد أخذه رسول الله (ص) منهم .
فقلت : رسول الله (ص) صاحب الشريعة والحكم حكمه ، وليس أبو بكر كذلك ، فقال : ما قلتُ : هلاّ أخذه أبو بكر من المسلمين قهراً فدفعه إلى فاطمة (ع) ، وإنما قلتُ : هلاّ استنزل المسلمين عنه واستوهب منهم لها كما استوهب رسول الله (ص) فداء أبي العاص ؟.. أتراه لو قال : هذه بنت نبيكم (ص) قد حضرت لطلب هذه النخلات أفتطيبون عنها نفسا ؟.. كانوا منعوها ذلك ؟.. ص350
وتجهزتُ ( أي زينب ) حتى فرغتُ من جهازي ، فحملني أخو بعلي وهو كنانة بن الربيع .. قال محمد بن إسحاق :
قدّم لها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، وخرج بها نهاراً يقود بعيرها وهي في هودج لها ، وتحدّث بذلك الرجال من قريش والنساء وتلاومت في ذلك ، وأشفقت أن تخرج ابنة محمد من بينهم على تلك الحال ، فخرجوا في طلبها سراعاً حتى أدركوها بذي طوى .
فكان أول مَن سبق إليها هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد ، ونافع بن عبد القيس الفهري ، فروّعها هبّار بالرمح وهي في الهودج ، وكانت حاملاً ، فلما رجعت طرحت ذا بطنها ، وكانت من خوفها رأت دماً وهي في الهودج ، فلذلك أباح رسول الله (ص) يوم فتح مكة دم هبّار بن الأسود.ص351
المصدر: شرح النهج 3/334
بيــان: قال ابن أبي الحديد : وهذا الخبر أيضا قرأته على النقيب أبي جعفر فقال : إذا كان رسول الله (ص) أباح دم هبّار لأنه روّع زينب فألقت ما في بطنها ، وظاهر الحال أنه لوكان (ص) حيا لأباح دم من روّع فاطمة (ع) حتى ألقت ذا بطنها ، فقلتُ : أروي عنك ما يقوله قوم : إنّ فاطمة رُوّعت فألقت المحسن ؟.. فقال : لا تروه عني ، ولا تروا عني بطلانه ، فإني متوقفٌ في هذا الموضع لتعارض الأخبار عندي فيه.ص351
=ظاهر أنّ النقيب – رحمه الله – عمل التقية في إظهار الشكّ في ذلك من ابن أبي الحديد أو من غيره ، وإلا فالأمر أوضح من ذلك كما سيأتي في كتاب الفتن . ص351
أقام أبو العاص بمكة على شركه ، وأقامت زينب عند أبيها (ص) بالمدينة قد فرّق بينهما الإسلام حتى إذا كان الفتح ، خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام بمال له وأموال لقريش أبضعوا بها معه ، وكان رجلاً مأموناً .
فلما فرغ من تجارته وأقبل قافلاً لقيتْه سريّة لرسول الله فأصابوا ما معه ، وأعجزهم هو هارباً ، فخرجت السرية بما أصابت من ماله حتى قدمت به على رسول الله (ص) ، وخرج أبو العاص تحت الليل حتى دخل على زينب منزلها فاستجار بها فأجارته ، وإنما جاء في طلب ماله الذي أصابته تلك السرية .
فلما كبّر رسول الله (ص) في صلاة الصبح وكبّر الناس معه صرخت زينب من صفّة النساء : أيها الناس !.. إني قد آجرت أبا العاص بن الربيع ، فصلّى رسول الله (ص) بالناس الصبح ، فلما سلّم من الصلاة أقبل عليهم فقال :
أيها الناس !.. هل سمعتم ما سمعت ؟.. قالوا : نعم ، قال : ” أما والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعتم إنه يجير على الناس أدناهم ” .
ثم انصرف فدخل على ابنته زينب فقال : ” أي بنية أكرمي مثواه ، وأحسني قراه ، ولا يصلنّ إليكِ ، فإنك لا تحلّين له ” ، ثم بعث إلى تلك السرية الذين كانوا أصابوا ماله ، فقال لهم : ” إنّ هذا الرجل منا بحيث علمتم ، وقد أصبتم له مالاً ، فإن تحُسنوا وتردّوا عليه الذي له فإنا نحبّ ذلك ، وإن أبيتم فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم ، وأنتم أحق به ” .
فقالوا : يا رسول الله !.. بل نردّه عليه ، فردّوا عليه ماله ومتاعه ، حتى أنّ الرجل كان يأتي بالحبل ، ويأتي الآخر بالشنّة ( أي السقاء البالي ) ، ويأتي الآخر بالإداوة ( أي المطهرة )، والآخر بالشظاظ ( أي خشبة تدخل في عروة الجوالق ) حتى ردّوا ماله ومتاعه بأسره من عند آخره ، ولم يفقد منه شيئاً .
ثم احتمل إلى مكة ، فلما قدمها أدى إلى كل ذي مال من قريش ماله ممن كان بضع معه بشيء حتى إذا فرغ من ذلك قال لهم : يا معشر قريش !.. هل بقي لأحد منكم عندي مالٌ لم يأخذه ؟.. قالوا : لا ، فجزاك الله خيراً ، لقد وجدناك وفيّاً كريماً ، قال :
فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدا رسول الله ، والله ما منعني من الإسلام عنده إلا تخوفا أن تظنوا أني أردت أن آكل أموالكم وأذهب بها ، فإذا سلّمها الله لكم وأداها إليكم ، فإني أشهدكم أني قد أسلمت واتبعت دين محمد ، ثم خرج سريعاً حتى قدم على رسول الله المدينة . ص354
المصدر: شرح النهج 3/352

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى